منشأ الخلاف في حكم جمع الصلوات” ثبوت النص, والقياس, والتأويل”

الجمعة 5 يناير 2018
شارك المقال

 

 

منشأ الخلاف في حكم جمع الصلوات” ثبوت النص, والقياس, والتأويل”

“ان الفائدة المرجوة  من الوقوف على منِشأ الخلاف بين الفقهاء في جزئية في الفقه الاسلامي هو الكشف عن طبيعة هذا الدين وطبيعة نصوصه والمناهج التي اتبعها الفقهاء في تفسير النصوص, وهذه الطريقة تساهم في تشكيل ملكة عند طلاب الفقه الاسلامي للتعاطي مع النصوص وفهمها من منابعها, وان نقل افهام الفقهاء مع عدم معرفة كيفية التوصل عند اهل العلم  الى هذا الفهم يدخل الاجيال القادمة في عملية ” نسخ لصق ” او في عالم ” البَبَّغَائِيَّة  ”  , ويدخلها في محاور التعصب للفهم دون الادراك ان هذه الظنية تخالفها ظنية اخرى .”

 

 

 

ربما نعاني من فقر في فهم علم اصول الفقه  لتخريج الفروع من النصوص، وربما علة ذلك صعوبة فهم هذا العلم حتى عند حملة الشهادات العليا في الشريعة الاسلامية، وربما لان علم الاصول على اختلاف مدارسه لا يتمكن طالب العلم في فترة وجيزة من بعض مباحثه ان يهضمها على مقاعد دراسة  العلم الشرعي من البداية وحتى درجة عليا، هذا العلم بحاجة الى ملازمة شيوخ وعلماء ، ومن لم يلازم عالما في اصول الفقه فترة لا تقل عن عشر سنوات لا اقول على مقاعد الدراسة فحسب بل في حياته العلمية لا يمكن ان ينهل من هذا العلم ويتمتع في بحر انواره ويكتشف عظمة وصلب بنيانه..

نعاني اليوم من مرض في الفتوى الشرعية يسمى مرض ” نسخ لصق”…ففي أي مسالة شرعية تضع نصها على محرك البحث جوجل وسرعان ما تنهال الفتاوى عليك كالسهام لتضع في حيرة بين اراء فقهية ومن ثم يبدا نشر هذه الفتوى عبر الرسائل الإلكترونية او الواتساب دون مراجعة فقهية  متمكنة من معرفة المسائل الفقهية، مما يحدث بلبلة عند عامة الناس، من المهم للمفتي ان يكون مطلعا على اصول الفتوى وتحريرها بعيدا عن عالم ” النسخ واللصق”   والاهم ان يكون  متمكنا من الاطلاع على اختلاف الفقهاء بل والاهم انه متمكنا من معرفة منِاط الخلاف والمنشأ  وتحريره   بين  كل مذهب ومذهب.

الفائدة من الوقوف على منشأ الخلاف وتحرير المسائل وفق علم الاصول

إن الفائدة من الوقوف على منِشأ الخلاف بين الفقهاء في جزئية في الفقه الاسلامي هو الكشف عن طبيعة هذا الدين وطبيعة نصوصه والمناهج التي اتبعها الفقهاء في تفسير النصوص, وهذه الطريقة تساهم في تشكيل ملكة عند طلاب الفقه الاسلامي للتعاطي مع النصوص وفهمها من منابعها, وان نقل افهام الفقهاء مع عدم معرفة كيفية التوصل عند اهل العلم  الى هذا الفهم يدخل الاجيال القادمة في عملية ” نسخ لصق ” , ويدخلها في محاور التعصب للفهم دون الادراك ان هذه الظنية تخالفها ظنية اخرى .

