فقه” الدليل الشرعي ” تحت حكم الصهيونية(نازلة إسرائيل) في فلسطين المحتلة 1948

 

الشيخ رائد بدير- فلسطين48

 

يحتاج علماء الامة الإسلامية – الا من رحم ربي- الى تنمية الملكة للبحث عن الأدلة الناشئة من الظروف المحتفة بالنوازل، حيث أن الظروف المحيطة بالحادثة أو الواقعة أو النازلة تستدعي أدلة جديدة لانزال الراي الشرعي او الحكم الشرعي عليها لوجود المناسبة التي تنطبق عليها الأدلة التي تم استدعائها من الظروف المحيطة بالحادثة وليس من ظاهر الحادثة، فتدفع هذه الأدلة الدليل العام وتبعده عن الحادثة لعدم وجود المناسبة والتي تبدلت نتيجة الظروف، وادلة الظروف الجديدة في هرمية ترتيب الدليل التكليفي تكون أغلب فيصبح الراي والحكم المستند الى الدليل العام مرجوحا وضعيفا والراي او الحكم المستند الى الظروف المحتفة بالنازلة او الحادثة أقوى وراجحا. أو يكون الدليل العام جزئي مقابل كلي، او كلي مقابل مبدأ عام مستنبط من استقراء الشريعة، من هنا فان ادراك الجزئيات والكليات والفروع والأصول والمبادئ العامة والاطار العام وصور الاحكام التكليفية بكل أنواعها وهرمية ترتيب الضروريات والحاجيات والتحسينات  فادراك هذا وغيره فريضة شرعية حتى يتسنى استدعاء الأدلة الناشئة من الظروف المحتفة لتزاحم الدليل العام من هنا كان لا بد من ” ملكة أصولية فقهية ” و” علم النظر ” لإدراك  المبنى التشريعي للشريعة الإسلامية، والمبنى التشريعي العام  وما يحتويه من مباني جزئية في داخله ،فالصورة الكلية للشريعة الإسلامية ومركباتها الجزئية هي عبارة عن صورة كليه واحدة اذا نظر اليها اكثر من التسبيح من ابداع الخالق في تشريعها،  وهذه الصورة بداخلها صور كثيرة اصغر حجما من الصورة الكلية الكبرى، وداخل هذه الصور صور اصغر حجما ، وهكذا دواليك حتى تصل الى صورة صغيرة جدا جدا داخل الاطار الكلي العام، فاذا نظرت الى هذه الصورة الصغيرة جدا جدا ولوحدها وجدتها صورة مكتملة بحد ذاتها لكنها بالنظر  الى الصور التي اكبر منها ناقصة وهكذا دواليك كل صورة اصغر من التي اكبر منها هي جزء منها وهي ناقصة مستقلة لكنها كاملة بحد ذاتها بالنسبة لما هي اصغر منها وهكذا مبنية  الشريعة الإسلامية فإخراج صورة من المشهد الكلي يبين النقص وتحديد الصورة الصغيرة وجعلها هي المشهد الكلي يظهر التشويه ، وقد انبت واكتملت وتمت ولا نقص فيها ، وابداع المبنى  التشريعي للأحكام مثل  ابداع خلق الانسان او خلق السموات والأرض .

إن الأدلة الناشئة من الظروف المحتفة غير مشمولة في ظاهر الدليل العام المناسب للواقعة المجردة من الظروف الجديدة، وهذه الأدلة الناشئة من الظروف الجديدة تدفع الدليل العام كما شاهدنا في الأمثلة أعلاه، بل تستدعي ادلة أخرى تراعي الظروف الناشئة، وسواء كان الدليل العام يطالب المكلف يقع تحت طلب الفعل او طلب الترك.

نحن نمارس هذا العلم على ارض الواقع في فلسطين المحتلة عام 1948 تحت حكم الصهيونية، نحن فلسطينيون وجزء أصيل وعريق من الشعب الفلسطيني الذي جزأته الاتفاقيات وشتته الظروف حتى بات يُعرف بالأرقام: 1948، 1967، او المواصفات: الداخل، والخارج، والشتات، او الجغرافيا: الضفة وغزة والقدس، او الألوان الخط الأخضر والاحمر او الهندسة: والمثلث او الجهات: الشرقية والغربية …الخ من الجزئيات وما زال مسلسل تجزيء المجزأ يعصف بفلسطين ارضا ووطنا وشعبا الى ما نهاية. وتعتبر هذه حالة نادرة من توصيف وطن وشعب.   إنّ نازلة ” إسرائيل” لن تغيير من اصالتنا او عراقتنا او قوميتنا أي شيء كنا فلسطينيين وسنظل فلسطينيين، وكل ما يتعلق بالجنسية الإسرائيلية[1] التي نحملها ما هي الا نازلة وظرف طارئ نزل بالأمة الإسلامية على وجه العموم وفلسطين على وجه الخصوص، ولن ولم تغيير الجنسية الإسرائيلية التي نحملها من حقيقة هويتنا القومية، ووفق هذا التوصيف نحن لسنا أقلية نحن جزء من الفلسطينيين والذين هم جزء من امة عربية وإسلامية نزلت بها النوازل حتى باتت مفرقة وبعيدة عن الوصف القرآني والنبوي لها.

ووفق هذا التوصيف فنحن لسنا اقلية كأقليات المسلمين الذين يعيشون في دول الغرب او الشرق، التي تحكمها أنظمة غير إسلامية، فلا نظامهم الغير الإسلامي يقاس على ” إسرائيل” ولا شعوبهم ” تقاس على “شعب إسرائيل” ولا المسلمين الذين يعيشون في بلادهم كأقليات يقاسون على الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني 1948 ” وعليه لا يُقاس علينا ولا نقيس أنفسنا على أحد بسبب.  ” إسرائيل” لا يشبهها أي كيان على وجه الأرض من حيث المنشأ والولادة والتواجد الجغرافي وهي في تكييف الفقهاء وتوصيفاتهم مختلفة تماما عن أي نظام غير مسلم آخر. وعليه فكل فقه الأقليات الذي نشأ من عقود في غير بلاد المسلمين من غير ” إسرائيل ” لا نحتكم اليه ولا يحتكم الينا، وانما الاطلاع عليه من باب الثقافة والعلم. ودار الإفتاء لا تصدر فتاواها وفق مقولة ” الأقلية العربية ” ولا تحتكم لفقه الأقليات بالعرف المشهور عند الفقهاء في تعريف فقه الأقليات. وانما وفق ما نفصله في منهجية الإفتاء لاحقا من الاحتكام الى مصادر التشريع الإسلامي ـ بكل أنواعها واقسماها العامة ومصادر خطط طوارئ تشريعية. وعليه لسنا أقليات بالعرف المشهور في تعريف الأقليات من النظرة الفقهية.

نحن لا نستدعي الفتاوى من خارج 1948 ولا نصدرّها ونحترم أي اجتهاد لخصوصية الظرف الزماني والمكاني، ونشخص المرحلة اننا نعيش في زمن باتت الخلافة الراشدة بعيدة المتال، فلا نظام 57 دولة عربية وإسلامية على استعداد لفهم معنى الخلافة لراشدة وتطبيقها تحت راية الإسلام ولا جميع الجماعات والأحزاب والحركات يملكون اليات ووسائل وأساليب ومهارات لتحقيقها وادماجها في شكل الحياة المعاصرة.  فلا الأنظمة ولا الشعوب ولا الجماعات ولا الأحزاب والا الافراد يملكون استراتيجية فهم او تصور يعيد الأمة الى رشدها، ولو عددنا الأسباب وتتبعنا كل من زاويته في عدها لاحتجنا الى قافلة من مائة ناقة لتحمل اسفار الأسباب لفقدان الامة دورها ورشدها. والى حين ان تعود الامة مجتمعة على كلمة واحدة وحدود واحدة وعملة واحدة واقتصاد واحد وجيش واحد تبقى خصوصية الاجتهاد لكل بقعة جغرافية كمرحلة عابرة في تاريخ الامة خصوصية معتبرة.. لذا لا نستورد الفتاوى ولا نصدرها انما نكيفها لواقع فلسطين 1948 وهي موجهه فقط لفلسطيني الداخل 1948. وهذا لا يمنع النظر والمتابعة والاستفادة من كل ما يصدر عن دور الإفتاء والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية والافراد والجماعات والحركات من فتاوى   على مستوى الامة الإسلامية كلها دون استثناء أحد.

