غياب المعرفة في كيفية  استعمال ادوات الاجتهاد التطبيقي أبعد الشريعة الاسلامية على أن تكون الحل ومادة الاجتهاد تدرس في كليات الشريعة على انها مادة تاريخ  

الأربعاء 28 نوفمبر 2018
شارك المقال

غياب المعرفة في كيفية  استعمال ادوات الاجتهاد التطبيقي أبعد الشريعة الاسلامية على أن تكون الحل ومادة الاجتهاد تدرس في كليات الشريعة على انها مادة تاريخ  

الشيخ رائد بدير ، عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

تعيش الامة الاسلامية ورطة حقيقية بسبب غياب دور المجتهد التطبيقي، والذي اختفى من الحياة بسبب ضعف المناهج وطرق التدريس،  وتناول العلم على الوجه الصحيح المؤهل بعيدا عن الالقاب الشكلية. اذ باتت القواعد الفقهية والقواعد الاصولية ومسالك العلة والقياس ووسائل الاجتهاد تدرس على انها موروث تاريخي، فما بات امام دارسي العلوم الشرعية الى ان ينقلوا الجزئيات الفرعية التفصيلية التي ذكرها المجتهدون في زمانهم. وغابوا عن الكليات والمبادئ العامة لعدم معرفتهم الاحتكام اليها ، ولان الاحتكام الى المسالة الفرعية يسهل تناوله. الامر الذي يستدعي تسليط الضوء وربما للمساهمة في احياء هذه المعرفة ولو للجيل القادم.

تكلم العلماء عن أهمية الاجتهاد، وتناول الأصوليون موضوع الاجتهاد في كتبهم قديما وحديثا بإسهاب ، وذلك لأهميته ومنزلته وديمومته فالاجتهاد من فروض الكفاية ، حتى لو اشتغل بتحصيله واحد سقط الفرض عن الجميع ، وان قصر فيه أهل عصر عصوا بتركه ، ، ولان لحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد ، ولم يرد في كل حادثة نص، ، والنصوص إذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية ، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى عُلم قطعا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد.

وذكر العلماء ايضا أن من أنواع الاجتهاد ما لا ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف وهو يتعلق بالاجتهاد التطبيقي، حيث أن واقع الأمر أن قضية خلود الشريعة ، وأنها دين الله إلى يوم القيامة لا تصدق دون هذا الاجتهاد القائم على التعقل واصالة الفكر في تفهم نصوصها ومقرراتها وفي تطبيقها على كل ما يجد في الحياة من وقائع ، وما يلم بها من تطور أحدثه الفكر الإنساني. فالاجتهاد القائم على تقرير المصالح المتجددة التي لم يرد فيها نص وهي من التكاثر والتجدد بحيث لا تحصى كثرة ، فالاجتهاد بالرأي في التطبيق قسيم الاجتهاد بالرأي في الاستنباط والتفريع. وتبدو بالغ اهمية  الاجتهاد بالرأي في التطبيق وعظيم أثره وضرورته أن القران الكريم إذ اتخذ في بيانه للأحكام المنهج الكلي لا التفصيلي لذا لزم أن يكون الاجتهاد  بالرأي والتطبيق الواقعي لتلك الكليات على الوقائع الجزئية التي تنتاب المجتمع في كل عصر وبيئة بما يحتف بها من ظروف وملابسات متجددة ومتغايرة لا تنحصر مقترنا هذا الاجتهاد بالتبصر الواعي بمآلات التطبيق ونتائجه المتوقعة ، وتقدير تلك النتائج بميزان المصالح المعتبرة شرعا بحيث يحفظ على الحياة الإنسانية كيانها ، ويوفر لها كل أسباب النمو ، والتقدم والازدهار والمنعة، ويجنبها عوادي الانهيار والتهافت.

إن الحكم التكليفي قبل مرحلة تطبيقه ، وتحقيق مناطه في الجزيئات عام ومجرد، حتى إذا جرى الاجتهاد في تطبيقه على متعلقه من واقعة معينة ، أو شخص معين ، فان تحقق مناطه في كل منهما كان الحكم التطبيقي في هذه الحال مساويا للحكم التكليفي، ولا مراء في أن المجتهد يبذل أقصى طاقاته العلمية في سبيل تحقيق هذه المساواة بين الحكم التكليفي العام المجرد ، وبين الحكم التطبيقي الاجتهادي أو الإفتائي ، على الوقائع المعينة المعروضة ، التي يتعلق بها ذلك الحكم التكليفي العام . ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن ، لأنها مطلقات وعمومات وما يرجع إلى ذلك، منزلات على أفعال مطلقات كذلك ، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة ، وإنما تقع معينة مشخصة ، فلا يكون الحكم عليها إلا بعد المعرفة بان هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام وقد يكون ذلك سهلا وقد لا يكون وكله ذلك اجتهاد.

