في تحميل النص ما لا يطيق ضلاله وعدم الاجتهاد في تحميله ما يطيق جمود وكلاهما منهي عنه (مثال تطبيقي: قوامة الرجل في زواج المسيار)فكرة بحث لرسالة ماجستير /دكتوراه

الجمعة 11 يونيو 2021
شارك المقال

الشيخ رائد بدير مدير دار الافتاء والبحوث الاسلامية 1948.

الخلاصة:كما انه ينبغي الحرص على عدم تحميل النص الشرعي ما لا يطيق لتجنب الضلالة فانه أيضا ينبغي الحرص على عدم اهمال ما يطيقه النص لتجنب الجمود ففي الضلال غواية وفي الجمود تعطيل وكلاهما منهي عنه شرعا.او يمكن القول وكما أنه لا يجوز أن تحمّل النصوص الشرعية ما لا تطيق، فانه لا يجوز أن تتركها والسكوت عن  تحمّلها ما تطيق، في تحميل النص ما لا يطيق ضلاله وفي عدم تحميله ما لا يطيق جمود وكلاهما منهي عنه.

إنما أقصد بالنصوص الشرعية القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة المعدة لاستنباط الاحكام الشرعية، فقد حرص مشايخنا على تعاليمنا وتدريبنا من تحميل هذه النصوص الشرعية ما لا تطيق، لن لم يدربنا أحد – الا من رحم ربي- على ملكة أصولية فقهية تدفع بنا الى عدم الحرمان مما تتحمل النصوص الشرعية مما تطيق من معاني واستنباطات فقهية الى يوم القيامة، فالحرص كان على النص ان لا يحمل ما لا يطيق ولم يكن الحرص على الاستفادة من النص بما يطيق، وفق مسالك العلل التي وضعها الاصوليون والفقهاء القدامى. (راجع كتابي المناط في أصول الفقه).

لقد تناول الأصوليون موضوع الاجتهاد في كتبهم قديما وحديثا بإسهاب ، وذلك لأهميته ومنزلته وديمومته فقال السيوطي : ” الاجتهاد من فروض الكفاية ، حتى لو اشتغل بتحصيله واحد سقط الفرض عن الجميع ، وان قصر فيه أهل عصر عصوا بتركه ، واشرفوا على خطر عظيم فان الأحكام الاجتهادية إذا كانت مترتبة على الاجتهاد ترتب المسبب على السبب وان لم يوجد السبب كانت الأحكام عاطلة والآراء متماثلة فلا بد من مجتهد “[1] ، وعد الشهر ستاني في كتاب الملل والنحل الاجتهاد من الفروض قائلا :” وبالجملة نعلم قطعا ويقينا أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد ، ونعلم قطعا أيضا انه لم يرد في كل حادثة نص ولا يتصور ذلك أيضا ، والنصوص إذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية ، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى عُلم قطعا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد”[2] ، وقال الغزالي : ” في تقدير خلو واقعة عن حكم الله تعالى مع بقاء الشريعة على نظامها وقد جوزه القاضي حتى كان يوجبه وقال : المآخذ محصورة والوقائع لا نهاية لها …. , وقال : والمختار عندنا احالة ذلك وقوعا في الشرع لا جوازا في الفعل .[3] ولهذا عد الشاطبي ” أن من أنواع الاجتهاد ما لا ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف وذلك عند قيام الساعة وهو ما يسمى بتحقيق المناط “[4].

ويقول الأستاذ الدريني: “وواقع الأمر أن قضية خلود الشريعة ، وأنها دين الله إلى يوم القيامة لا تصدق دون هذا الاجتهاد القائم على التعقل واصالة الفكر في تفهم نصوصها ومقرراتها وفي تطبيقها على كل ما يجد في الحياة من وقائع ، وما يلم بها من تطور أحدثه الفكر الإنساني”[5] .

إن خصائص التشريع الإسلامي ومميزاته من المرونة والعموم ، والثبات والتطور، والكليات والجزيئات وغيرها من الخصائص والمميزات هي التي فرضت على المؤمنين بهذا التشريع العظيم ، وخاصة أولى الألباب منهم ، النظر والبحث والتأمل والتدبر والتعقل واستفراغ الطاقة والوسع عند تناول هذا التشريع العظيم ، وهو ما يسمى بالاجتهاد في اصطلاح الأصوليين بكافة أبعاده المختلفة والتي لخصها الأستاذ الدريني بقوله:  إن للاجتهاد بالرأي أبعادا مختلفة تمثل مناهجه وتتناول روح التشريع ، ومقاصده الأساسية فضلا عن نصوصه منها الاجتهاد بالرأي في نطاق النص لاستهلاك طاقاته في كافة دلالاته على معانيه ، ولاسيما في دلالاته العقلية التي هي من لوازم عبارته ، كدلالة الإشارة ودلالة النص أو فحوى الخطاب ، ودلالة الاقتضاء ، ودلالة مفهوم المخالفة ،  ومن هذه الأبعاد أيضا البعد الاجتهادي فيما لا نص فيه وهو على أنواع منها الاجتهاد القياسي الذي يرد النظير إلى نظيره لعلة جامعه بينهما ، ومنها

الاجتهاد القائم على تقرير المصالح المتجددة التي لم يرد فيها نص وهي من التكاثر والتجدد بحيث لا تحصى كثرة ، ومن هذه الأبعاد أيضا للاجتهاد بالرأي استقراء الجزيئات التي اختلفت موضوعاتها ، ليستنبط منها مفاهيم كبرى يسلك كل مفهوم منها عديدا من هذه الجزيئات بحكم واحد ، لوحدة الهدف والغاية المتصلة بمفهوم العدل ، ومنها منهج الاجتهاد بالرأي القائم على سياسية التشريع التي تستلزمها الظروف المستجدة العامة ولا سيما الاستثنائية منها ، ومن هذه الأبعاد أيضا الاجتهاد بالرأي في التطبيق فهو قسيم الاجتهاد بالرأي في الاستنباط والتفريع وتبدو خطورة الاجتهاد بالرأي في التطبيق وعظيم أثره وضرورته أن القران الكريم إذ اتخذ في بيانه للأحكام المنهج الكلي لا التفصيلي لذا لزم أن يكون الاجتهاد  بالرأي هو السبيل الوحيد الذي لا مناص منه للاصطلاح بمهمة التطبيق الواقعي لتلك الكليات على الوقائع الجزئية التي تنتاب المجتمع في كل عصر وبيئة بما يحتف بها من ظروف وملابسات متجددة ومتغايرة لا تنحصر مقترنا هذا الاجتهاد بالتبصر الواعي بمآلات التطبيق ونتائجه المتوقعة ، وتقدير تلك النتائج بميزان المصالح المعتبرة شرعا بحيث يحفظ على الحياة الإنسانية كيانها ، ويوفر لها كل أسباب النمو ، والتقدم والازدهار والمنعة، ويجنبها عوادي الانهيار والتهافت[6].

هذا المفهوم لمعنى الاجتهاد بكافة أبعاده يجعل الشريعة الإسلامية في كل عصر ومصر تساير عوامل النمو والارتقاء ويجعلها شريعة وافية بمطالب الحياة الإنسانية كلها من جميع جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، والعسكرية…….الخ ويقود الحضارة الإنسانية الى معالم الحق، وتسهم في عمارة الأرض ، وتجعلها شريعة صالحة لكل زمان ومكان ، ويجعل كلمة الشريعة هي العليا في زمن تحاول جميع الشرائع الوضعية ان تكون لها الكلمة العليا معتمدة على ما وصلت إليه من إنجازات في مجال العلوم ، ظانة بنفسها أن العقل البشري وحده يستطيع أن يدير الحياة الإنسانية بكافة أنواعها وأشكالها دون الحاجة إلى مرشد وموجه له ، وهذا كله ينقلنا إلى بحث ومعرفة مدى صلة العقل بالنقل.

مثال تطبيقي على الاجتهاد بما يحتمله النص ” تجميد قوامة الرجل في زواج المسيار”

تسمية زواج المسيار:

الزواج في الإسلام عقد بالغ الأهمية، فيه من القدسية ما تؤهله لان يتصف بأنه ميثاق غليظ، والمسيار كلمة أضيفت إلى الزواج، وهذه الكلمة “المسيار” كلمة دارجة على لسان أهل الخليج العربي، ولعلها تعود إلى لهجة أهل نجد، ومصدرها التسيير عليها، يعني السير إلى المرأة من ناحية وإدخال السرور عليها من ناحية أخرى.

يقول الشيخ يوسف القرضاوي:” المسيار كلمة عامية، وهي دارجة في بعض بلاد الخليج يقصدون منها المرور وعدم المكث الطويل.”[7]

ويقول د. أمير عبدالعزيز أستاذ الفقه المقارن في جامعة النجاح الوطنية في فلسطين يقول:” المسيار كلمة مستجدة إذ ليس لها أصل أو مدلول في المفهوم اللغوي أو الشرعي، إلا أن تكون هذه الكلمة من اصطلاح العوام، إذ يصطنعون ضربا من النكاح المستور تتحقق به رغائب الزوجين من غير افتئات محظور، وبما لا يخالف الشرع مخالفة ظاهرة، وذلك أن فريقا من الرجال يبتغون الزواج من نساء أخريات من غير إظهار شائع ولا إعلان مستطير، مع الاتفاق بين العاقدين على ديمومة المكث للزوجة الثانية في بيت أهلها وان يعفو عنه في المهر والنفقة.”[8]

وعلى هذا كلمة المسيار كلمة من الاصطلاح العرفي في دول الخليج، وان من المعلوم أن الاصطلاحات ثلاثة اصطلاح شرعي، واصطلاح لغوي، واصطلاح عرفي، وكلمة المسيار من النوع الثالث. فكلمة المسيار لم تعرف في اللغة العربية، ولم تعرف في الفقه الإسلامي، وإنما هي كلمة دارجة على لسان الناس في بعض دول الخليج، ولعل الخليجيين يسمون الزيارات التي يقوم بها الأصدقاء والأقرباء مسيارا، لان الزائر يسير إلى المضيف في زيارة قصيرة، وأطلق الاسم على الزواج لتشابه علاقة الزوج بزوجته مسيارا حيث يقوم الزوج بزيارات سريعة لزوجته مسيارا فذهب اسما للزواج.

يقول أسامة الأشقر:” والذي يظهر للباحث أن مسيار صيغة مبالغة، يوصف بها الرجل الكثير السير فقول: رجل مسيار، وسيّار،ثم سمي به هذا النوع من الزواج، لان المتزوج في هذا النوع من الزواج لا يلتزم بالحقوق الزوجية التي يلزمه بها الشرع، فكأنه زواج السائر الماشي الذي يتخفف في سيره من الأثقال والمتاع، ولعدم إلتزامه بالحقوق التي يقتضيها الزواج من النفقة والمبيت لا الزواج المقيم الملتزم بكل مقتضيات الزواج.”[9]

وقال الشيخ عرفات الدمشقي:” المسيار كلمة تعود إلى لهجة أهل البوادي، والمراد بها التيسير عليها، بما يعني السير إلى المرأة من ناحية، وإدخال السرور عليها من ناحية أخرى.”[10]

وقد يبدو من خلال ما مر من أقوال أن هنالك ضبابية في توضيح معنى كلمة المسيار وبيانها بلفظ صريح يدل على معناها، وما مر من كلام حول معنى المسيار ما هي إلا تفسيرات محتملة، يقول د. محمود السرطاوي:” إن اختلاف العلماء في كلمة زواج المسيار يرجع إلى أمرين: الأول: ان مصطلح المسيار جديد يفسره السائل للمفتي بأكثر من صورة، فتكون الفتوى على مقدار السؤال، والثاني: اختلاف العلماء في اثر مآلات الأفعال على الحكم للواقعة محل السؤال.”[11]

ونلاحظ أن المسيار مصطلح جديد، ولا شك أن هذا المصطلح لم يرد في اصطلاح اللغويين ولم يرد في اصطلاح علماء الشرع، بل هو اصطلاح عرفي تصالح بعض الناس على تسميته، حتى اشتهر بعد اقترانه بالزواج، فأصبح هذا المركب الإضافي اسما على نوع من أنواع الزواج.

هذا كله بالنسبة إلى سبب تسمية زواج المسيار بهذا الاسم ونشأة هذا المصطلح.

أما عن مواصفات زواج المسيار فيقول القرضاوي:” إن زواج المسيار كما يسمى ليس شيئا جديدا، أنما هو أمر عرفه الناس من قديم، وهو الزواج الذي يذهب فيه الرجل إلى بيت المرأة، ولا تنتقل المرأة إلى بيت الرجل، وفي الغالب تكون هذه زوجة ثانية، وعنده زوجة أخرى هي التي تكون في بيته وينفق عليها، وروح هذا الزواج هو إعفاء الزوج من واجب المسكن والنفقة والتسوية في القسم بينهما وبين زوجته الأولى أو زوجاته تنازلا منها، فهي تريد رجلا يعفها ويحصنها ويؤنسها، وان لم تكلفه شيئا بما لديها من مال وكفاية.”[12] وما أشار إليه القرضاوي فيما عرفه الناس من قديم إنما هو زواج الليليات وزواج النهاريات، وسأبين لاحقا الفوارق الكبيرة بين زواج المسيار وزواج النهاريات وزواج الليليات، هذه الفوارق من وجوه كثيرة وهامة مما يجعل المماثلة المشابهة بين زواج الليليات وزواج النهاريات  مع زواج المسيار مماثلة ومشابهة مع الفارق الكبير.