 

منذ قيام إسرائيل عام 48 على أرض فلسطين المحتلة التي ما زالت ترزح تحت نير الاحتلال الإسرائيلي لغاية اليوم، والذي أصبح واقعاً استعمارياً في هذه الديار المباركة، وبغياب الحكم الإسلامي في هذه البلاد التي بارك الله تعالى فيها بقوله (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) ([2])، نعيش نحن فلسطينيو 1948 في تركيبة اجتماعية ونفسية لا يمكن أن يستوعبها المسلمون في بقاع الأرض من العرب والأعاجم ممن ليس عندهم العلم والوعي الكافي الوافي بحالتنا، فمعظمهم لا يدركون حقيقة وجودنا الجغرافي وأية جنسية نحمل وما هي العلاقة بيننا وبين اليهود الإسرائيليين، لا يدركون أن يوم السبت تعج مدينة كفر قاسم ومدينة سخنين ومدينة أم الفحم ومدينة الناصرة …الخ بآلاف اليهود الإسرائيليين الذين جاءوا لشراء احتياجاتهم….ولا يدركون أن تل ابيب ونتانيا وهرتصليا – رضينا بهذه التسميات أم لم نرض –وغيرها تعج بعشرات الآلاف من العمال العرب الفلسطينيين الذين سعوا لطلب رزقهم وخاصة في بناء المساكن والعمل في المصانع كما لا يدركون حقيقة من يعيش في اللد والرملة ويافا وعكا وحيفا، ربما تجد في العمارة الواحدة نصف سكانها يهود والنصف الآخر عرب وربما تصل بهم العلاقة إلى ما تفتضيه الأعراف من أحكام الجيران…. أحيانا نأكل معا على مائدة واحدة، وأحيانا نسافر معا في باص من لا يعرف طبيعة حياتنا وموقعنا الجغرافي، فان كان فقهاء الأمة المسلمون والمعتمدون يعتبرون إسرائيل دار حرب أو أية تسمية أخرى، أو يعتبرونها غاصبة لأرض فلسطين، أو محتلة لها، وإن كان بعضهم مع التسوية السلمية على حدود 1967،أو ضد التسوية بل ينادي بالجهاد ضد إسرائيل وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، فإن كل هذه التصورات الفقهية والخلافية لا تقيدنا ولا تكون عقبة امام أي اجتهاد يتعلق بالحياة المعيشية نحن الذين نعيش داخل الخط الاخضر ونحمل الجنسية الإسرائيلية. وليس في العلم الشرعي كبير، إنما الكبير هو العلم بحد ذاته، والتفاوت والتنافس في مقدار تحري الصواب والإصابة والحق والحقيقة في العلم الشرعي، ليس في العلم الشرعي شهوة اختيار أو انتقاء لحاجة في نفس يعقوب، إنما العلم تجرد وقناعة، وليس في العلم اتباع على مهابة وخوف من أحد من الناس إنما العلم دليل وإتباع لدليل، ليس في العلم الشرعي تجاهل أو تزوير أو تدليس أو إخفاء أو نصف اقتباس، إنما العلم الشرعي بيان وحقيقة ووضوح واقتباس كامل، ليس في العلم احتكار للمعرفة والفهم والاجتهاد لأحد من الناس أو لرأي مجموعة علماء أو لمذهب محدد، ليس في العلم ميل وشهوة  لرأي فقهي يلبي أفكار وتوجهات الجهة الداعمة ماديا أو نفسيا أو معنويا للفقيه أو العالم أو طلبة العلم الشرعي، فالعلم الشرعي حاكم وليس محكوم لهوى أحد وسيد لا يمكن لي عنقه ليصبح عبدا لشهوة أحد. لا أحد على وجه البسيطة مهما علت درجته العلمية له الحق في احتكار الرأي ومصادرة آراء الآخرين، أو يحتكر مذهبا ويصادر المذاهب الأخرى.

نحن نعلم علم اليقين  ان الشريعة الإسلامية ليست عاجزة امام المتغيرات والمستجدات مهما كانت نوع تلك المتغيرات وفي كل مجالات الحياة، ونعلم ان في الشريعة الإسلامية اعتبارات للظروف والنوازل والمستجدات  بالفرد والجماعة والأمة، ونعلم أيضا، ان  وظروف تطرأ على مستوى الفرد او الامة ، وقد كتبت كثيرا حول خصوصية الظرف الزماني والمكاني الذي نعيشه تحت حكم الصهيونية لفلسطين المحتلة  وبالتحديد فلسطين 1948، ومنذ سنوات طويلة وانا اكتب فتاوى ومقالات ومؤلفات في كل مجالات حياتنا اليومية تطرقت الى التكييف الفقهي ” لإسرائيل” ، وكيف نشأت، والوصف الفقهي لفلسطين وكتبت حول كثير من القضايا مثل حكم المشاركة في الانتخابات لدخول الكنيست الإسرائيلي، وفي المعاملات المالية والطبية والاحوال الشخصية، السلام والحرب والهدنة وكل ذلك منشور تجده دون عناء في رحلة علمية تزيد عن ثلاثين سنة في صحبة العلماء الاحياء منهم والاموات- رحمهم الله جميعا-  .

وفي كل مرة أعاود النظر في كتب الأصول وصحبة علماء الأصول من الامة الإسلامية أكتشف عظمة الفقه الإسلامي المستند الى أصوله، ولا شك مباحث الاجتهاد بكل أنواعه الاستنباطي والتطبيقي من أهم المباحث في علم الأصول لأنه تعين كوسيلة للنظر والتدقيق في كل مستجدات الحياة ونوازلها من البعثة الى قيام الساعة، وان أهم أدوات الاجتهاد تتعين في القياس وان هم ما في القياس وركنه الأعظم العلة وان ما يجب معرفته في العلة حتى تصل اليها المسالك التي وضعها الاصوليون دون هذا لا يمكن لكائنا من كان ان يتصدر الفتوى في النوازل والمستجدات في كل مجالات الحياة دون استثناء أي مجال منها من نظام الحكم حتى اماطة الأذى عن الطريق.

 

و ما وصلت اليه ان اقرب ما في الفقه الإسلامي لظروفنا الخاصة واقصد فلسطين 1948 ومن يحمل الجنسية الإسرائيلية داخل ما يسمى الخط الأخضر، ما وصلت اليه اننا وبين الإسرائيليين عقد موادعة وبموجب اثار هذا العقد نتعايش مع اليهود الإسرائيليين في كل مجالات الحياة ولا يوجد عالم فقهيه واحد على وجه الأرض لا يراعي ظروفنا، بل كل الفتاوى الصادرة عن علماء الامة الإسلامية في الجهاد والمقاومة والممانعة والتطبيع ومقاطعة البضائع الاسرائيلية وعدم شد الرحال للمسجد الأقصى ..الخ لا تشملنا ولم يقل عالم واحد اننا مطالبون بها  أصلا. ونحن نحتكم الى فقه الاستثناءات وخطط الطوارئ الشرعية والقواعد الفقهية والاصولية التي تتناسب مع واقعنا الظرفي والزماني. ونحتكم الى أصول الفقه ومسالك تعليل الاحكام التي وضعها الاصوليون حينما نفتي في مسالة ما مستخدمين الأدوات الأصولية كمفاتيح لتلك المسالك للوصول الى الحكم وبهذا نحمي أنفسنا من المزاجية او العشوائية وعندها ونعتقد اعتقادا جازما ان الحكم الذي نصل اليه ضمن تلك المسالك الشرعية فان كان من نصل اليه  قد أصاب الحق فهو من عند الله تعالى وان كان غير ذلك فمن انفسنا  ولنا الثواب الثواب والاجر على الاجتهاد الناتج عن مسالكه الصحيحة ، فلا نتناول احكام الاباحة او التحريم او الوجوب عند الفتوى من باب التشهي وهذا ينطبق على من يصل الى نتيجة غير التي نصل اليها فالأصل ان يسير وفق مسالك التعليل للوقوف على مناط الحكم قبل النطق به، فلو اختلفت نتائج الحكم كان الخلاف مشروعا لان الفقيه الاصولي اعتمد مسالك الطريق الى الفتوى الموضوعة للوصول الى الفتوى، اما عدم اعتماد المسالك وتتبع الهوى فهذا امر نهى الشرع عنه ولا اجر عليه، ومسالك التعليل للوصول الى الركن الأعظم    الذي ينبني عليه القياس ، ومدار القياس عليها الا وهو العلة كثيرة، ، لهذا  نبع عند العلماء الاهتمام ببيان الطرق المفضية إليها والدالة عليها ، والتي من خلالها يعرف ما اعتبره الشارع علة للحكم وما لم يعتبره علة له،. وقد اختلف الأصوليون في عدد تلك الطرق فمنهم من عدها عشرة كالرازي مثلا حيث قال : “الطرق الدالة على علية الوصف عشرة : النص ، والإيماء ،  والإجماع ، والمناسبة ، والشبه ، والدوران ، والسبر والتقسيم ، والطرد ، وتنقيح المناط ، وأمور أخرى اعتبرها قوم وهي عندنا ضعيفة “[3]. وعدها الاسنوي تسعة مسالك فقال : “وهي- أي مسالك العلة- تسعة : النص ، والإيماء ، والإجماع ، والمناسبة ، والسنة ، والدوران، والتقسيم ،والطرد وتنقيح المناط”[4] . وقال الشوكاني: “مسالك العلة أحد عشر مسلكا : الإجماع ، والنص ، والإيماء ، والاستدلال والسبر والتقسيم، والمناسبة، والشبه، والطرد ، والدوران ، وتنقيح المناط ، وتحقيق المناط”[5] . فبواسطة هذه الطرق المحصورة يمكن إثبات العلة،

