لضوابط الشرعية في التلقيح الصناعي وعلاج العقم لدى المستشفيات الإسرائيلية

الأربعاء 8 نوفمبر 2017
شارك المقال

 

الضوابط الشرعية في التلقيح الصناعي وعلاج العقم

لدى المستشفيات الإسرائيلية

الشيخ رائد بدير ، عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

 

 

أولاً: النسل البشري ومراحل التلقيح الصناعي

  اهتمت الشريعة الإسلامية بالتناسل والتكاثر، وجعلت إحدى غاية إنزالها على الناس الحفاظ على النسل البشري بطريق مشروع، فقد جعلت حفظ النسل من الضروريات الخمس التي اتفقت  الشرائع والملل على حفظها، إذ لو انعدم النسل لما بقيت هناك حياة، وقد قال الإمام الشاطبي– رحمه الله تعالى: “اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضرورات الخمس وهي: الدين والنفس والنسل  والمال والعقل، وعلمهـا عند الأمــــة ضروري”([1])، ولتحقيق هذه الغاية شرع الله تعالى قناة شرعية واحدة معتبرة ومعترف بها  بأن يبقى نوع الإنسان وأن يستمر هذا النوع في التكاثر والتناسل عبر الزواج، يقول حجة الإسلام الغزالي:” الولد، وهو الأصل وله وُضع النكاح، والمقصود إبقاء النسل وأن لا يخلو العلم عن جنس الإنس”([2]).

فالزواج هو الطريق السوي المشروع المتعارف عليه في الشرائع السماوية كافة وعند أصحاب العقول السليمة لاستكثار البشر، يقول الشيخ محمد أبو زهرة:” حفظ النوع الإنساني كاملا ليسير في مدارج الرقى إنما يكون بالزواج، إذ إن المساندة لا تحفظ النوع من الفناء، وإن حفظته لا تحفظه كاملا يحيا حياة إنسانية رفيعة، واعتبر ذلك بالأمم التي قلَّ فيها الزواج، فإن نقصان سكانها يتوالى بتوالي السنين، بينما يتكاثر سكان غيرها ممن يقدم أحدها على الزواج. ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على طلب النسل بالزواج” ([3]).

ولا شك أن الله عز وجل فطرنا على حب التناسل والإنجاب وحب الولد كل ذلك لغاية استمرار النوع الإنساني. وقد شاءت مشيئة الله وإرادته أن يجعل لمن يشاء ذرية من البنين، ولآخر ذرية من البنات، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا، أو يجعل بعض الذرية بنين وبعضهم إناثا، أو يجعل من يشاء عقيما، قال تعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) ([4]) وقد أعلمنا ربنا تبارك وتعالى أنه من دعاء المؤمنين أن يكون ولده قرة عينه، قال تعالى واصفاً دعاء المؤمنين: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) ([5]).

فالمحافظة على النسل وتكثيره بالزواج أمر محمود ومرغوب، وبالتالي فقد وضعت الشريعة الإسلامية حزمة من الأحكام التي تكفل سلامة النسل وبقائه كائنا حيا سويا بطريق مشروع، حيث ندبت إلى التداوي وطلب العلاج مما يعيق النسل ويمنعه كالعقم مثلا تماما كسائر الأمراض، ومن المعلوم أن لكل داء دواء فقد جاءت الأعراب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: “يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: نعم يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء..” ([6]) لقد فتح الله تعالى على بني آدم ممن يعيشون في هذا الزمان، حيث يسر لهم من التقدم التقني والتكنولوجي ما يعينهم ويمكنهم من تقديم المساعدة لأي مريض في أي باب، حيث أسهمت تلك الوسائل الحديثة المعاصرة في إيجاد كثير من الحلول ربما استعصت على أطباء لم يكن بين أيديهم نفس تلك الوسائل والتقنيات، ومنها التقدم العلمي الطبي والتقني والتكنولوجي في علاج العقم بصفاته وشروطه وضوابطه الشرعية، وخاصة ما يسمى بعمليات التلقيح الصناعي، والتي لا تعتبر وليدة هذا العصر، بل إن جذورها القديمة تمتد إلى الوراء لأكثر من خمسمائة عام، إذ يذكر أن كل من “ألون جونز”و”ولتر بومر” في كتابهما “مستقبلنا الوراثي هل هو صدفة أم تخطيط” قد ذكرا نصاً: “أن عملية الإخصاب الصناعي في الحيوانات قد عرفها العرب في القرن الرابع عشر الميلادي، حيث كانت بعض القبائل العربية تلقح خيولها من نطف جنسية تحصل عليها من حصان أصيل، له من الصفات الممتازة غير المتوافرة في الذكور الأخرى”([7]).

  وكان عام 1870م بداية معرفة التلقيح الصناعي في الغرب، حيث قام به الكاهن الإيطالي “لازارد سبالانزا” كتجربة على كلب، وبعد ذلك أجراه على امرأة سنة 1781م، حيث نجحت العملية، ولقد كانت البحوث الأولية في هذا المجال تتناول نقل الحيوانات المنوية الى الأنثى بطريق غير الطريق التقليدي، وقد نجحت معظم هذه التجارب التي أجريت على حيوانات مثل القرود والخيل والكلاب والقطط والمواشي والفئران والحشرات”([8])  ويرجع ذلك إلى سهولة تداول هذه العمليات على الحيوانات حتى وقتنا الحاضر وبصورة واسعة، إذ بلغ شيوع التلقيح الصناعي حتى عام 2000م في بريطانيا على 70% من مجموع العجول التي تلدها الأبقار، أي ما يعادل 3 ملايين عجل في السنة.

  أما شيوع التلقيح الصناعي عند النساء فقد يعود أول إنجاز علمي للدكتور “دانيال بتروشي” الإيطالي، أحد رواد التخصص في التلقيح الصناعي عن طريق الأنابيب، فقد بدأ أبحاثه في القضاء على المشاكل التي يسببها انسداد المسالك البيضية عام 1958م، وقد تمكن عام 1966م من تحقيق أول إنجاز علمي في هذا المجال، وذلك عبر طريق تلقيح البيضة بالسائل المنوي في وعاء خاص جعله بمثابة رحم صناعي لفترة قصيرة من الزمن.

  وقد استمرت الأبحاث في هذا الاتجاه حتى عام 1971م حيث استطاع العالمان “ستبتو وإدواردز” تخطي عقبة مهمة وهي إبقاء اللقاح حيًا لثلاثة أو أربعة أيام، وهي فترة كافية لبداية تكوين جنين، ومن ثم إعادته إلى الرحم ثانية، وبقيت معضلة تحضير الرحم لاستقبال اللقاح حيث تم بذل جهود لمدة سبعة أعوام حتى جاءت الطفلة “لويزا” كأول طفلة عن طريق الأنابيب في العالم.

  قام الدكتور ستبتو وزميله باختباراتهما هذه على (350) سيدة، كانا في كل مرة يتوصلان إلى تطوير جديد للسائل الذي يُحفظ في البيضة ويبقيها، وكانت نتيجة كل هذه المحاولات، وخلاصة كل هذه الأبحاث قد تمثلت في حالة السيدة (لزلي براون) إذ كانت قناتي فالوب لهذه السيدة مسدودتان تماماً، بحيث لا تجدي فيهما جراحة ولا علاج، ويتحول بصورة قطعية ودائمة بين البيضة القادمة من طرف والحيوان المنوي القادم من الطرف الآخر، وتكون السيدة قد حكم عليها بالعقم نظراً لأن الطريق الذي يسلكه الحيوان المنوي إلى البيضة ليلقحها ملتحماً بهما، ثم تسلكه البيضة الملقحة إلى الرحم لتنغرس في طريق مسدود، ومن ثم صار عامل فصل لا وصل. هذا هو واقع السيدة لزلي براون، ومن ثم لا تجري هذه العملية لامرأة سليمة حتى يحدث حمل في الماسورة”([9]).

  إن عمليات التلقيح الصناعي لم تتوقف على الإنسان والحيوان، بل تعدت إلى النبات للحصول على ثمار أجود وكمية أكبر،، يقول الإمام محمود شلتوت تحت عنوان التوالد بالتلقيح “أُلْهِمَه الإنسان من قديم”([10]) وعرفه منذ فجر حياته في الحيوان والنبات واستخدمه فيهما وظهر له فعلاً نجاحه وحصل منه على أنواع حسنة من الحيوان وعلى ثمار جديدة من النبات، وقد دفعه ذلك إلى إجراء التجارب التلقيحية في المرأة بماء الرجل وفعلاً نجحت هذه التجارب أيضاً وتكون بالتلقيح الصناعي الجنين واستكمل حياته الرحمية وخرج إنساناً سوي الخلقة مكتملاً.

  غير أن قصد الإنسان من التلقيح الصناعي البشري لم يكن على نحو قصده من التلقيح في الحيوان والنبات، فلم يكن من أهدافه أن يحصل به على نسل إنساني أحسن وأقوى كما هو الشأن في الحيوان والنبات وإنما كان القصد علمياً أولاً وقبل كل شيء ثم بعد أن تبين نجاحه علماً وعملاً اتخذ سبيله لتحقيق رغبة الولد بالنسبة للزوجين اللذين ليس لهما ولد، وذلك كي يقف عندهما الإحساس بالعقم أو يزول وبذلك يستويان بغيرهما ويشعران في هذه الحياة بزينة الأبوة والأمومة والأبناء. 

ثانيا: العقل والنقل وعلاقته وبالدين

إن فقهاء التراث الفقهي الإسلامي كانوا على وعي وإدراك للمسائل المحيطة بهم في جميع أشكال الحياة وتقدمها، وبالنسبة لزمانهم كان تقدم الحياة بكافة أشكالها يسير ببطء بالنسبة إلى الزمن الذي نعيش فيه، ولا شك أن زماننا من حيث النسبة سيكون في نظر الفقهاء الذين يعيشون بعد ألفي عام  زمن يسير ببطء نسبيا حتى يصل الناس إلى علم يدرس في الجامعات  كعلم الرجل الذي عاش في زمن سليمان عليه السلام وأحضر عرش ملكة سبأ في أقل من طرفة عين وسيرون فقهاء هذا العصر أن الأزمنة من خلفهم كانت تعيش في بطء شديد في جميع مناحي حياتها، وسينشأ عندهم فروع فقهية على نفس الأصول التي نبني عليها اليوم اجتهاداتنا، ألا ترى أن الرجل الذي عنده علم الكتاب عاش في زمن قبلنا ببعيد…فالأصول ستظل أصول لكن الفروع تتبدل وتتغير وفق تقدم الحياة.

إن مهمة الفقهاء في هذه الجوانب على أشكال وألوان تقدم الحياة في جميع مناحيها مهمة صعبة لا اقلل من أهميتها، ولا بد أن نعيد ترتيب الأوراق لنؤسس لزمن أسرع فيه الناس في التقدم المعيشي في حياتهم اليومية… نحن بحاجة إلى مجمع فقهي ينظر في الضوابط الشرعية في ألعاب الأطفال الإلكترونية…ومجمع آخر ينظر في المعاملات المالية وآخر في التقدم الطبي وآخر في علاقات الناس الاجتماعية…ولكل ما أحدثه الناس من تقدم وتغيير بسرعة فائقة علينا أن نقدم إجابات…ربما ستحدث بعد عشر سنوات ثورة رقمية هائلة تجعل ما بين أيدينا قديم، ونحن حتى الآن لم نقدم إجابات لكل ما يسأل عنه الناس وما تطور في حياتهم بكافة أشكاله وألوانه.

