كشكول الدعوة والداعية عدة مقالات نشرتها سنة 2009

الأربعاء 16 يونيو 2021
شارك المقال

 

الشيخ رائد بدير – مدير دار الافتاء والبحوث الاسلامية 48

5.5.2009

أيها الداعية الى الله عز وجل سنسير معا خطوة بخطوة لنقدم لنفسي ولنفسك وللدعوة والمدعوين شيئا جديدا، لم تعتد الأذن أن تسمعه، ولم يخطر على الفكر أن يتفطن له، وخاصة انك عرفت أن الله عز وجل يجدد هذا الدين على رأس كل قرن، حتى يظهر بلسان قومه مع الحفاظ على أصوله وثوابته،  فاعد أيها الداعية كشكولك، وافتح دفترك، لتسمع صرير قلمك وهو يكتب الجديد ،  ودعني أيها الداعية أن أقدم لك السلسلة الذهبية من الدعاة إلى الله عز وجل وهم أنبياءه ورسله، هذه ” السلسلة الذهبية” أبدعت في الدعوة إلى الله عز حيث رسمت كل حلقة في السلسلة لوحة فنية رائعة في عظمة الداعية نفسه او عظمة طبيعة الدعوة أو في فن دعوة الناس إلى دينهم وشريعتهم، حتى آتت هذه السلسلة على جميع حلقاتها فتشكل منها صورة كاملة لعُقد ذهبي كوني اشتد لمعه على  مر العصور فكل حلقة ذهبية فيها تمثل بحد ذاتها صورة رائعة وهي في نفس الوقت جزء لا يتجزأ من الصورة الكلية الكبرى للسلسة الذهبية التي تشكل صورة كلية كبرى تسر الناظرين إليها، فنحن المسلمين لا نفرق بين احد من رسل الله عليهم السلام، بل نحن المسلمين نرى في كل دعوة رسول أنها لبنة من لبنات شكلت بيتا حسنا حتى جاءت اللبنة الأخيرة فتمت النعمة واكتمل الدين تماما كما  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَرَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَكْمَلَهَا وَأَحْسَنَهَا إِلَّا مَوْضِعَ ‏ ‏لَبِنَةٍ ‏ ‏فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ وَيَقُولُونَ لَوْلَا مَوْضِعُ ‏ ‏اللَّبِنَة”ِ.رواه البخاري

سنحاول من خالا عدة حلقات أن نتوقف عند محطات مع أنبياء الله عز وجل ورسله، ثم نلحظ جديدا في الدعوة إلى الله عز وجل، وسنقف عند الدعاة إلى الله عز وجل من غير الأنبياء والرسل ممن ذكرهم الله عز وجل في كتابه الكريم، لنلحظ جديدا دون أن نفرط في القديم بل سنلحظ أصول القديم لنفرع عليه واقع الجديد، وما أريده منك أيها الداعية أن تفتح كشكولك لتدون ملاحظتك فلعلنا نلتقي بك في مكان ما بعد انتهاء السلسلة لنتحاور حول الجديد …فانه لم يذق طعم حلاوة الدعوة إلى الله عز وجل إلا الدعاة إلى الله عز وجل، فان موائدهم عامرة بأذواق نورانية لمعت بنورها من احتكاك أقدامهم بغبار الأرض فهم كالعاديات ضبحا والموريات قدحا في سبيل الله عز وجل.

لقد حملت دعوة كل نبي من الأنبياء عبرة لأولى الألباب في كل مصرٍ ومصر ولكل عصرٍ وعصر، لم تقتصر تلك العبرة على زمن دون زمن أو مكان دون مكان وإنما العبرة جاءت لأولي الألباب، فإذا ما خلت الأرض من أولى الألباب لم يعد مكان لقصص الأنبياء الأحباب، وان لم يكن الدعاة إلى الله عز وجل ينافسون على هذا الوصف ليكونوا من أولي الألباب فمن إذن؟

فما عليك أيها الداعية إلا ان تسجل في كشكولك إن العبرة لك أن كنت من أولي الألباب،وعليك ان تدرك ان العبرة كالعبارة التي يركبها الناس في البحر ليعبروا بها من جزيرة إلى جزيرة، فالعبرة تعبر بك من الضلالة إلى الهدى ومن الجهل إلى العلم ومن الغي التقى ومن الجزع إلى الصبر ومن الكفر إلى الشكر .