نحن نبحث عن الدليل بمفهومه الشمولي عند الفتوى . ونحن نعيش تحت حكم الصهيونية في ارض فلسطين المباركة، ونجتهد في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية …الخ.. وما يحيطها من ظروف، ونبحث عن الدليل دائما من خلال أي واقعة معروضة امامنا على نهج رسول الله صلى الله عليه ومنهجيته في بيان الدليل بمفهومه الشمولي.

سأضرب أمثلة على الدليل الذي ينبغي أن نبحث عته في عصر النوازل والحال الذي وصلت اليه الامة الإسلامية من فقدان أدنى درجات مستحقات الحياة الكريمة بين الأمم، وأدنى مستحقات حياة الكريمة داخل الامة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم او العلاقة على وجه العموم. نحن بحاجة الى تكوين فقه استثنائي مؤقت للمائة القادمة يجمع ولا يفرق، ويحقن الدماء، فقه فيه يتم ترتيب الأوليات، وفقه يشتمل على الموازنات، فقه أخف الضررين وأهون الشرين، …الخ. وتكمن المشكلة في الوقوف على دليل هذا الفقه عند معظم العلماء – الا من رحم ربي-.لقد تبين ان ناصر الربيع العربي غاب عنه فقه المآلات، والاعتذار بالثورة المضادة عذر أقبح من ذنب، ويدل على سذاجة في تناول الأدلة لدعم الربيع العربي، والاصل ان يتم مراجعات فقهية وفكرية لكل ذلك. وسأكتب عن هذا بعون الله تعالى.

قبل أن اخوض في أعماق أصول الفقه لأبين الطريق الى الدليل الذي اقصده سآتي ببعض النصوص الشرعية، ثم أبين الدليل الذي أعنيه والذي عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم كدليل، وارشد الى منهجية في الوصول الى هذا الدليل العميق.

المثال الأول : أفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن جامع زوجته في نهار رمضان أن يأخذ الكفارة لنفسه حيث  أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :هلكت يا رسول الله قال وما أهلكك؟ قال وقعت على امرأتي في رمضان قال:هل تجد ما تعتق به رقبة؟ قال : لا قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا قال : فهل تجد ما تطعم به ستين مسكينا قال : لا، ثم جلس فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر : فقال تصدق بهذا فقال : أعلى أفقر مني ؟؛ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا ، قال : فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال اذهب فأطعمه اهلك”[6]

أين الدليل الذي استند اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الفتوى؟ وكيف نشأ؟ الدليل نشأ من مستجد في ظروف السائل، بمعنى ان ظروف السائل واحواله صرفت الحكم العام في الكفارة لمن جماع زوجته في نهار رمضان الى دليل اخر خاص لم يشر اليه النص صراحة، فبدل ان يعتق السائل رقبة او يطعم ستين مسكينا او يصوم شهرين، أخذ لنفسه صدقة او الكفارة، وليس لغيره، والتي هي في الأساس كفارة على فعلته، اين دليل كل هذا؟

هذه منهجية في التشريع الإفتائي مصدرها الظروف المستجدة حول الحادثة ، لا مكان للحكم العام عند انزاله على ارض الواقع ، لان نصوص كثيرة تعارضه وهي أقوى منه، هنالك أدلة شرعية أخرى تغلب دليل الكفارة، هذه النصوص الشرعية التي دعت الى عدم التكليف بما لا يطاق ورفع الحرج، لكن الجديد في الفتوى هو انه اخذ الكفارة لنفسه، بمعنى انه تمتع هو وزوجته بنهار رمضان بمتعة محرمة في نهار رمضان،  وهي الاعتداء على حرمة رمضان، ثم حصل على منفعة ماليه يدفع بها عسره المالي، اذن المعطيات الجديدة هي ملحظ جديد لدليل جديد غير العتق والاطعام والصيام، هذه المعطيات الجديدة أتت بدليل جديد يبيح الكفارة او الصدقة لذات الرجل الذي جامع زوجته واعتدى على حرمة نهار رمضان.

السؤال اذن هنالك ادلة أخرى تستدعيها الظروف المحيطة بالأحداث والمتغيرات، والمطلوب من المفتي أن يلتفت اليها ويترك الأدلة العامة كما فعل رسول الله صلى الله عليه فهو تجاوز الدليل العام الى دليل اخر اباح للمعتدي على حرمة الشهر ان يأخذ مالا بسبب ظروفه المادية الصعبة.

اريد أن احدد الدليل الذي يبيح الكفارة لذات الشخص المعتدي على حرمة الشهر؟ اريد ان المسه وان اراه بام عيني؟ هل هو اية قرآنيه؟ ام حديث نبوي علمه الرسول- صلى الله عليه وسلم –  لأصحابه؟ اين هو الدليل؟ الدليل العام لكفارة الجماع في رمضان بين واضح، عتق رقبة او اطعام ستين مسكينا او صيام شهرين هذا العام غير مناسب للمستفتي لصفة العجز عن الثلاثة، فالعجز دفع الدليل العام. اذن الدليل العام عند العجز يتم دفعه.

عند توفر الكفارة او الصدقة فالدليل على ان هنالك جهة أخرى تحملت الكفارة أو الصدقة عن الرجل وهذا مشروع وجائز نهضت الأدلة الجزئية والكلية بذلك بل من المندوبات.

لكن ان يأخذ الرجل تلك الكفارة لنفسه؟ اين الدليل؟ اين الدليل ان يكفر الرجل عن ذنبه بان يتصدق على نفسه، هذا يجهله معظم علماء العصر يجهلون ان هنالك ادلة شرعية تنشأ عند ظروف تدفع الحكم العام، وينشأ عن هذه الظروف ظروف أخرى تستدعي أدلة أخرى، ان تجد الدليل المناسب للظرف المناسب والواقعة المناسبة.

اذن في هذه الواقعة نتحدث عن أربعة أدلة:

  1. دليل عام يوجب الكفارة العتق والاطعام والصيام.
  2. دليل أقوى من الدليل العام دفع تنزيل الدليل العام على الحادثة.
  3. دليل بديل كأحد الحلول للحادثة عن الدليل العام وتنفيذ أحد متطلباته.
  4. دليل أباح الكفارة لنفس الرجل الواقع في الذنب.

الدليل الأول العام وهو مطالبة الرجل بالكفارة، وهو معلوم بظاهر الحديث، اما الدليل الثاني فقد نهضت كل النصوص الشرعية المخففة عند العجز مقابل دليل يلزم المعتدي على حرمة نهار بالجماع بأحد الخيارات الثلاث فمجموع الأدلة المخففة عند العجز المالي او البدني، دفعت الدليل العام، فالعجز من أسباب التخفيف،

اما الدليل الثالث فهو النصوص التي تحدثت عن التعاون والتبرع والتطوع، لتحقيق أحد خيارات الدليل العام وتوفير احدى خياراته من طرف ثالث على جهة التبرع إذا توفر. وهو دليل قوي يفرض الحلول من خارج الواقعة مع البقاء داخل إطار خيارات الكفارة. وهذا ما حصل فعلا حيث ان المورد المالي وفر للرجل كفارة الاطعام تكفيرا عن ذنبه.

واما الدليل الرابع على ان الرجل اخذ الكفارة لنفسه، فهي مجموع النصوص التي اشارت الى الأصناف المستحقة للكفارة او الصدقة فهو لم يخرج من الاستثناء بالرغم أنه كان هو السبب وقوع الذنب.  وبقيت صفة الفقر والعوز والاستحقاق ملازمه له لذا كان من المباح ان يتصدق على نفسه.