لا ينبغي للعقل أن يسرح ويمرح بعيدا عن التدين والدين، إذ لا بد لنا أن نودع في حس الأمة الإسلامية من مشرقها إلى مغربها أن العقل مهما أبدع لا بد له من دين يسير إلى جنبه يوجهه ويضبطه ويرشده ويحكمه، إن الترابط بين النصوص الشرعية والعقل متينة وقوية يقول ابن رشد في كتابه: “فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال ” يقول في موقف الإسلام من العقل: ” فأما الشرع فقد دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل وتطلب معرفتها به، فبين في غير ما آيه من كتاب الله تبارك وتعالى مثل قوله: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ) ([11])، فلما بلغ جانب من البشر هذا المستوى الرفيع من العقل ثم حمل العقلاء تبعاتهم كلها نحو أنفسهم ونحو الآخرين في جميع طبقات البشر انتقل قبس من نور النبوة إلى عقلاء من النوع الإنساني فإذا العلماء ورثة الأنبياء”([12])، وقال الغزالي:” وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل، فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرف لمحض العقول، بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد”([13]). وتابع حجة الإسلام الغزالي كلامه حول تظاهر العقل والشرع وافتقار أحدهما إلى الآخر قائلا: ” أعلم أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع، والشرع لم يتبين إلا بالعقل، فالعقل كالأساس والشرع كالبناء، ولن يغني أساس ما لم يكن بناء ولن يثبت بناء ما لم يكن أساس، وأيضا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج، ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر؛ فلهذا قال الله سبحانه وتعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) ([14])، وأيضا فالعقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده فما لم يكن زيت لم يحصل السراج، وما لم يكن سراج لم يضئ الزيت”([15])، وقد اهتم العلماء المعاصرون ببيان الصلة بين الوحي والعقل، والترابط المتين بينهما وخاصة في عصرنا الحاضر حيث بلغ العقل في فترة وجيزة جدا ما لم يبلغه في عصور طويلة من النضج حتى أصبح لدينا في كل لحظة تقريبا معلومة جديدة أو اكتشاف جديد في شتى أنحاء العالم. يقول الدريني:” لا بد لنا من بيان الصلة التي أحكمها الإسلام  بين العقل الإنساني العلمي المتخصص، والتشريع الإلهي والتي نوه إليها أئمة المذاهب والمجتهدون،

حتى أنهم أجمعوا على إحكام الصلة بين العقل الإنساني والتشريع الإلهي، لكنهم اختلفوا في تحديد مداها”([16]وقد أسهب الدكتور محمد عمارة في كتابه (معالم المنهج الإسلامي) في مدى ارتباط العقل والنقل ذاكرا المناهج الأخرى غير الإسلامية حول هذه المسألة حيث قال:  “فمنهج الإسلام هو المنهج الذي لا يذهب به الغرور العقلاني إلى الحد الذي ينكر فيه ما لا يستقل العقل بإدراكه وإدراك كنه حقائقه المنهج، الذي يؤمن بما هو أكثر من عالم الشهادة، المنهج الذي لا يقف بسبل الوعي عند الحواس، والعقل واحد منها  المنهج الذي يعقل النقل فيغدو فيه تصديق النقل برهانا عقليا، تلك هي حقيقة منهج الإسلام، ولهذه الحقيقة من حقائق المنهج الإسلامي، كان تجاور النقل مع العقل في سبله للوعي وتحصيل المعرفة، وهذا التجاور ليس تجاور السكون والانفصال بين سبيلين يستقلان في الوظائف والموضوعات وميادين الأعمال، وإنما هو تجاور الزمالة والمؤاخاة والائتلاف والتآزر والتساند والاجتماع، على النحو الذي جعل منها بالوسطية الجامعة سبيلا واحدا يجمع ويؤلف ما يمكن ويجب جمعه من خصائصهما، الأمر الذي جعل العقلانية الإسلامية متدينة والنقل الإسلامي عقلانيا، وقد تفرد المنهج الإسلامي بهذا الإنجاز”([17])، وعلى نفس السياق يقول د.عبد المجيد النجار: “لا أحد منهما – أي العقل والنقل- يمكن أن يكون بديلا للآخر ولا أحد منهما يمكن أن يُغني عن الآخر، وكل منهما من عند الله تعالى، فالنقل هبة من الله تعالى للبشرية ليهديها سبلها ويخرجها من الظلمات إلى النور، والعقل هو الطاقة المستقبلية للوحي القادرة على تلقية وفهمه والاستفادة به وتنزيله على الواقع”([18])، ويقول د.علي السرطاوي في إحدى محاضراته: ” إن من فوائد التشريع الإسلامي أن لا تكون الحياة البشرية حقلا للتجارب فالعقل الإنساني قاصر وهو بحاجة إلى النور الرباني هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى جاءت رسالة الإسلام في بيانها للأحكام على نحو كلي في الغالب؛ وذلك بعد مرحلة من نمو العقل البشري؛ ليقوم العقل بدوره في تفهم هذه الرسالة وتطبيقها على وجه تتحقق فيه المصلحة البشرية ومصلحة عمارة الأرض”([19]).

إن أقوال أهل العلم سابقا وحاضرا لتشير صراحة وتؤكد على أهمية ارتباط العقل بالنقل ومدى صلة الواحد بالآخر، حيث لا يمكن أن ينقطع الواحد عن الآخر، أو أن يُستغني الواحد عن الآخر فهما كجناحي الطائر لا يمكن أن يستغني بجناح عن الآخر، ولا يطير إلا بجناحيه معا، وإن هذه الرابطة المتينة بين العقل والنقل رابطة طبيعية، حيث لم يشأ الله البقاء لرسالة قط إلا رسالة الإسلام؛ لذا حملت هذه الرسالة عناصر الخلود، فهي تصلح لكل زمان ومكان، وهي تخاطب كل الأجيال البشرية جيلا بعد جيل، ولا يختلف اثنان أن الحياة البشرية اليوم ليست كالأمس، وهي غدا ليست كاليوم، وأن التفكير البشري يتغير ويتبدل، كما أن نواحي الحياة الإنسانية في تغيير مستمر، مع التأكيد على أن رسالة الإسلام للناس كافة، من هنا ارتبط العقل بالنقل، وأنيط بالعقل مهمة تكييف الخطاب الشرعي بما يتلاءم مع  كل عصر وعصر، وطبيعة الشريعة الإسلامية وخصائصها من المرونة والعموم والتطور تساعد  على ذلك بما يحقق ويتناسب مع المصلحة التي قصد الشارع تحقيقها للناس كافة من إنزاله للشريعة وعلى هذا يقول الشاطبي: “إن الشريعة الإسلامية لم تنص على حكم كل جزئية على حدى، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادا لا تنحصر، ومع ذلك لكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين، وليس ما به الامتياز معتبرا في الحكم بإطلاق ولا هو طردي بإطلاق، بل ذلك منقسم إلى ضربين، وبينهما قسم ثالث  يأخذ بجهة الطرفين فلا يبقى صورة من الصور الوجودية المعينة إلا وللعالم فيها نظر سهل أو صعب، حتى يحقق تحت أي دليل تدخل، فإن أخذت بشبه الطرفين فالأمر أصعب، وهذا كله بين لمن شدا في العلم”([20]).

ثالثا: التلقيح الصناعي: ماهيته وتأصيله الشرعي

          بعد تسليط الضوء على تاريخ التلقيح الصناعي، وبيان أهمية ترابط العقل والنقل في تطور الحياة لا بد من تعريف التلقيح الصناعي ومعرفة معناه، حيث وردت كلمة ” التلقيح في اللغة العربية فيقال: لقحت الناقة لقحا ولقاحا بمعنى قبت ماء الفحل، وألقح الفحل الناقة: أحبلها، وألقحت الشجرة أنبتت الفروع، وألقح النخلة: أبرها، ويقال أيضا: ألقحت الريح السحاب: أي خالطتها ببرودتها فأمطرت فهي ملقحة، ويقال أيضا ألقحت الريح الشجر 

والنبات أي نقلت اللقاح من عضو التذكير إلى عضو التأنيث، والملاقح النوق التي في بطنها أولاد، واللقاح: ماء الفحل. واللقح: الحبل. والملقح من الرجال: خلاف العقيم”([1])

وقد وردت كلمة ” لواقح في قَوْلُهُ تَعَالَى”(وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) ([2]) قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية:…ومعنى لواقح حوامل ؛ لأنها تحمل الماء والتراب والسحاب والخير والنفع. قال الأزهري: وجعل الريح لاقحا لأنها تحمل السحاب؛ أي تقلّه وتصرفه ثم تمريه فتستدره، أي تُنزله؛ قال الله تعالى:حتى إذا أقلت سحابا ثقالا أي حملت، وناقة لاقح ونوق لواقح إذا حملت الأجنة في بطونها، وقيل: لواقح بمعنى ملقحة وهو الأصل، ولكنها لا تلقح إلا وهي في نفسها لاقح، كأن الرياح لقحت بخير، وقيل: ذوات لقح، وكل ذلك صحيح ؛ أي منها ما يلقح الشجر كقولهم: عيشة راضية أي فيها رضا، وليل نائم؛ أي فيه نوم، ومنها ما تأتي بالسحاب، يقال: لقحت الناقة (بالكسر) لقحا ولقاحا (بالفتح) فهي لاقح وألقحها الفحل أي ألقى إليها الماء فحملته؛ فالرياح كالفحل للسحاب، قال الجوهري: ورياح لواقح ولا يقال ملاقح، وهو من النوادر وحكى المهدوي عن أبي عبيدة: لواقح بمعنى ملاقح، ذهب إلى أنه جمع ملقحة وملقح، ثم حذفت زوائده، وقيل: هو جمع لاقحة ولاقح، على معنى ذات اللقاح على النسب، ويجوز أن يكون معنى لاقح حاملا، والعرب تقول للجنوب: لاقح وحامل، وللشمال حائل وعقيم، وقال عبيد بن عمير: يرسل الله المبشرة فتقم الأرض قما، ثم يرسل المثيرة فتثير السحاب، ثم يرسل المؤلفة فتؤلفه، ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر، وقيل: الريح الملاقح التي تحمل الندى فتمجه في السحاب، فإذا اجتمع فيه صار مطرا، وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: (الريح الجنوب من الجنة وهي الريح اللواقح التي ذكرها الله في كتابه وفيها منافع للناس)، وروي عنه – عليه السلام – أنه قال: ما هبت جنوب إلا أنبع الله بها عينا غدقة، وقال أبو بكر بن عياش: لا تقطر قطرة من السحاب إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيها؛ فالصبا تهيجه، والدبور تلقحه، والجنوب تدره، والشمال تفرقه، وروى ابن وهب وابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم عن مالك- واللفظ لأشهب قال مالك: قال الله تعالى): وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) ([3]) فلقاح القمح عندي أن يحبب ويسنبل، ولا أدري ما ييبس في أكمامه، ولكن يحبب حتى يكون لو يبس حينئذ لم يكن فساد الأخير فيه، ولقاح الشجر كلها أن تثمر ثم يسقط منها ما يسقط ويثبت ما يثبت، وليس ذلك بأن تورد، قال ابن العربي: إنما عول مالك في هذا التفسير على تشبيه لقاح الشجر بلقاح الحمل، وأن الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه الروح كان بمنزلة تحبب الثمر وتسنبله؛ لأنه سمي باسم تشترك فيه كل حاملة وهو اللقاح، وعليه جاء الحديث الذي نهى فيه النبي – صلى الله عليه وسلم – عن بيع الحب حتى يشتد، قال ابن عبد البر: الإبار عند أهل العلم في النخل التلقيح، وهو أن يؤخذ شيء منطلع ذكور النخل فيدخل بين ظهراني طلع الإناث، ومعنى ذلك في سائر الثمار طلوع الثمرة من التين وغيره حتى تكون الثمرة مرئية منظورا إليها.” ([4])

