الاستعمال الخاطيء لمفهوم  “البيعة والجماعة”  عند الحركات والجماعات الاسلامية أو الملوك والامراء زاد في تشرذم الامة 

الخميس 14 فبراير 2019
شارك المقال

 

الاستعمال الخاطيء لمفهوم  “البيعة والجماعة”  عند الحركات والجماعات الاسلامية أو الملوك والامراء زاد في تشرذم الامة 

((((( ستصاب بالصدمة حينما تكتشف أن مثل هذه النصوص استعملت كدليل على مبايعة شيخ من الحركات والجماعات والطرق الاسلامية أو استعملت لمبايعة امير او ملك دولة في زماننا   هذه النصوص وامثالها كقوله صلى الله عليه وسلم : ” ومن مات وليس في عنقه بيعة مات مِيتة جاهلية ” رواه مسلم (1851).وقوله صلى الله عليه وسلم : ” ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر” رواه مسلم (1844)  وكقوله  – صلى الله عليه وسلم-: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله، إلا بِإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِه، المفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ». متفق عليه.)))))))

 

الشيخ رائد بدير ، عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

 

        حدثني (عمي) أحد مؤسسي الحركة الاسلامية الشيخ أمين الشيخ ذيب وهو صاحب الشيخ عبدالله نمر درويش – رحمه الله مؤسس الحركة الاسلامية في فلسطين 1948 انه كان من أول من بايع الشيخ رحمه الله سنة( 1970 ) وحدثني عن البيعة  وهيئتها، بانه وضع يده في يد الشيخ عبدالله رحمه الله مبايعا، و مع تطور الحركة الاسلامية في فلسطين 1948 وخاصة بعد ما يسمى ” اسرة الجهاد”  (1981) لم تستعمل  “البيعة ”  انما هي الانضمام الى ” أسرة ” وما تقدم الزمن ( 1995) تم انشاء دستور  وميثاق ونظام انتخابي وما زال معمولا به حتى اليوم. هذا ما نحن عليه اليوم في حركة اسلامية نشأت جذورها على التربية الاخوانية.

في ذكرى الشهيد الام حسن البنا رحمه الله تعالى اشارككم فكرة ما قال حول البيعة  وترتيب اركان البيعة قال رحمه الله تعالى :”أيها الإخوان الصادقون: أركان بيعتنا عشرة فأحفظوها .. الفهم، الإخلاص، العمل، الجـهــاد، التضحية، الطاعة، الثبات، التجرد، الأخـوة، والثقة….وأريد بالركن الأول “الفهــم” أن توقن بأن فكرتنا إسلامية صميمة وأن تفهم الإسلام كما نفهمه، في حدود عدد من الأصول ومنها أن الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء” في اعتقادي ان الشهيد الامام رحمه الله تعمّد أن يسبق الفهم الجهاد والتضحية والاخلاص. وهذا ما نحن بصدده الفهم السليم للنصوص من الكتاب والسنة .

لقد كان الشهيد رحمه الله تعالى حديث عهد بسقوط الخلافة بل وعاش هذه المرحلة الصعبة في تاريخ الامة الاسلامية فما كان منه الا الدعوة الى النهضة من جديد لإعادة  المبادئ التي سعى الى تدميرها من نجح في اسقاط الخلافة ومنها نظام ” البيعة ومفهوم الجماعة  “.

إن النقاش الفقهي والاصولي حول البيعة ومفهومها وخصوصيتها، ليس في هذا المقام  لكني اعتقد بالحجة والبرهان والدليل أن  جواز البيعة العامة من الناحية الفقهية بمفهومها الشرعي لمؤسس حزب او شيخ صوفي أو ملك او رئيس دولة لا تجوز  ، ولأنني اعتقد أن البيعة بمفهومها الاسلامي الصحيح لا يمكن إعمالها في الظروف الحالية للمسلمين واسقاطها الفقهي والشرعي لا يجوز على مشايخ الحركات الاسلامية ولا على مشايخ الصوفية ولا الملوك والزعماء اليوم، والسبب واضح انه لا احد من هؤلاء ولا غيرهم يمثل ” الكل الاسلامي” والامة الاسلامية ككل” بل هم من المسلمين، ولا يعني هذا الطعن في احد ولا التبخيس من مكانته أنما لما له اثر في  تسبب الالتباس بين البيعة العامة التي وردت في النصوص وبين البيعات الخاصة التي وحسب رايي لم يوفق من سماها ” بيعة “.