هذه أربعة أدلة بعضها من الكليات مقابل الجزئي وبعضها من الجزئيات مقابل الجزئي، هذا هو الطريق الى الفتوى في عصر النوازل سواء كان الامر يتعلق بالأفراد ام المجتمعات ام الامة.

 

المثال الثاني:

حيث روى البهيقي في سننه عن جابر قال: ” خرجنا في سفر فاصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فقال لاصحابه:هل تجدون لي رخصة في التيمم ، قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – اخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم ”  والملاحظ أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يلتفتوا إلى أي نص آخر غير النص العام  يتعاملون به مع هذه الواقعة ، بل بقي في أذهانهم وعقولهم أن الرجل يقدر على الحركة، وان الماء متوفر موجود ، ولا يمكن التيمم مع استطاعة الرجل ووجود الماء واستندوا إلى الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة وهو قوله تعالى :  ) فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا[7](سورة النساء الاية 43، وافتوا بما هو مشهور إذا حضر الماء بطل التيمم ، وعلى الرغم من استنادهم إلى أدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة إلا أننا نجد ان الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد غلظ عليهم ، بل ونفى عنهم صفة العلم والصق بهم صفة الجهل ونعتهم به وأرشدهم إلى السؤال قبل الإفتاء وشنع على فتواهم هذه والتي كانت سببا في مقتل الرجل.

الدليل قتل الرجل ،  استند من افتى الرجل في هذه الواقعة على دليل قتل فيه الرجل الا وهو قوله تعالى ” :  ) فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا(، هنالك عشرات الأدلة الأخرى التي يمكن ان تصرف الدليل العام الى ادلة أخرى نشأت عن طريق الجرح الذي في راس الرجل. لقد استبعدوها فتسببوا في مقتل الرجل. لم يروا امام اعينهم الا الماء والجنابة.

بينما في حديث اخر  أصيب عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ بجنابة من أثر احتلام، فتيمم وصلّى بأصحابه، فلما قدموا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سألهم عن أحوالهم في سريتهم، فأخبروه بما كان من أمر عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ واحتلامه، وتيممه وصلاته من غير اغتسال، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( يا عمرو، صليتَ بأصحابك وأنت جُنب؟!، قال: قلتُ: نعم يا رسول الله، إنِّي احتلمتُ في ليلةٍ باردةٍ شديدةِ البرد، فأشفقتُ إنِ اغتسلتُ أن أَهْلَكَ (أموت)، وذكرتُ قولَ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا )، فتيمَّمتُ ثم صلَّيتُ، فضحكَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يَقُلْ شيئًا[8]

لقد استدعى عمرو بن العاص رضي الله عنه دليلا كليا نتيجة الظرف الذي نزل بهـ استدعاه ودفع به دليل وجوب الغسل عند الجنابة، لقد التفت الى هذا الدليل وانزله على ارض الواقع وعمل به، وقد سال الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صنيع عمرو بن العاص رضي الله عنه لأنه انقدح في اذهانهم الدليل العام البذي يوجب الاغتسال عند الجنابة تمام كما هو الحال مع الصحابة في الحديث الأول لكن عمرو بن العاص رضي الله عنه كان فقيها عالما بكل الأدلة، الأدلة العامة والأدلة التي تصرف الدليل العام نتيجة ظرف الى دليل اخر ينطبق عليها ويكون مناسبا .

المثال الثالث:

عن انس بن مالك رضي الله عنه قال : جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس ، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فاهريق عليه “رواه مسلم  .

والملاحظ في هذه الواقعة أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأعرابي يستمر في ارتكاب للمحظور، بل منع أصحابه ونهاهم عن نهيهم الأعرابي فاين الدليل على ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، اذن هنالك عشرات الأدلة نشأت من الظروف الجديدة عشرات الأدلة تمنع وقوع المفاسد كلها في حال منع الأعرابي من استمراره في ارتكاب المحظور، فبعد وقوع المنهي عنه من جهة هذا الأعرابي ترجح جانب تركه على ما هو عليه درءا للمفاسد التي تترتب على كفه ومنعه. اين الدليل على ترك الاعرابي يستمر في بوله؟ لا يوجد دليل بمفهوم الدليل الساذج عند البعض. والامثلة كثيرة في الشرع الإسلامي.

الوصول الى الدليل الجديد الناشئ من الظروف المحيطة بالواقعة يحتاج الى علم ” تحقيق المناط” وعدم إدراك الفقيه الذي يعيش فقط مع الدليل العام لا يعني عدم وجود هذا العلم

تحقيق المناط لغة

التحقيق في اللغة العربية له معان كثيرة كلها مرتبطة ببعضها بعضا منها ما قاله ابن منظور في لسان العرب : ” يقال حق الأمر يحق حقا وحقوقا : صار حقا وثبت ، واحق الأمر أثبته وصار عنده حقا لا يشك فيه، ويقال : حقق الرجل إذا قال هذا الشيء هو الحق كقولك صدق ، ويقال أحققت الأمر إحقاقا إذا أحكمته وصححته ، وحقق قوله وظنه تحقيقا أي صدق ، وكلام محقق أي رصين ، والحقّة : حقيقة الأمر ، وثوب محقق إذا كان محكم النسج ، وأنا حقيق على كذا أي حريص عليه”[9]. وجاء في مختار الصحاح : ” أحق الشيء حققه وصار منه على يقين ، وأحقه غيره أوجبه واستحقه أي استوجبه ، وتحقق عنده الخبر أي صح عنده الخبر، وحقق قوله وظنه تحقيقا أي صدقه”[10] .

ونلحظ من خلال التعريف اللغوي أن لفظ التحقيق يشتمل على معان عديدة منها الثبات والتثبيت، والإحكام والحرص والتصحيح ، فنقول مثلا كتاب محقق أو هذا الكتاب محقق وقد حققه فلان، أي أن فلان نظر في هذا الكتاب وصحح ما فيه من أخطاء وثبت ما فيه من معلومات ، وأشار إلى ما ليس له اصل مما وضع في الكتاب حتى اصبح الكتاب محققا ، ويقال  مثلا تحققت وفاة فلان أي صحت وفاة فلان ، والمحقق هو الذي يحاول الوصول إلى المعلومات الصحيحة وتحري الحقيقة، ونلاحظ أن هذه المعاني كلها مجتمعة قريبة من بعضها ، وأن بينها صلة  وأيضا قريبة  من المعنى   الاصطلاحي لتحقيق المناط