          أما من حيث المعنى الاصطلاحي لمفهوم التلقيح الصناعي فقد وردت عدة تعريفات منها: التقاء الخلية الجنسية المذكرة بالخلية الجنسية المؤنثة فيختلطان ويمشجان ليكونا اللقيحة”([5])، ويقال أيضا:” هو استدخال المني لرحم المرأة بدون جماع”([6])، والملاحظ عند العرب وربما ما ذكره ابن عبد البر- رحمه الله تعالى – في معنى الإبار مما مر معنا قال: الإبار عند أهل العلم في النخل التلقيح، وهو أن يؤخذ شيء منطلع ذكور النخل فيدخل بين ظهراني طلع الإناث، فلا يختلف هذا عن أخذ الخلية الجنسية المذكرة بالخلية الجنسية المؤنثة فيلتقيان فيمشجان معا ليكونا جنينا يثبت كما تثبت الثمرة على الشجرة بعد الإبار وإن الرابط والمشترك بين المفهوم اللغوي للتلقيح الصناعي عند علماء اللغة في الماضي يتفق كلياً مع مفهومه بلغة العصر على الحيوان والنبات والإنسان.

          إن المسألة بصورتها توحي إلى أنها مسألة معاصرة بسبب التقدم العلمي والتقني والتكنولوجي وتقدم علوم الطب الى جانب التقدم التكنولوجي، لكن الناظر في كتب الفقهاء قديما يجد أن الفقهاء قد عرفوا مصطلحاً يسمى “الاستدخال” ومعنى الاستدخال عندهم إدخال ماء الذكر إلى المرأة بغير جماع، وقد بحثوا تلك المسألة في عدة أبواب فقهية، منها عندما يكون الزوج عاجزا عن الجماع لأي سبب كان، بحيث استطاع هذا الزوج أن ينقل ماءه إلى زوجته المعقود عليها بعقد شرعي صحيح وما زالت تلك الزوجية قائمة([7])

          إن الناظر في كتب  التراث الفقهي يجد أن مسألة “الاستدخال” توسع فيها الفقهاء، وخاصة فيما يتعلق بأحكام العدة أو بثبوت النسب عند اختلاط الماء، فكانت الفرضيات عندهم نقل ماء الرجل إلى زوجته أو نقل ماء غيره إلى زوجته وترتب على كل ذلك أحكاما شرعية، وعرف عندهم ما يسمى “بالماء المحترم” والماء “الغير محترم” إلى جانب تلك المسألة التي بحثها الفقهاء قديما من غالب جوانبها.

رابعا: شرعية الاستدخال والاستيلاد

          لم يتوقف الأمر عند الفقهاء القدامى عند مسألة “الاستدخال”، بل عنون بعضهم في كتب التراث الفقهي عنوانا لباب يسمى “الاستيلاد”، “وهو طلب الولد في اللغة، وهو عام أريد به خصوص، وهو طلب ولد أمته، أي استلحاقه، أي باب بيان أحكام هذا الاستلحاق الثابتة في الأم، وأم الولد تصدق لغة على الزوجة وغيرها ممن لها ولد ثابت النسب وغير ثابت النسب، وفي عرف الفقهاء أخص من ذلك، وهي الأمة التي ثبت نسب ولدها من مالك كلها أو بعضها” ([8]). وتحت هذا الباب بحثت مسائل كثيرة تتعلق بنقل ماء الرجل دون أن يكون هناك أي اتصال بينه وبين زوجته، فعلى سبيل المثال ذكر ابن نجيم هذه الفرضية عن الإمام أبو حنيفة      رحمه الله تعالى: “عن أبي حنيفة، إذا عالج الرجل جاريته فيما دون الفرج فأنزل فأخذت الجارية ماءه في شيء فاستدخلته فرجها في حدثان ذلك فعلقت الجارية وولدت فالولد ولده والجارية أم ولد له” ([9]).

          لقد تناول الإمام أبو حنيفة – رحمه الله تعالى – في المثال الافتراضي، مسألة نقل الماء، ومسألة الاستدخال، ثم بنى على هذه المسألة الفرضية تولد ولد، ثم بحث مسألة النسب بعد الولد، هذه المسألة الافتراضية التي وردت في زمن كان يعتقد الناس أن خروج الماء من الرجل واختلاطه بالهواء يفسد الحياة في هذا الماء، إذ أن افتراض المسألة من أصلها غير وارد، بينما الإمام أبو حنيفة مضى قدما في المسألة ليفترض وقوعها بشتى صورها ليؤسس قبل 1300 عام فروعا يمكن الاستناد عليها فيما جد من مسائل إلى قيام الساعة.

          إن الفقه الافتراضي، والذي هو اجتهاد الفقيه في وضع الحكم الشرعي لما لم يقع بعد من الحوادث والنوازل المقدرة، والذي وضع أسسه ومنهاجه وتناوله حقيقة الإمام الأعظم أبو حنيفة – رحمه الله تعالى- فقد أخرج الأمة من كثير من المآزق، ولا أخفي سرًّا على المستوى الشخصي لما أصادفه وأواجهه من علماء فإن قلبي يئن ويعتصر لانعدام هذه العقلية في زمننا المعاصر لنؤسس لمن سيأتون بعدنا، فنفترض أحكاماً للصوم في الفضاء، أو أحكاماً للصلاة على القمر.. والبلية التي نعاني منها أننا لا نسير بنفس الساعة في إيجاد إجابات شرعية لسائر تقدم العلوم من حولنا، ومن أسباب ذلك عدم تبني الأصول للانطلاق بفروع جديدة مستأنسين بالفروع القديمة، كما الحال في مسألة ” التلقيح الصناعي”.

          ولا يمكن أن نقدم مسائل افتراضية في زماننا لأننا أصلا لم نقدم إجابات لكل ما بين أيدينا من واقع، ومعنى هذا الكلام، انه حتى المدارس الفقهية التي كانت لا تفتي في المسألة إلا إذا وقعت، فحتى في هذه لم نحسنها ولم نتقنها، فكثير هي المسائل التي هي بحاجة إلى بحث وتقديم حلول وإجابات ما زالت عالقة على جداول المؤتمرات الفقهية، أو غير منظورة أصلا على جداولها، فما بالك بالمساحة التي بيننا وبين العقلية الفقهية الافتراضية التي أوجدت إجابات وحلولٍ، بل وأخذت تفترض لما سيقع من نوازل!!

          لقد أوضح أبو حنيفة –رحمه الله تعالى– فلسفته من خلال تأسيسه للفقه الافتراضي بهذه الحادثة حين نزل قتادة الكوفة، فقام إليه أبو حنيفة، فسأله: يا أبا الخطاب‍ ما تقول في رجل غاب عن أهله أعوامًا، فظنت امرأته أن زوجها مات، فتزوجت، ثم رجع زوجها الأول. ما تقول في صداقها؟ وكان أبو حنيفة قد قال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدَّث بحديث ليكذبن، ولئن قال برأي نفسه ليخطئن. فقال قتادة: ويحك أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا. قال: فلِمَ تسألني عما لم يقع؟ قال أبو حنيفة:” إنا لنستعد للبلاء قبل نزوله، فإذا ما وقع، عرفنا الدخول فيه والخروج منه” ([10]).

          أرأيت لو وجدت بيننا عقلية أصولية فقهية تتبنى الفلسفة التي بنى عليها أبو حنيفة        – رحمه الله تعالى- فقهه الافتراضي، الاستعداد للبلاء والدخول فيه والخروج منه لكان حالنا الفقهي أفضل. إذن نستطيع أن نجزم بما لا يدع مجالا للشك والريب أن فقهاء الأمة القدامى – رحمهم الله تعالى – قد عرفوا الاستفادة من الكتاب والسنة لتشكيل عقلية يمكن أن تتناول كثيراً من القضايا، والتي ربما نظن أنها معاصرة لكنها على وجه التحقيق قضايا قديمة وما جد فيها سوى   “الماكنة” أي آلية تناول هذه القضايا، فالفقهاء عرفوا وبحثوا وقدموا إجابات لمسألة “الاستيلاد” ومسألة “الاستدخال” قبل مئات السنين.

خامسا: التلقيح الصناعي: طرقه الشرعية الصحيحة وما يترتب عليه شرعاً من كشف العورة

          التلقيح الصناعي: “هو كل طريقه أو صورة يتم فيها التلقيح والإنجاب بغير الاتصال الجنسي الطبيعي- الجماع- بين الرجل والمرأة”([11])، والأصل في تخلق الولد إنما هو من السائل المنوي الذي يخرج من الرجل فيصل إلى رحم المرأة المستعد لاستقبال هذا الماء، فإذا شاء الله تعالى وقدر للخلية الجنسية المذكرة – الحيوان المنوي- أن يلتقي بالخلية الجنسية المؤنثـــة -البويضة- فإنهما يختلطان ويمتشجان فيكونان ما يسمى”الزيجوت” أو اللاقحة والتي هي البويضة المخصبة التي تنتج عن امتزاج البويضة بالخلية المنوية؛ وهي أولى خلايا الجنين.

          وهذا ما تجده في نصوص القرآن الكريم كقوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) ([12]) أو كقوله تعالى: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ(([13])، قال الإمام القرطبي- رحمه الله تعالى –  في تفسير الآية: قوله تعالى (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ) أي ابن آدم (مِمَّ خُلِقَ) وجه الاتصال بما قبله توصية الإنسان بالنظر في أول أمره، وسنته الأولى، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه؛ فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبة أمره، و(مم خلق)؟ استفهام؛ أي من أي شيء خلق؟ ثم قال (خلق) وهو جواب الاستفهام (من ماء دافق) أي من المني، والدفق: صب الماء، دفقت الماء أدفقه دفقا: صببته، فهو ماء دافق، أي مدفوق، كما قالوا: سر كاتم: أي مكتوم؛ لأنه من قولك: دفق الماء، على ما لم يسم فاعله، ولا يقال: دفق الماء. ويقال: دفق اللّه روحه: إذا دعي عليه بالموت، قال الفراء والأخفش (مِن مَّاء دَافِقٍ) أي مصبوب في الرحم، الزجاج: من ماء ذي اندفاق، يقال: دارع وفارس ونابل؛ أي ذو فرس، ودرع، ونبل، وهذا مذهب سيبويه، فالدافق هو المتدفق بشدة قوته، وأراد مائيين: ماء الرجل وماء المرأة؛ لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما” ([14]).