حينما كانت اصول المذهب هي التي يحتكم اليها الاتباع كان عصر الازدهار ، وعصر الاجتهاد، وعصر انطلاق العقل لتتفنن في ادراج المسائل الفرعية تحت تلك الاصول،فامتلا الكتب الفقهية بمسائل فرعية فقهية برع مجتهدوها في تكييفها ، ولا عجب ان تجد الاختلاف في المذهب الواحد في المسالة الفرعية الفقهية الواحد بين مؤسس المذهب نفسه وبين اكبر تلاميذه الذين تتلمذوا على يديه وما ابو حنيفة رحمه الله تعالى وصاحبيه ابو يوسف ومحمد بن الحسن- رحمهما الله- عنا ببعيد ، بل اكثر من ذلك ، فان الامام الشافعي رحمه الله تعالى- اسس الفقه في المسائل الجزئية في العراق ثم اسس فقها اخر في المسائل الجزئية في مصر يختلف عنه ، حتى بات يعرف الشافعي في فقه القديم والشافعي في فقه الجديد ، ويقصد به فقه العراق وفقه مصر مع ان اصول المذهب الشافعي ظاهره للعيان، لكنه رضي الله عنه عرف ان الفروع لا تمذهب فيها انما التمذهب على الاصول فبقيت الاصول هي هي والفروع تكيف وفق الاصول مؤثر فيها نتيجة ومقصد ومال وظرف وواقع وعرف سائد.

انحى التمذهب بمذهب منحى اخر ، بعد جيل التأسيسي فبعد ازدها عصر التدوين في الفروع، وكثرت المسائل الفقهية الفرعية، اخذ اتباع كل مذهب التعاطي مع المسائل الفرعية على انها مسائل مذهبية لا يجوز مخالفتها لاتباع المذهب وحملته ، وانزلوها منزلة القطعيات ان كانت المسالة الفقهية الفرعية مسالة ظنية قد تتبدل وتتغير لأي طارئ بسيط جعلوها قطعية، واذا بك ترى في سلوك المسلمين مساجد وجد فيها أكثر من محراب في وقت واحد، يفي بغرض تعدد مذاهب المصلين من حنفي إلى مالكي أو شافعي أو حنبلي، بل وتجد اشكاليات في الزواج والطلاق والمعاملات على مستوى الامة ادى التمذهب بالفروع وانزالها منزلة القطعيات الا تخلفها .

ان التمذهب بمذهب يعني التمذهب بأصول المذهب وتعلم اصوله ، وادراك غايات هذه الاصول ومقاصدها وفهم الاحتكام عليها ، وفهم الفروع التي تندرج تحتها، فالغايات في كل مذهب متحدة في تحقيق مقصد الشارع ، والضوابط والمعالم التي خدمت كل غاية وغاية في كل مذهب متحدة بين المذاهب، انما الاختلاف جاء في الوسائل لتحقيق هذه الغاية ، فالتمذهب بمذهب يتمذهب على اصول المذهب ، ويدرك منهجية الاستنباط فيه، ويعرف ضوابط ومعالم ومسالك الفروع التي تدرج  تحت الاصول، ولا ينزلها في جميع الاحوال منزلة القطعيات فان انزلها منزلة القطعيات اعتبرها دين يقيني من عند الله وبهذا شرع من عند نفسه  لكنه يعتبرها فرعية مدرجة تحت اصل رشح عنه مسالة اجتهادية ظنية قد تكون تحتمل الخطأ وتحمل الصواب، على هذا يتمذهب وعلى هذا تمذهب المتذهبون، ومن لم يدرك هذا الكلام ولم يفهمه ولم يعيه ولم يعرف طريقه فالأولى له ان لا ينادي بالمذهبية ولا اتباع مذهب.

من تمذهب بمذهب عليه ان يحمل بين خلايا ثنايا عقله ان تمذهب بمسائل ظنية محتملة، ومن اتبع فتوى فقيه على ان يحمل نفس العقلية، ومن تمذهب بمذهب وانزل مسائله الفرعية الظنية الاجتهادية  منزلة القطعيات ويريد ان يحمل الناس عليها ويتعاطى معها على انها قطعيات مقضية لا تحمل الظن ولا تحمل ان يكون غيرها اصوب منها فقد افسد في الدين اكثر مما يصلح ويا ليته لم يتمذهب.