ويقول الشيخ عبدالله بن منيع عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية والقاضي بمكة المكرمة”: الذي أفهمه من زواج المسيار، وابني على فهمي ما أفتي به حوله أنه زواج مستكمل لجميع أركانه وشروطه، فهو زواج يتم بإيجاب وقبول، بشروطه المعروفة من رضا الطرفين، والولاية، والشهادة، وفيه الصداق المتفق عليه، ولا يصح إلا بانتفاء جميع الموانع الشرعية، وبعد تمامه تثبت لطرفيه جميع الحقوق المترتبة على عقد الزوجية من حيث النسل، والإرث، والعدة، والطلاق، واستباحة البضع، والسكن، والنفقة، وغير ذلك من الحقوق والواجبات إلا أن الزوجين قد ارتضيا واتفقا ألا يكون للزوجة حق المبيت أو القسم، وإنما الأمر للزوج متى رغب زيارة زوجته المسيار في أي ساعة من ساعات اليوم والليلة فله ذلك.”[13] وكم رغبت أن يتوسع الشيخ منيع في تصوره القضائي في حالة نشوب نزاع بين الزوجين حول الحقوق المتخلفة عن الثبوت والتي تخلفت برضا الأطراف، إذ هنالك فارق كبير بين الفتوى وبين القضاء. وهذا سأفصله في المبحث الأخير من هذا الفصل.

والخلاصة أن زواج المسيار نوع من أنواع الزواج المعاصرة من حيث التسمية ، لم يسبق لا في التاريخ ولا في اللغة ولا في الشرع أن أطلق على الزواج مسيارا ، فهو زواج مستجد من حيث التسمية، وهو زواج مستجد في معانيه أيضا وروحه وفي بعض الآثار التي تترتب على عقد الزواج الصحيح في الشريعة الإسلامية، وان كان يشابه أحيانا بعض أنواع الزيجات القديمة مثل زواج النهاريات من وجوه بسيطة جدا إن لم يكن من وجه واحد فقط، لا تحمله هذه المشابهة لان نحكم على زواج المسيار بأنه مثل غيره، وسنبين في المطلب الثالث من هذا الفصل ما هو المشترك وما هو المختلف بين زواج النهاريات وزواج المسيار.

دوافع المرأة إلى زواج المسيار

يستوقف زواج المسيار الباحثين بل يستوقف كل من كتب عن المسيار رغماً عنهم ويفرض عليهم أن يتكلموا في دوافع كل من الرجل والمرأة إليه وبالذات المرأة، وترجع أهمية البحث في مسالة دوافع المرأة إلى زواج المسيار كون المرأة في هذا الزواج تتجرد من بعض حقوقها الشرعية برضاها وباتفاق مع الرجل، وكذلك ترجع أهمية البحث في دوافع المرأة لزواج المسيار لما لتلك الدوافع من أهمية واثر في تكييف الحكم الفقهي لزواج المسيار، ومن المعلوم حسب الشريعة الإسلامية أن الدوافع بأنواعها لها اثر مباشر في الفتوى وإصدار الحكم على التصرفات الفعلية والقولية.

يقول د. علي السرطاوي:” الإنسان قبل قيامه بأي تصرف معين سواء أكان قوليا أم فعليا، لا بد أن يكون هناك غرض ودافع لقيامه بهذا التصرف، هذا الغرض يكون المحرك الأول للإرادة الإنسانية، فيدفعها حتى تصل إلى درجة العزم والتوجه نحو الفعل..ويجب علينا أن نميز بين الدافع النفسي الداخلي الذي نسميه الباعث الذي يحرك الإرادة نحو تصرف معين من الدوافع الخارجية التي تؤثر في الإرادة وتدفعها للقيام بتصرفات كثيرة.”[14]

هذه الدوافع الداخلية والخارجية لها أثر في الحكم على التصرفات القولية والفعلية، وهي تؤثر على مشروعية التصرف وعدم مشروعيته.

أما بخصوص دوافع المرأة إلى زواج المسيار فيقول د. أمير بن عبدالعزيز أستاذ الفقه المقارن في جامعة النجاح الوطنية سابقا مبينا دوافع المرأة لهذا النوع من الزواج:” لا تجد المرأة سبيلها في الزواج المشروع، وذلك إذا ألمت بها أسباب شتى من الحرمان وقسوة الحظ، فحالت بينها وبين الزواج الشائع المعروف، وذلك كما لو مات عنها زوجها وهي صغيرة ومفتقرة وذات أيتام محاويج، أو كانت كبيرة تتجافى عنها نفوس الرجال في الغالب، أو لغير ذلك من الأسباب، فهي في مثل هذه الحالة تجد لنفسها مندوحة في مثل هذا الضرب من الزواج المستجد الذي تستشعر فيه مذاق الحياة الزوجية الكريمة، وأنها يلفها كنف دفيء في إطار الزوجية المعتبرة الفضلى، وذلك كله يجري في جو من الكتمان والاستتار، وفي معزل عن ظواهر الإعلان والإشهار والذيوع.”[15]

ولا يشترط أن يجري ذلك في جو من الكتمان والاستتار، وفي معزل عن ظواهر الإعلان والإشهار والذيوع كما ذكر د. أمير بن عبدالعزيز، بل إن هنالك صوراً أخرى علنية لزواج المسيار وهذا ما سأبحثه في مبحث الفرق بين زواج السر وزواج المسيار.

يقول د. يوسف القرضاوي:” لقد كثرت في زماننا عوائق الزواج، ومعظمها بما كسبت أيدي الناس، ونشأ عن ذلك كثرة العوانس اللاتي فاتهن قطار الزواج، وعشن في بيوت أبائهن محرومات من الحق الفطري لهن في الزواج وفي الأمومة، إضافة إلى المطلقات وهن للأسف كثيرات، والى أرامل مات عنهن أزواجهن، وخلفوهن وحيدات أو مع أطفال وكثير ما يكون معهن ثروة ومال.”[16]

ويقول د. محمد الشريدة:” إن رغبة المرأة في حل مشاكلها الشخصية، ورغبتها في إنجاب الأطفال وحصولها على الميراث، وإعفاف نفسها، أو تخلصها من ظلم الأهل دوافع ملجئة إلى هذا النوع من أنواع الزواج.”[17]

هذه بعض أقوال أهل العلم في دوافع المرة إلى زواج المسيار، ومن خلال دراسة هذه الدوافع المرأة إلى زواج المسيار، تبين أن هنالك دوافع داخلية فطرية نفسية تدفع المرأة لهذا النوع من الزواج، وهنالك دوافع أخرى خارجية تحرك المرأة لهذا النوع من الزواج، واليك بيان ذلك:

دوافع الرجل إلى زواج المسيار:

تحدثنا عن دوافع المرأة إلى زواج المسيار، ولعل قسوة الحظ في النيل من زواج طبيعي هو الذي أدى بتلك المرأة لأن تتزوج زواجا يخوض في صحته وعدم صحته فقهاء المسلمين وحتى الذين أجازوه تجدهم لا يشجعون عليه ولا يرغبون به، وكذلك يلاحظ أن العلماء سلطوا الضوء على دوافع المرأة أكثر من دوافع الرجل، والحق أن زواج المسيار زواج على حساب حقوق المرأة وهي تشغل في أقوال العلماء حيزاً أضعاف الرجل، لان الرجل هو الذي يدفع المهر والمرأة تقبضه وفي زواج المسيار قد تتنازل المرأة عن كل مهرها، وفي المسيار يُعفى الرجل من كافة النفقات على الرغم من استحقاق المرأة لها …..الخ،  ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى دوافع الرجل  لزواج المسيار والتي يمكن أن نلخصها على النحو الآتي:

  1. اشتداد شهوة الرجل ولا تكفيه زوجة واحدة، ولا تساعده ظروفه المادية إلى زواج آخر عادي، يجد في زواج المسيار فرجاً كبيراً وطريقاً سهلاً لعفّة نفسه، حيث يتمكن من تزوج المرأة الثانية وهو مطمئن من ناحية العدل، فلا يفرض عليه نفقة ولا مسكن ولا مهر ولا مبيت ولا قسم ولا غيرها من حقوق المرأة الشرعية والتي هي أثر من آثار العقد الصحيح، بل وله أن يتزوج الثانية والثالثة وحتى الرابعة على هذا النحو وهذا الشكل فزواجه الأول عاديٌ وزيجاته الثلاثة الأخرى مسيارٌ وبدون تكاليف وبلا عقبات ولا عوائق ولا إشكالات فالنساء الأخريات الثلاثة تنازلن عن حقوقهن الشرعية وخاصة المبيت، الرجل القوي الشهوة يجد في زواج المسيار مندوحة لإعفاف نفسه وبدون تكاليف كبيرة.
  2. غياب الزوج عن زوجته الأولى إلى بلد عمله مدة طويلة يلجيء البعض منهم إلى زواج المسيار وخاصة أن الزوجة الثانية تتنازل عن حقها في المبيت ولزوجها مسيارا أن يزورها على فترات متباعدة دون تحديد، ففي حالة عودته إلى زوجته الأولى له أن يأتي الزوجة الثانية مرة أو مرتين أو ثلاثة في العام.
  3. حاجة الرجل إلى الإنجاب وخاصة عندما يتزوج امرأة لا تنجب وقد تجاوزت سن الإنجاب، ولا يرغب في الاستغناء عنها، وحالته المادية لا تسمح له أن يتزوج أكثر من واحدة، فيجد في زواج المسيار حلا عادلا لحالته فمن ناحية زواج بتكاليف يسيرة، ومن ناحية أخرى طمع في الإنجاب.
  4. قلة تكاليف هذا الزواج يشجع الرجال نحو الإقدام عليه، وفي وقتنا الحاضر نسمع عن تكاليف باهظة للزواج من إعداد مسكن أو مهر أو نفقة، وفي زواج المسيار يُعفى الرجل من كل هذا الأمر الذي يشجع بعضهم ويحفزهم على هذا النوع من الزواج.
  5. غياب مفهوم التعدد، ووضع القيود القانونية من سلطة الدولة أو القيود الاجتماعية من النساء وأصبح التعدد في المفهوم العام عند النساء جريمة، والتعدد أمر مرفوض في صفوف النساء لذا فقد يجد بعض الازواج في زواج المسيار فرصة كبيرة لإحياء مفهوم التعدد، دون أن يكون على حساب البيت الأول أو الزوجة الأولى لان الزوجة الثانية التي تزوجت زواج مسيار تنازلت عن حقها في القسم، وهذا بحد ذاته يخفف من حدة الزوجة الأولى ويسهم في إحياء مفهوم التعدد.

هذه بعض دوافع الرجل إلى زواج المسيار ومع أننا نلاحظ أن دوافع المرأة إلى زواج المسيار أشد من دوافع الرجل إليه وأنها أحوج إلى زواج المسيار من الرجل.

أركان زواج المسيار

هل تتوفر في زواج المسيار أركان الزواج الشرعي الصحيح؟

يقول القرضاوي:” زواج المسيار زواج طبيعي عادي، فالعبرة بالمسميات والمضامين، وليست بالأسماء والعناوين، والقاعدة الفقهية تقول: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني وليس للألفاظ والمباني. فلا نركض وراء الأسماء والمصطلحات، وقد يسميه البعض اسماً آخر.”[18]

ومن خلال مراجعة رأي الشيخ القرضاوي فيما قال أو كتب عن زواج المسيار، فهو يرى إذا توفر في هذا الزواج الإيجاب والقبول ممن هو أهل لذلك، وتحقق الإعلام والإعلان والحد الأدنى لذلك وجود شاهدين، وكذلك إذا وجد الولي في رأي المذاهب الثلاثة مالك والشافعية والحنابلة، وكان الزواج بنية الاستمرار، ولم يكن على التأقيت، فالزواج صحيح ولا عبرة بالتسمية سواء سماه الناس زواج مسيار، أو سموه شيئا آخر، فالأسماء والمصطلحات ليست الفيصل في الحكم على الشيء أحرام هو أم حلال أباطل أم صحيح.