أيها الداعية اكتب هذا الملحظ في كشكولك: ان العبرة التي تكلمت عنها وردت  في آخر آية من أطول قصة في سورة واحدة، قصة يوسف عليه السلام، حيث جاءت قصة واحدة متلاحمة لا تحتمل التجزيء كباقي قصص الدعاة من الأنبياء في القران الكريم  وذلك في قوله تعالى” لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” سورة يوسف الاية 111، أتدري أيها الداعية لو لم يكن في قصصهم عبرة لما استفدت من قصصهم شيئا في دعوتك الى الله عز وجل، ولك الحق الكامل ان تقول هؤلاء أنبياء الله ورسله اختصهم الله تعالى بالمعجزات وأحيانا أيدهم بالآيات الباهرات، اصطفاهم الله عز وجل لنفسه وأقام بهم الدين وأيدهم بالعصمة، ولكن جاءت العبرة في قصصهم لتكون بدل الآيات والمعجزات، فمن وقف عليها وقف على الخير كله ومن لم يدركها فاته الخير كله.

ايها الداعية عليك ان تحفظ هذه الكلمات كما ان الوحي عصمة للأنبياء وكما ان المعجزة تثبيت لقلوبهم وحجة لمن معهم ومحجة على من خالفهم، فان العبرة ان وقفت عليها ووردت ماءها تحقق لك الكثير مما حققت المعجزات للأنبياء فإذا أنت وريث لهم، فالعلماء ورثة الأنبياء. استمع إلى الله عز وجل وهو يقول “وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ” سورة هود  الآية 120انتبه إلى العبرة من أنباء الرسل، لا بد ان تلحظ تثبيت الفؤاد والموعظة والذكرى والهداية والرحمة. هذا ما يحتاجه الداعية، هذا ما ينشده الداعية هذا هو ركن الداعية الشديد الذي ياوي اليه عند الحاجة.

أيها الداعية اجعل العبرة من قصص الدعاة الذين ذكرهم الله عز وجل في كتابه مرآتك، لا تقف عند ظاهر النصوص بل أطلق عنان فكرك ليغوص في بحرها ليستخرج دررها بالضوابط الشرعية ومما يحتمله النص، لا تحمل النصوص ما لا تطيق لكن ولا تبخل ان تاخذ من النص ما يطيق تماما كما أطلق الفقهاء والأصوليون أفكارهم فاستنبطوا الأحكام الفقهية واستخرجوها وقدموها للناس كدرر ولآليء وتماما كما جمع الأصوليون الادلة الشرعية واستنبطوا  قواعدهم ، فللدعاة الى الله عز وجل ان يجمعوا العبر من القصص القرانية ليستنهضوا بها هممهم   . ” لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ” لا بد ان تصل إلى لب النصوص حتى تستخرج العبرة، فالعبرة لم توضع إلا لأولى الألباب ولم يستطيع ان يلحظها إلا أولي الألباب فان لم تكن من أولى الألباب لا يمكن ان تلحظ العبرة لأنها موضوعة في لب النصوص القرآنية وعلى الداعية ان يستخرجها فهي مطيته في عصره وزمانه..هي حال لسانه، هي الأصل لاستنباط الجديد….يتبع

 

 

25.52009

 

