كي لا يضل العقل المسلم :في ظاهرة الخسوف والكسوف نحترم العقل وتفسيره لكن لا نقدمه على القران والسنة  “الكسوف والخسوف خوف وصلاة واستغاثة وليس موضعا للمتعة والابتهاج “

الجمعة 10 يناير 2020
شارك المقال

كي لا يضل العقل المسلم :في ظاهرة الخسوف والكسوف نحترم العقل وتفسيره لكن لا نقدمه على القران والسنة  “الكسوف والخسوف خوف وصلاة واستغاثة وليس موضعا للمتعة والابتهاج “

 

الشيخ:  رائد بدير

( السيرة العلمية  على هذا الرابط  https://nawazel.net/?page_id=215)

لن تجد منذ بداية الانسانية وحتى نهايتها من إحترم العقل ورفع من شان العلم مثل القران الكريم والسنة النبوية الصحيحة. رسالة عظيمة مثل الاسلام ابتدات كلماتها الاولى بهذه الايات” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) “( سورة العلق).

الاسلام أعطى العقل مساحة للاجتهاد والبحث والتحري والتطور والابداع ، بل وان من تكريم العقل أن يجتهد المجتهد في مسالة تخص الشريعة فيصنع رايا وفق معايير صناعة الراي في الفقه الإسلامي  وينسبه الى الشريعة الاسلامية وله اجر ان اخطا واجران ان اصاب.

في ظاهرة الخسوف والكسوف لم يتهرب علماء الشرع  من التفسير العلمي او العقلي لوصف الخسوف والكسوف يقول ابن القيم :” أما سبب كسوف الشمس فهو توسط القمر بين جرم الشمس وبين أبصارنا … ثم قال: وأما سبب خسوف القمر فهو توسط الأرض بينه وبين الشمس حتى يصير القمـر ممنوعـًا من اكتساب نور الشمس ويبقي ظلام ظل الأرض في ممرِّه…” [1] لكن هذا التفسير لم يخرجهم عن العلم الذي ورثوه من رسو ل الله صلى الله عليه وسلم في التعامل مع هذه الظاهرة وتفسيرها وفقا للبعد العقائدي  والايماني والديني.

سنقف عند العقل ومكانته في الشرع وعلاقته به واثره في ظاهرة الكسوف والكسوف في زماننا. وسنرى ان الأصل هو تقديم الشرع على العقل في الحكم على أي ظاهرة وانه لا تعارض بين العقل والشرع في كل ما يحدث بل هي ازدواجية تحتاج الى افهام عميقة وكبيره وقلوب مؤمنة بالله عز وجل.

العقل في اللغة والاصطلاح :     العقل في اللغة هو مصدر عقل يعقل عقلا ورجل عاقل هو الجامع أمره ورأيه مأخوذ من عقلت البعير إذا جَمْعت قوائمه”[2] ، وفي القاموس المحيط العقل  هو ” العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها أو العلم بخير الخيرين وشر الشرين ، وهو نور روحاني به تُدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية ، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد ثم لا يزال إلى أن يكمل عند البلوغ”[3] .

وفي الاصطلاح عرفه المحاسبي :” العقل غريزة  يتهيأ بها إدراك العلوم النظرية ولا يعرف إلا بفعاله في القلب والجوارح ، لا يقدر أحد أن يصفه في نفسه ، ولا في غيره بغير أفعاله ، لا يقدر أن يصفه بجسمية ولا بطول ولا بعرض ولا طعم ولا شم ولا يعرف إلا بأفعاله”[4] ، وقال الغزالي في الإحياء :  اعلم أن الناس اختلفوا في حد العقل وحقيقته وذهل الأكثرون عن كون هذا الاسم مطلقا على معان مختلفة فصار ذلك سبب اختلافهم ، والحق الكاشف للغطاء فيه أن العقل اسم يطلق بالاشتراك على أربعة معان ، الأول : الوصف الذي يفارق الإنسان به سائر البهائم وهو الذي استعد به لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية ، والثاني : هي العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات كالعلم بان الاثنين أكثر من واحد ، وان الشخص لا يكون في مكانين في وقت واحد ، والثالث: علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال فان من حنكته التجارب وهذبته المذاهب يقال انه عاقل في العادة ، والرابع : أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور[5]. والملاحظ أن الغزالي-رحمه الله – تناول تعريف العقل في جميع مراحل التطور التي يمر به هذا العقل منذ أن يولد به الإنسان طفلا حتى يكون كهلا مع بيان الغاية التي نيطت بالعقل السوي والإشارة إلى الوظيفة العقلية في كل مرحلة من مراحل النمو الإنساني .