مثال يوضح الفارق بين معرفة استعمال ادوات الاجتهاد التطبيقي وبين عدم معرفة استعمالها   :

روى البهيقي في سننه عن جابر قال: ” خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فقال لأصحابه:هل تجدون لي رخصة في التيمم ، قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – اخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم ” والملاحظ أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يلتفتوا إلى أي نص آخر غير النص العام  يتعاملون به مع هذه الواقعة ، بل بقي في أذهانهم وعقولهم أن الرجل يقدر على الحركة، وان الماء متوفر موجود ، ولا يمكن التيمم مع استطاعة الرجل ووجود الماء واستندوا إلى الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة وهو قوله تعالى :  ) فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا(سورة النساء 43، وأفتوا بما هو مشهور “إذا حضر الماء بطل التيمم” ، وعلى الرغم من استنادهم إلى أدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة إلا أننا نجد ان الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد غلظ عليهم ، بل ونفى عنهم صفة العلم والصق بهم صفة الجهل ونعتهم به وأرشدهم إلى السؤال قبل الإفتاء وشنع على فتواهم هذه والتي كانت سببا في مقتل الرجل ، حيث أن بقاء حكم الغسل من الجنابة  على ما هو عليه فيما يتعلق بالواقعة الجديدة والتي احتفت بظروف معينة لا يناسب، بل وبسبب تلك الظروف انتقل خطاب الله تعالى المتعلق بالواقعة من الغسل إلى التيمم كما بين ذلك الرسول – صلى الله عليه وسلم – حيث يتناسب حكم التيمم مع  تلك الواقعة ، ويأتي منسجما مع روح الشريعة والإسلامية ومقصدها وذلك بعد النظر والاجتهاد التطبيقي ، حتى لو تعلق الأمر بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة . إن الشريعة الإسلامية وضعت خططا ومناهج تشريعية تضمن أن تجعل الأحكام موصلة إلى غاياتها بعدالة وفق إرادة الشارع ، التي كلفنا تنفيذها وامتثالها اخذين بعين الاعتبار ان إرادة الشارع في أمر من الأمور لا تؤخذ من نص عام واحد فقط مهما كانت قطعية الثبوت والدلالة ، لان هذا النص جزء من كل الشريعة ،فلا يجوز أخذه أو فهمه فيما يناقضها ،لان الأصل الا يتناقض الجزء مع الكل وشرع الله لا تناقض فيه.

ان الفتوى الصادرة في الحديث السابق بعدم اعتبار الظرف وعدم السماح بالرخصة لا يمكن اعتبارها من قبيل الاختلاف الفقهي كونها اعتمدت على اية من كتاب الله أو حديث سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بل هي خلل فقهي واضح تسبب هذا الخلل في مقتل الرجل كما مر مما أثار غضب النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كانت من قبيل الخلاف الفقهي المشروع لكان رد النبي صلى الله عليه وسلم اجتهدوا فأخطئوا ولهم اجر وهذا لم يكن وهذا كله بسبب فقدان ادوات الاجتهاد التطبيقي.

اما المثال عن ادراك تلك الادوات للاجتهاد التطبيقي فقد روى أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا” وفي صحيح البخاري “أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلَا ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ “.

التفت عمرو- رضي الله عنه-  إلى الكليات التي تتحدث عن حفظ النفس وعرف كيف يستعمل الدليل المناسب في المكان المناسب في الظرف المناسب فكانت النتيجة صحيحة سليمة موافقة لإرادة الشارع عز  وجل، حين تعاطى مع الجزئيات مقابل الكليات ومع التحسينيات عند تعارضها مع الضروريات. وكل ذللك يتعلق بالاجتهاد التطبيقي الذي يراعي الحالة فيخرجها من حكم تكليفي الى حكمي تكلفي اخر . إن جواز التيمم بوجود الماء والقدرة على الماء حكم تكليفي اخر وقع تحت مظلة كلية ولو نفذ الحكم التكليفي الاول باستعمال الماء ومات عمرو كما مات الرجل في الحديث الاول لكانت مصيبة، وما كان سبب نشوء الحكم التكليفي الثاني الذي استنمد الى كلية الا عن طريق الاجتهاد التطبيقي.

الامة اليوم في تعاطيها مع الشريعة الاسلامية  تعيش حالة المثال الاول في عدم معرفة استعمال الاجتهاد التطبيقي، وغابت عنها  المعرفة في كيفية  استعمال ادوات الاجتهاد التطبيقي الامر الذي  أبعد الشريعة الاسلامية على أن تكون الحل لجميع الازمات ، وتجاوز جميع العقبات . ومادة الاجتهاد تدرس في كليات الشريعة على انها مادة تاريخ، والفقه يدرس على طريقة المثال الاول الذي غاب عن واقع الحالة عند التطبيق وتعلق بالآية والحديث دون وعي او ادراك لأي بعد او مآل . وما يصح في ظرف وحال الفرد يصح فيما يخص المجتمع والامة.

ان احياء الاجتهاد التطبيقي بات ضرورة وان تعلم مسالكه وادواته وكيفية استعماله في واقعنا المعاصر يجعل من  الشريعة الاسلامية ان تكون الحل.

الحقوق محفوظة لموقع نوازل

 

 

 

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017