يقول د. أمير عبدالعزيز:” المهم أن يتحقق في مثل هذا الزواج ركنه الأساسي وهي الصيغة التي تتم بالإيجاب والقبول مما يكشف عن حصول التراضي بين العاقدين وهما الرجل والمرأة وبغير هذا الركن الركين لا يصح الزواج ولا يتحقق له وجود،بالإضافة إلى شروط أخرى.”[19]

ويقول د. سيد الطنطاوي:” إن زواج المسيار شرعي تتوفر فيه أركان الزواج.”[20]

والملاحظ من بعض أقوال أهل العلم أن زواج المسيار تتوفر فيه كافة أركان الزواج الصحيح العادي، ولا يفترق في الأركان عن الزواج الصحيح العادي، فالصيغة متوفرة في زواج المسيار وهي ركن ركين في الزواج عند الحنفية، وعدّها الجمهور ركنا في الزواج، والشهود عند من عدّهم ركنا في الزواج حاضرون، وكذلك عند من عدهم شرط صحة فهم حاضرون وهم يوفرون الحد الأدنى للإعلان والإعلام، والولي متواجد وهو متولي العقد عند من عدّه ركنا، واعتبر عبارة المرأة لا تكفي في الزواج، ومسألة إعلان الزواج على الملأ قبل الدخول مسألة خلافية فعند مالك يجب إظهار النكاح وإشهاره على الملأ قبل الدخول، وعند الجمهور بما فيهم الحنفية يتم الإعلان أو الإشهار أمام اثنين عدليين حيث يمثلان الحد الأدنى من درجات الإعلان، وسأفصل هذا الأمر عندما سأتحدث إن شاء الله عن علاقة زواج المسيار بالزواج السري.

إن خلاصة هذا المطلب في تحديد أركان زواج المسيار أو في النظر في بناء وتأسيس الشكل الفقهي لزواج المسيار عند مجلس العقد، والملاحظ أن الشكل البنيوي لعقد زواج المسيار هو تماما نفس شكل العقد الزواج العادي الصحيح، من حيث الصيغة والولي والشهود والحد الأدنى من الإعلان وباقي المواصفات لعقد الزواج الصحيح، وان ما يرد من اختلاف الفقهاء في أركان زواج المسيار هو تماماً مثل اختلافهم في عقد الزواج الصحيح، فلو لم نسم هذا الزواج مسيارا لما فرّقنا بينه وبين أي عقد زواج عادي صحيح، من هنا ذهب من قال بصحة عقد زواج المسيار دون أن يلتفت إلى المسمى بل نظر إلى الشكل فوجد شكل المسيار هو شكل الزواج العادي الصحيح فلم يفرق بينهما بسبب تسمية هنا أو هناك، فأركان زواج المسيار هي نفس أركان زواج العقد الصحيح، واختلاف الفقهاء حول الأركان قديم لا جديد، وما يقال من اختلاف للفقهاء في صحة العقد أو بطلانه بناء على تصور المذاهب الإسلامية المختلفة، يقال في حق زواج المسيار، فمثلا مسالة إعلان الزواج قبل الدخول أثارها الفقهاء فهل يكتفى بشاهدين عدلين كحد أدنى للإعلان؟ أم انه يشترط قبل الدخول إعلان الزواج على الملأ؟ فهذه المسألة تم بحثها قبل مئات السنين واختلف الجمهور مع مالك في ذلك وبقيت المسالة خلافية حتى اليوم، وهي ليست مسألة معاصرة تبحث في عقد زواج المسيار وغيره من المسميات المعاصرة، فلو تزوج رجل امرأة بوجود وليها وحضور شاهدين قبل ألف عام ودخل بها دون أن يعلن الزواج فالمالكية يرفضون هذا الأمر، والجمهور يقبلونه فالخلاف إذن قديم حول أركان الزواج الصحيح العادي وما يقال من خلاف حول أركان الزواج الصحيح ينطبق أيضا على زواج المسيار، ولا ينبغي أن نزعم أن تسمية الزواج بالمسيار لها علاقة في الحكم على الأركان.

شروط زواج المسيار:

هل تتوفر في زواج المسيار شروط الزواج الشرعي الصحيح؟

إن الذين يجيبون على التساؤلات حول حكم زواج المسيار يقولون انه يتم مستوفيا لأركانه وشروطه، التي تكون في العقد الشرعي الصحيح.

يقول د. نصر واصل مفتي الديار المصرية:” المسيار زواج تتوفر فيه أركان العقد الشرعي وشروطه من إيجاب وقبول وشهود وولي وهو زواج موثق.”[21]

ويقول د. أمير بن عبدالعزيز:” وكذلك الشرط في الزواج فانه بالغ الأهمية في مثل هذا العقد برمته، وهي الشهادة من اثنين عدلين، ويضاف إلى ذلك اشتراط الولي للمرأة لدى النكاح وان كان موضع تفصيل وخلاف بين الفقهاء، لكنه بالغ الأهمية للمرأة بالذات، ذلك أن وليها كأبيها أو جدها أعلم منها بحقيقة الرجال، وأقدر منها على التحقق من سلامة الخاطب، فهو منوط به أن يدقق وينقب ليطلع على حقيقة أحواله الشخصية والسلوكية والنفسية، ليستيقن من كونه مقبولا كريما، أو انه فظ كزٌّ مهين، وبذلك إنما يراد من الولاية في زواج المرأة أن تتحقق مصلحتها، كيلا تفتات برأيها وحدها فتنـزلق إلى السقوط في براثن الهوان والتعس نتيجة للاستعجال وانعدام الولي.”[22]

وهذه لفتة طيبة في بيان أهمية الولي بعيداً عن النقاش الفقهي وخاصة في زواج المسيار لأن المرأة متنازلة فيه عن حقوقها الشرعية، الأمر الذي يؤكد حضور الولي في زواج المسيار، وكذا الأمر مع الشهود بالإضافة إلى توفر الشروط الأخرى كأن لا تكون المرأة محرمة على الرجل تحريماً فيه شبهة أو تحريماً ظنياً أو تحريماً قطعياً. وكذلك لا بد من توفر شرط الرضا وعدم الإكراه، وأن يكون العقد على التأبيد ولا بد أن يتم زواج المسيار بنية الاستمرار، ولا بد من اعتبار شرط الكفاءة التي تحدث عنها الفقهاء بإسهاب في كتبهم الفقهية.

أما بخصوص إعلان الزواج فقد اكتفى بمن قال بجواز زواج المسيار بالحد الأدنى من الإعلان وهو توفر شاهدين عدلين هو رأي جمهور العلماء في زواج المسيار وغيره من الزيجات خلافا للإمام مالك الذي قال لا بد من وجوب إظهار النكاح بإشهاره على الملأ ولا يكفي اطلاع الولي وحضور الشاهدين وهذا كلام المالكية في زواج المسيار وفي الزواج العادي الطبيعي. وقد ذكرت د. عزيزة المانع:” إن المسيار زواج سري يقوم على عكس ما هو مطلوب في الزواج وهو الإشهار والإعلان.”[23]

وقد أجاب القرضاوي عن ذلك فقال:” إذا كان الرافضون للمسيار قد ذهبوا إلى عدم شرعيته لأنهم اعتبروا أن حرص الزوج على عدم إعلان زواجه على الملأ هو نوع من السرية التي تنافي صحة الإعلان الذي هو شرط من شروط صحة الزواج، إلا أن وجود الشهود يعتبر كافياً لانتفاء السرية، وليست من الشروط الواجبة أن تعلم الزوجة الأولى بالزواج، أو أن يكون الإعلان على رؤوس الإشهاد.”[24]

إن مسألة سرية الزواج أو علانيته مسألة قديمة نوقشت في الفقه الإسلامي قبل مئات السنين، فلا دخل لزواج المسيار في هذه المسألة، فالزواج العادي الطبيعي إذا جرى بصيغة وبحضور الولي والزوجة والشاهدين فقط فإن مالك يرفض هذا الزواج والجمهور يقبله لأن الحد الأدنى في الإعلان عند الجمهور توفر شاهدين وقد توفر، وهذه مسألة قديمة جداً، الخلاف فيها قديم جداً قبل أن يسمى الزوج مسياراً.

وسنلقي الضوء على علاقة زواج المسيار بالزواج السري وذلك في مبحث مستقل تماماً حيث سنبين الفارق والمشترك بين زواج السر وزاج المسيار ورأي الفقهاء في هذه المسائل.

والصحيح أن بحث مسألة سرية الزواج أو عدم سريته في زواج المسيار بحث في غير محله، فإذا كان الزواج عرفياً أو مسياراً أو شرعياً وكان سرياً فان اختلاف الفقهاء في اشتراط إعلان الزواج وعدم إعلانه ينطبق على العرفي السري وعلى الصحيح السري وعلى المسيار السري، لذا كما ذكرت سابقاً فإن مسألة سرية الزواج تبحث في مبحث مستقل فقد يكون الزواج صحيحاً عادياً يجري بسرية تامة وقد يكون زواج مسيار يجري بعلانية تامة.

ويمكن أن نلخص هذا المبحث بأن شروط زواج المسيار هي شروط الزواج العادي الطبيعي، وإن ما يرد من خلاف أو اتفاق حول شروط عقد الزواج العادي عند الفقهاء ينطبق تماما على زواج المسيار، فكما اختلفوا مثلا في شرط الإعلان وبيان الحد الأدنى منه في عقد الزواج العادي الصحيح وما قيل من كلام حول هذه المسالة ينطبق على زواج المسيار إذ لا جديد في هذه المسائل سواء كان الزواج مسيارا أم غيره.

 زواج المسيار والمهر

يعتبر هذا المبحث من أهم المباحث في زواج المسيار، لان الحديث عن زواج بلا مهر حقيقة زواج مستغرب أدى لمعارضة هذا الزواج من بعض العلماء، وسواء قلنا إن المرأة تنازلت عن مهرها أو عن جزء كبير منه أو سمّت مهرا شكليا برضاها، فان الحاصل في زواج المسيار انه زواج قد لا تقبض فيه المرأة دينارا واحدا، والمهر كما هو معروف عند الفقيه وعند العامي حق للزوجة ثابت لها بالكتاب والسنة النبوية وإجماع الأمة الإسلامية، بل ذهب بعض العلماء إلى ابعد من ذلك بكثير حتى عدّوه الفيصل الفارق بين النكاح والسفاح وعدوه واجبا على الرجل للمرأة.

قال صاحب الروضة الندية:” المهر واجب وبه يتحقق التمييز بين النكاح والسفاح ودليل وجوبه انه صلى الله عليه وسلم لم يسوغ نكاحا بدون مهرٍ أصلا، وفي الكتاب العزيز” وآتوا النساء صدقاتهن نحلة”[25].”[26]

وقد اشتهر عند الفقهاء ما يسمى بمهر المثل حيث انه إذا تم زواج ولم يسمَ فيه مهرٌ أو كانت التسمية فاسدة، فان للزوجة مهر المثل، وأهمية المهر في التشريع الإسلامي نابعة من أهمية فوائده، فكما جعلت الشريعة الطلاق بيد الرجل أعطت المرأة مهرا، ومن خلال تجربتي الشخصية فان كثيرا من الرجال عدلوا عن طلاقهم لزوجاتهم بسبب عدم قدراتهم عن إعطاء المرأة مهرها المؤجل، فهو عائق أساسي من عوائق الطلاق، وخاصة إذا كانت أسباب الطلاق غير كافية ولا مقنعة، فالمهر رادع أساسي من روادع الطلاق.

يقول د. محمود السرطاوي:” المهر حق من حقوق الزوجة على زوجها وهو المال الذي يجب على الرجل للمرأة بسبب عقد الزواج عليها أو بسبب وطئه لها، والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع، والحكمة في وجوبه على الرجل توافقا مع الفطرة البشرية التي فطر عليها كل من الرجل والمرأة، فالرجل أقدر على العمل من المرأة فكان عليه كسب المال، والمرأة عليها العمل في البيت، ولو كلفت المرأة العمل لجمع مال المهر لكان ذلك امتهان لكرامتها وإهدار لعفتها ويلحظ هذا في المجتمعات التي تجعل المهر واجبا على المرأة، ولهذا أكرم الإسلام المرأة ولم يكلفها مثل هذا العناء، وجعل المهر واجبا على الرجل ليكون رمزا منه لإكرام المرأة، ودليلا على رغبته فيها ببذله أعز ما يملك في سبيلها، ولذا قالوا: إن الصداق ضد الكذب لان دخوله بينهما دليل على صدقهما في موافقة الشرع واقتران كل واحد منهما بالآخر.”[27]

إذن هنالك حكمة كبيرة من وراء تشريع المهر للنساء واعتباره واجبا لهن على الرجال، فالحكمة تتعدى من دفع دنانير أو دراهم قلّت أو كثرت تدفع للمرأة كمهر لها، فالمهر رمزٌ وإعلانٌ من الرجل انه راغب في المرأة، ودليل قوي على حب اقترانه بها، وللمهر دور وقائي في ترابط الأسرة، والتروي في مسألة الطلاق.