والناظر في التعريف اللغوي والاصطلاحي للعقل لا يكاد يميز الفرق بينهما ، وهذا يشير إلى مدى الترابط بين الدلالة اللغوية للعقل والدلالة الاصطلاحية له ومدى صلتهما ببعض ، وان هذه المعاني اللغوية والاصطلاحية رمزت إلى الوظائف العقلية التي تتمثل في سلوك وتصرفات الإنسان سواء كانت قولية او فعلية.

 علاقة الشريعة الإسلامية بالعقل البشري: إن الناظر في القرآن الكريم والسنة النبوية يجد كثيرا من النصوص تشير إلى أهمية العقل الإنساني ووظيفته في الحياة الإنسانية ومنها على سبيل المثال قوله تعالى :   )كذلك نفصل الايات لقوم يعقلون([6]،  يقول القرضاوي : ” جاءت مادة (ع ق ل)في القران الكريم تسعا واربعين مرة كلها إلا واحدة جاءت بصيغة الفعل المضارع وخصوصا ما اتصل به واو الجماعة تعقلون ويعقلون “[7]. وقد اهتم المسلمون ببيان أهمية الترابط بين النصوص الشرعية والعقل ومدى صلة تلك النصوص الشرعية بالعقل ، وبينوا كذلك مكانة العقل البشري من تلك النصوص حيث يقول ابن رشد في كتابه ” فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال ” يقول في موقف الإسلام من العقل: ” فأما الشرع فقد دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل وتطلب معرفتها به ، فبين في غير ما آيه من كتاب الله تبارك وتعالى مثل قوله )فاعتبروا يا أولي الأبصار([8] ، فلما بلغ جانب من البشر هذا المستوى الرفيع من العقل ثم حمل العقلاء تبعاتهم كلها نحو أنفسهم ونحو الآخرين في جميع طبقات البشر انتقل قبس من نور النبوة إلى عقلاء من النوع الإنساني فإذا العلماء ورثة الأنبياء “[9] ، وقال الغزالي :” واشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع ، واصطحب فيه الرأي والشرع وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل ، فانه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل ، فلا هو تصرف لمحيض العقول ، بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول ، ولا هو مبني محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد “[10] . وتابع حجة الإسلام الغزالي كلامه حول تظاهر العقل والشرع وافتقار أحدهما إلى الآخر قائلا: ” اعلم أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع ، والشرع لم يتبين إلا بالعقل ، فالعقل كالأس والشرع كالبناء ، ولن يغني أس ما لم يكن بناء ولن يثبت بناء ما لم يكن أس ، وأيضا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع ، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج ، ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر ، فلهذا قال الله سبحانه وتعالى: ) قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور( [11]، وأيضا فالعقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده فما لم يكن زيت لم يحصل السراج ، وما لم يكن سراج لم يضيء الزيت “[12] . وقد اهتم العلماء المعاصرون ببيان الصلة بين الوحي والعقل ، والترابط المتين بينهما وخاصة في عصرنا الحاضر حيث بلغ العقل في فترة وجيزة جدا ما لم يبلغه في عصور طويلة حتى اصبح لدينا في كل لحظة تقريبا معلومة جديدة او اكتشاف جديد في شتى أنحاء العالم. يقول الدريني :” لا بد لنا من بيان الصلة التي احكمها الإسلام بين العقل الإنساني العلمي المتخصص، والتشريع الإلهي والتي نوه إليها أئمة المذاهب والمجتهدون ، وحتى اجمعوا على إحكام الصلة بين العقل الإنساني والتشريع الإلهي لكنهم اختلفوا في تحديد مداها”[13] ،  وقد أسهب الدكتور محمد عمارة في كتابه معالم المنهج الإسلامي في مدى ارتباط العقل والنقل ذاكرا المناهج الأخرى غير الإسلام حول هذه المسألة حيث قال : ” فمنهج الإسلام هو المنهج الذي لا يذهب به الغرور العقلاني الى الحد الذي ينكر فيه ما لا يستقل العقل بإدراكه وإدراك كنه حقائقه المنهج ،  الذي يؤمن بما هو اكثر من عالم الشهادة ، المنهج الذي لا يقف بسبل الوعي عند الحواس والعقل واحد منها…… المنهج الذي يعقل النقل فيغدو فيه تصديق النقل برهانا عقليا ، تلك هي حقيقة منهج الإسلام، ولهذه الحقيقة من حقائق المنهج الإسلامي ، كان تجاور النقل مع العقل في سبله للوعي وتحصيل المعرفة ، وهذا التجاور ليس تجاور السكون والانفصال بين سبيلين يستقلان في الوظائف والموضوعات وميادين الأعمال ، وانما هو تجاور الزمالة والمؤاخاة والائتلاف والتآزر والتساند والاجتماع ، على النحو الذي جعل منها بالوسطية الجامعة سبيلا واحدا يجمع ويؤلف ما يمكن ويجب جمعه من خصائصهما ، الآمر الذي جعل العقلانية الإسلامية متدينة والنقل الإسلامي عقلانيا، وقد تفرد المنهج الإسلامي بهذا الإنجاز”[14] ، ويقول د.عبد المجيد النجار: ” لا أحد منهما – أي العقل والنقل- يمكن أن يكون بديلا للآخر ولا أحد منهما يمكن أن يغني عن الآخر ، وكل منهما من عند الله تعالى فالنقل هبة الله تعالى للبشرية ليهديها سبلها ويخرجها من الظلمات إلى النور والعقل هو الطاقة المستقبلية للوحي القادرة على تلقية وفهمه والاستفادة به وتنزيله على الواقع”[15]، ويقول د.علي السرطاوي في إحدى محاضراته : ” إن من فوائد التشريع الإسلامي أن لا تكون الحياة البشرية حقلا للتجارب فالعقل الإنساني قاصر وهو بحاجة إلى النور الرباني هذا من ناحية ومن ناحية أخرى جاءت رسالة الإسلام في بيانها للأحكام على نحو كلي في الغالب وذلك بعد مرحلة من نمو العقل البشري ، ليقوم العقل بدوره في تفهم هذه الرسالة وتطبيقها على وجه تتحقق فيه المصلحة البشرية ومصلحة عمارة الأرض”[16].

