لا تقتلوا الناس أو تمرضوهم في زمن كورونا باسم التدين والتقوى فينسحب عليكم قول رسول الله لمن افتى بغير علم ” قتلوه قتلهم الله” مع أنهم استندوا  الى ادلة من الكتاب والسنة

الجمعة 20 مارس 2020
شارك المقال

فقه النوازل

لا تقتلوا الناس أو تمرضوهم في زمن كورونا باسم التدين والتقوى فينسحب عليكم قول رسول الله لمن افتى بغير علم ” قتلوه قتلهم الله” مع أنهم استندوا  الى ادلة من الكتاب والسنة

الشيخ رائد بدير   السيرة العلمية  على هذا الرابط  https://nawazel.net/?page_id=21

إن الأحكام الشرعية موصلة إلى غاياتها والتي هي مصالح العباد كما أشار ابن القيم إلى أساس بناء الشريعة والغاية منها فقال : ” إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ، ورحمة كلها، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسالة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة وان أدخلت فيها بالتأويل”[1] . ويمكن القول بعد النظر في عبارات ابن القيم ، أن الشريعة وضعت وبنيت على مصالح العباد لتحقيق العدل والعدالة ، فما من حكم تكليفي إلا من وراء تشريعه مصلحة وعدل ورحمة، فإذا خرج عن ذلك اصبح لا يمت إلى الشريعة بصلة ، وكان بعيدا كل البعد عن الشريعة، والمقصود بالحكم التكليفي كما ذكره البيانوني : ” اثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد طلبا أو تخييرا”[2] . فالأحكام الشرعية التكليفية مرتبطة بغاياتها ، والهدف من اتباع تلك الأحكام أو تطبيقها والعمل بها الوصول إلى مراد الشارع منها ، وقد يتأثر الحكم الشرعي في الواقعة المعروف أنها مندرجة تحته والأصل أن ينزل على تلك الواقعة المعينة إلا انه يصار إلى غيره بحيث لو بقي على ما كان عليه لخرجت تلك المسالة عن العدل إلى الجور وعن المصلحة إلى ضدها وقد نقل الأستاذ الزرقاء قول العلامة ابن عابدين ” كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو لفساد  أهل الزمان ، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه للزم منه المشقة ، والضرر بالناس ، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد”[3].  وقد أكد الأستاذ الزرقاء رحمه الله ذلك بقوله: ” إن الأحكام الشرعية التي أسسها الاجتهاد في ظروف مختلفة عن الظروف الجديدة غير صالحة لتحقيق الغاية الشرعية من تطبيقها، فيجب أن تتغير إلى الشكل الذي يتناسب مع الأوضاع القائمة ، ويحقق الغاية الشرعية من الحكم الأصلي ، وذلك نظير السفينة الشراعية التي تقصد اتجاها معينا في ريح شمالية مثلا ، فان شراعها يقام على شكل يسير بالسفينة في الاتجاه المطلوب ، فإذا انحرف مهب الريح وجب تعديل وضع الشراع إلى شكل يضمن سير السفينة في اتجاهها المقصود ، وإلا انحرفت أو توقفت” [4].

وقد عقب د. علي السرطأوي على هذا المثال الرائع مبينا وشارحا من بيده صلاحية وسلطة التغيير قائلا : “وسلطة التغيير والتطوير هذه جعلتها الشريعة في يد العلماء وولاة الأمر لذا نجد المفتي الذي ينظر في حال كل شخص وفي كل واقعة بعينها ، ناظرا في طبيعة الشخص وقدرته، وما احتف الواقعة من ظروف ، ثم يعطي الحكم الشرعي المناسب الذي يكون محققا لمقصود الشارع”[5].  وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم-المرشد الأول لهذا المنهاج الصحيح والذي يعني بالفتوى ويحث المفتي على النظر والاجتهاد عند إنزال الفتوى على الواقعة المعروضة-تحقيق المناط-  ، حيث روى البهيقي في سننه عن جابر قال: ” خرجنا في سفر فاصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فقال لاصحابه:هل تجدون لي رخصة في التيمم ، قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – اخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم “[6] .