الدعاة، الدعوة، طبيعة المدعوين، محطات ينبغي لكل داعية أن يتوقف عندها عندما يقرأ كتاب الله عز وجل: فأحيانا ترى النصوص القرآنية تسلط أنوارها على الداعية كيوسف عليه السلام، حيث تناولت قصته جميع مراحل حياته. وتغاضت النصوص  الشرعية عن المدعوين أو عن طبيعة الدعوة فجل ما تناولت سيرته حياته الخاصة والتحديات التي تواجه الداعية على مستوى بيئة قريبة محدودة، وانك لتلحظ أن نوحا عليه السلام تركزت دعوته على طبيعة المدعوين – في الغالب الأعم – وحتى عندما تعلق الأمر بابنه من حيث العناد وعدم الاستجابة، وانك لتلحظ أن سيرة موسى عليه السلام شاملة في معظمها فقد ركزت على الداعية من ميلاده إلى تبليغ الرسالة ، وركزت على طبيعة الدعوة والشرائع والتكاليف الشرعية ، وكذلك سلطت الضوء على طبيعة القوم وطبيعة المدعوين، وهذا كله سيأتي معنا بالتفصيل لا بالتلميح.

 

لك أن تكتب في كشكولك أيها الداعية :  أنني لم اقصد بالدعاة إلى الله عز وجل هم أصحاب العمائم، أو خريجي كليات الشريعة ، أو خطباء المنابر يوم الجمعة ، أو معلمي الدين الإسلامي في المدارس، أو من يجوبون الحارات والشوارع والمدن والقرى ويسافرون من قطر إلى قطر ومن مصر إلى مصر، أو الدعاة الذين يظهرون في الفضائيات ، أو الدعاة الذين يتواصلون مع الناس عبر الانترنيت، فهذا هو المصطلح العرفي للدعاة إلى الله عز وجل اليوم . إنما اقصد بالدعاة كل من كان يدب على وجه الأرض ومن وراء قوله أو سلوكياته مقولة دعوية يدعو فيها إلى الله عز وجل، فقد يكون المهندس – المحامي – الطبيب – الموظف البلدي – مدرس اللغة الانكليزية – التاجر – سائق تكسي – سائق شحن – معلم الرياضة – عامل في مصنع – ربة بيت – معلمة روضة – طبيبة – محامية – مهندسة – موظف في شركة مختصة بالتكنولوجية- أو أي شخص يملك مهارات لكنه يوظفها في الدعوة إلى الله عز وجل، أو أي رجل أو امرأة تملك مواهب توظفها في الدعوة إلى الله عز وجل.

 

وسأختصر الطريق لأقول أن البلاد الإسلامية التي فتحت على أيدي التجار والحرفيين والمهنيين تفوق أضعافا مضاعفة من حيث عدد المدعوين والمساحات الأرضية عدد البلاد التي فتحت عنوة أو فتحت على يد الدعاة حفظة القرآن الكريم ولا يختلف اثنان على هذا . كان زرع القيم الإسلامية والإنسانية همهم مهما تنوعت حرفهم ومهنهم فالصدق في المعاملة والدعوة إليه من أهم القيم التي دعوا إليها .

 

أريد منك أيها الداعية أن تسجل في كشكولك هذا السؤال: لكل رسول معجزة تحمل معنى التحدي في الدعوة إلى الله عز وجل ، فما هي معجزة يوسف عليه السلام؟ تصفح القرآن الكريم جيدا … تمعن في أمهات كتب التفاسير… واسمح لفكرك يوما أن يغوص في أعماق النصوص… فالغوص في مياه النصوص  يفجر ينابيع قد ترتوي منها فتخفف عليك تحديات هذا الزمان. لا تجد مع يوسف – عليه السلام – سفينة نوح – عليه السلام-  ولا ناقة صالح – عليه السلام – ولا عصا موسى – عليه السلام – ولا مائدة عيسى – عليه السلام –  أو معجزة كالقرآن، لا تجد كل هذا  أريد منك أيها الداعية – والخطاب للذكر والأنثى – بعد أن تضيفي أنت صفة التأنيث ،  أريد منك أيها المهندس –  الطبيب – الأستاذ – الموظف – المدير – البائع – خطيب المسجد – أمام المسجد – الحارس – عامل النظافة – الخياط – أريد منك  أن تلحظ معي كيف يمكن أن توظف ما انعم الله عليك من نعمة في العمل – المهارة – الموهبة – الملكة – لتحمل بين طياتها مقولة دعوية تجمع من خلالها خير الدنيا والذاخرة ؟ عليك أيها الداعية أن تبحث عن الدعوة إلى الله عز وجل من خلال ما تحمل من اختصاص ، مواهب ، قدرات ، ملكات على قدر ما يمكن أن تحمله …إياك أن تتخلى عن المقولة الدعوية كائن من كنت طالما أنت مكلف وطالما رضيت بالإسلام دينا! لا بد أن تغرس في نفسك قيمة إسلامية أو سنة نبوية ثم تعلمها للغير.