إن أقوال أهل العلم سابقا وحاضرا لتشير صراحة على أهمية ارتباط العقل والنقل ومدى صلة الواحد بالآخر ، حيث لا يمكن أن ينقطع الواحد عن الآخر، أو أن يستغني الواحد عن الآخر فهما كجناحي الطائر لا يمكن أن يستغني بجناح عن الآخر ، ولا يطير إلا بجناحيه معا ، وان هذه الرابطة المتينة بين العقل والنقل رابطة طبيعية ، حيث لم يشأ الله البقاء لرسالة قط إلا رسالة الإسلام ، لذا حملت هذه الرسالة عناصر الخلود فهي تصلح لكل زمان ومكان ، وهي تخاطب كل الأجيال البشرية جيلا بعد جيل ، ولا يختلف اثنان أن الحياة البشرية اليوم ليست كالأمس ، وهي غدا ليست كاليوم ، وان التفكير البشري يتغير ويتبدل ، وان نواحي الحياة الإنسانية في تغيير مستمر، وان رسالة الإسلام للناس كافة من هنا ارتبط العقل بالنقل ، وانيط بالعقل مهمة تكييف الخطاب الشرعي بما يتلاءم مع  كل عصر وعصر ، وطبيعة الشريعة الإسلامية وخصائصها من المرونة والعموم والتطور تساعد  على ذلك بما يحقق ويتناسب مع المصلحة التي قصد الشارع تحقيقها للناس كافة من إنزاله للشريعة ولهذا يقول الشاطبي : ” إن الشريعة الإسلامية لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها ، وانما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادا لا تنحصر ، ومع ذلك لكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين، وليس ما به الامتياز معتبرا في الحكم بإطلاق ولا هو طردي بإطلاق ، بل ذلك منقسم إلى ضربين ، وبينهما قسم ثالث  يأخذ بجهة الطرفين فلا يبقى صورة من الصور الوجودية المعينة إلا وللعالم فيها نظر سهل أو صعب ، حتى يحقق تحت أي دليل تدخل ، فان أخذت بشبه الطرفين فالأمر أصعب ، وهذا كله بين لمن شدا في العلم”[17] ،  وهنا يشير الشاطبي إلى ارتباط العقل بالنقل ليس فقط في فهم العقل للنقل وانما دور العقل في تنزيل الأحكام على الوقائع من أفعال وتصرفات الإنسان بعد النظر في مالاتها والاطمئنان أن هذا الحكم يحقق ما قصده الشارع من مصلحة عند تشريعه ، وهنا تبرز أهمية ودقة العقل في التعامل مع النقل ومدى ارتباطه وصلته به.