تحقيق المناط في الاصطلاح

تقاربت تعريفات علماء الأصول لتحقيق المناط في اصطلاحهم على خلاف ما مر في تنقيح المناط ، ولعل أهم أسباب ذلك التقارب ، هو اتفاقهم على هذا النوع من أنواع الاجتهاد والنظر في العلة يقول التفتازاني : ” ولا يعرف خلاف في صحة الاحتجاج  به –أي تحقيق المناط- إذا كانت العلة معلومة بنص أو إجماع “[11] ، ويقول الغزالي : ” أما الاجتهاد في تحقيق مناط الحكم فلا نعرف خلافا بين الأمة في جوازه ، وهو ضرورة كل شريعة “[12] . وقد عرفه الآمدي بقوله: ” أما تحقيق المناط فهو النظر في معرفة وجود العلة في أحاد الصور ، بعد معرفتها في نفسها ، أما إذا كانت معروفة بالنص ، فكما في جهة القبلة فإنها مناط وجوب استقبالها، وكون هذه الجهة هي جهة القبلة في حالة الاشتباه فمظنون بالاجتهاد والنظر ، وأما إذا كانت العلة معلومة بالإجماع  فكالعدالة فإنها مناط وجوب قبول الشهادة ، وهي معلومة بالإجماع، وأما كون الشخص عدلا فمظنون بالاجتهاد ، وأما إذا كانت مظنونة بالاستنباط ، فكالشدة المطربة ، فإنها مناط تحريم الشرب في الخمر ، فالنظر في معرفتها في النبيذ هو تحقيق المناط . “[13]، وذكر الزركشي تعريفه لتحقيق المناط قائلا : ” أما تحقيق المناط فهو أن يتفق على علية وصف بنص أو إجماع ، فيجتهد في وجودها في صورة النزاع ،كتحقيق أن النباش سارق، وكأن يعلم وجوب الصلاة إلى جهة القبلة ، ولكن لا يدرك جهتها إلا بنوع نظر واجتهاد” [14]. وذكر ابن السبكي تعريفه بقوله : “وأما تحقيق المناط فهو أن يتفق على علية وصف بنص أو إجماع ويجتهد وجودها في صورة النزاع كالاجتهاد في تعيين الإمام وكذا تعيين القضاة والولاة وكذا في تقدير التعزيزات وتقدير الكفاية في نفقة القريب وإيجاب المثل في قيم المتلفات وأروش الجنايات وطلب المثل  في أجزاء الصيد”[15].  وقال ابن قدامة : “وأما تحقيق المناط فنوعان: أحدهما لا نعرف في جوازه خلافا ، ومعناه ان تكون القاعدة الكلية متفقا عليها ، أو منصوصا عليها ويجتهد في تحقيقها في الفرع ، كالاجتهاد في القبلة ، فوجوب التوجه إلى القبلة معلوم بالنص ، أما أن هذه جهة القبلة فيعلم بالاجتهاد ، والثاني :ما عرف علة الحكم فيه بنص أو إجماع ، فيبين المجتهد وجودها في الفرع باجتهاده مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الهر: “إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات “[16]  ، جعل الطواف علة فبين المجتهد باجتهاده وجود الطواف في الحشرات من الفارة وغيرها ليلحقها بالهر في الطهارة “[17] . ويرى الدريني أن تحقيق المناط هو :  ” إثبات مضمون القاعدة العامة ، أو الأصل الكلي ، أو العلة في الجزئيات إبان التطبيق ، بشرط أن يكون كل من المضمون والعلة متفقا عليه ، فهو ضرب من الاجتهاد بالرأي في التطبيق الذي لا يمكن أن ينقطع حتى فناء الدنيا ، وبيان ذلك أن تطبيق كل من القاعدة العامة ، أو الأصل اللفظي العام ، أو الأصل المعنوي العام ، المتفق على حجية كل أولئك بين الأئمة والمجتهدين على الجزئيات والفروع المستجدة أو المعروضة ، إذا تحقق معناه فيها كملا والمجتهد والفقيه هو الذي يثبت هذا التحقيق والحصول بالبحث والاجتهاد كما يشمل مفهومه أيضا، إثبات وجود علة حكم النص الجزئي المتفق عليها في ذاتها  في الفرع ، الذي لم يرد فيه نص أبان إجراء القياس الأصولي ،سواء أكانت تعرف تلك العلة في ذاتها ، عن طريق النص الشرعي أو الإجماع أو الاستنباط” [18].  ويرى الشاطبي أن تحقيق المناط نوع من أنواع الاجتهاد المتعلق بالمكلفين كافة ولا يمكن أن ينقطع إلى قيام الساعة حيث يقول : “الاجتهاد على ضربين أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف ، وذلك عند قيام الساعة ، وهذا اجتهاد المتعلق بتحقيق المناط وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله”[19] .

يظهر من تعريفات الأصوليين أعلاه أن تحقيق المناط نوعان ، نوع عام ، ونوع خاص ، وسنفرد لكل واحد من النوعين مطلبا خاصا به ، والملاحظ أيضا من خلال جميع التعريفات السابقة أنها تصب في معنى واحد ومتشابه جدا ، وحاصلها التحقيق من وجود مناط الحكم في الواقعة المحكوم فيها أو عدم وجوده ، أو بمفهوم آخر البحث عن وجود وصف اعتبره الشرع علة للحكم فيما هو منصوص عليه في الواقعة الجديدة غير المنصوص عليها ، وهو بهذا ضرب من الاجتهاد التطبيقي للقواعد العامة أو الأصول الكلية أو للعلة في الجزئيات ، وقد لمسنا من خلال التعريف أن هذا الضرب من الاجتهاد ضرورة  لكل شريعة وقانون ، وانه لا ينقطع مهما تبدل الزمان وتغيرت الأحوال ، بل هو حاجة الولاة والائمة والفقهاء ، يقول د.عبد المجيد النجار: “ولما كانت الأحكام المراد تنزيلها أحكاما كلية عامة تتناول أجناس الأفعال والأنواع بحيث لا تسع أفعال الإنسان في تعددها لتعدد الأفراد ، وفي   تغايرها وتجددها بتجدد الزمن ، فان إرجاع هذه الأفراد من الأفعال المتعددة الكثيرة المتغايرة المتجددة إلى تلك الأحكام الكلية العامة لتوجهها، بما يحقق المصلحة ويستلزم جهدا عقليا عظيما متعدد المظاهر متحد الغاية ، وذلك الجهد هو الاجتهاد في التنزيل الذي سماه الشاطبي الاجتهاد لتحقيق المناط”[20] .

والملاحظ من ذلك أن الوظيفة الأساسية لتحقيق المناط هي ضمان تحقيق العدل والعدالة عند إنزال الأحكام سواء كانت عامة تتعلق بالأنواع أو خاصة تتعلق بالأشخاص ، والغرض الأساسي لتحقيق المناط أن ينظر في الصور العملية لافعال الناس وملاءمة تلك الصور بعد الفحص والنظر والأخذ بالاعتبار حتى حالة المكلف نفسه وما يصدر عنه من تصرفات في حالات معينة، والنظر في آثار تلك التصرفات وغايتها ليرجع كل نوع من تلك الأنواع أو تصرف من تلك التصرفات إلى جنسه في الشريعة فيشمله حكمه . وهذه الوظيفة تستلزم جهدا عقليا عظيما تماما كعملية تشخيص المرض لاختيار العلاج المناسب ، والغاية الكبرى من كل هذا هو تحقيق المصلحة التي توخاها الشرع عند تنزيله للشريعة ، ولأهمية قاعدة تحقيق المناط العظمى قال الخضري : ” إن تحقيق المناط لا يستغني عنه فقيه ولا عامي”[21].

أصل قاعدة تحقيق المناط

مر معنا في أن تحقيق المناط كما قال الشيخ الخضري رحمه الله لا يستغني عنه فقيه ولا عامي ومر معنا انه ضرورة لكل شريعة، وهو نوع من أنواع الاجتهاد بالرأي في التطبيق الذي لا ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف ، يقول الدريني : ” إن مبدأ تحقيق المناط الثابت بإجماع الأصوليين والفقهاء ، – وهو مقتضى للتشريع نفسه –  لا يقل عن الاجتهاد بالرأي فيه ، خطرا واثرا ، عن الاجتهاد بالرأي في الاستنباط ،  إذ تتعلق بالتطبيق العملي ثمرات التشريع الإسلامي كله ، بل ومقصد الشارع من إنزال الشريعة لتدبير الحياة الإنسانية على وجه الأرض ، وإلا فاستنباط الأحكام نظريا لا يغني عن تطبيقها عمليا، واجتناء ثمراتها في مواقع الوجود “[22] . أما قصد الشارع من إنزال الشريعة فيقول الشاطبي : ” والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراءً لا ينازع فيه الرازي ، ولا غيره”[23] . ويقول د.حامد العالم : “وما من حكم شرعي إلا وهو يحقق مصلحة أساسها المحافظة على النفس أو العقل أو الدين أو النسل أو المال ، وان هذا يبدو من الشريعة في جملة مقاصدها ، ولا يمكن أن يكون حكم شرعي إلا هو متجه إلى ناحية من هذه النواحي”[24] . إذن الهدف والغاية من إنزال الشريعة الإسلامية هو تحقيق مصلحة الإنسان وخيره في الدنيا والآخرة ، وان كل نص من نصوص الشريعة الإسلامية يحمل بين ثناياه مصلحة تتحقق فور تنفيذه أو العمل به، وقاعدة تحقيق المناط هي بمثابة شبكة الأمان التي تضمن تحقيق المصلحة المنشودة عند تطبيق الأحكام الشرعية، وهي بمثابة الموجه الذي لا يمكن لاحد أن يستغني عنه عند تطبيق الأحكام ، فالأحكام الشرعية ما هي إلا وسائل لغايات ، والغاية الكبرى من هذه الوسائل هو تحقيق مصلحة الإنسان ولهذا قال د. علي السرطأوي : “تتميز المشروعية الإسلامية عن القانون الوضعي في أنها لا تكتفي فقط بمعيار الصحة والبطلان ، للحكم على التصرفات بل نجدها تنقل حكم التصرف من الإباحة إلى الندب ثم إلى الوجوب ، ومن الإباحة إلى الكراهة فالتحريم “[25] . وهذا الحكم على التصرف وتدرجه بداية من الوجوب انتهاءً إلى التحريم إنما يؤكد أن  الأحكام الشرعية ما هي إلا وسائل لغايات، ولا يتم التحقق من أن الحكم المرتبط بغاية وهدف يحقق المقصود من تشريعه ابتداء إلا بعد النظر والتدقيق عند تطبيقه ، لذا أنشأت الشريعة الإسلامية نوع من أنواع النظر والاجتهاد يضمن تحقيق المصلحة المقصودة من تشريع الأحكام وهذا النوع هو قاعدة تحقيق المناط يقول الشاطبي : “لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد ، كانت الأعمال معتبرة بذلك لانه مقصود الشارع منها ، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على اصل المشروعية فلا إشكال ، وان كان الظاهر موافقا ، والمصلحة مخالفة ، فالفعل غير صحيح وغير مشروع ، لان الأعمال الشرعية ليست مقصودة بنفسها وإنما قصد بها أمور أخرى هي معانيها وهي المصالح التي شرعت لاجلها ،فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع ، فليس على وضع المشروعات “[26] . ويضيف الأستاذ  الدريني شارحا هذا الكلام : “الشريعة الإسلامية لم تشرع الحقوق وما تستلزم من أعمال كغايات ، حتى يكون صاحبها مطلق التصرف فيها، بل شرعت كوسائل لتطبيق مصالح ، ووضعت الحقوق في يد الفرد لهذا الغرض، وبذلك اصبح كل حق في الشرع مقيدا بغايته، والانحراف عن هذه الغاية التعسف بعينه”[27] . ووجه إيراد هذا الكلام لنبين أن قاعدة تحقيق المناط هي وسيلة الكشف والنظر والتمحيص للحكم على التصرفات لتظهر أهي موافقة للشرع نصا وروحا ،منطوقا ومنطقا بداية وغاية ام لا؟ ولهذا انشأت هذه القاعدة الجليلة وأنيطت   بها تلك المهمة ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: ” لفظ الربا يتناول كل ما نهي عنه من ربا النسأ وربا الفضل، والقرض الذي يجر منفعة متناول لهذا كله ، لكن يحتاج في معرفة دخول الأنواع والأعيان في النص إلى ما يستدل به على ذلك ، وهذا الذي يسمى : تحقيق المناط  “[28]. وقال أيضا : ” كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال : ” لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر”[29]. وعمل بهذا أهل الحديث ومتابعوهم فنهى عن بذل المال في المسابقة إلا في مسابقة يستعان بها على الجهاد ، الذي هو طاعة لله عز وجل ، فكيف يجوز أن يبذل الجعل لمن يعمل دائما عملا ليس طاعة لله تعالى ،وهذه قاعدة معروفة عند العلماء : لكن قد تختلف أراء الناس وأهواؤهم في بعض ذلك ، ولا يمكن هنا تفصيل هذه الجملة ولكن من له هداية من الله تعالى لا يكاد يخفى عليه المقصود من غالب الأمر، وتسمي العلماء مثل هذه الأصول تحقيق المناط”[30].