 

سأقف وإياك على شرفة الحاضر لنطل في شباك الماضي لنرسم المستقبل الدعوي سنقف عند يوسف عليه السلام … دخل السجن ظلما وبهتانا ولبث فيه بضع سنين… تشكلت صحبة من المساجين جمعهم السجن مع اختلاف مشاربهم، وتعرف الواحد منهم على ملكات الآخر……  لنسمع قول الله عز وجل:” وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ” هذه رؤيا بحاجة إلى تفسير وبحاجة إلى صاحب اختصاص!وتوسما في يوسف عليه السلام انه هو صاحب الاختصاص فأجاب مستثمرا نعمة الله عز وجل ليحقق مقولته الدعوية فقد حانت الفرصة : ”  قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ، يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ،مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ” (الآيات 36-40 من سورة يوسف) ، دعاهم إلى عبادة الله عز وجل وتوحيده قبل أن يجيب على سؤلهم ، فكانت المقولة الدعوية سابقة على الإجابة على المسالة والتي هي واسطة لاستثمار العمل الدعوي. وكان استثمار التخصص والموهبة والقدرة ونعمة الله عز وجل هي في مقدمة الأولويات قبل أن يشرع في التأويل والتفسير ثم قال: ”  يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ” (الآية 41 من سورة يوسف) .

 

في السجن لم يبدأ هو بل هم، لم يذهب إلى أقوام كموسى – عبليه السلام-  عيسى – عليه السلام – صالح – عليه السلام – وحبيبنا رسول الله – عليه السلام – وسائر المرسلين، إنما توجه إليه من حوله لتلبية حاجة لهم…….يا صاحب الاختصاص مهما كان اختصاصك هلا كانت المقولة الدعوية سابقة أو داخلة في اختصاصك لتنعم بخير الدنيا والآخرة ! ولك في يوسف – عليه السلام – عبرة ولك في أصحاب المهن والحرف والتجار من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عبرة…والعبرة كما سجلت في كشكولك لتعبر من حال إلى حال …ومن فهم إلى فهم…ومن سلوك إلى سلوك…

 

 

16.6.2009

لا تنسى أن تسجل في كشكولك أيها الداعية تعزية برحيل الداعية الكبير الشيخ الدكتور فتحي يكن- رحمه الله تعالى- رحل عن الدنيا وغاب عن الأنظار، لكن بقيت آثاره تنير الدرب للدعاة، لقد ترك ميراثا عملا بوصية الأنبياء – عليهم السلام- . لم يورثوا دينارا ولا درهما لكنهم ورثوا علما، فأخذه الشيخ -رحمه الله تعالى- وكان حظه وارثا وسهمه طيبا  لقد ترك علما، وورث علما في الدعوة الى الله عز وجل ترك لنا، ” ماذا يعني انتمائي للإسلام” و” أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي” و ” كيف ندعو للإسلام” و” الاستيعاب في حياة الدعوة والدعاة” و” مشكلات الدعوة والداعية” و” المتساقطون على طريق الدعوة” و” قطوف شائكة من حقل التجارب الإسلامي” وغيرها الكثير ….كانت وما زالت هذه الثروة الدعوية معالما في طريق التصور الفكري والدعوي عند أبناء الصحوة العالمية الإسلامية… فالشيخ يستحق منك أيها الداعية أن تسجل في كشكولك تعزية ، وبعد صلاتك دعوة.