ان الخطورة تكمن في كل من ادى بيعة لشيخ من أي جماعة كان او ملك او امير أن يظن ان هذه هي البيعة العامة للإمام والسلطان الذي ورد في النصوص الشرعية، ووفق هذا التصور يحكم على كل من لم يؤد البيعة معه انه خارج عن الجماعة ومرتد او ضال او يموت يوم يموت وليس في عنقه بيعة. وما الجماعات والحركات الا نتاج فكري لشخصيات لا تمثل الكل الاسلامي.

نحن نعيش في زمن القصعة التذي تداعت عليها، وزمن الفرقة فكل قطر منفصل عن الاخر بل ربما محاربا للآخر وداخل القطر الواحد صراعات دموية وفكرية ادت الى تفرق الامة وذهاب ريحها. لا يوجد امام بالوصف الذي ورد في النصوص الشرعية تستجب له البيعة.

لقد عرض  الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله تعالى- في كتابه “ليس من الإسلام” حينما نقل عن الدكتور محمد البهي محاضرة والذي نقلها الأخير عن العلامة ابن خلدون في الفرق بين الفكر الإسلامي والإسلام، وقد أضاف الشيخ الغزالي شروحات وتعقيبات وأنا بدوري انقلها بتصرف بسيط ومختصر لما فيها من فائدة عظمى في بيان الفرق بين الفكر الإسلامي والإسلام قال الغزالي نقلا عن البهي” إن الفكر الإسلامي ليس هو الإسلام بل هو صنعة المسلمين العقلية في سبيل الإسلام، والإسلام هو الوحي الإلهي الى رسول الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ، وكتاب هذه الرسالة القران الكريم، وفي حكمه ما انضم اليه من سنن ثابتة للرسول صلى الله عليه وسلم توضح ما طلب توضيحه منه. والفكر الإسلامي مستحدث، ويخضع لقانون التطور، ولعوامل الاضمحلال، أما الإسلام فله كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والفكر الإسلامي غير معصوم عن الخطأ والوهن، والإسلام معصوم عن ذلك كله. وكتاب الإسلام به قداسة وله حق الطاعة المطلقة على المؤمنين، والفكر الإسلامي لا تجب الطاعة المطلقة له، إلا بقدر ما فيه من تمثيل لكتاب الله ورسالة السماء، ذلك انه أصالة يخضع للنقد والمخالفة. فالفرق بين الإسلام والفكر الإسلامي هو الفرق بين ما لله وما للإنسان، والصلة بين الأمرين هي الصلة بين شيئين احدهما قام على الآخر واستند إليه في قيامه ووجوده. ولكن لا على أن يصوره تمام التصوير، او ان يكون معبرا عنه تعبير المثل للمثل. هنالك إسلام إذن نزل به الوحي الإلهي، وهناك مسلمون امنوا بهذا الإسلام، وترجموا تعاليمه في سلوكهم، وحرصوا على استبقائه في جيله، كما حرصوا على استبقائه لأعقابهن في الأجيال المتتابعة، كي تظل على هذا الإسلام، وعلموهم كيف يكونون مؤمنين به، وكيف يترجمون ايمانه بالصورة التي ارتضوها وكيف يحرصون على بقاء الإسلام فيهم وبقائهم امة مسلمة…ان تهيئة هذه الكيفيات، وتحديد معالمها ثم صياغتها في عبارتها التي تورث من جيل الى جيل في كتبها المتداولة هي: الفكر الإسلامي. وهذه الكيفيات في تهيئتها وتحديد معالمها وصياغتها تختلف حتما حسب الأفراد والأجيال والظروف المحيطة، وربما يصل الخلاف فيها إلى درجة الفجوة، أو المقابلة”.