من حق المتمذهب بمذهب ان يغلب على ظنه ان الراي الذي يتبناه في مذهبه هو الصحيح، ومن حقه ان ينادي به بين الناس، وان يدعي انه الراجح من اراء الفقهاء، لكن من حيث الاعتقاد واليقين عليه ان يعتقد ان هنالك اراء اخرى محتملة ، فلا رايه ولا الآراء الاخرى تنزل منزلة القطعيات، بهذا يستريح ويريح.

لا يمكن تشكيل هذه العقلية النيرية الا اذا وقف الفقيه على قواعد الاصول التي استعملها الفقيه في تخريج فهمه وجعله رايا من الآراء الفقهية المحتملة في المسالة. وبهذا يدرك طبيعة النصوص والكم المحتمل للنص التي يمكن ان تكون حمالة للمعاني او التاويل او القياس.

 منشأ الخلاف في حكم جمع الصلوات” ثبوت النص, والقياس, والتأويل”

قد اخترت كتابا واحدا كافيا لمناقشة كيفية الوقوف عند مصطلحات علم الاصول لفهم منشأ الخلاف عند الفقهاء في مسالة ” جمع الصلوات”  الا وهو كتاب : “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” للإمام القاضي محمد بن احمد بن رشد ( ت 595) وهو احد فقهاء المالكية  ،  وهو كتاب من أهم ما صُنّف فى الفقه المقارن، ذكر فيه مسائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على منشأ الخلاف فيها، وما يجري مجرى الأصول والقواعد لما عسى أن يرد على المجتهد من المسائل المسكوت عنها في الشرع، حيث ذكر فيه أسباب الخلاف وعلل وجهه، فأفاد وأمتع به، ولا يعلم في وقته أنفع منه ولا أحسن سياقا. وقمت بتدريس هذا الكتاب في مسجد صلاح الدين خلال عدة سنوات وهو كتاب نافع ومفيد جدا.

يقول الامام ابن رشد- رحمه الله تعالى-  :”واما الجمع فانه يتعلق به ثلاث مسائل: احداها الجواز. والثانية في صفة الجمع. والثالثة في مبيحات الجمع. أما جوازه فإنهم أجمعوا على أن الجمع بين الظهر والعصر ، في وقت الظهر بعرفة سنة ، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة أيضا في وقت العشاء سنة أيضا . واختلفوا في الجمع في غير هذين المكانين ، فأجازه الجمهور على اختلاف بينهم في المواضع التي يجوز فيها من التي لا يجوز ، ومنعه أبو حنيفة ، وأصحابه بإطلاق.

وسبب اختلافهم : أولا : اختلافهم في تأويل الآثار التي رويت في الجمع والاستدلال منها على جواز الجمع ; لأنها كلها أفعال وليست أقوالا ، والأفعال يتطرق إليها الاحتمال كثيرا أكثر من تطرقه إلى اللفظ .”[1]

ان سالت عن حكم الجمع بين الصلوات عند الفقهاء فالمسالة خلافية، فأجازه البعض ومنعه البعض، وهنالك اتفاق على  الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم  في عرفة للحجاج وعدوه سنة، والجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفه وايضا عدوه سنة، اما الجمع في غير هاذين الموضوعين فهو مسالة خلافية ، فيها اكثر من قول واكثر من راي بين المذاهب الفقهية.

يقول الامام ابن رشد- رحمه الله تعالى :” وسبب اختلافهم :

 أولا : اختلافهم في تأويل الآثار التي رويت في الجمع والاستدلال منها على جواز الجمع ; لأنها كلها أفعال وليست أقوالا ، والأفعال يتطرق إليها الاحتمال كثيرا أكثر من تطرقه إلى اللفظ

وثانيا : اختلافهم أيضا في تصحيح بعضها .

 وثالثا اختلافهم في إجازة القياس في ذلك فهي ثلاثة أسباب كما ترى .”