ناديت في آخر الحلقة الماضية لأسمع حيا، ناديت لأسمع قلبا فقلت: يا صاحب الاختصاص مهما كان اختصاصك هلا كانت المقولة الدعوية سابقة أو داخلة في اختصاصك لتنعم بخير الدنيا والآخرة ! لقد كان ادم -عليه السلام- مزارعا، ونوح-عليه السلام-  نجارا، وإدريس-عليه السلام-  خياطا، وإبراهيم-عليه السلام-  بزازا( تاجر أقمشة)، وكان إسماعيل-عليه السلام- قناصا، وكان داود-عليه السلام-  مكاتلا( صانع السلاسل والدروع)، ويعقوب–عليه السلام- راعيا، و كذلك إسحاق-عليه السلام-، وشعيب -عليه السلام-  وموسى-عليه السلام- وكذا نبينا محمد عليه السلام ثم كان تاجرا ثم مجاهدا في سبيل الله عز وجل.

كان أبو بكر- رضي الله عنه- تاجرا، وعمر- رضي الله عنه- دلالا، وعلي- رضي الله عنه-عاملا عند يهودي،والزبير بن عوام- رضي الله عنه- مزارعا، وكان عبدالرحمن بن عوف- رضي الله عنه- تاجرا ومن حيتان السوق بلغة العصر، وسعد بن أبي وقاص- – رضي الله عنه-نبالا( يصنع النبل)، والعباس — رضي الله عنه-صاحب محل صرافة ( مدير بنك بلغة العصر)، وخالد بن الوليد- رضي الله عنه- مساهما ( في لغة العصر بشركة مساهمة)…..كان الشيخ الشهيد حسن البنا_ رحمه الله تعالى- مؤسس مدرستنا الفكرية والدعوية مدرسا في مدارس الابتدائية، وكان الشيخ الداعية فتحي يكن- رحمه الله- مهندسا في بداية حياته الدعوية.

أيها الداعية: بلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو آية، بلغ عنه ولو سنة نبوية واحدة, بلغ عنه ولو قيمة إنسانية، لا تتنازل عن نصيبك في الدعوة إلى الله عز وجل، فانك مهما بحث وعملت وارتقيت فانك لن تجد أحسن قولا ممن دعا إلى الله عز وجل وعمل صالحا، كن دعيا لنفسك ثم لأهل بيتك ثم لأقربائك ثم لجيرانك ثم لأصدقائك في العمل وغير العمل…..رب كلمة واحدة تقولها من رضا الله عز وجل والدعوة إليه تكون سببا في فوزك يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.

دخلت يوما مكتبا لاحدى الشخصيات المنتجة، فتحدثت إلى سكرتيرة المكتب بعض الكلام حول اللباس الشرعي أثناء انتظاري الدخول إلى مدير المكتب، وكانت المحادثة لا تتجاوز الخمس دقائق…ثم عدت بعد شهر لنفس المقابلة مع مدير المكتب وإذا بنفس المرأة تلبس لباسا شرعيا، وبشرتني أنها كانت بحاجة إلى تلك القطرات من الماء لتنبت شجرة الخير فيها….لكن الأهم ما دار بيني وبين مدير المكتب من حوار، حيث قال لي هل تدري كم مرة هممت لأحدثها عن اللباس الشرعي وتراجعت لحسابات مثل ، الحرية الشخصية ، وعدم التدخل فيما لا يعنيك، ودع الخلق للخالق، والهادي هو الله عز وجل، والحرج كونها تعمل في مكتبي…فحدثته عن الدافع الأساسي للدعاة والذي يحثهم بقوة على الدعوة إلى الله عز وجل …إنها ” العاطفة الدعوية”

