في علم الغيب: نحن على عقيدة أمّنا عائشة -رضي الله عنها- ولسنا على عقيدة العجوز اليهودية أو مُذَنَّب “هالي”‎

الجمعة 11 فبراير 2022
شارك المقال

 

هنالك فارق بين التّحليلات والآراء وبين العقيدة الإسلاميّة، فالعقيدة الإسلاميّة تنصّ أنّ علم الغيب هو ممّا استأثر الله تعالى بعلمه، كما دلّت على ذلك نصوص الكتاب والسّنة الإسلاميّة. لم تُفتح بوابة علم الغيب لبشريّ من غير الرّسل فيما أراد الله أن يخبروا الناس به، سواء كان غيبًا قديمًا أو غيبًا حاضرًا أو غيب مستقبلي. وبموت خاتم النّبيّين، رسولنا محمد صلّى الله عليه وسلم، أُغلق باب الغيبيّات المستقبليّة أمام البشر.

كثر الحديث هذه السّنة عن “زوال إسرائيل”، على اعتبار أنّ هذه السّنة (2022) المعيّنة -وفق وجهات نظر وآراء وتحليلات بعض الناس- لـ “زوال إسرائيل”، تارة بالاستناد إلى التّفسير العدديّ للقرآن الكريم وتارة إلى مراجع أخرى مختلفة. وأصل تطوير فكرة زوال إسرائيل سنة 2022 هي الحكاية المشهورة عن الشّيخ “محمد أحمد الرّاشد”، والّتي ذكر فيها أنّ عجوزًا يهوديّة عراقيّة دخلت باكية على والدة الرّاشد حين قامت دولة “إسرائيل”، وقد أثار بكاؤها استغراب والدة الرّاشد، وهو ما بددته العجوز بقولها “إنّ هذه الدولة لن تدوم أكثر من 76 سنة”. وقد جاء في موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة، يوسف الحاج أحمد، الطبعة الثانية، 2003، ص 72، وفيها بدايتها كما أشرت محاضرة مكتوبة للكاتب العراقي “محمد أحمد راشد” وهي محاضرة تتعلق بالنظام العالمي الجديد، وقد جاء فيها: عندما أعلن عن قيام دولة إسرائيل عام 1948 دخلت عجوز يهودية على أم محمد الراشد وهي تبكي، فلما سألتها عن سبب بكائها وقد فرح اليهود، قالت: إنّ قيام هذه الدولة سيكون سببًا في ذبح اليهود. ثم يقول الراشد أنّه سمعها تقول أنّ هذه الدولة ستدوم 76 سنة، وعندما كبر رأى الأمر يتعلق بدورة مذنب مالي، إذ أنه مرتبط بعقائد اليهود”. أ,هـ

أما مذنب مالي/ هالي مذنب هالي (‎/‏ˈhæli‎/‏ أو ‎/‏ˈheɪli‎/‏), يشار إليه رسميًّا 1P / هالي, هو مذنب قصير الدورة، مرئي من الأرض كل خمسة وسبعين أو ستة وسبعين عامًا، وهو المذنب الوحيد ذو الدورة القصيرة الذي يُرى بالعين المجردة من الأرض بشكل متكرر. وهو أيضًا المذنب الوحيد الذي يمكن أن يُرى بالعين المُجرّدة مرتين في حياة الإنسان. ظهر آخر مرة المذنب هالي في الأجزاء الداخلية من النظام الشمسي في عام 1986، وسوف يظهر بعد ذلك في منتصف 2061 م( ويكبيديا).

إنّ سنّة التّداول في الحكم والتّمكين هي جزء من عقيدة المسلمين، قال تعالى “إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ” (140)آل عمران، وقال أيضًا “قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (26)آل عمران، فزوال حكم إسرائيل أو زوال حكم الصّين أو زوال حكم أمريكا، هذا أمر حتميّ يخضع لسنّة التّداول والتّمكين، وقد حكمت العالم في الماضي دول بالكاد لها اسمها على الخارطة العالميّة اليوم.

 

إذن مسألة زوال حكم وتمكين كيان ما أو دولة ما هو أمر حتميّ لا خلاف عليه، حتى نحن المسلمين لم نسلم منه، فقد زالت هيبتنا كأمّة إسلاميّة وفقدنا الإرادة الإسلاميّة المستقلّة كقادة بين الأمم، والأسباب كثيرة من حيثُ قانون الدّنيا الّذي أودعه الله في الأرض في العلاقة بين السبب والنّتيجة. وعليه، فمن تكلّم عن زوال إسرائيل وغيرها -على العموم- دون تحديد زمن معيّن، فقد وافق الشريعة الإسلاميّة وأصاب العقيدة الإسلاميّة، ومن شرع بالحديث عن الغيب بتحديد أيام وأشهر وسنين على أحداث وغيبيّات مستقبليّة، فقد تدخّل في شأن من شؤون الله سبحانه وتعالى، فعلم الغيب مما استأثر الله تعالى بعلمه، كما دلّت على ذلك نصوص الكتاب والسّنة، فقد قال الله تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) النمل/65 ، وقال سبحانه: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) الأنعام/59. وروى البخاريّ في صحيحه حديث رقم (4477) عن عائشةَ -رضي الله عنها- أنّها قالت: (من حدّثك أنّه يعلم ما في غد، فقد كذب، ثم قرأت: وما تدري نفس ماذا تكسب غدا).

 

صحيح أنّ الّذين يتكلمون في الغيبيّات يُضيفون جملة، أنّ كلامهم ليس على وجه اليقين أو الحتميّ، وأنّه رأي وظنّ، لكنّ عموم المسلمين، لا يفرّقون بين الخاطر والهمّ والشّك، وبين الظّنّ وغلبة الظّنّ والرّأي واليقين، وهذه المصطلحات وتعريفاتها وأثرها في الاجتهادات يعرفها أهل التّخصص.

 

وسواء أصابت العجوز اليهوديّة في توقعها أم لم تصب، ستظلّ مرجعتينا -نحن المسلمين- في الغيبيّات فيما ذهبت إليه أمّنا عائشة (رضي الله عنها) “من حدّثك أنّه يعلم ما في غد، فقد كذب، ثم قرأت: (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا). مع الإشارة أنّنا كنّا ذات يوم في مكان ما نتداول أمرًا ما في مجلس حضره كبار من علماء فلسطين، (والحديث يجر الحديث)، حتى قال أحدهم- وهو من هو-  “غريب أنّهم يحدّثوننا عن زوال إسرائيل، ولا يحدثوننا عن الذي سيحلّ محلّه”.

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017