يناقش الامام ابن رشد- رحمه الله تعالى- اسباب  اختلاف الفقهاء، او ان شئت قل ” منشأ ” الاختلاف عند الفقهاء في مسالة الجمع بين الصلوات، ومن ارتوى من علم اصول الفقه يدرك اهمية كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد، اذ لا يمكن ان يتحدث الامام ابن رشيد- رحمه الله تعالى- عن مسالة فقهية الا وارجعها الى علوم اصول الفقه ولو بالإشارة الى المستند في  علم الاصول بكلمة واحدة، فما من مسالة فقهية الا احيطت بعلم الاصول على الرغم ان الكتاب في الفقه المقارن، وهنا نجد الامام ابن رشد رحمه الله تعالى يخوض في اسباب الاختلاف بثلاثة اساب التاويل وثبوت النص والقياس .

اولا : التأويل :

لا بد من معرفة امرين : الاول ” التأويل” والثاني ” دخول الاحتمال الى الافعال اكثر منه الى الاقوال”  ، اما التأويل فيقصد به في علم الاصول كما عرفه الآمدي – رحمه الله تعالى-:”  حمل اللفظ على غيره مدلوله الظاهر منه مع احتماله له بدليل يعضده”[2] .  وعرفه من علماء الامة المعاصرين في الاصول الدكتور الدريني بقوله:” تعريفنا للتأويل: تبيين ارادة الشارع من اللفظ، بصرفه عن ظاهر معناه المتبادر منه، الى معنى آخر يحتمله، بدليل أقوى يرجح هذا المعنى المراد”[3]. وهذا يعني انك ربما تقرأ اية قرآنية او حديثا نبويا صحيا فيتبادر الى ذهنك حكما شرعيا مستنبطا منهما ثم يأتي من اهل العلم فيقول انما المقصود معنى اخر فيسند المعنى الاخر الى حجة قوية تصرف المعنى الاول من النص، فمنهم يتمسك بالمعنى الاول ، ومن اتى بالمعنى الثاني يتمسك به وكذا تصبح المسالة خلافية بسبب التأويل وكثير من  النصوص الشرعية من الكتاب والسنة الصحيح الواردة في استنباط الاحكام الفقهية تحتمل التأويل. ومثال على التأويل في مسالة سهلة للفهم ما رواه  ابو  قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم :” إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ”[4]، هذا فيه نهي، ظاهره أنه لا يجوز له أن يجلس قبل صلاة ركعتين، ولكن تأولوه وقالوا: إنه يحمل على كراهة الجلوس من غير صلاة ركعتين أو يقولون يحمل على ندب صلاة الركعتين التي هي تحية المسجد، فصرفوه عن الاحتمال الظاهر وإلا لو أخذ على احتمال الظاهر لحمل النهي على التحريم وحمل صلاة الركعتين على أنه واجب والناظر في كتب الفقه يجد ان هنالك من توقف عند ظاهر اللفظ وحمله على الوجوب كالظاهرية مثلا.

اذن احد اهم اسباب الاختلاف بين الفقهاء هو علم ” التأويل” بمفهومه الاصولي ، وفي مسالة جمع الصلوات ، يوعز الامام ابن رشد ان هذا العلم كان سببا في اختلاف الفقهاء في  مسالة جمع الصلوات . بحيث ان الاثار الواردة في جمع الصلوات تحتمل التأويل عند بعض الفقهاء  .