“العاطفة الدعوية” تجاه المدعوين،  وان نجاحي مرهون في وقتنا المعاصر بإتباع مبدأ “الإقناع لا الاقتلاع” بعد التسلح بالعلم ولو القليل،

 

لقد ظهرت العاطفة الدعوية جلية في نوح عليه السلام فقد دعا قومه ليلا ونهارا سرا وجهارا ألف سنة الا خمسين عاما، وانه دعا على قومه بعدما اعلمه الله عز وجل انه لن يؤمن من من قومه الا من قد امن، وحتى في اللحظات الاخيرة لم يتنازل عن تلك العاطفة ونادى ابنه ليركب معه وخاطب رب العالمين بانه من اهله، لكن سفينة النجاة كانت لا تحتمل الا المؤمنين والصالحين.

لقد جرت سفينة نوح عليه السلام في موج كالجبال لكنهم كانوا امنين مطمئنين ، جرت باسم الله تعالى وارست باسم الله تعالى، كان نور الايمان يشع ويتلالا على متن السفينة ، سفينة جرت بقوانين تحكمها القدرة الالهية لكنها جرت في النور وعلى النور وبالنور ، جرت باعين الله عز وجل وبسم الله عز وجل.

لقد تنازل يونس عليه السلام في لحظة غضب واحدة  عن ” العاطفة الدعوية”، حيث ارسل الى مائة الف او يزيدون لكنه غضب على قومه من اول صد قومه له، فكان مصيره الى سفينة الحوت لكن هذه السفينة تختلف علن سفينة نوح عليه السلام مع انها تولتها يد القدرة وغاصت في اعماق المحيطات لكنها كانت ظلمات فوق ظلمات، كانت بمثابة غواصة غاصت في اعماق المحيطات حملت يونس عليه لمنها ظلمات في ظلمات

 

8.7.2009

“العاطفة الدعوية” هي إحدى ركائز الداعية التي يستوحي منها صبره على الناس، وهي دعامة من دعامات شحذ الهمة على طريق الدعوة إلى الله عز وجل، ومن فوائدها العظيمة تحصيل الألفة بين الداعية وبين الناس، ومن فوائدها أيضا طرد اليأس من قلب الداعية، وتزيد وتنقص حسب العلم الذي يحصل عليه الداعية وخاصة علم أحوال الآخرة، والثبات عليها يتم بعد تحصيل اليقين ومخالطة الناس لسنوات عديدة، يحملها القلب اللين والرقيق، ومحروم منها القلب الفظ الغليظ، وقد ظهرت “العاطفة الدعوي” جلية صريحة علانية على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواقف من سيرته العطرة الطيبة مرات كثيرة ، والناظر في هذه المواقف يتيقن أن “العاطفة الدعوية” هي  ركيزة من ركائز النجاح في العمل الدعوي.

أيها الداعية أريد منك أن تسجل في كشكولك هذا الحوار الهام بين أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها- وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قالت عائشة- رضي الله عنها-: ‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ ‏ ‏أُحُدٍ؟.  ‏ ‏فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ ‏ ‏الْعَقَبَةِ، ‏ ‏إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ‏ ‏ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ ‏ ‏فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ. فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ، فَإِذَا فِيهَا ‏ ‏جِبْرِيلُ، ‏ ‏فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :‏ ‏بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ ‏ ‏أَصْلَابِهِمْ ‏ ‏مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا”. ‏

في معركة احد قُتل من قتل من المسلمين، ومع ذلك يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم العقبة بأنه اشد عليه من يوم احد، ومع ذلك رفض العرض السماوي بإطباق الجبلين على قومه طمعا في الأصلاب  والفروع والأبناء والأحفاد، ولا يكون ذلك إلا بامتلاك” العاطفة الدعوية” تجاه الأصول والآباء والأجداد،مهما كانت الشدة .