والمقصود من المثال أن العلماء متفقون أن يبذل الجعل في مسابقة يستعان بها على الجهاد، والجهاد هو طاعة لله تعالى إلا انهم يختلفون في صرف الجعل في إعمال تكون طاعة لله عز وجل ، والتي يمكن أن نعدها نوعا من أنواع الجهاد كالجهاد بالقلم أو الجهاد باللسان كالدعوة إلى الله عز وجل ، أو أن يصرف الجعل لأي عمل من الأعمال الدالة على البر وفعل الخير وهذا كله يختلف الناس فيه . بمعنى آخر قد يختلف العلماء في نوع العمل هل تتحقق فيه معاني الجهاد التي صرف الجعل لها أم لا ؟ حيث أن العلماء تسمي مثل هذا التحقق تحقيق المناط . بعد بيان اصل هذه القاعدة وبيان المهمة التي أنيطت بها لا بد أن نذكر أن جميع الخطط التشريعية والتي عنيت بتحقيق المصلحة والغاية من وراء إنزال الشريعة بحيث لا يعود تطبيق الحكم على عكس ما قصد منه عند تشريعه ، بل تبقى الغاية المتواخاه عند تطبيقه ثابتة لا تتغير ولا تتبدل ، جميع تلك الخطط التشريعية تندرج تحت هذه القاعدة العظيمة ، يقول الأستاذ الدريني : ” إن منشأ تحقيق المناط الخاص هو-كما قال الشاطبي-اصل النظر في مآلات الأفعال ، وتأسيسا على ذلك يندرج في هذه القاعدة مبدأ سد الذرائع ومبدأ فتح الذرائع والتعسف في استعمال الحق ومبدأ الاستحسان”[31] . كل مبدأ من هذه المبادئ تمثل خطة تشريعية تطبيقية هامة في حياة الأمة الإسلامية بكافة أشكالها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية على مستوى الأمة أو قطر منها شعوبا وأفرادا ، وهذه المبادئ التي تندرج تحت قاعدة تحقيق المناط إنما هي على سبيل المثال لا الحصر وقد أفردنا فصلا كاملا نتـناول فيه بعض الخطط التشريعية التي تفرعت على قاعدة تحقيق المناط وسيأتي معنا في الفصل القادم إن شاء الله .

اثر تحقيق المناط على الحكم التكليفي

كنا قد انتهينا أن اصل قاعدة تحقيق المناط ومهمتها التحقق من جني الثمرات من وراء إنزال الشريعة، وضمان أن الأحكام الشرعية موصلة إلى غاياتها والتي هي مصالح العباد كما أشار ابن القيم إلى أساس بناء الشريعة والغاية منها فقال : ” إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ، ورحمة كلها، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسالة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة وان أدخلت فيها بالتأويل”[32] . ويمكن القول بعد النظر في عبارات ابن القيم ، أن الشريعة وضعت وبنيت على مصالح العباد لتحقيق العدل والعدالة ، فما من حكم تكليفي إلا من وراء تشريعه مصلحة وعدل ورحمة، فإذا خرج عن ذلك اصبح لا يمت إلى الشريعة بصلة ، وكان بعيدا كل البعد عن الشريعة، والمقصود بالحكم التكليفي كما ذكره البيانوني : ” اثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد طلبا أو تخييرا”[33] . فالأحكام الشرعية التكليفية مرتبطة بغاياتها ، والهدف من اتباع تلك الأحكام أو تطبيقها والعمل بها الوصول إلى مراد الشارع منها ، وقد يتأثر الحكم الشرعي في الواقعة المعروف أنها مندرجة تحته والأصل أن ينزل على تلك الواقعة المعينة إلا انه يصار إلى غيره بحيث لو بقي على ما كان عليه لخرجت تلك المسالة عن العدل إلى الجور وعن المصلحة إلى ضدها وقد نقل الأستاذ الزرقاء قول العلامة ابن عابدين ” كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو لفساد  أهل الزمان ، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه للزم منه المشقة ، والضرر بالناس ، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد”[34].  وقد أكد الأستاذ الزرقاء رحمه الله ذلك بقوله: ” إن الأحكام الشرعية التي أسسها الاجتهاد في ظروف مختلفة عن الظروف الجديدة غير صالحة لتحقيق الغاية الشرعية من تطبيقها، فيجب أن تتغير إلى الشكل الذي يتناسب مع الأوضاع القائمة ، ويحقق الغاية الشرعية من الحكم الأصلي ، وذلك نظير السفينة الشراعية التي تقصد اتجاها معينا في ريح شمالية مثلا ، فان شراعها يقام على شكل يسير بالسفينة في الاتجاه المطلوب ، فإذا انحرف مهب الريح وجب تعديل وضع الشراع إلى شكل يضمن سير السفينة في اتجاهها المقصود ، وإلا انحرفت أو توقفت” [35].

وقد عقب د. علي السرطأوي على هذا المثال الرائع مبينا وشارحا من بيده صلاحية وسلطة التغيير قائلا : “وسلطة التغيير والتطوير هذه جعلتها الشريعة في يد العلماء وولاة الأمر لذا نجد المفتي الذي ينظر في حال كل شخص وفي كل واقعة بعينها ، ناظرا في طبيعة الشخص وقدرته، وما احتف الواقعة من ظروف ، ثم يعطي الحكم الشرعي المناسب الذي يكون محققا لمقصود الشارع”[36].  وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم-المرشد الأول لهذا المنهاج الصحيح والذي يعني بالفتوى ويحث المفتي على النظر والاجتهاد عند إنزال الفتوى على الواقعة المعروضة-تحقيق المناط-  ، حيث روى البهيقي في سننه عن جابر قال: ” خرجنا في سفر فاصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فقال لاصحابه:هل تجدون لي رخصة في التيمم ، قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – اخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم “[37] .