          فإذا لم يصل السائل المنوي عن طريق الاتصال الجسماني المعروف وتعذر الحصول على الولد بالتلقيح الطبيعي الذي فطر الله تعالى الناس عليه وهو الأصل، فإنه يلجأ إلى الطريقة الأخرى وهي المسماة بالتلقيح الصناعي لتمكين الحيوان المنوي للرجل من الوصول إلى بويضة المرأة وتلقيحها، ويلجأ إلى هذه الطريقة عادة من التلقيح عندما يكون بأحد الزوجين ما يمنع حدوث الحمل بالطريق الجسدي المعتاد، إذ أن السنة الربانية جرت أن يأتي الولد عن طريق التواصل بين الزوج والزوجة تواصلا جنسيا كما اعتاد الناس ممارسة هذه العملية على مدى التاريخ والأيام، وهذه فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها في الإنجاب والتوالد والتناسل.

          إن عملية التلقيح الصناعي بين الحيوان المنوي والبويضة تندرج تحت التطبيب والعلاج وتدخل في العلاج، إذ يتم تمكينها من خلال التلقيح الصناعي إيصال الحيوان المنوي للزوج  إلى بويضة زوجته ليلقحها في مكان التلقيح الطبيعي، وهو ما يسمى بالتلقيح الصناعي الداخلي (طفل الحقنة) وله صور وشروط، أو في غير مكان التلقيح الطبيعي وهو ما يسمى بالتلقيح الصناعي الخارجي (طفل الأنابيب)، ومن ثم وضع البويضة الملقحة في رحم المرأة بعملية حتى يتم الحمل طبيعيا في الرحم، وله صور وشروط أيضا، فالعملية إذن علاج لحالة مرضية أو إيجاد طريقة جديدة في العلاج وتدخل في باب التطبيب.

          “إن كل ما يجري في عملية التلقيح الصناعي أنه يؤخذ السائل المنوي حارا غير بارد، بعد وضعه في إناء نظيف معقم غير مبلل بالماء، يُسحب بمحقن خاص ليقذف في فوهة عنق الرحم ليدخل إلى الرحم فورا، حيث تترك المرأة بعدها ممددة على ظهرها مدة ساعة تقريبا لتساعد النطف إلى الوصول إلى الجهاز التناسلي حيث تنتظرها البويضة في البوق، ولا تجري هذه العملية إلا في اليوم المحدد للتبويض أي يوم خروج البويضة من المبيض، ويستطيع الطبيب تحديد هذا اليوم بمراقبة حرارة المرأة طيلة الشهر ومراقبة دورتها الطمثية لأشهر ثلاثة سابقة، أو بوضع الأوراق الملونة على عنق الرحم والتأكد من وجود السكر أي انطلاق البويضة”([15]) هذه هي عملية الإخصاب ومن بعدها تبدأ عملية الانقسام الخلوي وتأخذ الخلايا بالتكاثر الطبيعي.

مسألة فقهية: حكم الاستمناء من أجل الحصول على مني لعملية التلقيح الصناعي

          نلاحظ مما ورد أن التلقيح الصناعي يحتاج إلى أخذ السائل المنوي حارا غير بارد من الرجل، وعليه يحتاج إلى “الاستمناء” حتى يحصل الأطباء على السائل المنوي، وهذا أمر جائز لا حرج فيه ولا شبهة، وإن كان يترتب عليه إخراج المني في رمضان، فإن ذلك من مبطلات الصيام، فإذا أمكن تأخيره إلى الليل أو بعد رمضان فإنه يجب إلى أحدهما، وإن لم يمكن تأخيره عن النهار بحيث تترتب على ذلك مشقة معتبرة شرعا، فتعتبر بمثابة المريض المتصف بعذر مبيح للفطر. وعليه قضاء يوم واحد بدله ولا إثم عليه، والمرأة أيضا لها رخصة الإفطار لحاجتها إلى تناول أدوية أو عقاقير أو نتيجة المشقة من هذه العملية الطبية، أذكر هنا ما يترتب على هذه العملية من أحكام وضوابط شرعية ككشف العورة والنظر من أجل التداوي…

 

مسالة فقهية: حكم كشف العورة أمام  طبيب غير مسلم

          مما يلاحظ أن عملية التلقيح الصناعي تحتاج إلى كشف العورة المغلظة وربما لا تتوفر طبيبة أنثى أو ربما لا يتوفر طبيب مسلم، ومن المعلوم أن المستشفيات الإسرائيلية عادة فيها من الأطباء المسلمين وغير المسلمين والفتوى أنه يجوز كشف العورة في مثل هذه الحالة، فيجوز لك أن تعرض نفسك على الطبيب ولو كان كافرا بغرض التداوي، علماً بأنه لا يجوز أن يكشف من العورة أكثر مما تدعو الحاجة لكشفه، قال الخطيب الشربيني- رحمه الله تعالى – في مغني المحتاج:” واعلم أن ما تقدم من حرمة النظر والمس، هو حيث لا حاجة إليهما، وأما عند الحاجة فالنظر والمس مباحان لفصد وحجامة وعلاج، ولو في فرج للحاجة الملجئة إلى ذلك؛ لأن في التحريم حرجاً، فللرجل مداواة المرأة وعكسه، وليكن ذلك بحضرة محرم، أو زوج… ويشترط عدم وجود امرأة يمكنها تعاطي ذلك من امرأة، وعكسه…، ولو لم نجد لعلاج المرأة إلا كافرة ومسلماً، فالظاهر كما قال الأذرعي: أن الكافرة تُقدم، لأن نظرها ومسها أخف من الرجل…” ([1])، وقد عنون ابن مفلح -رحمه الله تعالى- في الآداب الشرعية:هذا العنوان: فصل (في استطباب غير المسلمين وائتمانهم ونظر الأطباء والطبيبات إلى العورات) وجاء فيه وقال: فإن مرضت امرأة، ولم يوجد من يستطبها غير رجل جاز له منها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره منها حتى الفرجين، وكذا الرجل مع الرجل، قال ابن حمدان: وإن لم يوجد من يستطبه سوى امرأة، فلها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره منه حتى فرجيه، قال القاضي أبو يعلى: يجوز للطبيب أن ينظر من المرأة إلى العورة عند الحاجة إليها نص عليه (أي الإمام أحمد) في رواية المروزي، وحرب والأثرم، وكذلك يجوز للمرأة… وقال الشيخ تقي الدين: إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرا بالطب ثقة عند الإنسان جاز له أن يستطب كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله كما قال تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا) ([2])، وفي الصحيح «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر استأجر رجلا مشركا هاديا خريتا، والخريت هو الماهر بالهداية وائتمنه على نفسه وماله وكانت خزاعة عيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمهم وكافرهم» وقد روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يستطب الحارث بن كلدة وكان كافرا» وإذا أمكنه أن يستطب مسلما فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله فلا ينبغي أن يعدل عنه،وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابي أو استطبابه فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهي عنها وإذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسنا، فإن الله تعالى يقول: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)([3]).

      إذن يجوز الاستمناء وأيضا يجوز كشف العورة عند الحاجة إلى التلقيح الصناعي ولو كان ذلك لدى المستشفيات الإسرائيلية.

سادسا: أقسام التلقيح الصناعي

          يقسم التلقيح الصناعي إلى قسمين، قسم داخلي وقسم خارجي، أما القسم الداخلي فيعرف عند أهل الاختصاص بالتلقيح الصناعي الداخلي ويعني: ” الحصول على المني من الرجل وحقنه في فرج الأنثى ليصل إلى البويضة في قناة فالوب،ويعمل على تلقيحها وتكمل بعد ذلك البويضة المخصبة التكوين الجنيني الطبيعي، وتتم هذه العملية في زمن الإباضة أي ما بين العاشر والرابع عشر من بدء الدورة الشهرية “([4]).

ويقسم هذا النوع من التلقيح إلى قسمين:

الأول: الطريقة المباشرة: وهي إيصال الحيوانات المنوية من الزوج  إلى الزوجة مباشرة عن طريق الطبيب بمزرقة، ويجب أن يتم ذلك بحضور الزوج مباشرة دون معالجة المني في المختبرات، وهو ما يطلق عليه اسم التلقيح في المكان الطبيعي.

الثاني: الطريقة غير المباشرة: وتتم بأخذ المني من الزوج ومعالجته في المختبر باستئصال الشوائب والحيوانات المنوية الميتة وبعض الخلايا غير الصالحة، ثم حقنها داخل الرحم للمرأة عن طريق الطبيب بمزرقة، ويجب أن يتم ذلك بحضور الزوج مباشرة أيضاً، وهو ما يطلق عليه التلقيح في المكان غير الطبيعي([5]).

          أما التلقيح الصناعي الخارجي: “فهو عملية تلقيح البويضة بحيوان منوي بطرق غير الطرق الاعتيادية للاتصال الطبيعي الجنسي بين الرجل والمرأة، وتحدث هذه الطرق بتلقيح البويضة خارج جسم المرأة”([6] وتعتمد هذه الفكرة “طفل الأنبوب” على أخذ البويضة من المرأة عند خروجها من المبيض بعد تحريضه بواسطة العقاقير الطبية التي يعرفها أهل الاختصاص، ويتم متابعة البويضة حتى خروجها بالموجات فوق الضوئية، وعند وقت الإبياض يتم سحب البويضة بمساعدة الموجات فوق الصوتية، أو بواسطة منظار البطن، وبعد سحب البويضات من المرأة يجمع في نفس الوقت المني من الزوج، وتوضع الحيوانات المنوية في مزرعة خاصة، ثم يؤخذ ملمتر من سائل المزرعة ويوضع في الطبق أو الأنبوب الذي به البويضات، ويتم التلقيح بمشيئة الله تعالى بعد أربع ساعات من الاستمناء، ثم تؤخذ البيضات الملقحة وتعاد إلى رحم المرأة، ويكون عددها من 3-5 بويضات في الغالب، مع ملاحظة أنها تعاد إلى رحم الأم بعد يومين أو ثلاثة لتنمو فيه نموا طبيعيا إذا شاء الله ذلك”([7])

وشرح بعضهم عملية (طفل الأنابيب) ([8]) قائلا: “إن فكرة طفل الأنبوب في حد ذاتها سهلة ميسورة، وتعتمد الفكرة على أخذ البويضة من المرأة عند خروجها من المبيض؛ وذلك بواسطة مسبار خاص يدخله الطبيب في تجويف الرحم عند موعد خروج البويضة من المبيض فيلتقطها ثم يضعها في طبق اختبار خاص معد للعملية يطلق عليه اسم طبق بتري Petri dish – وليس أنبوبا كما هو شائع- وفي هذا الطبق سائل فسيولوجي حيوي مناسب لبقاء البويضة ونموها. ثم يؤخذ مَنِّي الرجل ويوضع في الطبق مع البويضة، وهذه المرحلة تشبه مرحلة تكوّن النطفة في الرحم، وقد بينها الله عز وجل بقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِين. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ) ([9]) فإذا ما تم تلقيح البويضة بأحد الحيوانات المنوية Spermatozoa  -وذلك يمكن مشاهدته تحت المجهر- تركت هذه البويضة الملقحة لتنقسم انقساماتها المعروفة المتتالية، الخلية الأمشاج (الزيجوت) المكونة من التحام نواة البويضة ونواة الحيوان المنوي، تنقسم فتصبح الخلية خليتين، والخليتان أربعا.. والأربع ثمانيا، وتدخل فيما يعرف باسم مرحلة التوتةMorula؛ لأنها تشبه ثمرة التوتة المعروفة، وهي في حالة الحمل الطبيعي تتعلق في جدار الرحم؛ لذلك سميت علقة، قال تعالى: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً…)، عند ذلك تؤخذ هذه التوتة التي سرعان ما تتحول إلى ما يعرف بالكرة الجرثومية Blastula، والتي تشبه في الحمل الطبيعي تشكل المضغة (اللقمة)، قال تعالى: (فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً)، ويحدث في داخلها تجويف كما هو موجود في الكرة، ويمتلأ التجويف بسائل، وتوضع هذه الكرة في جدار الرحم بعملية جراحية معروفة طبيا حيث تنغرز فيه وتنمو نمو الحمل الطبيعي حتى الولادة، قال تعالى: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ([10]).