ظاهرة الخسوف والكسوف وفق علم رسول الله صلى الله عليه وتصرفاته  :

  1. الكسوف والخسوف آيَتَانِ مِن آيَاتِ اللَّهِ عز وجل.

“عن عائشة رصي الله عنها أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، قَامَ فَكَبَّرَ وقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، وقَامَ كما هُوَ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، وهي أدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وهي أدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا، ثُمَّ فَعَلَ في الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ سَلَّمَ وقدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقالَ في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ: إنَّهُما آيَتَانِ مِن آيَاتِ اللَّهِ لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُما فَافْزَعُوا إلى الصَّلَاةِ.” [18]

في هذا الحديث بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان كسوف الشمس والقمر ما هما الا ايتان من ايات الله تعالى، والمقصود بالايتان انهما علامتان على غير المعتاد المريء، حيث ان الله عز وجل هو المتصرف بالكون ويفعل ما يشاء فيحدث للشمس او القمر ما يمكن للرائي ان يراهما واثارهما بشكل مختلف عما جرت به العادة.

  1. الكسوف والخسوف آيَتَانِ مِن آيَاتِ اللَّهِ عز وجل للتخويف والتحذير .

الهدف الأساسي من وراء هذه الظاهرة هو التذكير والتخويف والوعيد وهذه عادة من الله تعالى فقد قال ” {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}[19].الغاية الكبرى من هذه الايات هو التخويف.

  1. الفزع الى الصلاة

وفي هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم ” فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُما فَافْزَعُوا إلى الصَّلَاةِ” وهذا يدل على امر جلل وحدث عظيم ، فالفزع بهذه العبرة الى الصلاة فيه شارة الذعر والخوف والاستغاثة .

  1. هيئة الصلاة تشير أن ما يجري في الكون على غير العادة :

وكما مر في الحديث ” أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلَّى يَومَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقامَ، فَكَبَّرَ، فَقَرَأَ قِراءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فقالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، وقامَ كما هُوَ، ثُمَّ قَرَأَ قِراءَةً طَوِيلَةً وهي أدْنَى مِنَ القِراءَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وهي أدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا، ثُمَّ فَعَلَ في الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ سَلَّمَ وقدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ…،”

المدقق في هيئة الصلاة يجدها على غير العادة وخاصة في طول القيام وفعله مرتين قبل السجود وهذا امر يتناسب مع الخسوف والكسوف اذ جرى على غير عادة هذه الكواكب ، وان دل على شيء فانما يدل على عظيم الحدث.

  1. عتق العبيد

من أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم اثناء الكسوف انه امر بالعتاقة فعن أسماء بنت ابي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت :” لقَدْ أمَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالعَتَاقَةِ في كُسُوفِ الشَّمْس”[20].

  1. الدعاء والتهليل والتكبير والتسبيح.

عن عبدالرحمن بن سمرة قال :” كُنْتُ أرمي بأسهُمٍ بالمدينةِ إذ خسَفَت فنبَذْتُها فقُلْتُ: واللهِ لأنظُرَنَّ ما يحدُثُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ـ في كسوفِ الشَّمسِ قال: فأتَيْتُه وهو صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائمٌ في الصَّلاةِ رافعٌ يدَيهِ قال: فجعَل يُسبِّحُ ويحمَدُ ويُكبِّرُ ويُهلِّلُ ويدعو حتَّى حُسِر فلمَّا حُسِر عنها قرَأ سورتينِ وصلَّى ركعتينِ”[21].

