كورونا المستجد ومسيس الحاجة الى تأسيس فروع فقهية جديدة والعمل بها الى أقرب الاجلين اما الإخفاء او اللقاح

الجمعة 19 يونيو 2020
شارك المقال

كورونا المستجد ومسيس الحاجة الى تأسيس فروع فقهية جديدة والعمل بها الى أقرب الاجلين اما الإخفاء او اللقاح

الشيخ رائد بدير – عضو دار الافتاء

لا ملاحظات على العالم الجليل ابن القيم الجوزية -رحمه الله تعالى- حينما نقل في “إعلامه” الاجماع عن بعض العلماء على ان المقلّد لا يُعّدُ من العلماء. ولا تحتاج الى أن تقرأ ” الإعلام” كله كما هو حال من ابتدأ التعاطي مع الفقه والفتوى، كما يفعل المبتدئون من اهل الفتوى اذ يعكفون على دارسة ” إعلام الموقعين عن رب العالمين” لأنهم سينالون شرف التوقيع بعد التمكن من العلم، لا تحتاج الى قراءة الكتاب كاملا لتقف وتفهم ان المقلّد لا يصنف على انه من اهل العلم بمفهوم ” العلماء ورثة الانبياء”    بل يكفي قراءة عدة صفحات لتدرك هذا الكلام. لذلك ترى ابن القيم نفسه رحمه الله ومع انه تلميذ شيخ الاسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- الذكي والفذ الا انه خالف شيخه تماما كما خالف شيخه المذاهب الاخرى وابتكر منهجية جديدة في التعاطي مع الفقه لانهما توخيا راجين ان يكونوا من زمرة العلماء وليس من المقلدين. وفق هذا الفهم كتبوا الكتب ووضعوا المؤلفات وعادوا الى النصوص من جديد للكتاب والسنة.

انجلى الغبار عن كلام ابن القيم الجوزية -رحمه الله- في يومنا هذا، وأصبح كلامه واضحا أكثر، ونحن ما زلنا نعيش أياما من أيام جائحة فيروس كورنا المستجد كوفيد 19. فهي نازلة مستجدة لمرض يعرف تاريخه واجناسه لكنه استجد بشاكلة اخرى غير القديمة استدعت حبس سكان الارض في البيوت والحجر الصحي. ومع أنى اعتقد ان الامة الإسلامية تعيش نوازل في كل مجالات الحياة منذ ما يزيد 150 سنة في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية وغيرها. فالأمة وفق واقعها اليوم غريبة ولا تشبه الامة المذكورة والموصوفة في القران الكريم والسنة النبوية الصحيحة.  ولا يمكن مقارنتها بالوصف المنصوص عليه في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة. فمن يقرأ القرآن الكريم وينظر في السنة النبوية الصحيحة ويبحث عن خصائص هذه الامة واوصافها ودورها ومكانتها لا يجدها على الأرض في هذا الزمان القرن 21 الميلادي والقرن 15 الهجري. اختفت عن الوجود والحديث عن الامة كأمة وليس عن فئة هنا ودولة هناك وامير هنا ورئيس هناك وحزب هنا وحزب هناك فكل هذه الفئات والتحزبات والتقسيمات والسلطات سبب من اسباب تخلف الامة وتبعثرها لا تقدمها وتوحدها.

وصلت جائحة كورونا المستجد بلاد المسلمين وهو على حال يرثى له من التمزق والتشرذم والهيمنة والفساد وسفك الدماء، تداعت على الامة الأمم الأخرى فهي قصعة لا قوة لها ولا إرادة، بل تداعت الامة على نفسها حتى صارت دولا وقرى ومدنا وحارات وجماعات وأحزابا وحركات وحكاما وسلاطينا ورؤساء قلما تجد 5% من الاوصاف المذكورة للامة الإسلامية على ارض الواقع.  سيظل الخير في الامة على الرغم من ذلك لكنه ليس على مستوى الاوصاف في الكتاب والسنة. هنالك الافراد والفئات في كل المجالات هنالك الطيبون والاولياء والصالحون لكنهم افراد لا أكثر.

في ظل هذا الوضع المأسوي ضاقت مساحة ازدهار الاجتهاد الاستنباطي والتطبيقي والترجيحي وغابت  تربية الملكات  على الاجتهاد بأنواعه، لان غبار الفتنة حجبت العقول وهدرت طاقة العلماء، وباتت مناهج التعليم ضعيفة، والانظمة الحاكمة لا تشجع على تطوير الملكات المبدعة في كل مجالات الحياة بل في بعض المناطق تسببت هذه  الانظمة في تخلف شعوبها وتهجيرهم وتغريبهم وحبسهم وقتلهم وظلمهم   ، فلم يعد علماء هذا الزمان يسبقون ، وفقدوا القدرة على الاجابة عن المسائل المستجدة منذ 40 سنة، وهنالك مئات المسائل في متغيرات الحياة السريعة جدا في كل المجالات والعلاقات على مستوى الأمم والدول والشعوب والافراد لا يجد لها العلماء الوقت الكافي لبحثها على وجه سليم لان المزاج العام مليء بالغبار والدخان الذي يحجب رؤية السبق والسرعة. لقد فقد الناس الحرية وانعكس على تفكيرهم فبلت مقيدا اسيرا لا يواكب العصر وكل همه البحث عن السلامة والنجاة من نار الفتنة.