          والمدة التي تبقى فيها البويضة في الطبق لا تعدو يومين أو ثلاثة… ولكن من الجدير ذكره أن تنفيذ هذه العملية عسير يحتاج إلى دقة ومهارة، ومع هذا فإن90% من محاولات الاستيلاد بطريق طفل الأنبوب تفشل([11]). وعرفت هذه الظاهرة منذ أن نجح إثنان من الأطباء في تلقيح بويضة امرأة بمني زوجها سنة 1977م، وأدى ذلك إلى نجاح أول حمل، وولادة أول طفل أنبوب سنة 1978م”([12]). ويعتبر التلقيح الصناعي الخارجي من أحدث الطرق التي توصل إليها العلماء لعلاج العقم، ومن هنا فقد أثار ضجة كبيرة عند إجرائه لأول مرة، وهذا الأسلوب من الإنجاب تعددت صوره وحالاته وذلك من ناحتين:

الأولى: من حيث الحيوان المنوي الذي يتم تلقيح البويضة فيه، وفيها صورتان:

 الأولى: أن يكون الحيوان المنوي من الزوج، والصورة الثانية: أن يكون الحيوان المنوي من متبرع، وينسحب نفس الأمر على البويضة إما من الزوجة أو من متبرعة.

الثانية: من ناحية الرحم الذي تنغرس فيه اللقيحة، وفيه ثلاث صور: الأولى الرحم للزوجة، والرحم للزوجة الثانية، والرحم لمتبرعة.

وسنجيب لاحقا عن كل صورة، وصورة حكمها الفقهي والشرعي.

          وأما الأسباب المؤيدة إلى اللجوء إلى التلقيح الصناعي فكثيرة جدا([13]) بعضها جائز شرعا والبعض الأخر لا يجوز شرعا كما سنفصل ذلك لاحقا:

  1. كون الحيوانات المنوية للزوج غير نشطة نشاطا فعالا وفق المعايير الطبية.
  2. كون الحيوانات المنوية للزوج غير كافية العدد للتلقيح طبيعيا، والعدد الطبيعي يتراوح ما بين 60- 120 مليون في كل سم3.
  3. كون الحيوانات المنوية عند الزوج أكثر من الحد الطبيعي.
  4. صعوبة انتقال الحيوانات المنوية داخل الجهاز التناسلي عند المرأة.
  5. كون الإفرازات المهبلية عند المرأة شديدة الحموضة مما يسبب قتل الحيوانات المنوية.
  6. الضعف الجنسي.
  7. القذف المبكر.
  8. التشوهات الخلقية في شكل العضو الذكري عند الرجل.
  9. قفل الأنابيب: عندما تكون الأنابيب (قناتا الرحم) مقفلة أو مسدودة أو مزالة بعملية أو مصابة بأية إصابة، لا يمكن إصلاحها، يلجأ الأطباء آنذاك لمحاولة طفل الأنبوب.
  10. انتباذ الرحم([14]): أي عدم تفاعله مع الحيوان المنوي إذا كان انتباذ الرحم خفيفا، فإن الأنابيب تظل مفتوحة، ولكن عملها قد يتعطل.
  11. تكون المبايض غير قادرة على الإباضة أو تكوين بويضات لوجود خلل رئيسي فيها.
  12. عندما تكون المرأة غير قادرة على الحمل بسبب وجود مرض في الرحم يحول دون استمرار الحمل.
  13. عندما يزال رحم المرأة نهائيا بسبب عملية جراحية لسبب ما.
  14. وهنالك أسباب أخرى معروفة وغير معروفة.

سابعا: الحكم الشرعي لصورة التلقيح الصناعي الداخلي وشروطه

          مسألة فقهية: ما هو الحكم الشرعي لصورة التلقيح الصناعي الداخلي حيث يؤخذ مني الزوج عن طريق الاستمناء، ويُدْخَل إلى فرج الزوجة بواسطة زرقة أنبوب، ثم تسلك النطفة نفسها طريقها إلى الرحم حيث تكون البويضة بانتظارها ويتم التلقيح؟

          للفقهاء المعاصرين في هذا المسألة أكثر من قول، أحدها: الجواز بشروط وضوابط، حيث يجوز إجراء عملية التلقيح الصناعي بهذه الصورة، وهو قول جمهور المعاصرين من العلماء، ومنهم الشيخ محمود شلتوت، والشيخ جاد الحق علي جاد الحق، والشيخ محمد حسين مخلوف، والشيخ مصطفى أحمد الزقا، والشيخ إبراهيم القطان، والشيخ يوسف القرضاوي، والدكتور عبد الكريم زيدان، والدكتور وهبه الزحيلي، والشيخ زكريا البري، والشيخ احمد الشرباصي، والدكتور عبد العزيز الخياط، والدكتور محمد سلام مدكور، وبهذا القول أخذ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ومنهم الشيخ عبد الله البسام، والدكتور صالح الفوزان، والدكتور محمد رشيد قباني، وغيرهم، وبه قالت اللجنة الطبية الأردنية، ومنهم، الدكتور إبراهيم زيد الكيلاني، والدكتور محمد نعيم ياسين، والدكتور عمر الأشقر، والدكتور علي الصوا، والدكتور محمد شبير، والدكتور محمود السرطاوي  وبه قالت ندوة الإنجاب في ضوء الإسلام”([15] وقد استند هذا الفريق إلى الأدلة التالية:

الشروط لجواز عملية التلقيح الصناعي الداخلي لدى المستشفيات الإسرائيلية:

  1. أن تكون هناك حالة ضرورة، أو حاجة تنزل منزلة الضرورة، لا سيما إذا علمنا أن إجراء عملية التلقيح الصناعي تقتضي الكشف عن العورة المغلظة.
  2. أن يتم مراعاة أحكام كشف العورة المتعلقة بالفحص الطبي، والتي تتمثل في أن يكون كشف العورة عند الضرورة أو الحاجة المقدرة بقدرها ويشترط انتفاء الخلوة أثناء العملية.
  3. أن يتم التلقيح بين مني من ذات الزوج دون شك في استبداله، ودون شك في اختلاطه بمني غيره، مع العلم بأن حالات الاختلاط بين عينات الدم، ونُطف المني كثيرا ما تقع في المعامل والمختبرات التي تتولى هذه الأمور في المستشفيات، فإذا ما تحققنا من أن المني من الزوج وحده، وعولجت به الزوجة كان حلالا لا غبار عليه، ويجب التنبيه والتشديد والتذكير والمتابعة والمراقبة لكل هذه العملية.

 تقدم الطبيبة المسلمة الماهرة ومن ثم يُقدم الطبيب 

  1. المسلم الماهر والخبير إن وجد على غير المسلم الذي يملك نفس الخبرة؛ لأن المسلم يدرك حقيقة وحساسية وموقف الإسلام من اختلاط النطف، وهذا أمر إذا وقع فيه الخطأ لا يمكن تصحيحه، إنما تترتب عليه أحكاما قاسية كالنسب والميراث وغيرها، وفي حال عدم توافر الطبيب والممرض المسلم يصار إلى غيره مع رفع حثهما وتذكيرهما لأهمية عدم وقوع الخطأ في العملية والتشديد في متابعة ومراقبة المختبر.
  2. الحذر من بنوك المني يقول القرضاوي: فالأصل في بنوك المني هو المنع، فأخذ مني الرجل وتخزينه لا يجوز إلا لضرورة معينة، كأن تكون هناك مشكلة في قضية الحمل، أو أن يكون لدى المرأة مشكلة في تلقي الحيوان المنوي، ويضطروا لعمل ما يسمى أطفال الأنابيب، حيث يوضع الحيوان المنوي مع البويضة في أنبوب في الخارج؛ ولهذا إجراءات معروفة، كما أنه أحيانًا تؤخذ الحيوانات المنوية من الرجل وتجمد، وتؤخذ بويضات من المرأة وتجمد، حتى يأتي وقت معين لحدوث الالتقاء بين مني الرجل وبويضة المرأة، وحصول التلاقح.
  3. وهذا لابد أن يكون لضرورة معينة، وإذا تمت العملية فلا ينبغي أن يبقى هذا المني، فالمني يجمد للحاجة فقط، ومع اليقظة والحذر، فهذه الأشياء يمكن التلاعب بها، واحد يشتري منيًّا، أو امرأة تشتري منيًّا؛ لأنها تعرف أن زوجها لا يستطيع الإنجاب، كما أن الإهمال يمكن أن يؤدي إلى أن يختلط ماء رجل بماء رجل آخر، فتختلط الأنساب، ولذا فلابد من أن يتم ذلك تحت إشراف وبعناية فائقين وكل شيء يبقى محددًا بالضبط، ومحفوظًا في مكان أمين، وهناك ناس ثقاة يتولون مسئولية ذلك”([1]).