أيها الداعية سأتوقف وإياك عند يونس -عليه السلام-، لكني قبل ذلك أريد منك أن تسجل هذه الملاحظة في كشكولك، وان تضع تحتها ثلاثة خطوط حتى لا تنساها وتعي أهميتها. إياك أن تقع في واد الجاهلين فتقارن بين الأنبياء عليهم السلام من حيث المواقف والسيرة مقارنة تؤدي إلى الاستنتاج. إياك ثم إياك أن تقع في هذا الشباك، فقد وقع فيه كبار الدعاة وخاصة الدعاة الجدد. إياك أن تقارن بين نوح عليه السلام مثلا بان دعا على وقومه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه دعا لقومه كما نسمع في بعض النشيد الإسلامي فهذا جهل محض وافتراء على نوح عليه السلام شيخ الأنبياء وشيخ الدعاة وشيخ المرسلين، فنوح عليه السلام دعا على قومه بوحي من الله عز وجل حينما اعلمه بعد ألف سنة تقريبا انه لا يؤمن من قومه إلا من قد امن. إياك أن تقع في فخ المقارنة … لكل رسول ظروفه ومواقفه ورسالته وقومه …. عليك أن تأتي بالموقف فقط للاستلال على ما تريد… لا من باب المقارنة  التي يتبعها استنتاج . عليك أن تسجل هذه الملاحظة في كشكولك فهي ملاحظة صعبة المورد عذبة المذاق لا يرد نبعها إلا الرواحل من الإبل .

لقد تخلى يونس عليه السلام في لحظة غصب عن ” العاطفة الدعوية”،  أحس يوما باليأس من قومه، وغضب عليهم وخرج من بينهم معلنا بان الله تعالى،  سينزل عليهم عذابه بعد ثلاثة أيام من خروجه فلما خرج من قريته، وتأكد أهل القرية من نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم .قال تعالى في سورة الأنبياء: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}  وقال تعالى في سورة الصافات: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}.

لقد ابعد يونس- عليه السلام- إلى بطن الحوت، إلى أعماق البحار والمحيطات، لم يبعد الى صحراء …ولا إلى جبل شاهق…ولا إلى مغارة …لكنه ابعد إلى بطن الحوت ….في الحلقة  سنبين العلاقة بين ” العاطفة الدعوية” …والحوت.

 

22.7.2009

لقد ابعد يونس- عليه السلام- إلى بطن الحوت، إلى أعماق البحار والمحيطات، لم يبعد إلى صحراء ولا إلى جبل شاهق…ولا إلى مغارة ….. ولم يقض عليه السجن في زنزانة…لكنه ابعد إلى بطن الحوت، بطن كائن حي يأكل وينتقل من مكان إلى آخر، يغوص في الظلمات في أعماق البحار ثم يعود ليظهر فوق الماء ليتنفس …سجن متحرك ينتقل بين الظلمات والنور ويحمل صفاتا سنتعرف عليها بعد قليل.  قال تعالى في سورة الصافات: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}.

عليك أيها الداعية أن تسجل في كشوكلك المعلومات التي يزودك بها علماء الأحياء عن أي مخلوق ذكر في القران الكريم، لان العقلاء من القوم يستوقفهم كلام الله عز وجل في كل عصر ومصر فينظرون نظرة تدبر للنصوص القرآنية بأعين عصرهم  وبأدوات زمانهم، بشرط أن لا يحملوا تلك النصوص ما لا تطيق، أو يتعسفوا في فهمها.

عليك أيها الداعية أن تنهل من نبع العلماء في شتى المجالات، ليزودوك بمعلومات علمية حقيقية. فعلماء الأجنة، والأحياء، والفلك، وغيرهم يملكون من الأبحاث ما تستعين به على تبيلغ دعوتك بلسان قومها، و بلغة عصرها، مما يزيد في يقينك وقوة حجتك.

لماذا الحوت؟  أليس من العجب أن يبعد نبي الله يونس عليه السلام إلى بطن كائن حي؟ وما علاقة ” العاطفة الدعوية” بذلك؟.