لا نبحث عن الفقه الارايتي او الافتراضي في زماننا، فالقطار فات العلماء في السبق وبات مسيس الحاجة الى توزيع الأدوار لطبقتين من العلماء: علماء يعالجون ما فات من مسائل خلال ال 40 سنة الماضية وحتى تاريخ هذا اليوم، وعلماء يطلعون على براءات الاختراع في كل المجالات ثم يؤسسون الى العلم الافتراضي على نهج الحنفية رحمهم الله تعالى. لكن هذه امنية فقط لان الفتنة حجبت صفاء العقول وامتلاك الملكة الاجتهادية…حتى بات طريق كثير م ممن انتسب الى العلم – الا من رحم ربي- يستند الى ” النسخ لصق”.

ان تجميد كليات الشريعة لخمس سنوات وإعادة بناء المناهج من جديد وتقسيم أنواع الكليات من جديد هو مطلب هذه المرحلة، تبدلت الحياة. والقاعدة نتمكن من كل شيء قديم في الأصول والفروع وننشئ ونربي ملكات على الأصول والفروع القديمة لا لنقلها بل لبناء وتأسيس فقه جديد عليها لكل شيء جديد واقع او ومتوقع حتى يعود للامة السبق وهذا حال كل المجالات. مع الاشارة أنى لا اكتب لكم انما اكتب لمن سياتي بعدكم لأنكم ربما لا تعرفون الطريق وانا اعذركم.

ان من علامات عودة الامة الى خصائصها وصفاتها ودورها ان يرجو كل سكان العلم العيش في ظل حكمها، وان يشد الرحال الطالب الصيني والامريكي والروسي والالماني والصيني والياباني والبريطاني الى جامعات المسلمين في بلادهم للتعلم منهم جميع العلوم في كل المجالات لينقلها الى بلاده. اذ لم نصل الى هذه العلامة فلا حاجة ان تمدح ملكا او اميرا او رئيس حكومة او جماعة او حزبا او حركة بل ابك على نفسك واخجل من ربك بين يديك قرآنا وسنة وانت محسوب على الدول المتخلفة وادبا النامية. امة تملك كلام ربها وتحمله في آخر ركب الامم هذا غير معقول.

جاء فيروس كورونا المستجد والحال كما وصفت، فانعكس الحال على طريقة التفكير في كيفية التعاطي مع هذا المستجد، الامة كالطفل الصغير الذي ينتظر الحليب من امه فهي تنتظر المعلومة من الدول العظمى وتنظر اللقاح أيضا هي عاجزة عن المعلومات وعن التشخيص وعن الوقاية وعن السبق.  الأجهزة الوقائية من الامراض مستوردة كما تستورد كل مجالات حياتها وحتى الأساسية كالقمح وغيرها. وبعضها يملك المال نتيجة الثروة الطبيعية وليس نتيجة الجهد العقلي وثمار الاجتهاد في عمارة الأرض وتحصيل السبق. كورونا المستجد يفرض علينا فروعا فقهية جديدة تستند الى الكتاب والسنة، نحن امام وباء مجهول الهوية من حيث انه ” مستجد ” في التركيبة والمتغير لا من حيث التسمية والتاريخ، ومجهول المدة الزمنية في اختفائه، ومجهول في الوقت الذي يتوفر له لقاح لكل سكان الأرض. بات كل شيء مختلف في حياتنا وهذا يستلزم ان نضع فروعا فقهية جديدة لكل مجالات حياتنا في العبادة والاقتصاد وكل ما يمكن بحثه فالقرآن الكريم والسنة والنبوية تشمل كل مجالات الحياة من نظام الحكم وحتى دخول الخلاء.

ان مسيس الحاجة لتأسيس فروع فقهية ممتدة بامتداد زمن هذا الوباء بات ضرورة شرعية وحاجة للمكلفين، وتأسيس هذه الفروع لمدة زمنية طويلة تنتهي بانتهاء الوباء. ولا يكون هذا الفقه لفترة زمنية محدودة بل يرتبط تطبيقه بوجود هذا البلاء ويتوقف تطبيق هذا الفقه الجديد عند حلول أقرب الاجلين اما الاختفاء او اللقاح لكل سكان الأرض والتمكن منه وليس مجرد اكتشافه بل حصول الناس عليه فعلا.لا يتعلق تأسيس الفروع  الفقهية الجديدة  باستنباط اراء فقهية تتناسب مع الظرف الجديد  من الكتاب والسنة  فحسب بل الاجتهاد في  ترجيح الفروع القديمة  فيما بينها، وإعادة النظر في الراجح والمرجوح وفق مستجدات الحال، ويستلزم التعايش مع فيروس كورنا المستجد حياة جديدة وفقه جديد  يتم فيه دراسة الموروث الفقهي الهائل في الفروع عند جميع المذاهب  وفي كل مجالات الحياة ثم صناعة ثوبا جديدا من الفقه يتناسب مع ظروف التعايش مع الجائحة بما تقتضيه المصلحة الشرعية لعموم المسلمين في زمن خسر المسلمون من انحطاطهم كما خسر العالم من هذا الانحطاط.- الا من رحم ربي منهم-. لقد خسروا سيادة الدنيا بسبب منهم فخسر معهم الناس، خسروا القيم والامن والسلام …تركوا سيادة الدنيا بين يدي الشرق والغرب وقد كشف كورونا ما يكفي عن هذه الامم.

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017