يقول د.محمود السرطاوي:” وان في جعل المهر واجباً على الرجل ما يجعل الرجل أكثر ترويا في إيقاع الطلاق لما يلحق به من ضرر، ولان مصالح النكاح ومقاصده لا تحصل إلا بالموافقة ولا تحصل الموافقة إلا إذا كانت المرأة عزيزة مكرمة عند الزوج، وليس المهر ثمنا أو عوضا للانتفاع بالمرأة وإنما هو نحلة أي عطية دون مقابل لقوله تعالى: ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾[28].”[29]

والملاحظ أن هنالك مقاصد ومصالح وغايات من تشريع المهر بهذه الكيفية في التشريع الإسلامي، ولا يمكن التغاضي عن تلك الحكمة أو الفوائد من وراء مشروعية المهر في الإسلام، ومن ناحية أخرى لا يمكن حصر معنى المهر في مجرد مال يعطى للزوجة، ألا تلاحظ أن جمهور الفقهاء تعدى المهر عندهم من القيمة المادية إلى المنفعة، فلو طلبت امرأة من زوجها أن يخدمها مدة عام كمهر لها صح ذلك، ولو طلبت أن يزرع لها بستانا صح ذلك، أو طلبت أن يخيط لها ثوبا صح ذلك، وقد عقّبَ ابن قيم الجوزية على حديث انس حينما اشترطت أم سليم على أبي طلحة أن يكون مهرها دخوله في الإسلام قال:” هذا هو الذي اختارته أم سليم من انتفاعها بإسلام أبي طلحة وبذلها نفسها له إن اسلم، وهذا أحبُّ إليها من المال الذي يبذُلْه الزوج، فان الصداق شُرِعَ في الأصل حقاً للمرأة تنتفع به، فان رضيت بالعلم والدّينِ، وإسلام الزوج، وقراءته القران، كان هنا أفضل المهور وانفعها وأجلِّها فما خلا العقد عن مهر، وأين الحكم بتقدير المهر بثلاثة دراهم أو عشرة من النص.”[30]

هذه النماذج من الرجال تؤكد وتظهر رغبتها في الاقتران بالمرأة وتؤكد مدى ارتباطاتها بالمرأة، هذا كله في بيان أهمية المهر ووجوبه على الرجل فلا يخلو عقد من مهر.

والتساؤل الصريح هنا هل المهر شرط من شروط الزواج أو ركن من أركانه؟ هل تملك المرأة أن تتنازل عن حقها في المهر؟ هل تستطيع المرأة أو وليها أن تُبرأ الزوج من المهر أو أن تحط منه؟

فعلى فرض تنازل المرأة عن الصداق تنازلاً تاماً بحيث تعفي الزوج إعفاءً كليا، فهل يخل ذلك في العقد؟

والحق يقال انك لا تجد فقيهاً واحداً يقول ببطلان عقد الزواج لزوجة كاملة أهلية التصرف في الأموال تنازلت فيه عن مهرها.

يقول القرطبي:” اتفق الفقهاء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها فقد نفذ ذلك عليها ولا رجوع لها فيه.”[31]

ولا يخلو كتاب فقه من الكتب القديمة أو من الكتب المعاصرة التي تناولت مواضيع الأحوال الشخصية إلا وبحثت مسألة الزيادة في المهر، أو الحط منه أو إبراء الزوجة لزوجها من مهرها إبراءً تاما، وذهب الفقهاء أنه إذا لم يسم المهر، أو كانت التسمية فاسدة كالخمر مثلا، أو إذا كان قليلا بخيساً عند الجمهور أو سُكِتَ عنه، أو تنازلت عنه ولم تكن أهلا لذلك، ففي أقصى هذه الاحتمالات يجب للمرأة مهر المثل، ولم يقل العلماء أن ذلك مخل بالعقد ولا يوجب فساده ولا بطلانه.

فما بالك إذا تنازلت المرأة عن مهرها وكانت كاملة أهلية التصرف في الأموال أيستطيع أحد من المسلمين أن يحكم ببطلان أو فساد عقد الزواج إذا كان مستكملا لأركانه وشروطه وكل ما فيه أن المرأة تنازلت عن مهرها أو جزء منه؟

يقول د. أمير عبدالعزيز:” أما المهر والإنفاق عليها فإنهما من حقها، وهي مخولة بالعفو فيهما عن زوجها، وكذا المبيت بعيداً عنها عدة أيام فمن حقها أن تعفو عن زوجها في مثل هذه الوجيبة كغيرها من الوجائب المنوطة بالزواج، ما دامت تفعل ذلك كله طواعية ورضا بعيدا عن القهر والعسف والإكراه.”[32]

ويُرى والله اعلم أن المسألة التي ينبغي أن تثار في زواج المسيار حول المهر وهي أكثر جدية مما مر من تنازل المرأة عن مهرها طواعية إذا اشترط الزوج مسيارا أن تتنازل الزوجة عن مهرها أم مهر مثلها إذا لم يسم وكان بينهما هذا الشرط فهل هذا الشرط ملزم لها أم انه من الشروط المنافية للزواج؟ وهذا ما سأبحثه في المبحث الأخير من هذا الفصل.

وخلاصة هذا المطلب تتلخص في أن المهر مسألة لا تخل بالعقد ولا تفسده ولا تبطله وليس لها أي اثر من آثار التأثير في صحته أو بطلانه. فإذا تنازلت الزوجة برضاها في زواج المسيار أو غيره من الزيجات عن مهرها وكانت كاملة الأهلية فتنازلها صحيح وعقدها صحيح، وكون المرأة تتنازل عن مهرها أو عن جزء منه في زواج المسيار فانه لا يؤثر في العقد إطلاقا.

زواج المسيار ونفقة الزوجة

لا يختلف العلماء في وجوب نفقة المرأة على زوجها إذا توفرت أسبابها من صحة العقد واحتباس الزوجة، فالمرأة إذا كانت بنتاً فنفقتها على أبيها، فإذا ما تزوجت انتقلت نفقتها إلى زوجها، دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، قال تعالى: ﴿ لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ءاته الله لا يكلف الله نفسا ألا ما ءاتها ﴾[33].

وما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حجة الوداع فقال:” اتقوا الله في النساء فأنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.”[34]

وكذلك انعقد إجماع المسلمين على وجوب نفقة الزوجة على زوجها، وسبب ذلك أن المرأة محتبسة في بيت الزوجية، غير قادرة على الاكتساب لأن الأصل في استحقاق الزوجة للنفقة بعد توفر العقد الصحيح هو احتباسها في بيت زوجها، والنفقة تشمل الأكل والشرب والملبس والعلاج والمسكن وغيرها.

والتساؤل الصريح هنا هل النفقة شرط من شروط الزواج أو ركن من أركانه؟ هل تملك المرأة أن تتنازل عن حقها في النفقة ؟ فعلى فرض تنازل المرأة عن نفقتها بكافة أنواعها تنازلاً تاماً بحيث تعفي الزوج إعفاءً كلياً، فهل يخل ذلك في العقد؟

يقول د. القرضاوي:” فروح زواج المسيار هو إعفاء الزوج من واجب النفقة والتسوية في القسم بينها وبين الزوجة الأولى، تنازلا منها فهي تريد رجلا يعفها ويحضها وان لم تكلفه شيئا بما لديها من مال وكفاية تامة.”[35]

وأجاب د.محمود عبدالمتجلي خليفة عضو لجنة الفتوى في الأزهر الشريف عندما سئل عن فقدان الزوجة لحقها في النفقة والمسكن في زواج المسيار فقال:” حق الزوجة في النفقة والمسكن هو حق شرعي ولكن يجوز لها أن تتنازل عنه.”[36]

فإذا تنازلت المرأة عن نفقتها وكانت كاملة أهلية التصرف في الأموال أيستطيع احد من المسلمين أن يحكم ببطلان أو فساد عقد الزواج إذا كان مستكملا لأركانه وشروطه وكل ما فيه أن المرأة تنازلت عن نفقتها؟

يقول د. أمير عبدالعزيز:” أما المهر والإنفاق عليها فأنهما من حقها، وهي مخولة بالعفو فيهما عن زوجها، وكذا المبيت بعيدا عنها عدة أيام فمن حقها أن تعفو عن زوجها في مثل هذه الوجيبة كغيرها من الوجائب المنوطة بالزواج، ما دامت تفعل ذلك كله طواعية ورضا بعيدا عن القهر والعسف والإكراه.”[37]

ويُرى والله اعلم أن المسالة التي ينبغي أن تثار في زواج المسيار حول النفقة وهي أكثر جدية مما مر من تنازل المرأة عن نفقتها طواعية إذا اشترط الزوج مسيارا أن تتنازل الزوجة عن نفقتها وكان بينهما هذا الشرط فهل هذا الشرط ملزم لها أم انه من الشروط المنافية للزواج؟ أو انه فيما إذا تنازلت الزوجة عن نفقتها بكافة أشكالها في زواج المسيار وجرت سنة التداول بين الناس فأصبحت الزوجة مسيارا ضعيفة بعدما كانت قوية وأمست فقيرة بعدما كانت غنية ، واحتاجت إلى من ينفق عليها وكانت قد تنازلت عن نفقتها في زواج المسيار طواعية وبرضاها، فهل تنازلها ملزم؟

سئل د.نصر واصل فيما لو احتاجت الزوجة مسيارا إلى النفقة بعد زواجها، وان كانت تنازلت عن ذلك الحق فقال:” عندما تحتاج الزوجة في زواج المسيار إلى الحقوق المشروعة لها فمن حقها أن تطالب بها، لأنها من الحقوق العامة المترتبة على الزواج، وحتى وان كان الأصل في هذا الزواج أنها غنية، أو أن أباها سينفق عليها، لكنها احتاجت إلى النفقة فعليها أن تطلبها، كما أن الميراث حق لها، فهي ترث شرعا من زوجها، وحتى إذا كانت تنازلت عن النفقة كحق لها، فليس من حقها أن تتنازل عن الميراث ألا إذا مات الزوج وورثت عنه وتسلمت حقها في الميراث، هنا يمكن أن تتنازل ذلك لان الميراث من الحقوق العامة التي لا يمكن التنازل عنها ألا إذا تسلمته فعلا.”[38]

وهذه مسالة هامة جدا وفي غاية الأهمية وهي بحاجة إلى المزيد من العناية والبيان في زواج المسيار، فهل نحسب تنازل الزوجة عن النفقة شرطا من شروط عقد الزواج؟ وهل هذا شرط لازم يفسخ العقد في حالة الإخلال به؟ أم أنه شرط جائز للزوجة أن تتراجع عنه وخاصة عند الحاجة؟ هل نعتبره شرط لازم على الزوجة أن تفي به من باب الوفاء بالوعود والالتزام بالشروط فهو شرط لازم قضاءً وديانة؟ أم نعتبره شرطا جائزاً فإذا تغيرت ظروف المرأة وتبدل حالها ونزل بها قدر أصبحت معه لا تجد لقمة العيش وهي شديدة الحاجة إلى من ينفق عليها ويوفر لها نفقتها فهل تتمكن من العودة عن شرطها وعدم الإيفاء بتنازلها عن النفقة لأنه شرط جائز يمكن الرجوع عنه؟

والحقيقة أن الإجابة عن كل هذه التساؤلات لم تأخذ المزيد من العناية والرعاية والاهتمام ، واغلب ما ذكر عن النفقة في زواج المسيار أن الزوجة تتنازل عن النفقة فيه، وحسب تصوري فان الأصل بيان الشروط في زواج المسيار هل هي شروط جائزة أم أنها شروط لازمة؟ وحتى لو كانت تلك الشروط لازمة فهل هنالك ظروف واستثناءات تجعلها جائزة ؟

وسألقي الضوء في مبحث كامل مستقل حول هذه التساؤلات وخاصة من الناحية القضائية إلى جانب الناحية الفقهية، لأن مرد الخصومات في قضايا النفقات والفيصل في ذلك كلمة القاضي وحكمه وهذا ما سأبحثه في مبحث مستقل حول كافة الشروط في عقد زواج المسيار أهي لازمة أم جائزة؟

وتجدر الإشارة إلى أن الفرق بين الشرط اللازم والشرط الجائز أن الشروط اللازمة لا يمكن مخالفتها ويجب الوفاء بها أما الشروط الجائزة فانه يمكن الرجوع عنها ولا يلزم الوفاء بها على سبيل الوجوب. وإن مسألة تنازل المرأة عن حقوقها الشرعية مسألة تم بحثها بإسهاب عند الفقهاء كما سأبين ذلك لاحقا إن شاء الله تعالى. والمهم هنا أن تنازل المرأة عن نفقتها لا يخل بالعقد ولا يؤثر على صحته.

زواج المسيار والمبيت

في هذا المطلب سأبحث مسألة هامة جدا ألا وهي حق الزوجة في مبيت الزوج عندها أو ما يسمى بالقسم في الفقه الإسلامي، فإن الناظر في أقوال العلماء الذين خاضوا في زواج المسيار يجد قي معظم أقوالهم أن غالب وقوع هذا النوع من الزواج لزوجة ثانية، بحيث يكون الرجل في زواجا المسيار متزوجا من زوجة أولى.

يقول د. القرضاوي:” الغالب في زواج المسيار يكون الزواج الثاني أو الثالث ولا اعرف من يتزوج للمرة الأولى زواج المسيار هذا فهو نوع من تعدد الزوجات.”[39]

وهذا لا يعني أن هنالك مانع أن يكون زواج الأولى مسيارا ولكن غالب وقوع زواج المسيار في تطبيقات الناس له زواج امرأة ثانية أو ثالثة.