والملاحظ أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يلتفتوا إلى أي نص آخر غير النص العام  يتعاملون به مع هذه الواقعة ، بل بقي في أذهانهم وعقولهم أن الرجل يقدر على الحركة، وان الماء متوفر موجود ، ولا يمكن التيمم مع استطاعة الرجل ووجود الماء واستندوا إلى الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة وهو قوله تعالى :  ) فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا([7] ، وافتوا بما هو مشهور إذا حضر الماء بطل التيمم ، وعلى الرغم من استنادهم إلى أدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة إلا أننا نجد ان الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد غلظ عليهم ، بل ونفى عنهم صفة العلم والصق بهم صفة الجهل ونعتهم به وأرشدهم إلى السؤال قبل الإفتاء وشنع على فتواهم هذه والتي كانت سببا في مقتل الرجل ، حيث أن بقاء حكم الغسل من الجنابة  على ما هو عليه فيما يتعلق بالواقعة الجديدة والتي احتفت بظروف معينة لا يناسب، بل وبسبب تلك الظروف انتقل خطاب الله تعالى المتعلق بالواقعة من الغسل إلى التيمم كما بين ذلك الرسول – صلى الله عليه وسلم – حيث يتناسب حكم التيمم مع  تلك الواقعة ، ويأتي منسجما مع روح الشريعة والإسلامية ومقصدها وذلك بعد النظر والاجتهاد ، حتى لو تعلق الأمر بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة وبهذا الصدد يقول د. علي السرطاوي : ” إن الشريعة الإسلامية وضعت خططا ومناهج تشريعية تضمن أن تجعل الأحكام موصلة إلى غاياتها بعدالة وفق إرادة الشارع ، التي كلفنا تنفيذها وامتثالها اخذين بعين الاعتبار ان إرادة الشارع في أمر من الأمور لا تؤخذ من نص عام واحد فقط مهما كانت قطعية الثبوت والدلالة ، لان هذا النص جزء من كل الشريعة ،فلا يجوز أخذه أو فهمه فيما يناقضها ،لان الأصل الا يتناقض الجزء مع الكل وشرع الله لا تناقض فيه”[8].  هذه طبيعة الدين وهذه طبيعة الشريعة.

فاذا فهمت هذا فافهم بسبب الظرف الاستثنائي واحكام الطوارئ الشرعية فيما ذهب اهل العلم من تعليق الصلاة جمعة وجماعة  واغلاق المساجد ، فان الفتوى لا تتوقف عند هذا الحد، وحيث تم التصعيد في خطاب المكث في البيوت اذ باتت الجائحة تحصد أرواح المئات في اليوم الواحد مثل اسبانيا وإيطاليا وإيران، فان تصعيد الفتوى بتصعيد الاحداث واقعا ومتوقعا فالعبادة ليست مقصودة بذاتها، وهي تتنقل بين اقسام الحكم التكليفي الخمسة فتراها فريضة او محرمة او مباحة او مكروه بسبب ظروف أحاطت لها، فالصوم عبادة عظيمة لكن صيام يوم الشك حرام او مكروه  “مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” . وبناء المساجد فضل عظيم لكنه حرام بقصد الاضرار “وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا ” والصلح بين الزوجين خير لكنه محرم بقصد الاضرار (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ )، والوصية مباحة لكنها حرام بقصد الاضرار “مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّۢ” .فكل حكم شرعي مربوط بتحقيق غايته التي حددها الله تعالى منه، فان عاد الحكم على غايته ومقصودة  بالهدم أو التناقض ولم يحققها، انتقل الى حكم اخر من اقسام الحكم التكليفي الأخرى، فما كان فريضة في زمن يصبح محرما في زمن اخر، وما كان محرما في زمن يصبح واجبا في زمن اخر، وعلى هذا المبدأ نشأت قاعدة فتح الذرائع وسد الذرائع، وفي حالنا اليوم في زمن كيرورنا وحتى هذه اللحظة، قد اجمع اهل الاختصاص في العالم ان التجمع بات احدى مغذيات فيروس كورونا وانتشاره، وان العزلة في البيت هو السبيل حتى هذه اللحظة للوقاية منه، التزموا في البيوت وصلوا فيها جمعة وجماعة   ولا نريد ان نقول في هذه المرحلة  :” من صلى في المسجد في مثل هذه الظروف فليعد صلاته في البيت” او نقول ” من صلى في المسجد في هذه الظروف ظانا منه انه يسير على الهدي النبوي فإنما هو عيٌ بحاجة الى شفاء.

 

[1] ابن القيم –إعلام الموقعين عن رب العالمين-ج 3 ص 3

 [2] البيانوني- محمد أبو الفتح – الحكم التكليفي في الشريعة الإسلامية – دار القلم – دمشق الطبعة الأولى-1988 ص 51

 1- الزرقاء- المدخل الفقهي العام– ج 2 ص 938

  [4] – نفس المرجع السابق- ج 2 ص 938

 [5]  السرطاوي- مبدا المشرعية – ص80

[6]   البيهقي – احمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي – سنن البيهقي الكبرى – مكتبة دار الباز مكة المكرمة –ج1 ص 227 حديث رقم 1016 تحقيق محمد عبد القادر عطا.

[7]  سورة النساء الآية 43

 [8] سرطاوي- مبدا المشروعية – ص 80

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017