والملاحظ أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يلتفتوا إلى أي نص آخر غير النص العام  يتعاملون به مع هذه الواقعة ، بل بقي في أذهانهم وعقولهم أن الرجل يقدر على الحركة، وان الماء متوفر موجود ، ولا يمكن التيمم مع استطاعة الرجل ووجود الماء واستندوا إلى الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة وهو قوله تعالى :  ) فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا([38] ، وافتوا بما هو مشهور إذا حضر الماء بطل التيمم ، وعلى الرغم من استنادهم إلى أدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة إلا أننا نجد ان الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد غلظ عليهم ، بل ونفى عنهم صفة العلم والصق بهم صفة الجهل ونعتهم به وأرشدهم إلى السؤال قبل الإفتاء وشنع على فتواهم هذه والتي كانت سببا في مقتل الرجل ، حيث أن بقاء حكم الغسل من الجنابة  على ما هو عليه فيما يتعلق بالواقعة الجديدة والتي احتفت بظروف معينة لا يناسب، بل وبسبب تلك الظروف انتقل خطاب الله تعالى المتعلق بالواقعة من الغسل إلى التيمم كما بين ذلك الرسول – صلى الله عليه وسلم – حيث يتناسب حكم التيمم مع  تلك الواقعة ، ويأتي منسجما مع روح الشريعة والإسلامية ومقصدها وذلك بعد النظر والاجتهاد ، حتى لو تعلق الأمر بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة وبهذا الصدد يقول د. علي السرطاوي : ” إن الشريعة الإسلامية وضعت خططا ومناهج تشريعية تضمن أن تجعل الأحكام موصلة إلى غاياتها بعدالة وفق إرادة الشارع ، التي كلفنا تنفيذها وامتثالها اخذين بعين الاعتبار ان إرادة الشارع في أمر من الأمور لا تؤخذ من نص عام واحد فقط مهما كانت قطعية الثبوت والدلالة ، لان هذا النص جزء من كل الشريعة ،فلا يجوز أخذه أو فهمه فيما يناقضها ،لان الأصل الا يتناقض الجزء مع الكل وشرع الله لا تناقض فيه”[39].  هذه طبيعة الدين وهذه طبيعة الشريعة، وتحقيق المناط هو إحدى المناهج الشرعية التي لها الأثر البارز في التأثير على الأحكام الشرعية وصرف دليل الأصل المقطوع به لواقعه معينة إلى دليل آخر بدله بعد النظر والتدقيق في الظروف التي تحيط بالواقعة والتي بسببها نشأ دليل قوي يصرف دليل الأصل كما بينا في المثال السابق، لذا يبقى تحقيق المناط أحوج الأدوات التي لا يستغني المجتهد عنها في صناعة الفتوى على أحسن وجه بما يلائم مقصد الشارع وهذا بدوره يبرز أهمية هذه القاعدة في التأثير على الحكم الشرعي التكليفي.

ان معظم علماء الامة الإسلامية – الا من رحم ربي- لا يملكون الملكة في البحث عن الأدلة الناشئة من الظروف المحتفة بالواقعة، وهذه الأدلة الناشئة من الظروف المحتفة غير مشمولة في ظاهر الدليل العام المناسب للواقعة المجردة من الظروف الجديدة، وهذه الأدلة الناشئة من الظروف الجديدة تدفع الدليل العام كما شاهدنا في الأمثلة أعلاه، بل تستدعي ادلة أخرى تراعي الظروف الناشئة، وسواء كان الدليل العام من نوع طلب الفعل او طلب الترك كما شاهدنا أعلاه في الامثلة.

نحن هنا في فلسطين المحتلة 1948 وتحت الحكم الصهيوني الإسرائيلي وما آلت اليه ظروفنا في كل مجالات الحياة فان الدليل الذي نستند اليه من الشريعة الإسلامية هو الدليل الناشئ عن الظروف المحتفة بنا بسبب نازلة إسرائيل في كل مجالات الحياة. وكل مسالة ننظر فيها ونفتي فيها بعد تحقيق المناط الخاص وبيان الأدلة الشرعية فان كان هنالك مناسبة لانزال الحكم العام قلنا به، والا استدعينا الأدلة الأخرى من الشريعة الإسلامية لإنزالها على الواقعة المحيطة بالظروف، وسواء تعلقت الفتوى بالفرد او المجتمع العربي الفلسطيني 1948. ولا نلزم أحد ممن يعيشون في القدس الشريف او في الضفة الغربية او في قطاع غزة بما نقول، كما اننا لا نقبل ان يلزمنا أحد بما يقول من خارج فلسطين 1948.انما نستأنس باي راي لا اكثر ونتعلم ونستفيد سواء تعلق الراي بطلب الفعل او طلب الترك.

نحن نرى مسيس الحاجة الى الاجتهاد ا لا يقل في الأهمية عن الاجتهاد الاستنباطي، وكما فتحت بعض  النصوص الشرعية  المجال امام المجتهد المستنبط من النص المحتمل للاجتهاد، فتحت المجال امام المجتهد التطبيقي أن ينظر عند تطبيق وإنزال الاحكام وفق أدوات يشترط فيها ملكة في علم تحقيق المناط العام والخاص، وكما بينت الشريعة الإسلامية مسارات ومسالك مضبوطة لاستنباط الاحكام الفقهية الشرعية من النصوص المحتملة حماية للتشريع الإسلامي من الاهواء او الانفلات العقلي، وضعت مسارات واطارات وضوابط للاجتهاد التطبيقي عند إنزال الحكم على ارض الواقع وبما ان هنالك دور كبير للاجتهاد والنظر وحماية للشرع الإسلامي من الاهواء والتشهي والانفلات العقلي وضعت الشريعة الإسلامية بمبنى ابداعي في تشريع الاحكام مقابل تصرفات المكلفين. وسيكون هذا المقال المبتكر بأذن الله تعالى مقترح لرسالة ماجستير او دكتوراه في علم الأصول.

تحتاج  الفتوى في الاجتهاد التطبيقي الى فهم  وادراك   ثلاثة أمور ، الدوافع وعبر عنها الشرع بالنيات، والوسائل والتي عبر عنها الشرع بالأحكام ،  والغايات  والتي عبر عنها الشرع بالمقاصد ، ففي الدوافع والنيات يشترط ان تكون النية عند استعمال الوسيلة متوافقة مع الغاية والمقصد ،  وكل من ناقض بنيته غاية  الشارع من وراء الحكم بوسيلة مشروعة المستعملة  فتصرفه باطل وان تلبس في ظاهر الحال بأمر مشروع( مهاجر ام قيس) ، اما الوسائل فإنها مفضيه الى الغاية من وراء مشروعية الحكم ونحن متعبدون بها تماما كما نحن متعبدون بالنيات والغايات، وان بتر الوسيلة عن النية والمقصد يجعل من الحكم باطلا( مسجد ضرار ) وان كان في ظاهره مشروعا ،   اما الغايات والمقاصد فهي الهدف الاسمى والمقصد الأعظم من وراء تشريع الحكم، والاصل فيها ان لا تبتر عن الفروع وعلاقتها مع الفروع كعلاقة الام بجنينها نضحي بالفروع لأجلها فقط في حالة واحدة اذا خيف على حياة الام من الهلاك ، حتى لا يعود الشرع على نفسه بالتناقض فالشرع حمى نفسه في الأصول والمبنى العام ،اما التضحية بالفروع دون تهديد للأصول  فهذا عبث في الدين  ، وان هذه الأمور الثلاثة يتحقق منها بأدوات دقيقة وتلك الأدوات علم قائم بحد ذاته.

ان موافقة قصد المكلف قصد الشارع في الغاية لا يتبدل ولا يتغير، وهو من الثوابت في الدين، وان أي انحراف في الدوافع والنيات عن قصد الشرع من الاحكام التي هي وسائل يعود الحكم على تصرف المكلف بالبطلان، وان الغايات والمقاصد أيضا ثوابت في الدين، وان أي انحراف عن تلك الغايات والمقاصد فهو الضلال بعينية. اما الوسائل والتي هي طريق النيات الى المقاصد أي الاحكام بعينها من الأوامر والنواهي المفضية الى المقاصد، فالأصل ان ينظر اليها في ذاتها كما بنيت أعلاه لكن، قد لا يتم تتكيف من جديد بالنظر الى مآلها، فما أفضى الى مطلوب كان مطلوبا، ولو كان في الأصل محظورا وهذا ما يسمى بفتح الذرائع، وما يقال في هذا النوع من الذرائع، يقال في النوع الآخر الذي هو في الأصل مشروع، لكنه يكتسب صفة عدم المشروعية بالنظر لمآلة.