ثامنا: الحكم الشرعي في عملية التلقيح الصناعي الخارجي وشروطه 

          تناولت في الصفحات السابقة المسألة الفقهية في الحكم الشرعي لصورة التلقيح الصناعي الداخلي وشروطه وضوابطه، هنا سأتناول الحكم الشرعي في عملية التلقيح الصناعي الخارجي والذي يتم فيه تلقيح البويضة من الزوج إلى الزوجة خارج جسم المرأة ويسمى شهرة     “طفل الأنبوب” وقد مر تعريفه وأسبابه، أما عن حكمه بهذه الصورة فللفقهاء المعاصرين أكثر من قول، أحدها الجواز بشروط وضوابط، حيث يجوز إجراء عملية التلقيح الصناعي بهذه الصورة، وهو قول جمهور المعاصرين من العلماء، وهو ما أكده المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة  في قراره الخامس في دورته السابقة، ومن أبرز العلماء الذين قالوا بالجواز: الدكتور عبد الله نصيف، والشيخ مصطفى أحمد الزقا، والدكتور عبد الكريم زيدان، والدكتور وهبه الزحيلي، والشيخ زكريا البري، والشيخ أحمد الشرباصي، والدكتور عبد العزيز الخياط، ومنهم الشيخ     عبد الله البسام، والدكتور صالح الفوزان، والدكتور محمد رشيد قباني، وغيرهم، وبه قالت اللجنة الطبية الأردنية، ومنهم، الدكتور إبراهيم زيد الكيلاني، والدكتور محمد نعيم ياسين، والدكتور عمر الأشقر، والدكتور علي الصوا، والدكتور محمد شبير، والدكتور محمود السرطاوي  وبه قالت ندوة الإنجاب في ضوء الإسلام ومن أبرز القائلين أيضا بالجواز الشيخ جاد الحق علي جاد الله والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي”([2] وقد استند هذا الفريق إلى الأدلة التالية، وقد تتشابه الأدلة نفسها مع النواحي كما سنرى التلقيح الصناعي الداخلي في بعض على النحو التالي.

أما المخالفون لهذا القول فمن أبرزهم([5]): الشيخ عبد الحليم محمود، والشيخ رجب التميمي، والشيخ محمد إبراهيم شقرة وغيرهم، وقد استدلوا بالآتي:

  1. إن طفل الأنبوب لا يعدو أن يكون تجربة علمية ظنية، لا يمكن القطع معها بحمل المرأة وإنجابها، لأن الحمل والإنجاب- حتى في الحالات الطبيعية- يبقيان شيئا ظنيا محضا، مرده إلى علم الله وإرادته وحده، واعترض على هذا الاستدلال – في حينه- بأن طفل الأنابيب أصبح حقيقة علمية ناجحة لا تقبل الشك، ولها ضوابطها العلمية الواضحة، والحمل بهذه الصورة لا يتم إلا بعد إخصاب البويضة، وأما استمرار الحمل في هذه الصورة فهو كاستمرار الحمل في التلقيح الطبيعي، فكلا منهما مرده إلى علم الله تعالى وإرادته.
  2. لقد قضت إرادة الله تعالى أن يكون في جنس الإنسان العقيم والمنجب، فالله تعالى يهب لمن يشاء الإناث والذكور من الأولاد أو يحرمه من الإنجاب، قال تعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) ([6])، فمن لم ينجب لا بد له أن يصبر، ويعلم أن لله حكمة في ذلك، ولا يجوز لنا من أجل الإنجاب أن نأتي بطرق ملتوية تكون مثلا للشك والظنون في الأنساب، واعترض على هذا الدليل؛ وذلك أن فهم الآية على النحو السابق فيه نظر، فما تدل عليه الآية الكريمة، بأن الله تعالى يهب الذرية لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما، والعقيم في الآية هو الذي لا يولد له مطلقا، ومن كان صالحا للإنجاب ويحول بينه وبين الإنجاب عقبة هنا يتدخل العلم لتذليلها فهذا ليس عقيما بالمفهوم القرآني، ومساعدته في الإنجاب ليس فيه خروج على الدين، أو منافاة للأخلاق، أو مضادة لإرادة الله تعالى.
  3. إن قاعدة سد الذرائع في الإسلام تفرض حظر طفل الأنبوب ومنعه، إذ أن هذه القاعدة تحظر على المسلم شيئا من الحلال الصريح مخافة الوقوع في الحرام الصريح، وطفل الأنبوب يطلب بغض النظر عن وصفه بالحل والحرمة بسبيل غير مشروع وهو الكشف عن عورة المرأة وملامستها وتصويب النظر إلى مواطن الفتنة، فالقضية فيه معكوسة فتكون أولى بالتحريم مما حرم بسد الذرائع.

          واعترض على هذا الاستدلال بأن الاستناد إلى باب سد الذرائع يعني فيما يعني إقرار بأن الحكم الأصلي لهذه العملية هو الجواز، وإنما حرمت لأنها وسيلة مفضية إلى المحرم، أو لأن المفاسد المترتبة عليها أكثر من المصالح، وأما كون التلقيح بهذه الصورة وسيلة للحرام فليس بصحيح لأنه وسيلة إلى أمر مطلوب شرعاً وهو النسل، وأما كون المفاسد المترتبة عليه أكثر من المصالح فليس بمسَّلم؛ لأن النسل من الضروريات الخمس، وانكشاف المرأة على غير زوجها إنما هو إخلال بالحاجيات والتحسينيات، وإذا تعارض الضروري مع غيره من الحاجيات والتحسينيات فالضروري أولى بالاعتبار.

          واسْتُدِل بأدلة أخرى وتم الرد عليها على النحو المذكور، والرأي الراجح في هذه الصورة هو الجواز؛ وذلك لقوة البينة والحجة والبرهان والدليل بقيود وشروط على النحو الآتي:

  1. أن يحتاط غاية الاحتياط، دون حصول اختلاط أو استبدال للحيوان المنوي أو البويضة، ويثبت قطعاً أن البويضة للزوجة والمني للزوج.
  2. أن تكون الزوجية قائمة وأن يتوافر الرضا بين الزوجين.
  3. أن تكون هنالك ثم ضرورة طبية داعية لإجراء هذه العملية، وهذه الصورة من التلقيح الصناعي الخارجي.
  4. أن تتم العملية بناء على قرار طبيب ثقة وحاذق ومجرب ومقرٍّ بأن الزوجة لا تحمل إلا بهذه الطريقة.
  5. لا بد أن يهتم الزوجان بالبحث عن طبيب أو ممرض مسلم لمتابعة العملية داخل المستشفى.

    وقد اتفق العلماء الذين أجازوا هذه الصورة على أن المولود ينسب إلى أبيه الزوج صاحب الحيوان المنوي وإلى أمه الزوجة صاحبة البويضة، وهذا النسب يتفق مع قواعد النسب في الإسلام.

تاسعا: الأحكام الفقهية فيما يتعلق بصور التلقيح الصناعي

          تناولت في الصفحات السابقة الحكم الشرعي في عملية التلقيح الصناعي الخارجي والذي يتم فيه تلقيح البويضة من الزوج إلى الزوجة خارج جسم المرأة ويسمى شهرة “طفل الأنبوب”، وهنا سأتناول الأحكام الفقهية في مسائل تتعلق بالتلقيح الصناعي في صور عدة أخرى.

المسألة الأولى: هذه صورة مما يجري اليوم في التلقيح الصناعي الخارجي بحيث يتم التلقيح بين بذرتي الزوجين في وعاء اختبار، ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة أخرى  متطوعة غير الزوجة، وجدير بالذكر أن هذه الحالة وغيرها قد تُقْدم عليه الزوجة للضرورة كالعقم، أو للترفه وعدم التعرض لمعاناة آلام الحمل.

  إن هذه المسألة اليوم تعرف بمسيات شتى منها: تأجير الأرحام، أو الرحم الظئر، الرحم المستعار، مؤجرات البطون، الأم البديلة، المضيفة أو الحاضنة، شتل الجنين، الأم بالوكالة، أجنة بالوكالة وكل هذه المسميات عُرفت من حيث المعنى الفقهي للعقود  بأنها عقد على منفعة رحم بشغله بلقيحة أجنبية عنه بعوض([7])... لقد انتشرت ظاهرة تأجير الأرحام في دول العالم وافتتحت مكاتب ومؤسسات ومراكز وشركات طبية تستقطب الراغبين والراغبات في إجراء مثل هذه العملية، تؤمٍّن لهم الإجراءات الطبية، لقد سعت بعض الدول لتغير حقيقي في قوانينها لاستيعاب هذا النوع من العقود. إن هذه الصورة محرمة شرعاً، فقد تناول مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407هـ /11 – 16 تشرين الأول (أكتوبر) 1986م، في قراره رقم: 16 (4/3) بشأن أطفال الأنابيب هذه المسألة وفيه:”…بعد استعراضه البحوث المقدمة في موضوع التلقيح الصناعي (أطفال الأنابيب) والاستماع لشرح الخبراء والأطباء، وبعد التداول الذي تبين منه للمجلس أن طُرق التلقيح الصناعي المعروفة في هذه الأيام هي سبعة، قرر ما يلي:

أولاً: الطرق الخمس التالية محرمة شرعاً، وممنوعة منعاً باتاً لذاتها أو لما يترتب عليها من اختلاط للأنساب وضياع الأمومة وغير ذلك من المحاذير الشرعية.

ثانياُ: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة متطوعة بحملها([8]) ومن الملاحظ أن التحريم نابع من عدة محاذير شرعية منها: أنه لا يُؤمِّن وقوع اختلاط الأنساب من جهة الأم، فقد تحمل صاحبة الرحم من زوجها بالإضافة إلى اللقيحة المنغرسة في رحمها، وإن من مقاصد الشريعة الإسلامية وغايتها في تحريم التبني أو تحريم الزنا هو تجنب اختلاط الأنساب، ومنها أيضا أن في زرع اللقيحة في رحم غير صاحبة البويضة إفساداً لمعنى الأمومة، فالأمومة ليست مجرد حاضنة أو مضيفة، تحمل وتلد وتتألم فتأتي صاحبة البويضة فتنزع مولودها من بين يديها كأنها مجرد أنبوب من الأنابيب، أضف إلى ذلك أن هذه الحالة مما يقع في إطار الحظر، إذ تجتمع فيها محاذير التلقيح الصناعي بالنسبة للزوجة ممثلة في الغموض الذي يكتنف نتائج هذا الحمل، والآثار الجسمية والنفسية الخطيرة على مستقبله، وورود الشك في النسب لاحتمال حدوث تغيير أو اختلاط بين أنبوب الاختبار وأنبوب آخر، وكشف المرأة لعورتها المغلظة. وهذه الحالة تثير خلافا آخر([9]) رغم عدم مشروعيتها وحرمتها بالإضافة إلى نسب الطفل، وقد تفاوتت آراء العلماء المعاصرين في هذه القضية، فذهب بعضهم([10]) إلى أن نسب الولد يكون للزوجين مصدر الحيوان المنوي والبويضة، وأما المتطوعة بالحمل فلا تعتبر أما نَسَبية قطعاً، ولكنها تعتبر كالأم الرضاعية بطريق الأولوية، لأن الجنين قد اكتسب نموا في جسمها أكثر مما اكتسب الرضيع من لبن المرضع، وذهب بعضهم -من أصحاب هذا القول- أن ألام الحامل في منزلة الأم من الرضاعة. 

وذهب نفر آخر من العلماء إلى أن نسب الولد يلحق بالمتطوعة التي حملته وإلى زوجها([11])

وقد استدل أصحاب الرأي الثاني بقوله تعالى: (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ) ([12])

          وهذا نص قطعي الثبوت والدلالة – لأنه جاء بصيغة الحصر- فليست صاحبة البويضة إلا كالدجاجة التي تضع بيضتها، ولكن لا يُنسب فرخها إليها، بل إلى الدجاجة التي رقدت على البيض وحضنته حتى أنتج فراخا، فالفرخ المتخلق من هذه البيضة لا يعرف إلا أمه التي احتضنته.