دعني أيها الداعية أحدثتك عن بعض المعلومات التي اقتبستها عن الحوت الأزرق مثلا  فهو أضخم الحيوانات على وجه الأرض حيث يصل طوله إلى 32.9 متر (108 قدم) ووزنه إلى 172 طن وأكثر. وأضخم أنواع الحيتان على الإطلاق، وهو نوع من الحيتان عديمة الأسنان ويتميز هذا الحوت بلون جلده الأزرق المائل إلى الدكنة (أو اللون الرمادي) والمنقط بعدد من النقاط الأفتح قليلاً في اللون، وهو صاحب أضخم جثة لكائن حي عَمَرَ الأرض في القديم والحديث وأعلى نبرة صوت لكائن حي، ويصدر عن هذه النوعية من الحيتان أصوات عميقة ومدوية ذات ذبذبات منخفضة تنتشر إلى مسافات بعيدة في الوسط المائي مما يمكنها من الاتصال ببغضها بعضاً عبر مئات الأميال. يتراوح طول الحوت الأزرق البالغ بين 20 متراً، و33 متراً، أما وزنه فبين 90 طناً و180 طناً، ورأس هذا الحوت وحده ربع طول جسده، وجسمه الطويل يستدق في إتجاه الذنب وهذا الحوت العملاق يتميز بالهدوء الشديد، وبالحياء والخجل.

انتبه إلى هذه المعلومات القيمة، الضخامة، بلا أسنان، أعلى نبرة صوت، ذبذبات صوتية، الرأس كبير جدا، الهدوء الشديد، الحياء، الخجل، لقد عاش يونس عليه السلام في صرح عظيم ذو صفات يتدبر عندها أعقل الناس على وجه الأرض، وان كان سليمان -عليه السلام- قد تعلم من نملة فها هو يونس عليه السلام يستشعر على جسده صفات هذا الكائن الحي العظيم الضخم.

لقد استشعر الضخامة والقوة وصدى الصوت المتذبذب الهائل في أعماق المحيطات، وفي نفس الوقت استشعر الهدوء الشديد،  والحياء والخجل. لقد بدا مشوار يونس عليه السلام بهذا النص” فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ” ، التقمه بعيدا عن الهضم وبعيدا عن صرير الأسنان ونهش العظام وتفتت اللحم وسيلان الدماء.

ن ضخامة الحوت وقوة صوته لا تمنع الغواص ان يلاطفه وذلك لهدوئه الشديد…..ان الحوت يملك صفاتا يتعلم منها كل داعية على وجه الأرض…لقد لمس يونس عليه السلام هذه الصفات عن قرب …إنها مدرسة بحد ذاتها تخرج يونس عليه السلام منها وهو ينادي بأعظم شهادة اكتسبها من تلك المدرسة العظيمة نادى في الظلمات فقال: ” أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”.

لقد جاء في الأثر عن محمد بن إسحاق بن يسار عمن حدثه عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت, أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحماً ولا تكسر له عظماً”…..

لقد اعتادت بطون المخلوقات ان تحمل فيها نسلها …..اعتاد بطن الأم ان يحمل في داخله ولدها…..اعتاد الحي ان يسكن بطن الحي وان تكون بينهما علاقة عاطفية فلا احن من الأم على ما في بطنها …..ان حبس يونس عليه السلام في بطن كائن حي يحمل من المعاني العاطفية ما يحمل، على الرغم من الظلمات التي تنقل بينها من ظلمة الى ظلمة، حتى نادى بما نادى وحسده المنادون بما نادى، نادى باسم الله الأعظم ،  كان سعد بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ( إسم الله الذى إذا دعى به أجاب و إذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى ” قال: فقلت : يارسول الله هى ليونس بن متى خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال : هى ليونس بن متى خاصة و للمؤمنين عامة إذا دعوا بها : ألم تسمع قول الله تبارك و تعالى { فَنَادَى فِي الظُّلُمَات أَنْ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك إِنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ”……يتبع

 

 

 

.

 

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017