تطبيق مفهوم التأويل على النصوص  في مسالة جمع الصلوات عند إبن رشد رحمه الله

يقول ابن رشد – رحمه الله تعالى – :” أما الآثار التي اختلفوا في تأويلها ، فمنها حديث أنس الثابت باتفاق أخرجه البخاري ومسلم قال : ” كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ، ثم نزل ، فجمع بينهما ، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ، ثم ركب”[5]  ، ومنها حديث ابن عمر أخرجه الشيخان أيضا قال : ” رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا عجل به السير في السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء  ” . والحديث الثالث : حديث ابن عباس خرجه مالك ، ومسلم قال : ” صلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الظهر والعصر جميعا ، والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر ” فذهب القائلون بجواز الجمع في تأويل هذه الأحاديث إلى أنه أخر الظهر إلى وقت العصر المختص بها وجمع بينهما . وذهب الكوفيون إلى أنه إنما أوقع صلاة الظهر في آخر وقتها وصلاة العصر في أول وقتها على ما جاء في حديث إمامة جبريل قالوا : وعلى هذا يصح حمل حديث ابن عباس ; لأنه قد انعقد الإجماع أنه لا يجوز هذا في الحضر لغير عذر : ( أعني : أن تصلى الصلاتان معا في وقت إحداهما ) واحتجوا لتأويلهم أيضا بحديث ابن مسعود قال : ” والذي لا إله غيره ما صلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – صلاة قط إلا في وقتها إلا صلاتين جمع بين الظهر والعصر بعرفة ، وبين المغرب والعشاء بجمع ” قالوا : وأيضا فهذه الآثار محتملة أن تكون على ما تأولناه نحن أو ما تأولتموه أنتم .” [6] أ.هـ

والامر الاخر الذي يذكره الامام ابن رشد – رحمه الله تعالى – ان الاثار الواردة في جمع الصلوات افعالا وليست اقوالا، والافعال يتطرق اليها الاحتمال اكثر من الاقوال. لان الجمهور يرون ان القول اقوى في الدلالة على التشريع  من الفعل، ولأنَّ للقول صيغةَ دلالةٍ، بخلاف الفعل «فإنه لا صيغةَ له تدلُّ بنفسها، وإنما دلالة الفعل لأمرٍ خارجٍ وهو كونُه -عليه السلام- واجبَ الاتِّباع ، ولأنَّ القول أبلغُ في البيان، إذ له عمومٌ في الزمان والمكان والأشخاص، بخلاف الفعل فلا عمومَ له، ولا يشْمَل جميعَ الأوقات المستقبلية، ولا يدلُّ على التَّكرار، فلذلك لا تتعارض الأفعال فيما بينها ما لم تكن بيانًا للأقوال، قال الشوكانيُّ -رحمه الله-: «والحقُّ أنه لا يُتصوَّر تعارُض الأفعال، فإنه لا صِيَغَ لها يمكن النظرُ فيها والحكمُ عليها، بل هي مجرَّدُ أكوانٍ متغايرةٍ واقعةٍ في أوقاتٍ مختلفةٍ، وهذا إذا لم تقعْ بياناتٍ للأقوال، أمَّا إذا وقعتْ بياناتٍ للأقوال فَقَدْ تتعارض في الصورة، ولكنَّ التعارض في الحقيقة راجعٌ إلى المبيَّناتِ من الأقوال، لا إلى بيانها من الأفعال[7].

 

ثانيا : ثبوت النصوص

يقول ابن رشد -رحمه الله تعالى-: وثانيا : اختلافهم أيضا في تصحيح بعضها “[8].

ان من اسباب اختلاف الفقهاء ايضا اختلافهم  في تصحيح بعض الاحاديث وتضعيفها، او وصول الحديث إلى أحدهم وعدم وصوله إلى الآخر. او وصول الحديث إلى أحدهم من طريق لا تقوم به الحجة في حين يصل إلى الآخر من طريق صحيح، وهذا على أضرب منها: جهالة أحد رجال السند او اتهام الراوي أن يرويه سيئ الحفظ في حين قد رواه الثقات، او  ألا يبلغه الحديث مسندًا بل منقطعًا، او  ألا يضبط الراوي لفظ الحديث، او  وصول الحديث إلى الجميع في حين يعتقد بعضهم ضعفه ويعتقد الآخرون قوته، فهذا كله مع تفاصيل كثيرة منثورة في كتب العلماء والتي تناولت ان من اختلاف الفقهاء اختلافهم في الحديث.