      كما استدلوا بقوله سبحانه: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) ([13]) فهل الأم التي أُخذت منها البويضة حملت وهنا على وهن؟ وقالوا: إنَّ البويضة الملقحة إنما نمت وتغذت بدم التي حملتها، وتحملت الآلام في الحمل والمخاض، فهل يُعقل أن يُنسب الولد إلى غيرها؟

          أما القائلون بأن –التي حملت- ليست أمًّا، بل ينسب الولد إلى مصدر البويضة، فقد استدلوا بالإضافة إلى ما تقدم بقولهم: إن البويضة الملقحة هي أصل الجنين، تحمل صفات كل من الأب والأم، فهي إذاً أساس بنيته وتكوينه، والجنين إنما يكون بتوالد الخلايا التي تحمل نفس الصفات الوراثية للخلية الأولى التي تكونت من البويضة وماء الرجل.

فالبويضة كالبذرة للنبات، والرحم الذي يستقلها كالأرض التي توضع فيها البذرة، تساعدها على النمو بما تمدها به من غذاء، فكيف تهدر علاقة صاحب البويضة بالجنين، وهو دور محقق ومؤكد، وليس موهوماً أو مظنوناً، والراجح في المسألة أن ما ذهب إليه القائلون بأن نسب الولد يثبت من صاحبة البويضة والماء هو الأولى بالأخذ به –والله أعلم- لقوة أدلتهم؛ ولأن من حملت لا تعدو أن تكون قد غذت الجنين فهي كالأم بالرضاع، وأما ما تحمله من متاعب فهي إما أن تكون متبرعة به طالبة الأجر، أو مستأجرة بالمال، وكلا الأمرين لا يتأتى دون عناء وتحمل. 

عاشرًا: بعض صور التلقيح المحرمة باتفاق العلماء

          لقد تعددت صور التلقيح الصناعي الخارجي، فمن الصور المحرمة باتفاق العلماء، أن يتم تلقيح بويضة لزوجة ما من غير بحيوان منوي من غير زوجها أي متبرع، في طبق وأنبوب ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة صاحبة البويضة، ويلجأ الأطباء إلى هذه الصورة من التلقيح الصناعي وذلك إذا كان الزوج عقيما عقما مطلقا، أو كان هناك انسداد أو عطل في قناتي فالوب يمنعان الحيوان المنوي من تلقيح البويضة، وهذه الصورة محرمة باتفاق الفقهاء؛ لأن مصدر اللقيحة ليست من الزوجين مجتمعين، وهذا أسلوب واضح بيِّن كالشمس في اختلاط الأنساب، إذ كان الحمل هنا مؤكد أنه من غير الزوج، وقد مرت الأدلة على تحريم هذه الصورة من التلقيح  الصناعي سابقاً.

          أما من حيث الآثار المترتبة على هذه الصورة بخصوص نسب الولد، فان الولد ينسب إلى زوج المرأة صاحبة اللقيحة؛ لأن المرأة متزوجة والولد لصاحب الفراش، إلا أن ينفيه صاحب الفراش باللعان، وإن كانت صاحبة البويضة ليست ذات زوج فحكم المولود أنه ابن زنا؛ لأنه لا يوجد فراش زوجية صحيح ينسب المولود إليه، وبالتالي يلحق نسب الولد بأمه.

          كنت قد تلقيت سؤالا من شابٍّ يعمل في إحدى المختبرات في إسرائيل، وفحوى السؤال أن بعض بنوك الحيوانات المنوية، تشتري من مشاهير في العالم من الرجال حيوانا منويا، ثم تُخزنه في البنك ويتم حفظ اسم البائع، ثم تبيعه للمشتريات من النساء بسعر باهظ الثمن، بحيث يتم تلقيح صناعي بين بويضة المشترية وبين بائع الحيوان المنوي، وقد كان الشاب آنذاك عن مدى شرعية عمله في مثل هذه المختبرات وخاصة أنه يعمل منذ سنوات وأدخلت صورة البيع جديدا إلى عمله، فكانت التوصية أن يستمر في العمل إلى أن يجد بديلا بنفس المهنة في مكان آخر، لقد وصل الأمر إلى حد أن يكون بيع للحيوانات المنوية وربما بيع للبويضة وخاصة في سوق مشاهير الدنيا، وبيع الحيوان المنوي أو البويضة محرم شرعا كحرمة بيع الأعضاء الجسدية بل أشد حرمة من بيع الأعضاء؛ لأن فيه اختلاط للأنساب.

          وهنالك صورة من صور التلقيح الصناعي حيث تلقح بويضة الزوجة بحيوان منوي من زوجها ولكن بعد وفاته، حيث يحتفظ الزوج بمنيه في بنك المني، أو أن يكون هناك لقيحة مجمدة في بنك المني، ثم تغرس في رحم الزوجة، وقد خاض الفقهاء في مثل هذه المسألة ودوافعها، فمنهم من يرى حرمة هذه الصورة من التلقيح منهم الدكتور مصطفى الزرقا والدكتور بكر أبو زيد، وهو ما ذهبت إليه اللجنة الدائمة الطبية في الأردن، يقول الدكتور الزرقا:” إن هذه الصورة محتملة الوقوع، ومن الواضح أن الإقدام عليها غير جائز شرعا؛ لأن الزوجية تنتهي بالوفاة، وعندئذ يكون التلقيح بنطفة من غير الزوج هي نطفة محرمة”([14]).

          وهنالك رأي آخر يقول بجواز إجراء هذه الصورة مع عدم استحسانها وبه قال جماعة من المعاصرين، يقول الدكتور عبد العزيز الخياط: “إن العملية وإن كانت غير مستحسنة فهي جائزة شرعا، ويستهدي في ذلك بما قرره الفقهاء من أن المرأة إذا حملت بعد وفاة زوجها وكانت معتدة أو جاءت به لأقل مدة ستة أشهر، وشهد بولادتها امرأة واحدة عند الفقهاء، ورجلان أو رجل وامرأتان عند أبي حنيفة فإن الولد يثبت نسبه”([15]).

          ومن حيث الآثار المترتبة على هذا الحمل في حالة وقوعه وميلاد المولود، من رأي عدم جواز هذه الصورة من التلقيح الصناعي إنه لا يرى بنسب هذا المولود إلى أبيه، ومن رأى جواز هذه الصورة فإنه يرى نسب المولود إلى أبيه المتوفى.

أقول: أما الرأي الذي أرجحه هو البعد عن هذه الصورة إلا في حالات وصور نادرة جدا على سبيل الاستثناء، إن نسب المولود يتعلق بقيام الزوجية أو عدمها في مثل في التوجه العام للفقه الإسلامي، ولا يتعلق بالحيوان المنوي والبويضة ومصدرهما، أرأيت إن كانت زوجة متزوجة من رجل عقيم عقما مطلقا أو رجل سجين سجنا مؤبدا، لم يلتق بزوجته أبدا ولم يؤخذ منه حيوانا منويا أبدا، ثم جاءت تلك المرأة بحمل ولم يلاعن الزوج زوجته أو لم ينفه إلا ينسب له؟ بلى…فالولد لصاحب الفراش والزوج هنا صاحب الفراش وقيام الزوجية هو الأساس في الحكم على النسب لا مصدر البويضة أو الحيوان المنوي؛ لأن تعليل الأحكام في الشريعة الإسلامية ومناطها دائما مرتبط بوصف ظاهر منضبط، والوصف الظاهر المنضبط التي ارتبط به حكم النسب هنا قيام الزوجية وهو الأصل في إلحاق الأنساب، لا مصدر البويضة أو الحيوان المنوي، فإن ادَّعى زوج متزوج من امرأة أن مصدر حملها ليس منه فعليه البينة في الملاعنة، ونفي النسب لا على الزوجة؛ لأن قيام الزوجية سبب كاف لإلحاق النسب وهو الوصف الظاهر المنضبط في جميع الأزمنة والعصور التي يترتب عليه إلحاق الأنساب وهو الأصل الذي ينبني عليه حكم إلحاق النسب، إن انتهاء الزوجية بالوفاة معناه انتهاء السبب والوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشرع علامة لحكم إلحاق الابن بأبيه، وطالما انتفت علة إلحاق النسب انتفى معها الحكم مع الإشارة أنه ربما في صور وحالات استثنائية يمكن القول بجوازها وبعد وقوعها وليس قبلها، فالأصل هو المنع.

          وهنالك صورة أخرى للتلقيح الصناعي الخارجي وهذه الصورة يتم فيها تهريب الحيوان المنوي للزوج بصورة سرية ثم يلقح مع البويضة لزوجته، والذي استحدث هذه الصورة الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية، فربما حكم على الواحد منهم عشرات السنين وقد تصل إلى مئات السنين، وتكون هناك رغبة في أن يكون من صلب هذا الأسير مولود يستمر على درب التحرير، فيتم تهريب الحيوان بطريقة ما، وقد نشرت وسائل الإعلام هذه القصة عن دلال الزبن (31 سنة) زوجة الأسير عمار الزبن (37 سنة) عن طفل أنابيب جرى تخصيبه عبر سائل منوي مهرّب من زوجها الذي يقضي حكماً بالسجن المؤبد في السجون الإسرائيلية.

          حيث قال الطبيب المشرف على عملية التخصيب والولادة الدكتور سالم أبو خيزران     لـ (الحياة): إن المولود الذي سماه والده (مهند) تخليداً لذكرى صديق له يحمل هذا الاسم واستشهد في نابلس عام 1995م، في صحة ممتازة وبلغ وزنه نحو أربعة كيلوغرامات، واحتفلت عائلتا دلال وعمار أمس بقدوم المولود الذي جاء إلى الدنيا (عبر معجزة) وفق ما قالت والدته التي روت لـ (الحياة): محاولاتها المتكررة للإخصاب والولادة عبر نظام الأنابيب وتحديد نوع الجنين. وقالت إن عملية الإخصاب نجحت في التجربة الثالثة.

          وقال الطبيب المشرف: إنه تلقى السائل المنوي المهرَّب من السجن بعد 12 ساعة، وإنه وجده ضعيفاً، لكنه قام بتجميده واستخدمه في عمليات الإخصاب الثلاث، وأضاف إن عملية الإخصاب تمت بعد شهادة أربعة أشخاص، اثنان من عائلة الزوج واثنان من عائلة الزوجة، بأن السائل المنوي يعود للأسير عمار.

وكانت دلال قد أنجبت ابنتان قبل اعتقال زوجها عمار هما بشائر (16سنة)، وبيسان (14 سنة).

          وقالت بشائر لـ (الحياة): إن «قدوم مهند هو الفرحة الأولى في حياة العائلة منذ اعتقال والدي»، وأضافت: «كل أحلامنا تدور حول مهند، كنت أزور والدي في السجن، وكنا لا نتحدث إلا عنه وعن مستقبله»، وأضافت مبتسمة: «قلت لوالدي في زيارتي الأخيرة إنه سيكون لمهند ثلاث أمهات، أنا وبيسان وأمي».