إن من المعلوم في الشريعة الإسلامية أن زواج التعدد مقترن بشروط أول هذه الشروط وأولاها هو عدل الرجل بين نسائه في المعاملة والقسم، والمقصود بالقسم بين النساء حق زوجات الرجل عليه في التسوية في المبيت عند كل واحدة منهن، فيجب عليه شرعا أن يعدل بين نسائه بكيفية تضمن تحقيق العدل والعدالة والتسوية بين زوجاته.

وللفقهاء أقوال في كيفية القسم بين النساء، فللزوج ان يقسم بينهن ليلة ليلة عند كل واحدة، وله أن يقسم ليلتين لكل واحدة، أو ثلاثا ثلاثا لكل واحدة، وله أن يزيد على ذلك برضاهن، والإسلام حرص على تحقيق مسألة القسم بين الزوجات، فقد جاء في سنن أبي داود باب في القسم بين النساء عن أبي هريرة عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:” ثم من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل.وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ثم كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقسم فيعدل ويقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يعني القلب.”[40]

والملاحظ أن مسألة الميل القلبي ليست المقصودة في القسم لان الرجل لا يملك أن يسيطر على قلبه ليسوي في محبته لنسائه على نفس الدرجة، إنما المقصود من ذلك القسم والعدل في المعاملة ومنها المبيت.

أما بخصوص زواج المسيار فان الزوجة تتنازل عن حق المبيت، ولا تطال زوجها بحقها في القسم بين زوجاته، وهي متنازلة عن ذلك.

يقول د. القرضاوي:” المرأة في زواج المسيار لا تطالب حقها في القسم العدل، وهي متنازلة عن ذلك حسب ما يتيسر لزوجها ووفق ظروفه.”[41]

ويصرح د. نصر واصل في معرض بيان صفة المسيار انه عندما يمر الزوج بالقرية أو المدينة التي بها الزوجة يكون من حقه الإقامة معها ومعاشرتها معاشرة الأزواج في الأيام التي يمكثها في هذا البلد، ومن هنا لا يحق للزوجة أن تشترط عليه أن يعيش معها أكثر من ذلك، أو تتساوى مع الزوجة الأولى.”[42]

يقول د. القرضاوي:” لقد رأينا سودة بنت زمعة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها وقد كانت كبيرة السن، وأحست أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعد يقبل عليها كما كان من قبل، وخافت أن يطلقها وتحرم من أمومة المؤمنين، ومن أن تكون زوجته في الجنة، فبادرت وأخبرت الرسول صلى الله عليه وسلم بتنازلها لعائشة رضي الله عنها، فحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وأبقاها في عصمته، وصدق ذلك قوله تعالى: ﴿ وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير ﴾.[43] وأنا لا أفضل أن يذكر مثل هذا التنازل في صلب العقد، وان يكون امرأ متفاهما عليه عرفا، على أن ذكره في صلب العقد لا يبطله، وارى وجوب احترام هذه الشروط كما جاء في الحديث المشهور ” المسلمون عند شروطهم”[44] وهو ضرب من الوفاء بالعهد الذي امر به الله ورسوله، وفي الصحيحين” أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج”[45] أي شروط النكاح.”[46]

وروى البخاري حديث زمعة عن عائشة رضي الله عنها قالت:” ثم كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها، معه وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وأن سودة بنت  زمعة  وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي  صلى الله عليه وسلم  تبتغي بذلك رضا رسول الله  صلى الله عليه.”[47]

وأشار الشوكاني إلى ذلك فقال:” يجوز للمرأة أن تهب نوبتها لضرتها مع بقائها في الزوجية لحديث عائشة أن سودة وهبت يومها لها، أو تصالح الزوج على إسقاطها، وعن عائشة في تفسير قوله تعالى: ﴿ وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير ﴾، قالت : هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر بها فيريد طلاقها ويتزوج غيرها فتقول: امسكني ولا تطلقني ثم تزوج غيري وأنت في حل من النفقة علي والقسم لي.”[48]

والتساؤل الصريح هنا هل المبيت شرط من شروط الزواج أو ركن من أركانه؟ هل تملك المرأة أن تتنازل عن حقها في المبيت ؟ فعلى فرض تنازل المرأة عن حقها في المبيت بحيث تعفي الزوج من هذا الحق وتكون زيارته لها حسبما تيسر له، فهل يخل ذلك في العقد؟ فهل نحسب تنازل الزوجة عن المبيت شرطا من شروط عقد الزواج في زواج المسيار؟ وهل هذا شرط لازم يفسخ العقد في حالة الإخلال به؟ أم أنه شرط جائز للزوجة أن تتراجع عنه وخاصة عند الحاجة؟ هل نعتبره شرطاً لازماً على الزوجة أن تفي به من باب الوفاء بالوعود والالتزام بالشروط فهو شرط لازم قضاءً وديانة؟ أم نعتبره شرطاً جائزاً فإذا تغيرت ظروف المرأة وتبدل حالها ونزل بها قدر احتاجت إلى مبيت الزوج عندها لها أن تعود عما التزمت به؟

يقول د. علي القرداغي:” هنالك فرق بين أن يثبت الحق للمرأة ثم تتنازل عنه لأي مصلحة من المصالح، وفرق بين أن يكون هنالك فرض أو اشتراط من قبل الزوج على الزوجة، وهنالك نصوص فقهية موجودة في كتاب الحاوي للماوردي يقول: لو اشترط الزوج على الزوجة إلغاء حق المبيت بطل عقد النكاح على احد الوجهين وهذا موجود في كتاب الحاوي، والنصوص الفقهية تشير إلى أهمية هذه الشروط خاصة النفقة والمبيت واعتبروها ضمن مقتضيات عقد الزواج.”[49]

بالإضافة إلى ذلك فقد نقل د. محمود السرطاوي عن أمهات المراجع الفقهية بأنه” يجوز للمرأة أن تهب ليلتها لبعض ضرائرها برضا الزوج ، ويجوز لها أن ترجع عن الهبة، ورد أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة تبتغي بذلك مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز لها أن تجعل حقها للزوج ثم يجعله لمن يشاء من نسائه.”[50]

وبعد عرض قصة سودة بنت زمعة وتنازلها عن حق القسم يبقى السؤال الموجه للقضاء خاصة هل هذا تنازل جائز أم انه تنازل لازم؟ وهل يحكم ببطلان العقد كما ذكر الماوردي في كتاب الحاوي في احد الوجهين ؟

وأغلب الظن أن مسألة بطلان العقد لوجود هذا الشرط فانه كلام مرجوح، وأقصى ما يمكن أن يقال أن الشرط لاغ والعقد صحيح أو أن الشرط جائز يمكن أن ترجع الزوجة عنه، أما أن يحكم ببطلان العقد فأمر مستبعد جدا.

وسنلقي الضوء عن خصومة المرأة للرجل أمام القاضي في مسألة المبيت وسأذكر في المبحث الأخير من هذا الفصل أراء الفقهاء في هذه المسالة في حالة الخصومة القضائية حولها إن شاء الله تعالى.

توثيق زواج المسيار

إن القانون اليوم يلزم الناس  أن يستدعوا مسجل الزواج أو المأذون الشرعي، والذي بدوره يقوم بإدارة جلسة تسجيل عقد الزواج، فيبدأ بالخطبة ثم يستدعي ولي الزوجة ثم يستأذن الزوجة ويطمئن على توكيلها لوليها وموافقتها على الزواج من خاطبها ويحضر الشهود،  ثم يوثق كل ذلك في وثيقة الزواج والتي تحمل أسماء الزوجين وسنة ميلادهما، وحرفتهما، ومكان سكناهما قبل الزواج وبعد الزواج، ونوع المهر وكيفية دفع المهر، ويسجل شروط احد الزوجين في خانة الشروط إن وجد، وفي غالب الأمر يكتب المأذون لا شروط بين الزوجين، ثم يكتب المأذون في أسفل الوثيقة أن الزواج جرى حسب الشريعة الإسلامية…. ويقوم الجميع بالتوقيع على وثيقة عقد الزواج التي تحمل رقما في سجلات المحاكم الشرعية، ويقوم المأذون الشرعي بعد وضع ختم المحكمة الشرعية على الوثيقة يقوم بإعطاء كل من الزوجين نسخته، وهذا كله اليوم أصبح شرطاً قانونياً استدعته ضرورة التنظيم والمصلحة العامة ونصت عليه المادة 17 من قانون الأحوال الشخصية الأردني  .

ولم يكن الناس بحاجة إلى مثل هذا التوثيق سابقا، وهذا التوثيق لدى الدوائر الرسمية في الدولة هو حماية لحقوق الزوجين، وهو صون وحفاظ على المصالح والآثار المترتبة على عقد الزواج، وهذا لا يعني أن عدم توثيق عقد الزواج يحدث خللا فيه، بل إن عقد الزواج إذا توفرت فيه أركانه وشروطه يكون صحيحاً ولو لم يوثق هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فان الشريعة الإسلامية لا تمانع من إحداث إجراءات وتنظيمات إدارية أو شكلية تحفظ معاملات الناس وتنظم سبل التعامل بينهم وتحدد كيفية هذا التعامل بما يعود على الناس بالمصلحة.

وقد سمعت  أستاذي د. علي السرطاوي يقول:” إن الشيخ الزرقاء رحمه الله تعالى حدّثهم أنه ناشد الجهات الرسمية في الدول الإسلامية وناشد العلماء أن يلتفتوا إلى أهمية توثيق عقد الزواج، وان أهمية توثيق عقد الزواج في وقتنا المعاصر لا تقل عن أهمية الإشهاد عليه، حيث أن الشهادة على عقد الزواج إنما جعلت حفظا للحقوق وصونا للأعراض، والإشهاد على الزواج وسيلة لا غاية، فإذا أصبحت هذه الوسيلة لا تجدي في تحقيق المقصود منها وهو حفظ الحقوق فالشريعة فحينئذ لا تمانع الشريعة من مساندة هذه الوسيلة بوسائل أخرى مثل توثيق الزواج.”[51] وخاصة أننا نعيش في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل، وأصبحت همم الناس ضعيفة في إحقاق الحق وإبطال الباطل، ولا يخفى على احد كم من دعوى لدى المحاكم الشرعية في العالم الإسلامي تسجل وتحمل رقم أساس كذا تحت اسم إثبات زواج، وقد لمست حاجة ما قاله الشيخ الزرقاء رحمه الله تعالى، وما ناشد العلماء به أثناء عملي في المحاماة الشرعية، ولعلك تمكث أكثر من عام في المرافعة لدى محكمة شرعية ما لإثبات زواج عند إنكار الزوج بسبب عدم توثيقه.

أما بخصوص زواج المسيار وتوثيقه يقول د. القرضاوي:” وزواج المسيار قد يكون غير مسجل فيكون عرفياً، وقد يكون مسجلاً وموثقاً كما هو في كثير من الأحيان في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات وغيرها، وأنا أرجح أن يسجل هذا الزواج ويوثق بشروطه حفظاً للحقوق، وضماناً للمستقبل وحرصاً على سهولة ثبوت نسب الأولاد لأبيهم وميراثهم منه.”[52]

وقد سمعت في إحدى اللقاءات على إحدى الفضائيات د. احمد الكبيسي يصرح حينما سئل عن تسجيل زواج المسيار قال: نحن رفضنا أن نعدل الزواج المذكور في القانون إلى أنواع أخرى سواء كان زواج مسيار أو غيره ونحن عندنا في الإسلام زواج واحد فان انطبقت مواصفات زواج المسيار عليه انطبقت عليه أحكام الزواج الصحيح وإلا فلا، ولا حاجة أن نسجل الزواج بمسميات جديدة.

وما عليه العمل في المحاكم الشرعية وما عليه في معظم البلاد العربية والإسلامية أن استمارة عقد الزواج تحمل اسم وثيقة زواج بدون أي إضافة، فلا يوجد استمارة رسمية يحملها المأذون معنونة بوثيقة عقد زواج مسيار، إنما كل ما في الأمر أن يسجل هنالك شروط الزوجين في خانة الشروط.

وهنا لا بد من الانتباه إلى توثيق عقد زواج المسيار وخاصة عندما يكون سرياً أو عرفياً ولو كان توثيقه في غير المؤسسة الرسمية، فهنالك البدائل في حالة وجود بعض الدول التي تمنع تعدد الزوجات، مثل إجراء أمام محامي حيث يوقع المحامي ختمه وتصديقه على أن الاتفاقية جرت حسب الأصول، أو إجراء بين ذوي الشأن أنفسهم بحيث يوقع الأطراف على وثيقة أمام شهود، وهذا بحد ذاته يمنع الكثير من المحاذير والسلبيات التي يمكن أن ترد على زواج المسيار، وإذا كان توثيق الزواج العادي مطلباً وحاجة ملحة في وقتنا المعاصر فحاجة توثيق عقد زواج المسيار من باب أولى.