اذن الفرق شاسع الفكر الإسلامي والإسلام فمثلا جماعة الإخوان المسلمين ومنهاجها وبرامجها وتصورها وتنظيمها هنالك فرق بينها وبين الإسلام فهي جماعة استمدت تعالميها من الإسلام وانشات فكرا إسلاميا من طبيعة  فهمها للإسلام، وان أفكارها قابلة للنقد والتقييم وان أفرادها الملتزمون بها ومن يلتزم بأفكارها فهو مسلم باق على دينه. ومن لم يلتزم بها كذلك هو مسلم باق على دينه، فالفرق شاسع بين من ينتقد الدين وبين من ينتقد الفكر الاخواني،والفرق شاسع بين من يخرج من جماعة الإخوان بعد التزامه بها وبين من يرتد ويخرج من الدين، فالجماعة لا تمثل الدين ولا من يخرج منها يخرج من الدين.. وكذلك جماعة التبليغ مثلا فقد انشات فكرا دعويا خاصا بها قابلا للنقد والتقييم وكذا السلفية او بعض جماعات الصوفية وغيرها من الجماعات.

وما قيل في حق الجماعات والحركات ينسحب على الملوك والزعماء والامراء، لا يوجد ملك او رئيس او زعيم عربي يمثل الامة الاسلامية وكل المسلمين. لا يوجد شخص واحد في عصرنا ينطبق عليه مواصفات الامام الذي يستوجب ان نعطيه بيعة كأمة اسلامية، ولا نملك في هذا العصر عناصر وحدة الامة الاسلامية ولا مقومتها فكل دولة لها عملتها وجيشها وحدودها وحاكمها وكل دولة تعبر نفسها مستقلة عن الاخرى والتدخل في شؤونها هو التدخل في شان داخلي. لا مكان لإسقاط مفهوم البيعة العام على أي حاكم عربي او اسلامي في هذا الزمان. اذا كان ذلك في حق الملوك والزعماء والرؤساء فهو في حق الجماعات والحركات من باب اولى.

لقد تساهل العلماء في الماضي للتجاوب مع الواقع المرير من بعد خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه وحتى يومنا هذا، فأوجدوا بيعة  خاصة وعامة خروجا من مازق التشرذم. والمدقق والمحقق ان النصوص الواردة في الكتاب والسنة تنطبق على البيعة للأمام العام او الخليفة .

كما ان هنالك كثير من الاحكام الاسلامية مجمدة بسبب الواقع وظروف الحال فان الاصل ان البيعة تلتحق بهذه المعطلات والمجمدات. واننا نترقبها في زمن تتوحد فيها الامة يأتي من يلم شملها فتصبح بلاد المسلمين جغرافية واحدة وعملة واحدة وجيش واحد ورئيس واحد ، حينها نطلق العنان للنقاش عن مفهوم البيعة هل هو توفيقي ام توقفي وهل يخضع للتطورات الحياتية في العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

حينما اعلن تنظيم الدولة الخلافة ، رد اتحاد العالمي لعلماء المسلمين على ذلك ببيان تحت عنوان :” اعلان فصيل واحد للخلافة باطل شرعا انظر الرابط  https://www.al-qaradawi.net/node/4718

دقق في البيان ستجد ان لا مكان في زماننا للبيعة بمفوهما التي وضعت له.

(((((إن كنت تعمل عند الله تعالى ستصاب بالصدمة حينما تكتشف أن مثل هذه النصوص استعملت كدليل على مبايعة شيخ من الحركات والجماعات والطرق الاسلامية أو استعملت لمبايعة امير او ملك في زماننا   هذه النصوص وامثالها كقوله صلى الله عليه وسلم : ” ومن مات وليس في عنقه بيعة مات مِيتة جاهلية ” رواه مسلم (1851).وقوله صلى الله عليه وسلم : ” ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر” رواه مسلم (1844)  وكقوله  – صلى الله عليه وسلم-: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله، إلا بِإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِه، المفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ». متفق عليه.)))))))

لا يمكن العمل بهذه النصوص في زماننا  ولا يمكن حمل مفهوم البيعة والجماعة على فئة من المسلمين سواء كانوا حكاما او حركات او جماعات.

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017