ويحتاج الاجتهاد التطبيقي الى تعيين المحل والموضع المقصود من الاجتهاد التطبيقي، وعلى الفقيه الاصولي هنا ان يشترط فيه العلم بادراك المبنى التشريعي للشريعة الإسلامية، والمبنى التشريعي العام  وما يحتويه من مباني جزئية في داخله ،فالصورة الكلية للشريعة الإسلامية ومركباتها الجزئية هي عبارة عن صورة كليه واحدة اذا نظر اليها اكثر من التسبيح من ابداع الخالق في تشريعها،  وهذه الصورة بداخلها صور كثيرة اصغر حجما من الصورة الكلية الكبرى، وداخل هذه الصور صور اصغر حجما ، وهكذا دواليك حتى تصل الى صورة صغيرة جدا جدا داخل الاطار الكلي العام، فاذا نظرت الى هذه الصورة الصغيرة جدا جدا ولوحدها وجدتها صورة مكتملة بحد ذاتها لكنها بالنظر  الى الصور التي اكبر منها ناقصة وهكذا دواليك كل صورة اصغر من التي اكبر منها هي جزء منها وهي ناقصة مستقلة لكنها كاملة بحد ذاتها بالنسبة لما هي اصغر منها وهكذا مبنية  الشريعة الإسلامية فإخراج صورة من المشهد الكلي يبين النقص وتحديد الصورة الصغيرة وجعلها هي المشهد الكلي يظهر التشويه ، وقد انبت واكتملت وتمت ولا نقص فيها ، وابداع المبنى  التشريعي للأحكام مثل  ابداع خلق الانسان او خلق السموات والأرض .

ينظر المجتهد التطبيقي بأدوات تحقيق المناط في الثلاثة أمور ثم يتفحصها ويشخصها جيدا ـ ثم يعين الصورة في داخل إطار المبنى التشريعي العام، وينظر في الاستثناء الذي سيخرجه من صورته الاصلية الى المساحة الأخرى داخل المبنى التشريعي العام فيجتهد في تقدير الموقف ليضع الصورة الاستثنائية في مكانها المحدد لها داخل الإطار العام والمبنى التشريعي العام. بمعنى انه بعد دراسة الثلاثة أمور الأولى ينبغي على المجتهد التطبيقي تعيين المحل الأول للحكم العام ثم المحل الثاني للاستثناء والمحل الاول والثاني داخل الإطار العام، ثم ينظر المجتهد التطبيقي الى الصورة الأخرى الاستثنائية هل شوهت الصورة الكلية ام بقيت محافظة عليها، ثم ينظر المساحة العقلية المتاحة في الصورة الأولى أي الحكم العام فالاستثناءات ليس في كل علوم الشرع( الزنا لا استثناء فيه) ، ثم يدقق شروط الاستثناء ومدى الحاجة اليه، ليرسم امامه بالنظر الى كل هذا العام صورة منسجمة مع الصور  الجزئية والصور الكلية داخل الاطار العام والمبنى العام للشريعة الإسلامية ،  فالاستثناءات في الشريعة الإسلامية هي أيضا صورة داخل المبنى التشريعي وليست خارجه عنه .

بقي على المجتهد التطبيقي ان يدرك مسالك النقلة بين صورة الحكم الأصلي وصورة الاستثناء داخل المبنى العام. وكما ان للاجتهاد الاستنباطي مسالك للوصول الى استنباط جديد داخل الإطار العام، فان الاجتهاد التطبيقي لهو مسالك أيضا، وعلى المجتهد التطبيقي ان يفقه المصالح والمفاسد من خلال المبنى التشريعي العام وداخله، أي المصلحة بمفهوم الشرع والمفسدة بمفهوم الشرع وليس بالمفهوم العقلي القاصر، ولا يجوز للعقل ان يعمل خارج الاطار العام فهذا الضلال بعينية، انما يعمل العقل داخل المساحات المتاحة له في الاطار للمبني الشرعي العام،   وهذا شرط على العقل ، اما الشرط الثاني فهو على النفس ان لا يتناول هذا العلم بالتشهي انما عن قناعة وادراك ويقين وان اخطأ المجتهد عندها فله اجر وان أصاب فله اجران. ومجال هذا كل مجالات الحياة التي تتطرق اليها الشريعة الإسلامية من السياسية والجهاد والقضاء والمعاملات المالية والاحوال الشخصية. الخ. وتقدير الاستثناء يعود للشرع الإسلامي في كل مجالات الحياة.

.

 

[1] تم تكييف الجنسية الإسرائيلية على انها عقد موادعة بيننا وبين إسرائيل لا مواطنة، لأنه وحسب الشريعة الإسلامية فلسطين ارض مباركة من النهر الى البحر وهي جزء من ارض الخلافة كلها وان التقسيمات والتوزيعات الحالية بدعة غربية محرمة  وأيضا نازلة من النوازل لذا فالأرض كلها فلسطين وهي وطننا والمواطنة تتبع الوطن  فالوطن من النهر الى البحر فلسطين ونحن مواطنون فلسطينيون ، وحملنا للجنسية الإسرائيلية لا يغير من هذه الحقيقة بموجب احكام الشرعـ لذا فالأقرب انه بيينا وبين اسرائيل عقد موادعه لذا فنحن موادعون مع إسرائيل ومواطنون فلسطينيون بموجب التصور الديني الشرعي.( وسنشر بحث تأصيلي للمسالة.

([2])  سورة الإسراء، آية 1.

 [3] الرازي-المحصول-الجزء 2 ص 311

 [4] الاسنوي-نهاية السول-الجزء 3 ص 52

 [5] الشوكاني-إرشاد الفحول– ص 356

[6] رواه البخاري

[7] سورة النساء الاية 43،

[8] رواه أبو داود .

 [9] ابن منظور – لسان العرب–  حرف القاف، فصل الحاء، جزء 10ص53 وما بعدها.

 [10] الرازي – مختار الصحاح – ج1 ص 62

 

 [11] التفتازاني – شرح التلويح على التوضيح– ج2 ص 163

 [12] الغزالي – المستصفى– ج2 ص 280

 [13] الآمدي – الأحكام في أصول الأحكام–  ج 3 ص 435

 [14] الزركشي- – البحر المحيط في أصول الفقه– ج2 ص 256

[15]  ابن السبكي- الإبهاج في شرح المنهاج – الجزء 3 ص 82

[16]  الدراقطني – علي بن عمر الدارقطني –  سنن الدارقطني – بيروت 19966 ج1 ص 70 رقم الحديث 22 تحقيق عبدالله المدني.

 [17] ابن قدامة المقدسي- روضة الناظر وجنة المناظر – الجزء 3 ص 801

 [18] الدريني- بحوث مقارنة في الفقه وأصوله– الجزء 1 ص 126

[19]  الشاطبي- الموافقات– الجزء 4 ص 90

[20]عبد المجيد النجار – خلافة الإنسان بين الوحي والعقل -ص 122

 [21] الخضري-  محمد خضري  – أصول الفقه – المكتبة البخارية الطبعة السادسة 1969 ص 323

 [22] محمد فتحي الدريني- بحوث مقارنة في الفقه وأصوله– الجزء 1 ص 180

[23]  الشاطبي- أبو إسحاق الشاطبي- الموافقات  – جزء 2 ص 6

[24]   د. يوسف حامد العالم- المقاصد العامة للشريعة الإسلامية– المعهد العالمي للفكر الإسلامي- الطبعة الأولى 1991 ص 125

 [25] د.علي السرطاوي- مبدأ المشروعية – ص 101

[26]  الشاطبي– الموافقات – ج 2 ص 385

 [27] الدريني-محمد فتحي الدريني- نظرية التعسف في استعمال الحق – مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية 1977 ص 53

[28]  ابن تيمية – كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية– الجزء 19 ص 284

[29]  النسائي – احمد بن شعيب أبو عبدالرحمن – السنن الكبرى – دار الكتب العلمية – الطبعة الاولى 1991 بيروت ج3 ص41 تحقيق عبدالغفار البنداري

[30]  ابن تيميه – كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية – ج19 ص 284

[31]  الدريني – بحوث مقارنة – ج1 ص 143

[32] ابن القيم –إعلام الموقعين عن رب العالمين-ج 3 ص 3

 [33] البيانوني- محمد أبو الفتح – الحكم التكليفي في الشريعة الإسلامية – دار القلم – دمشق الطبعة الأولى-1988 ص 51

 1- الزرقاء- المدخل الفقهي العام– ج 2 ص 938

  [35] – نفس المرجع السابق- ج 2 ص 938

 [36]  السرطاوي- مبدا المشرعية – ص80

[37]   البيهقي – احمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي – سنن البيهقي الكبرى – مكتبة دار الباز مكة المكرمة –ج1 ص 227 حديث رقم 1016 تحقيق محمد عبد القادر عطا.

[38]  سورة النساء الآية 43

 [39] سرطاوي- مبدا المشروعية – ص 80

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017