          وتحلم بشائر المتفوقة في المدرسة بأن تدرس الحقوق عندما تدخل الجامعة، وقالت: «أريد أن أدرس الحقوق كي أدافع عن كل من هم في السجون مثل أبي»، وأضافت أن السلطات الإسرائيلية منعتها منذ شهور من زيارة والدها بعد أن بلغت السادسة عشرة.

          وعمت الفرحة المستشفى العربي حيث وضعت دلال مولودها في عملية جراحية، وقدم العشرات من أبناء عائلتي الزوج والزوجة ومن عائلات أصدقاء الأسير عمار للتهنئة، وقالت الزوجة: إنها وزوجها ناقشا فكرة الإنجاب عبر تهريب السائل المنوي من السجن فترة طويلة، وأن حاجتهما إلى مولود ذكر جعلهما يُقدمان على هذه الخطوة غير المسبوقة في 

فلسطين، بعد استشارة رجال الدين والعائلة والجيران والأصدقاء، وأضافت: «البنتان في حاجة إلى أخ يسندهما في الحياة، خصوصاً أن والدهما معتقل ومحكوم عليه بالسجن27مؤبداً و25 عاماً»، وقالت: «كان حلم لي ولعمار وللإبنتين وللعائلة، وها هو يتحقق»، وتحظر السلطات الإسرائيلية على دلال زيارة زوجها منذ سنوات، وقالت: إنها لم تزره منذ اعتقاله عام 1998م سوى أربع مرات.

          وعاش عمار قبل اعتقاله وأثنائه مآس عدة، منها وفاة والدته أثناء إضرابها عن الطعام لمدة 27 يوماً تضامناً معه ومع رفاقه المعتقلين المضربين عن الطعام عام 2004م، وأيضاً استشهاد شقيقه البالغ من العمر 21 سنة أثناء مواجهات مع قوات الاحتلال قرب المدينة عام 1995م.

          وقالت الزوجة: إن هذه هي الفرحة الأولى التي تعيشها العائلة منذ اعتقال عمار قبل    أكثر من 14 عاماً.

          ويفتح ميلاد مهند الطريق أمام أسرى آخرين محكوم عليهم بالسجن المؤبد للجوء إلى هذه الوسيلة للإنجاب، خصوصاً أنهم وزوجاتهم يتقدمون في السن وتتضاءل فرصهم في الإنجاب، في حال طلاقهم، علماً أن السلطات الإسرائيلية تعتقل أكثر من خمسة آلاف فلسطيني، بينهم نحو ألف محكوم عليهم بالسجن المؤبد.

هذه صورة جائزة من صور التلقيح الصناعي، بل ربما تكون أحيانا واجبة لمن قدر عليها واستطاع تنفيذها…

حقوق النشر لموقع نوازل .

 

([1])   http://www.qaradawi.net/2010-02-23-09-38-15/7/4752–q-q-q-q-.html

([2])  د. محمد خالد منصور – الأحكام الطبية المتعلقة بالنساء في الفقه الإسلامي، ص 77، ط2، دار النفائس، وانظر القاضي زياد صبحي – أحكام عقم الإنسان ص 65.

([3])  الغزالي، إحياء علوم الدين، 2/23

([4])  أبو زهرة، الأحوال الشخصية، 21.

([5])  د. محمد خالد منصور – الأحكام الطبية المتعلقة بالنساء في الفقه الإسلامي، ص 77، ط2، دار النفائس، وانظر القاضي زياد صبحي – أحكام عقم الإنسان ص 65.

([6]) سورة الشورى آية رقم 49-50.

([7])  مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثاني: 8/516

([8])  مجلة المجمع – ع 3، ج 1/ص 423، وانظر سلامة، أطفال الأنابيب ص 102

([9]) فؤاد بدير، أحكام النسب، رسالة ماجستير، جامعة الخليل، فلسطين.  

([10])  ممن قال بهذا القول: الأستاذ مصطفى الزرقاء والدكتور يوسف القرضاوي والدكتور محمد فوزي والدكتور محمد نعيم ياسين [عقله: نظام الأسرة 1/155].

([11])  ممن قال بهذا القول: الشيخ بدر متولي عبد الباسط، والشيخ عبدالله بن زياد آل محمود [عقله: نظام الأسرة 1/155]. وانظر: أطفال الأنابيب- زياد أحمد سلامه ص135.

([12])  سورة المجادلة، آية رقم 2.

([13])  سورة الأحقاف آية رقم 15

([14])  القاضي زياد، أحكام عقم الانسان – ص 119

([15])  المرجع السابق.

([16])  محمد بن أحمد الشربيني، مغني المحتاج، ج3 ص 133.

([17])  سورة آل عمران، آية رقم 75

([8])  سورة العنكبوت، آية رقم 46

([19])  القاضي زياد صبحي، أحكام عقم الإنسان. وانظر د. محمد خالد منصور، الأحكام المتعلقة بالنساء في الفقه الإسلامي  ص77 دار النفائس. بتصرف

(20])  المرجع السابق.

([21])  الجابري، الجديد في الفتاوى، ص 48 وانظر سلامة، أطفال الأنابيب – ص86

([22])  عمر  محمد إبراهيم غانم، أحكام الجنين، ص 145.

([23])  زياد سلامة: أطفال الأنابيب: ص38  زلوم: عبد الكريم زلوم –حكم الشرع في الإجهاض والتلقيح الصناعي –دار الأمة-ط1-1418-1997-ص36 نظام الأسرة: 1/

([24])  سورة المؤمنون، آية رقم 12-13

([25])  سورة المؤمنون، آية رقم 14

([26)  مجلة مجمع الفقه الإسلامي – العدد الثاني، الجزء الأول، ص369-270.

([27])  مجلة مجمع الفقه الإسلامي –العدد الثالث- الجزء الأول 1408هه – 1987م ص469، زياد سلامة: أطفال الأنابيب ص54-55. وانظر بدير،أ. فؤاد مرشد بدير، أحكام النسب في الفقه الإسلامي، رسالة ماجستير جامعة الخليل.

([28])  د. محمد خالد منصور – الأحكام الطبية- ص 77. انظر عبد القديم زلوم، حكم الشرع في أطفال الأنابيب، ط1،ص 36 دار الأمة.

([29])  انتباذ الرحم: انتبذ بمعنى اعتزل [المعجم الوسيط 2/896] وانتباذ الرحم عدم تفاعله مع الحيوان المنوي.

([30])  د. محمد خالد منصور – الأحكام الطبية المتعلقة بالنساء في الفقه الإسلامي، ص 77، ط2، دار النفائس، وانظر القاضي زياد صبحي – أحكام عقم الإنسان ص 65.

([31])  مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ص 270، د. زياد احمد سلامه، أطفال الأنابيب ص80

([32])  المرجع السابق.

([33])  الغزالي، إحياء علوم الدين، 2/23

([34]) أبو زهرة، الأحوال الشخصية، 21.

([35])  محمد بن أحمد الشربيني، مغني المحتاج، ج3 ص 510.

([36])  النووي، أبو زكريا يحي بن شرف النووي، روضة الطالبين وعمدة المفتين، المكتب الإسلامي، 1991، 8/365.

([37])  الهيتمي، أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي تحفة المحتاج في شرح المنهاجكتاب الطلاق كتاب العدد  229/8.

([38]) المعجم الوسيط، مجموعة من العلماء، ج 2 ص833 وما بعدها.

([39]) سورة الحجر- الاية 22.

([40])  سورة الحجر- الآية 22.

([41])  محمد بن أحمد الأنصاري، القرطبي، الجامع لأحكام القران، دار الفكر جزء 10 ص 15 وما بعدها.

([42])  د. أحمد عمر الجابري، الجديد في الفتاوى الشرعية للأمراض النسائية والعقم، ص 25 ط1 1414 هـ دار الفرقان.

([43])  د. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته ج3 ص599 ط2 دار الفكر.

([44])  محمد سلام مدكور، الجنين والأحكام المتعلقة به في الفقه الإسلامي، ص 133، ط1، دار النهضة. وانظر القاضي الشرعي زياد صبحي علي ذياب – أحكام عقم الإنسان في الشريعة الإسلامية ص 79 ط1.

([45])  ابن نجيم، زين الدين إبراهين، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار الكتب الإسلامي، ط2ج4ص392.

([46])  المرجع السابق وانظر ابن عابدين، محمد أمين، رد المحتار على الدر المختار، دار الكتب العلمية، سنة 1992م، ج3 ص528.

([47]) تاريخ بغداد: تاريخ البغدادي 13/348

([48])  د. محمد عقله، نظام الأسرة في الإسلام، 1/ 149، ط2 مكتبة الرسالة، وانظر أيضا  مجمد داود الجزائري، الإعجاز الطبي في القران والسنة، ص 96، وانظر أيضا د. محمد علي البار، خلق الإنسان بين الطب والقران، ص 517 ط5.

([49])  سورة الإنسان الآية 2.

([50])  سورة الطارق آية 5-7

([51])  القرطبي، الجامع لأحكام القران الكريم، 8/94

([52])  د. صبري القباني، اطفال تحت الطلب ومنع الحمل، ص 274، ط28 دار العلم للملايين

([53]) الشاطبي، الموافقات في أصول الفقه، 2/8، دار الكتب العلمية بيروت.

([54]) الغزالي، إحياء علوم الدين، 2/23

([55]) أبو زهرة، الأحوال الشخصية، 21

([56]) سورة الشورى الآيات 49-50

([57]) سورة الفرقان آية 74

([58]) الترمذي- سنن الترمذي كتاب الطب- باب ما جاء في الدواء والحث عليه ص160

([59]) د. عبد المحسن صالح، الأرانب حملة الأبقار، مجلة العربي- عدد 242 ص 57، سنة 1979.

([60]) د. زياد أحمد سلامة- أطفال الأنابيب بين العلم  والشريعة، ص55، ط1، دار البيارق.

([61])  المرجع السابق ص60

([62]) د . محمود شلتوت، الفتاوى، ص 326، ط8، دار الشروق.

([62]) سورة الحشر الآية 28 

([64])  ابن رشد – أبو الوليد محمد بن احمد بن محمد الأندلسي-فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال –مصر-دار المعارف ص8

([65]) الغزالي- أبو حامد – المستصفى-ج1 ص 12

([66])  سورة المائدة رقم اية 14

([67]) الغزالي- محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الغزالي-معارج القدس في مدارج معرفة النفس-دار الآفاق الجديدة بيروت 1975ط2ص 15

([68]) الدريني-  بحوث مقارنة – ص 110

([69]) د. محمد عمارة- معالم المنهج الإسلامي -المعهد العالمي للفكر الإسلامي-الولايات المتحدة-دار الشروق الطبعة الأولى-1991 ص 63.

([70]) د.عبد المجيد النجار-  خلافة الإنسان بين الوحي والعقل-المعهد العالمي للفكر الإسلامي- الولايات المتحدة-الطبعة الثانية دار الغرب الإسلامي1993 ص 15

([71]) علي السرطاوي-محاضرات ألقيت في مساق، أثر القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء –جامعة النجاح الوطنية نابلس- فلسطين

([72])  الشاطبي- الموافقات- الجزء 4 ص 92

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017