 

  1. العجلة الى الصلاة :

عن ابي بكرة نفيع بن الحارث أنه قال :”كنَّا عندَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فانكسفتِ الشَّمسُ ، فقامَ إلى المسجدِ يجرُّ رداءَهُ معَ العجلةِ ، فقامَ إليهِ النَّاسُ ، فصلَّى رَكْعتينِ كما يصلُّونَ ، فلمَّا انجلَت خطبَنا فقالَ : إنَّ الشَّمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللَّهِ يخوِّفُ بِهِما عبادَهُ ، وإنَّهما لا ينكَسِفانِ لموتِ أحدٍ ، فإذا رأيتُمْ كسوفَ أحدِهِما فصلُّوا وادعوا حتَّى ينكشِفَ ما بِكُم”[22]

  1. من الفزع خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الكسوف فأخذ لباس زوجته بدلا من لباسه :

عن أسماء بنت ابي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت :” كَسَفَتِ الشَّمْسُ علَى عَهْدِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَفَزِعَ فأخْطَأَ بدِرْعٍ حتَّى أُدْرِكَ برِدَائِهِ بَعْدَ ذلكَ، قالَتْ: فَقَضَيْتُ حَاجَتِي، ثُمَّ جِئْتُ وَدَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَرَأَيْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قَائِمًا، فَقُمْتُ معهُ، فأطَالَ القِيَامَ، حتَّى رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ، ثُمَّ أَلْتَفِتُ إلى المَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ، فأقُولُ هذِه أَضْعَفُ مِنِّي، فأقُومُ، فَرَكَعَ فأطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فأطَالَ القِيَامَ، حتَّى لو أنَّ رَجُلًا جَاءَ خُيِّلَ إلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَرْكَعْ.” [23]

  1. غيرة الله على انتهاك محارمه :

عن عائشة رضي الله عنها قالت :” خَسَفَتِ الشَّمْسُ في عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَصَلَّى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالنَّاسِ، فَقامَ، فأطالَ القِيامَ، ثُمَّ رَكَعَ، فأطالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قامَ فأطالَ القِيامَ وهو دُونَ القِيامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فأطالَ الرُّكُوعَ وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ فأطالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ما فَعَلَ في الأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ وقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأَثْنَى عليه، ثُمَّ قالَ: إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ مِن آياتِ اللَّهِ، لا يَخْسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، فإذا رَأَيْتُمْ ذلكَ، فادْعُوا اللَّهَ، وكَبِّرُوا وصَلُّوا وتَصَدَّقُوا. ثُمَّ قالَ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ واللَّهِ ما مِن أحَدٍ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أوْ تَزْنِيَ أمَتُهُ، يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ واللَّهِ لو تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولبَكَيْتُمْ كَثِيرًا”.[24]

  1. الموقف يستلزم هذه المقولة من رسول الله صلى الله عليه وسلم :” يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ واللَّهِ لو تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولبَكَيْتُمْ كَثِيرًا”.[25]
  2. سؤال أبي بن كعب رضي الله عنه في محله :

عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال :” فلمَّا قضى الصَّلاةَ صلاةَ الكُسوفِ قالَ لَهُ أي للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ أبيُّ بنُ كعبٍ شيئًا صنعتَهُ في الصَّلاةِ لم تَكن تصنعُهُ”.[26]

12.بعض الإجابات عن سؤال ابي بن كعب رضي الله عنه

عن أسماء بنت ابي بكر الصديق رضي الله عنهما انها قالت :” أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلَّى صَلَاةَ الكُسُوفِ، فَقَامَ فأطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فأطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فأطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فأطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فأطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فأطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ، فأطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فأطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فأطَالَ القِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ، فأطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، فَسَجَدَ، فأطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فأطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقالَ: قدْ دَنَتْ مِنِّي الجَنَّةُ، حتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا، لَجِئْتُكُمْ بقِطَافٍ مِن قِطَافِهَا، ودَنَتْ مِنِّي النَّارُ حتَّى قُلتُ: أَيْ رَبِّ، وأَنَا معهُمْ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ – حَسِبْتُ أنَّهُ قالَ – تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ، قُلتُ: ما شَأْنُ هذِه؟ قالوا: حَبَسَتْهَا حتَّى مَاتَتْ جُوعًا، لا أَطْعَمَتْهَا، ولَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ – قالَ نَافِعٌ: حَسِبْتُ أنَّهُ قالَ: مِن خَشِيشِ – أَوْ خَشَاشِ الأرْضِ”.[27]