عيوب زواج المسيار والمآخذ عليه

تلازم زواج المسيار عيوب ومآخذ لا يستطيع أحد أن يتجاهلها، ولا يستطيع احد أن يقلل من أهميتها، لذلك لا أستغرب عندما اسمع الشيخ القرضاوي مثلاً يقول:” أنا لا أحبذ زواج المسيار، ولم أدع إليه ولم أشجع الناس عليه لا في صحيفة ولا على المنبر ولا في الفضائيات ولا غير ذلك.”[53]

ويمكن أن أذكر بعض هذه العيوب على سبيل المثال لا الحصر على النحو الآتي:

عدم الإحساس والشعور بالشريك الحقيقي في زواج المسيار، وضعف أهم عناصر الحياة الزوجية من المودة والرحمة والسكينة والطمأنينة وتحمل أعباء الحياة، حيث إن رباط الزوجية يتعدى الحقوق المادية والحقوق الجسدية ، قال تعالى: ﴿ هن لباس لكم وانتم لباس لهن ﴾.[54] وقال تعالى: ﴿ ومن ءايته إن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾.[55] هذه هي المعاني الإنسانية المقصودة من الزواج، هذه المعاني لا تبحث في جانب صحة العقد وبطلانه، أو أركانه وشروطه، إنما هي معانٍ تتعلق بالقلب والنفس والمشاعر والأحاسيس، ولا يمكن التغاضي عن ضعف هذه المعاني في زواج المسيار.

غيبة الزوج عن البيت والأضرار الاجتماعية المترتبة على ذلك وخاصة إذا كان الزوج من دولة والزوجة من دولة أخرى أو إذا كان الزوج من بلد والزوجة من بلد بعيد عنها، فالمرأة في زواج المسيار لا يمكن أن تحرك بنت شفة في غياب زوجها عنها، وهذا من ضمن الشروط في زواج المسيار، ولا يقاس هذا الأمر على الزوج الغائب في زواج عادي، لأن الزوج الغائب في الزواج العادي إذا طالت غيبته وتضررت زوجته يمكن لها أن تتقدم بدعوى تفريق للغيبة والضرر، أما هذا الحق فقد سُلب من الزوجة مسياراً، لأنها تنازلت عن حقها في المبيت وتنازلت عن حقها في إلزام زوجها بأن لا يغيب عنها، وما سمي المسيار مسيارا إلا لسرعة الزيارة التي يقوم بها الزوج لزوجته في زواج المسيار. ولها أن تتقدم بدعوى أخرى.

حقوق الأبناء في زواج المسيار ليست في الأمور المالية فقط كالنفقات والميراث والهبات ، وإنما حقوقهم في كافة أوجه التعامل الحياتي،  وهذا موضوع هام جدا حيث إن النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، وما أحسبه في زواج المسيار أن الرجل إذا كان معسراً والمرأة استطاعت أن تكفي مئونة نفسها من مسكن وإنفاق، أحسب أن المرأة في زواج المسيار ستتوجه إلى القضاء بعد إنجاب الطفل الأول للمطالبة بحقوقه المادية والمعنوية، وهذا كله من عيوب زواج المسيار.

هذه بعض عيوب زواج المسيار على سبيل المثال لا الحصر.

أقوال أهل العلم في زواج المسيار

تكلم بعض أهل العلم في حكم زواج المسيار، ويمكن أن نرجع ما كتبوه من فتاوى حول زواج المسيار إلى ثلاثة أقوال، القول الأول: حرمة زواج المسيار وذلك لسرية العقد أو للأضرار الاجتماعية الناجمة عنه ولمخالفته مقاصد الإسلام من وراء مشروعية الزواج، ولحرمان المرأة من حقوقها الشرعية ولو كان هذا الحرمان برضاها. أما القول الثاني: إباحة زواج المسيار مطلقاً لاستيفائه كافة أركانه وشروطه الشرعية التي تلزم لعقد الزواج الصحيح، فالناظر في عقد زواج المسيار وعقد الزواج صحيح لا يفرق بينه وبين عقد الزواج المعروف، وان ما يرد على عقد الزواج المعروف من خلاف للفقهاء حول بعض أركانه وشروطه، هو نفس ما يرد على زواج المسيار فلا فارق بينهما، الأمر الذي يقتضي القول بإباحته مطلقاً ولا يمكن تحريم ما احل الله تعالى. أما القول الثالث: يقول بكراهة زواج المسيار وهو خلاف الأفضل ، والسماح به عند الحاجة مع الكراهة، لمخالفته كثير من السنن الشرعية في الزواج المعروف ولمخالفته عقد الزواج المعروف بتنازل المرأة عن حقوقها الشرعية وان كان برضاها. ومن أهل العلم من فصّل في حكم زواج المسيار على اعتبار انه على غير صورة واحدة كما سيأتي معنا.

قال الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى:” لا حرج في زواج المسيار إذا استوفى العقد الشروط المعتبرة شرعاً، وهي وجود الولي ورضا الزوجين، وحضور شاهدين عدلين على إجراء العقد، وسلامة الزوجين من الموانع، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:” إن من أحق الشروط أن يوفى ما استحللتم به الفروج.”[56]وقوله صلى الله عليه وسلم:” المسلمون عند شروطهم.”[57] فإذا اتفق الزوجان على أن المرأة تبقى عند أهلها أو على أن القسم يكون نهارا لا ليلا، أو في أحد أيام معينة، فلا باس بذلك بشرط إعلان النكاح وعدم إخفائه.”[58]

ويقول الشيخ القرضاوي:” أنا لست من محبذي زواج المسيار ولم اخطب خطبة أقول للناس فيها: أيها الناس تزوجوا زواج المسيار، ولم أكتب مقالا أدعو الناس فيه إلى زواج المسيار، وعندما سئلت عن زواج المسيار فلا يسعني إلا أن أجيب بما بفرضه عليَّ ديني، ولا أستطيع أن احرم شيئا أحله الله تعالى، فهذا زواج فيه العقد والإيجاب والقبول والولي والشهود، وهو الحد الأدنى من الإشهار في الإسلام، فكيف يسع الفقيه أن يقول عن هذا الزواج إنه حرام، قد لا يقبله المجتمع، وهنالك فرق بين أن يكون الزواج مقبولاً اجتماعياً، وبين أن يكون مباحاً شرعاً، فلو تزوجت امرأة خادمها أو سائقها فهذا أمر مرفوض اجتماعياً، ولو حصل الزواج مستوفياً لأركانه وشروطه فهو مستنكر اجتماعياً وشرعاً هو حلال، وهذه قضية في غاية الخطورة مسألة حلال وحرام، ينبغي للعالم الذي يخشى الله تعالى ويحرص على دينه ولا يهمه إرضاء الناس، ولا أستطيع أن أقول الشيء حرام، إلا إذا كان عندي من الأدلة ما يجعلني أقول إن هذا حرام، وأقول أن الزواج قد يرفضه المجتمع مثل زواج الصغيرة من رجل كبير، أو زواج المرأة الكبيرة من شاب صغير، فعملية الحل والحرمة ليست هينة.”[59]

ويقول الشيخ عبدالله بن منيع عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية والقاضي بمكة المكرمة”: الذي أفهمه من زواج المسيار، وأبني على فهمي ما أفتي به حوله أنه زواج مستكمل لجميع أركانه وشروطه، فهو زواج يتم بإيجاب وقبول، بشروطه المعروفة من رضا الطرفين، والولاية، والشهادة، وفيه الصداق المتفق عليه، ولا يصح إلا بانتفاء جميع الموانع الشرعية، وبعد تمامه تثبت لطرفيه جميع الحقوق المترتبة على عقد الزوجية من حيث النسل، والإرث، والعدة، والطلاق، واستباحة البضع، والسكن، والنفقة، وغير ذلك من الحقوق والواجبات إلا أن الزوجين قد ارتضيا واتفقا

ألا يكون للزوجة حق المبيت أو القسم، وإنما الأمر للزوج متى رغب زيارة زوجته المسيار في أي ساعة من ساعات اليوم والليلة فله ذلك.”[60]

ويقول الشيخ د. سيد الطنطاوي:” إن زواج المسيار شرعي تتوفر فيه أركان الزواج.”[61]

يقول د. نصر واصل مفتي الديار المصرية:” المسيار زواج تتوفر فيه أركان العقد الشرعي وشروطه من إيجاب وقبول وشهود وولي وهو زواج موثق.”[62]

والملاحظ من أقوال هؤلاء وغيرهم أن زواج المسيار مباح، لا يمكن القول بمنعه حيث لا دليل على ذلك ولا تحريم إلا بدليل.

ومن خلال مراجعة أقوال العلماء تبين انه من رأى أن الشاهدين في المسيار لا يكفيان للإعلان والإشهار فإذا تم زواج المسيار بسرية تامة وبحضور شاهدين فهو باطل ومحرم. وهنالك من نظر إلى الآثار الاجتماعية التي يسببها هذا الزواج، وقيل إن الشيخ محمد صالح العثيمين أيد هذا الزواج أولا ثم تراجع عنه خشية الآثار الاجتماعية الضارة التي تترتب عليه حيث قال :” إن زواج الرجل في أربع مدن مسيارا قد يجعل للزوج أبناء لا يعلم عنهم شيئا.”[63]

وعارض الدكتور عجيل النشمي  زواج المسيار وقال بان زواج المسيار زواج فاسد.”[64] وهنالك من أهل العلم من يرى التفصيل في زواج المسيار مع عدم استحبابه والحكم بإباحته بصورة عامة مطلقة ، يقول د. علي القرداغي:” أنا في اعتقادي أن هذا الزواج ليس على فنن واحد، ولا بد من تحرير محل النـزاع في زواج المسيار….. فعقد النكاح ليس كبقية العقود، ولذلك الإمام القرافي في كتابه بيّن عدة فروق جوهرية بين عقد الزواج وعقود أخرى. فليس الأصل في اعتقادي في عقد النكاح هو الإباحة، وإنما الأصل في عقد النكاح الالتزام بما ورد فيه، فإذا نظرنا إلى هذا الزواج نجد انه لا يتوفر فيه مقاصد الشريعة الإسلامية من حيث السكن الروحي، وتكوين الأسرة، وتربية الأسرة، وتوجد مسائل مخالفة للشريعة، وهذه المخالفات تكمن في الشروط، وشروط التنازل عن النفقة أو حق المبيت في اعتقادي أنها تدخل ضمن التنازل عن مقتضيات عقد الزواج، والنصوص الفقهية تشير إلى أهمية هذه الشروط خاصة النفقة والمبيت واعتبروها ضمن مقتضيات عقد الزواج. هنالك فرق بين أن يثبت الحق للمرأة ثم تتنازل عنه لأي مصلحة من المصالح، وفرق بين أن يكون هنالك فرض أو اشتراط من قبل الزوج على الزوجة، وهنالك نصوص فقهية موجودة في كتاب الحاوي للماوردي يقول: لو اشترط الزوج على الزوجة إلغاء حق المبيت بطل عقد النكاح على أحد الوجهين وهذا موجود في كتاب الحاوي،  فلذلك نرى حقيقة هذا العقد ليس من العقود التي ينبغي أن يفتى بها الفتاوى العامة، وفي غالب زواج المسيار السر وزواج السر باطل عند المالكية، وحتى يُحَدُّ الزوج والزوجة، ويفسخ العقد عندهم وحتى ولو وجد شهود، وفي بعض الأحيان زواج المسيار ليس فيه ولي فيكون باطلاً لذا لا ينبغي أن يفتى به فتوى عامة “[65].

ويقول د. أمير عبدالعزيز أستاذ الفقه المقارن في جامعة النجاح الوطنية في فلسطين يقول:” وخلاصة القول في نكاح المسيار، أنه لا تثريب على بعض الازواج إذا ما أحوجتهم ظروف وطوارئ إلى التلبس بمثل هذا النكاح ما دام قد استوفى أركانه وشروطه، مع أنه خلاف الأفضل وهو الإشهار صراحة بلجة، وإعلان ذائع مستفيض، في غير خور أو اضطراب أو استحياء.”[66]

أما رأيي بخصوص هذا الزواج فانه إذا وقع مستوفيا لأركانه وشروطه الشرعية من توفر الصيغة بإيجاب وقبول ووجود الولي وحضور شاهدين فانه يقع زواجا صحيحا، ويترتب عليه كافة آثار الزواج المعروف، وان تنازل الزوجة عن بعض حقوقها لا يعتبر خللاً في صحة العقد، مع الإشارة أن هذا النوع من الزواج كما مر معنا ينشأ في ظروف خاصة اغلبها تتعلق بدوافع الزوجة نحو القبول بهذا النوع من الزواج، وستبقى الظروف الخاصة بالمرأة هي التي تحوجها إلى هذا النوع من الزواج.