خلاصة ظاهرة الخسوف والكسوف تتمثل ما جاء قتادة رضي الله عنه عند قوله تعالى   {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا}: “إن الله يخوف الناس بما شاء من آية لعلهم يعتبرون، أو يذكرون، أو يرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود، فقال: يأيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه[28]

لا ينبغي للمسلم الذي يؤمن برسالة الإسلام أن ينسلخ عن دينه وايمانه وقرآنه وسنة نبيه في تفسير ظاهرة الخسوف والكسوف مستندا الى ما ينشره غير المسلمين ومن تبعهم ممن انسلخ عن الدين من المسلمين ، لم يمنع علماء الإسلام أي وصف او تفسير علمي لظاهرة الخسوف او الكسوف وفي نفس الوقت لم يغفل العلماء عن قرانهم وسنة نبيهم في وصف هذه الظاهرة وكيفية التصرف عند حدوثها فالكسوف والخسوف خوف وصلاة واستغاثة وليس موضعا للمتعة والابتهاج”

 [1] ابن القيّم -مفتاح دار السعادة 4/99

  [2] ابن منظور –لسان العرب-باب اللام- فصل العين -جزء 11 ص 458

 [3] الفيروز ابادي – القاموس المحيط–  فصل العين –  باب اللام-  جزء 4 ص 19

 [4] المحاسبي- الحارث بن اسد بن عبد الله المحاسبي- مائية العقل– دار الفكر –بيروت- الطبعة الثانية ص 204 تحقيق حسين التوتلي-

 [5] الغزالي-ابو حامد الغزالي-احياء علوم الدين-دار الصابوني-الجزء 1 ص 79 بتصرف

 [6] سورة الروم الآية 28

[7]  القرضاوي- يوسف عبد الله القرضاوي- العقل والعلم في القران الكريم– مكتبة وهبه-الطبعة الأولى 1996ص13

 [8] سورة الحشر الاية28

[9]  ابن رشد – ابو الوليد محمد بن احمد بن محمد الأندلسي-فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال –   مصر-دار المعارف ص8

 [10] الغزالي- ابو حامد – المستصفى-ج1 ص 12

 [11] سورة المائدة رقم اية 16

[12]  الغزالي- محمد بن محمد بن محمد ابو حامد الغزالي- معارج القدس في مدارج معرفة النفس-دار الآفاق الجديدة بيروت 1975 الطبعة الثانية ص 15

 [13] الدريني-  بحوث مقارنة – ص 110

[14]  محمد عمارة- معالم المنهج الإسلامي -المعهد العالمي للفكر الإسلامي-الولايات المتحدة-دار الشروق الطبعة الأولى-1991 ص 63.

 [15] د.عبد المجيد النجار-  خلافة الانسان بين الوحي والعقل-المعهد العالمي للفكر الاسلامي الولايات المتحدة-الطبعة الثانية دار الغرب الاسلامي1993 ص 15

[16]  علي السرطاوي-محاضرات القيت في مساق، اثر القواعد الاصولية في اختلاف الفقهاء –جامعة النجاح الوطنية نابلس- فلسطين

[17] الشاطبي- الموافقات– الجزء 4 ص 92

[18]  صحيح البخاري    3203

[19]  الإسراء: 59

[20]  صحيح البخاري    1054

[21]  صحيح ابن حبان 2848

[22]  صحيح النسائي  2848

[23]  صحيح مسلم 906

[24]  صحيح البخاري 1044

[25]  صحيح البخاري 1044

[26] ابن حجر العسقلاني – فتح الباري – 628/2

[27]  صحيح البخاري 745

[28]  صحيح تفسير الطبري 99/8

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017