زواج المسيار بين الوصف الفقهي والتطبيق الواقعي

ذكرت سابقا أقوال أهل العلم في حكم زواج المسيار، ولعل الرأي الذي تطمئن إليه النفس وينشرح له الصدر والذي يمكن أن يوفق بين المؤيدين لزواج المسيار والمعارضين له هو النظر في حالة السائل عنه والطالب له والإجابة وفق حالة السائل والمواصفات الذي يتصف بها السائل عنه والطال له، وهذا باب عظيم في تصويب وترشيد الفتوى، ويسمي ذلك الأصوليون تحقيق المناط الخاص، وقد كنت أعددت أطروحة لنيل درجة الماجستير حول هذه القضية بعنوان المناط وقد ورد فيها.

يقول الشاطبي:  “وعلى الجملة فتحقيق المناط الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية ، بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة ، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل ، هذا بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره ، ويختص غير المنحتم بوجه آخر: وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت ، وحال دون حال ، وشخص دون شخص ، إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد ، فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة ، ولا يكون كذلك بالنسبة للآخر….وصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف النفوس ومراميها ، وتفاوت إدراكها ، وقوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها ، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها ، فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها ، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف ، فكأنه يخص عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق لكن مما ثبت عمومه في التحقيق الأول العام.”[67]

وذكرت في أطروحة الماجستير أهمية تحقيق المناط الخاص فقلت:” لا يمكن أن يُستغنى عن قاعدة تحقيق المناط الخاص عند الإفتاء وصناعة الفتوى أو عند القضاء وإصدار الأحكام حيث تبقى هذه القاعدة الجليلة هي أهم الآلات والأدوات التي يملكها المفتي أو القاضي أو ولي الأمر لصناعة ما يصدره من أحكام على أحسن وجه بما يتلائم مع مقصد الشارع من إنزال الشريعة ،ولعل الأهم من ذلك عند استعمال تلك القاعدة يمكن أن تظهر صورة الشريعة الإسلامية متحدة كلها متناسقة كلها متحدة في غاية واحدة ، مهما زادت فروعها وتبدلت وسائلها ويخشى على الفقيه أو القاضي أو ولي الأمر عدم إدراك تلك القاعدة وفهم المهمة التي أنيطت بها وكيفية استعمالها عند تطبيق الأحكام الشرعية بحيث تكون نتيجة التطبيق بعكس ما قصد من وضع الشريعة، تجلب المفاسد وتدرء المصالح بدل جلب المصالح ودرء المفاسد ، إذ أن الشريعة وضعت لجلب المصالح ودرء المفاسد ،وان عدم الالتفات إلى قاعدة تحقيق المناط الخاص قد يؤدي إلى نتيجة عكسية غير النتيجة المتوقعة والتي هي مراد الشارع من تشريع الأحكام الشرعية  وحق إذا قيل تحقيق المناط لا يستغني عنه أحد من أهل الفقه والفتوى.”[68]

ووجه إيراد هذا الكلام هنا على اعتبار أنه لو سلمنا أن زواج المسيار زواج صحيح من الناحية الفقهية التشريعية إلا أن هذا الأمر لا يمانع أن يمنع في بعض صوره عند التطبيق، لان الجزيئات في الفقه الإسلامي مردها إلى الكليات ولا يمكن بتر الجزئيات عن الكليات، ألا ترى أن الشريعة الإسلامية قد أنشأت خططا تشريعية تحميها من أن تعود على نفسها بالتناقض أو الهدم مثل الاستحسان، أو سد الذرائع، أو فتح الذرائع، أو قاعدة مراعاة الخلاف، وهذه كلها خطط تشريعية ضمنت تحقيق المبدأ الذي أنزلت من اجله الشريعة وهو جلب المصالح للناس ودفع المفاسد عنهم.

ولا يمكن أن ينفك زواج المسيار عما ذكر سابقا، إذ ماذا يقولون في زواج رجل تزوج مسيارا من أربعة نسوة يعشن في دول مختلفة لا تعلم الواحدة عن الأخرى أن زوجها متزوج من غيرها، وقد أنجب من جميعهن أطفالا وكان هذا المسيار سرياً ولم يوثق لدى محكمة شرعية ، وكل ما في أمر هذا الزواج أن حضره شاهدان أعطي الواحد منهم خمسة دنانير وتم الزواج بحضور ولي المرأة أو بعدم حضورها، وأصبح الرجال يقلدون هذا الرجل وأصبحت شريحة كبيرة من الرجال في المجتمعات الإسلامية متزوجة من عدة نساء دون أي توثيق وله عدة أبناء في عدة دول دون أن يكون هنالك أي ضمانات لإثبات الزوجية وإلحاق النسب، وما على هذا الرجل سوى أن يبعث يرفع الهاتف ليخبر زوجته مسيارا أنها طالق منه ويغلق الهاتف ، ثم ينتقل إلى زواج امرأة أخرى زواج المسيار وهكذا دواليك، فهل تقبل الشريعة الإسلامية هذا منه لان الصيغة متوفرة والشهود حاضرون، لا أحسب أن الشريعة الإسلامية تقبل هذا الزواج على هذه الشاكلة بهذه الصورة لان الزواج أصبح وسيلة في هذه الصورة تفضي إلى ضياع الحقوق وجلب المفاسد بدل المصالح وخاصة ضياع الأولاد وكثرة الفساد.وقريب من هذه الصورة ما مر معنا من أن الشيخ محمد صالح العثيمين أيد هذا الزواج أولا ثم تراجع عنه خشية الآثار الاجتماعية الضارة التي تترتب عليه حيث قال :” إن زواج الرجل في أربع مدن مسيارا قد يجعل للزوج أبناء لا يعلم عنهم شيئا.”[69]

ومن ناحية أخرى لا يمكن أن نغفل دوافع المرأة إلى مثل هذا الزواج ولا يمكن أن نمعنه مطلقا فهنالك حالات معينة، الخير فيها وكل الخير أن يتم الزواج ولو مسياراً، كأن تتزوج امرأة غنية من رجل وقد فاتها قطار الزواج وتخشى على نفسها الفتنة وتطمع أن يرثها أولادها، فتقدم على مثل هذا النوع من الزواج متنازلة عن كافة حقوقها الشرعية، موثقة لزواجها بوثيقة رسمية أو غير رسمية، ومقدمة على هذا الزواج بصراحة بلجة، وإعلان ذائع مستفيض، في غير خور أو اضطراب أو استحياء. فما الداعي إلى حرمان هذه المرأة من تحقيق بعض ما تملي عليها إنسانيتها، ففي مثل هذه يمكن أن يفتى بزواج المسيار ولا يكون لتنازل المرأة عن كافة حقوقها الشرعية أي اثر في منعه.

والخلاصة والله اعلم أن الصورة التطبيقية لزواج المسيار تحدد إما منعه ولو باسم سد الذرائع أو إجازته ولو باسم فتح الذرائع وما كانت غاية وجود قاعدة تحقيق المناط الخاص في الشريعة الإسلامية إلا مثل هذه المسائل وهذا ما سأبينه في الفصل الأخير.

السؤال هو بعد كل هذا البحث يبقى السؤال عن قوامة الرجل في زواج المسيار

تكلم أهل العلم عن قوامة الرجل للمرأة، ولا يخلو كتاب تفسير من التعرض لقوامة الرجل على المرأة عند تفسير لقوله تعالى: ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا أموالهم ﴾[70]، أو قوله تعالى: ﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة﴾[71].

وقد اجمع أهل العلم على قوامة الرجل على المرأة وان اختلفوا في تفسيرها، وان مما اتفق عليه الفقهاء أن للرجل حق الطاعة على زوجته ما لم تكن في معصية الله تعالى إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد اكتسب الرجل هذه المكانة والتي هي في الحقيقة مكانة تكليف لا مكانة تشريف حسب الآية الكريمة لسببين: الأول: استعداده الجسمي ورجولته والتي تختلف عن الأنثى، والثاني: أن الشريعة الإسلامية فرضت عليه الإنفاق حيث ألزمته بتوفير النفقة على كافة أشكالها وأنواعها، فكأن الرجل غرم الإنفاق وغنم الطاعة، فالإنفاق سبب هام في قوامة الرجل على المرأة، ولا يستطيع أحد أن يتجاهل الآية القرآنية ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا أموالهم ﴾، فالآية صريحة الدلالة في بيان أهمية الإنفاق في استحقاق الرجل القوامة على زوجته.

والسؤال المطروح هل يفقد الرجل في زواج المسيار قوامته على المرأة؟ وهل يؤثر تنازل المرأة عن نفقتها على قوامة الرجل؟

يقول القرضاوي:” القوامة قائمة على أساس الرجولة، يعني الرجل مسؤول، فالقوامة جزء.. والإنفاق جزء، إنما لو فرض أن الرجل كانت امرأته غنية تنفق على البيت، هل معنى هذا أنه لا يصبح مسؤولاً عن البيت؟ لا هو المسؤول وهو القوام من غير شك.”[72]

ويمكن ان أعلق على كلام القرضاوي بأنه كلام يتفق مع الإنفاق في زواج المسيار من وجه ويختلف عنه من وجوه، الأمر الذي يجعل المقارنة بين هذه الفرضية وإنفاق المرأة في زواج المسيار مقارنة مع فارق كبير، لان الفرض الذي جاء به د. القرضاوي من إنفاق امرأة غنية على بيتها لا يفقد الرجل قوامته هذا في حال أنها تنفق طواعية لا ملزمة ولا مشترط عليها، ولها أن تمتنع في أية لحظة من الإنفاق على زوجها أو نفسها أو بيتها ولها وان كانت غنية أن تتقدم إلى القضاء بدعوى نفقة إذا لم ينفق عليها زوجها وكانت محتبسة له في بيت الزوجية أو مستعدة للاحتباس، ولا يستطيع احد أن يحرك بنت شفة حول استحقاق المرأة الغنية للنفقة إذا توفرت أسبابها.

أما في زواج المسيار كما مر معنا يشترط على المرأة أن تلتزم بما اتفق عليه الزوجان من تنازلها عن مهرها وعن حقها في المبيت وعن نفقتها، وعلل ذلك بأن المؤمنين عند شروطهم فهي ملزمة بما ألزمت به نفسها، وكل من سعى في نقض ما تم من جهته فهو مردود عليه، وهذا من أهم الشروط في زواج المسيار، لذا لا يمكن المقارنة بين زوجة غنية تزوجت زواجاً عادياً طبيعياً تنفق على زوجها أو على نفسها وبيتها من مالها الخاص وبين زوجة غنية تزوجت زواجاً مسياراً تنفق على زوجها أو على نفسها أو بيتها من مالها الخاص فالأولى متطوعة مختارة لها أن تنقطع متى شاءت والثانية ملزمة وعقد الزواج جرى على هذه الشروط أو بعضها.

والصورة الواقعية لهذا الزواج أن غالب النساء اللواتي يقبلن أن يتزوجن زواج مسيار نساء عاملات محترفات، أو نساء غنيات ورثن أموالا كثيرة، وبما أن المرأة في زواج المسيار تتنازل عن نفقتها وعن حقها في المبيت وعن مهرها وهذه أهم استحقاق قوامة الرجل على المرأة فان الرجل يفقد جزءً كبيراً من قوامته، والجزء المتبقي هو شكلاً لا أكثر ولا أقل ، وحتى لو لم يذكر ذلك صراحة عند مجلس عقد الزواج فانه معلوم ضمنا إذ لا يمكن أن يستشعر أو يطمئن الرجل بأنه قوّام على زوجته التي لا ينفق عليها ولا يبيت عندها ولم يدفع لها مهر، والآية الكريمة التي مرت معنا أشارت إلى أهمية الإنفاق في استحقاق النفقة لان الزوج غرم الإنفاق وغنم القوامة وهذا غير متحقق في زواج المسيار، وعلى فرض أن امرأة تزوجت مسياراً وكانت موظفة في إحدى الشركات تعتاش وتنفق على بيتها من راتبها الشهري، فهل يستطيع الزوج مسيارا أن يأمرها بالاحتباس له في المسكن الذي وفرته لنفسها وتنفق عليه من مالها الخاص؟ هل يستطيع الزوج أن يأمرها بان تمكث في البيت ولا تخرج إلى العمل إلا بإذنه، هل لها أن تخرج إلى كافة مصالحها دون إذن زوجها مسيارا؟

وكذلك انعقد إجماع المسلمين على وجوب نفقة الزوجة على زوجها، وسبب ذلك أن المرأة محتبسة في بيت الزوجية، غير قادرة على الاكتساب لان الأصل في استحقاق الزوجة للنفقة بعد توفر العقد الصحيح هو احتباسها في بيت زوجها، والنفقة تشمل الأكل والشرب والملبس والعلاج والمسكن وغيرها.

وحسب تصوري أن الزوج لا يستطيع أن يملك حق القوامة لأنه حينما رضي أن تتنازل المرأة عن نفقتها وحق المبيت والمسكن والمهر فهو رضي أيضا أن يتنازل عن قوامته، ورضي ضمناً أن لا تلتزم باحتباسها له إذ لا يتصور أن يبقى الرجل في زواج المسيار غانماً للقوامة وغير غارم للنفقة والآية صريحة في هذا الأمر قال تعالى: ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا أموالهم ﴾[73]، فالآية صريحة الدلالة في بيان أهمية الإنفاق في استحقاق الرجل القوامة على زوجته.

يقول د. حسام الدين عفانة رداً على ذلكجاء كلامه في سياق تعقيبه على كتاب مسميات الزواج المعاصرة الذي اولاني شرفا أن قدم له زلم يعترض على تثبيت ما ذهبت اليه في الكتاب مع الإشارة الى تثبيت رده بقوله  :” إن قوامة الرجل ثابتة بنص الكتاب الكريم والسنة النبوية، ولا تسقط في زواج المسيار ولا في غيره، ورأي القرضاوي هو الصحيح في هذه المسألة.”[74]

والخلاصة أن د. حسام الدين عفانة ود. القرضاوي يرون أن قوامة الرجل لا تسقط بأي حال فهي ثابتة بالكتاب والسنة، وان تعليل ثبوت القوامة بالإنفاق كلام غير مقبول أبدا.

 

الخلاصة:

كما انه ينبغي الحرص على عدم تحميل النص الشرعي ما لا يطيق لتجنب الضلالة فانه أيضا ينبغي الحرص على عدم اهمال ما يطيقه النص لتجنب الجمود ففي الضلال غواية وفي الجمود تعطيل وكلاهما منهي عنه شرعا.

او يمكن القول وكما أنه لا يجوز أن تحمّل النصوص الشرعية ما لا تطيق، فانه لا يجوز أن تتركها والسكوت عن  تحمّلها ما تطيق، في تحميل النص ما لا يطيق ضلاله وفي عدم تحميله ما لا يطيق جمود وكلاهما منهي عنه.

المراجع

 [1] السيوطي-عبد الرحمن بن أبي بكر محمد –تقرير الاستناد في تفسير الاجتهاد- دار الدعوة الإسكندرية  الطبعة الأولى  ج 1 ص 30 تحقيق د.فؤاد عبد المنعم احمد.

 [2] الشهرستاني-محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر احمد –الملل والنحل-دار لمعرفة بيروت-الجزء 1 ص 199 تحقيق محمد سيد كيلاني.

 [3] الغزالي-محمد بن محمد أبو حامد –المنخول في تعليقات الأصول -دار الفكر دمشق الطبعة الثانية- ص 485 تحقيق د.محمد حسن هيتو

[4]  الشاطبي- إبراهيم بن إسحاق اللخمي الشاطبي- الموافقات – دار المعرفة بيروت – الجزء 4 ص 89

 [5] الدريني- محمد فتحي – المناهج الاصوليه في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي-مؤسسة الرسالة الطبعة الثالثة 1997-ص 30.

 [6] الدريني- محمد فتحي –  بحوث مقارنة – مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى 1994 ص 32 وبعدها

[7] يوسف القرضاوي، صحيفة القدس الصادرة بتاريخ 27/5/1998 ص14 وانظر للقرضاوي زواج المسيار حكمه وحقيقته، وانظر موقع الجزيرة نت، برنامج الشريعة والحياة، حلقة عن زواج المسيار بتاريخ 3/5/1998.

[8] د. أمير بن عبدالعزيز، محاضرات ألقيت على طلبة الماجستير، جامعة النجاح الوطنية نابلس فلسطين.

[9] الأشقر، أسامة عمر، مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، دار النفائس، الطبعة الأولى 2000م ص161

[10] عرفات بن سليم الدمشقي، نكاح المسيار، المكتبة العصرية، بيروت،ص3

[11] انظر كلام محمود السرطاوي في كتاب مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق لأسامة الأشقر ص163

[12] القرضاوي، يوسف عبدالله القرضاوي، زواج المسيار، حقيقته وحكمه، مكتبة وهبه، الطبعة الأولى 1999 القاهرة ص9.

[13] الشيخ عبدالله بن منيع عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية والقاضي بمكة المكرمة لقاء منشور في مجلة الأسرة العدد 46 ص15

[14] د. علي محمد السرطاوي، مبدأ المشروعية في الشريعة الإسلامية، رسالة دكتوارة، الجامعة الأردنية عمان 1997 ص90 .

[15] د. أمير بن عبدالعزيز، محاضرات ألقيت على طلبة الماجستير، جامعة النجاح الوطنية نابلس فلسطين.

[16] القرضاوي، ، زواج المسيار، حقيقته وحكمه، مكتبة وهبه، الطبعة الأولى 1999 القاهرة . وانظر جريدة القدس الصادرة بتاريخ 27/5/1998.

[17] د. محمد الشريدة المحاضر في جامعة النجاح الوطنية نابلس، فلسطين، مقال في جريدة الأيام الصادرة بتاريخ 13/06/1998.

[18] القرضاوي، يوسف عبدالله القرضاوي، زواج المسيار، حقيقته وحكمه، مكتبة وهبه، الطبعة الأولى 1999 القاهرة ص9.

[19] د. أمير بن عبدالعزيز، محاضرات ألقيت على طلبة الماجستير، جامعة النجاح الوطنية نابلس فلسطين

[20] سيد طنطاوي، جريدة القدس الصادرة بتاريخ 27/05/1998 ص14

[21] د. نصر واصل، مفتي الديار المصرية، مجلة أريج، عدد21 ص23

[22] د. أمير بن عبدالعزيز، محاضرات ألقيت على طلبة الماجستير، جامعة النجاح الوطنية نابلس فلسطين.

[23] د. عزيزة المانع، مجلة الوطن العربي، عدد 1111 ص55

[24] يوسف القرضاوي، جريدة القدس عدد 10340 وانظر للقرضاوي زواج المسيار، حقيقته وحكمه، مكتبة وهبه، الطبعة الأولى 1999 القاهرة ص9 وما بعدها.

[25] سورة النساء آية 4

[26] صديق خان، الروضة الندية،1/410

[27] د. محمود علي السرطاوي، شرح قانون الأحوال الشخصية، دار الفكر للنشر والتوزيع عمان ص166

[28] سورة النساء ايه4

[29] د. محمود علي السرطاوي، شرح قانون الأحوال الشخصية، ص166 وما بعدها بتصرف. وانظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير2/294

[30] ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي أبو عبد الله، زاد الميعاد مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الثالثة والعشرون سنة 1989م 5/178

 

[31] القرطبي، محمد بن احمد بن أبي بكر الجامع لأحكام القران، دار الشعب القاهرة، الطبعة الثانية3/18

[32] د. أمير بن عبدالعزيز، محاضرات ألقيت على طلبة الماجستير، جامعة النجاح الوطنية نابلس فلسطين.

 

[33] سورة الطلاق الاية7

[34] مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي بيروت، 7/305 ت.فؤاد عبدالباقي.

 

[35] يوسف القرضاوي، صحيفة القدس الصادرة بتاريخ 27/5/1998 ص14 وانظر للقرضاوي زواج المسيار حكمه وحقيقته ص11 وما بعدها، وانظر موقع الجزيرة نت، برنامج الشريعة والحياة، حلقة عن زواج المسيار بتاريخ 3/5/1998

[36] د.محمود عبدالمتجلي خليفة عضو لجنة الفتوى في الأزهر الشريف، انظر مقال في مجلة التصوف الإسلامي

[37] د. أمير بن عبدالعزيز، محاضرات ألقيت على طلبة الماجستير، جامعة النجاح الوطنية نابلس فلسطين.

 

[38] د. نصر واصل، مفتي الديار المصرية، مجلة أريج، عدد21 ص23

 

[39] يوسف القرضاوي، زواج المسيار حكمه وحقيقته، وانظر موقع الجزيرة نت، برنامج الشريعة والحياة، حلقة عن زواج المسيار بتاريخ 3/5/1998

[40] أبو داود, سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي، سنن أبي داود، دار الفكر  2 /242

 

[41] يوسف القرضاوي، زواج المسيار حكمه وحقيقته، وانظر موقع الجزيرة نت، برنامج الشريعة والحياة، حلقة عن زواج المسيار بتاريخ 3/5/1998.

[42] د. نصر واصل، مفتي الديار المصرية، مجلة أريج، عدد21 ص23

 [43] سورة النساء الآية 138

[44] البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله الجعفي،الجامع الصحيح المختصر، دار ابن كثير , بيروت- 1987، الطبعة  الثالثة 2/ ،794تحقيق د. مصطفى ديب البغا

[45]  البخاري، الجامع الصحيح، 2/970 وانظر مسلم ، صحيح مسلم،2/1035

[46] يوسف القرضاوي، صحيفة القدس الصادرة بتاريخ 27/5/1998 ص14 وانظر للقرضاوي زواج المسيار حكمه وحقيقته، وانظر موقع الجزيرة نت، برنامج الشريعة والحياة، حلقة عن زواج المسيار بتاريخ 3/5/1998

[47] البخاري، الجامع الصحيح، 2/955

[48] الشوكاني، احمد بن محمد بن علي، السموط الذهبية الحاوية للدرر البهية، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1990ص161. وانظر ابن تيمية،أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس،كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه،دار النشر :: مكتبة ابن تيمية 32/270 تحقيق عبد الرحمن محمد قاسم العاصمي النجدي الحنبلي. وانظر الكافي في فقه ابن حنبل لابن قدامه، بيروت، الطبعة الخامسة 3/138. وانظر ، محمد بن إدريس الشافعي أبو عبد الله، الأم، دار المعرفة، بيروت 13936هـ الطبعة الثانية 5/189. الشافعي

[49] د. علي قرداغي، مداخلة قيمة في برنامج الشريعة والحياة، موقع الجزيرة نت،  حلقة عن زواج المسيار بتاريخ 3/5/1998.

[50] د. محمود علي السرطاوي، شرح قانون الأحوال الشخصية، دار الفكر للنشر والتوزيع عمان ص249

[51] د. علي السرطاوي،  محاضرات ألقيت على طلبة الماجستير، جامعة النجاح الوطنية نابلس فلسطين.

[52] يوسف القرضاوي، صحيفة القدس الصادرة بتاريخ 27/5/1998 ص14 وانظر للقرضاوي زواج المسيار حكمه وحقيقته.

[53] يوسف القرضاوي، زواج المسيار حكمه وحقيقته، وانظر موقع الجزيرة نت، برنامج الشريعة والحياة، حلقة عن زواج المسيار بتاريخ 3/5/1998.

[54]  سورة البقرة الآية 187

[55] سورة الروم الآية 21

[56] البخاري، صحيح البخاري، 2/970   وانظر مسلم، صحيح مسلم، 3/1035

[57]   أبو داود, ، سنن أبي داود، 2 /242 وانظر الترمذي، محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي، الجامع الصحيح سنن الترمذي، دار إحياء التراث العربي بيروت 3/634 تحقيق :: أحمد محمد شاكر وآخرون.

[58]  ابن باز، جريدة الجزيرة، العدد 8768 1417هـ، وانظر كناب فتاوى علماء البلد الحرام تقديم الشيخ سعد بن عبدالله البريك

[59] للقرضاوي، زواج المسيار حكمه وحقيقته، وانظر موقع الجزيرة نت، برنامج الشريعة والحياة، حلقة عن زواج المسيار بتاريخ 3/5/1998.

[60] الشيخ عبدالله بن منيع عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية والقاضي بمكة المكرمة لقاء منشور في مجلة الأسرة العدد 46 ص15

[61] سيد طنطاوي، جريدة القدس الصادرة بتاريخ 27/05/1998 ص14

[62] د. نصر واصل، مفتي الديار المصرية، مجلة أريج، عدد21 ص23

[63] انظر مجلة أريج عدد 21، وانظر موقع الجزيرة نت، برنامج الشريعة والحياة، حلقة عن زواج المسيار بتاريخ 3/5/1998.

[64] انظر موقع الجزيرة نت، برنامج الشريعة والحياة، حلقة عن زواج المسيار بتاريخ 3/5/1998.

 

[65] د. علي قرداغي، مداخلة قيمة في برنامج الشريعة والحياة، موقع الجزيرة نت،  حلقة عن زواج المسيار بتاريخ 3/5/1998.

[66] د. أمير بن عبدالعزيز، محاضرات ألقيت على طلبة الماجستير، جامعة النجاح الوطنية نابلس فلسطين.

[67]   الشاطبي – الموافقات في أصول الشريعة الإسلامية، دار المعرفة، بيروت – 4/98

[68] انظر للمؤلف رسالة ماجستير بعنوان المناط،جامعة النجاح الوطنية نابلس فلسطين 2003 ص144

[69] انظر مجلة أريج عدد 21، وانظر موقع الجزيرة نت، برنامج الشريعة والحياة، حلقة عن زواج المسيار بتاريخ 3/5/1998.

[70] سورة النساء الآية 34

[71]  سورة البقرة الآية 228

[72] يوسف القرضاوي، زواج المسيار حكمه وحقيقته، وانظر موقع الجزيرة نت، برنامج الشريعة والحياة، حلقة عن زواج المسيار بتاريخ 3/5/1998.

 

[73] سورة النساء الآية 34

[74]  د. حسام الدين عفانة ، ” جاء كلامه في سياق تعقيبه على الكتاب”

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017