 

تطبيق مسالة ” ثبوت النص”  في جمع الصلوات عند الفقهاء 

يقول ابن رشد لاحمه الله “وأما الأثر الذي اختلفوا في تصحيحه ، فما رواه مالك من حديث عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، ” فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا ” وهذا الحديث لو صح لكان أظهر من تلك الأحاديث في إجازة الجمع ; لأن ظاهره أنه قدم العشاء إلى وقت المغرب ، وإن كان لهم أن يقولوا إنه أخر المغرب إلى آخر وقتها ، وصلى العشاء في أول وقتها ; لأنه ليس في الحديث أمر مقطوع به على ذلك ، بل لفظ الراوي محتمل”[9]

 

ثالثا: القياس

اما قوله” اختلافهم في إجازة القياس في ذلك” ،  فلا بد من الوقوف عند هذا السبب ، فأما القياس في اصطلاح الأصوليين فقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريفه على النحو الآتي:  عرفه صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود بقوله : ” (القياس  هو تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع بعلة متحدة لا تدرك بمجرد اللغة) ، أي إثبات حكم مثل حكم الأصل في الفرع المراد بالأصل ومعنى لا تدرك بمجرد اللغة احتراز عن دلالة النص وذكر هذا القيد واجب لاتفاق العلماء على الفرق بين دلالة النص والقياس “[10] ، وذكر النسفي تعريفه فقال : ” القياس في الشرع تقدير الفرع بالأصل في الحكم والعلة  ، وقال واعترضوا عليه بان القياس يجري بين المعدومين، وذكر الأصل والفرع في المعدوم فاسد إذ الأصل اسم لشيء يبني غيره عليه ، والفرع اسم لشيء يبتني على غيره ، والمعدوم ليس بشيء ، والجواب انا نمنع تفسير الأصل والفرع بهذا”[11]. وذكر الميهوي في كتابه شرح نور الأنوار قوله : “وقيل القياس هو إبانة مثل حكم أحد المذكورين بمثل علته في الآخر ، واختير لفظ الإبانة ، لان القياس مظهر لا مثبت وزيد لفظ المثل ، لان المعدى هو مثل الحكم لا عين الحكم “[12] ، وقال الجويني:  ” اقرب العبارات إلى تعريف القياس ما ذكره القاضي الباقلاني إذ قال : القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر يجمع بينهما ، من إثبات حكم ، أو صفة، أو نفيهما  فقوله :حمل معلوم على معلوم ، أراد به اعتبار معلوم بمعلوم ، وذكر المعلوم حتى يشتمل الكلام على الوجود والعدم ، والنفي والإثبات ، فانه لو قال : حمل شيء على شيء لكان ذلك حصرا للقياس في الموجودات ، وسبيل القياس أن يجري في المعدوم والموجود ، ثم فسر الحمل لما كان فيه ضرب من الإجمال عند تقدير الاقتصار عليه فقال : في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما، ثم لما علم أن الحكم بالحمل ليس من القياس بسبيل ، وانما القياس من يتخيل جامعا ، ويبني عليه ما يبغيه ، مبطلا كان أم محقا ذكر الجامع فقال : بجامع ثم صنفه إلى حكم ، وصنفه في نفي أو إثبات  “[13]. واختار الآمدي تعريفا للقياس حيث قال: ” والمختار في حد القياس أن يقال انه عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في العلة المستنبطة من حكم الأصل ، وهذه العبارة جامعة مانعة وافية بالغرض عرية عما يعترضها من التشكيكات العارضة لغيرها على ما تقدم “[14] ، وعرفه التفتازاني بقوله :  ” القياس في الشرع مساواة الفرع للأصل في علة حكمه ، وذلك انه من أدلة الأحكام فلا بد من حكم مطلوب به وله محل ضرورة والمقصود إثبات ذلك الحكم في ذلك المحل لثبوته في محل آخر يقاس هذا به فكان هذا فرعا وذلك أصلا لاحتياجه إليه وابتنائه عليه “[15] ، وعرفه البيضاوي بقوله 🙁 القياس  إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت”[16]) ، وقال البدخشي في شرحه لتعريف البيضاوي : “وقوله عند المثبت وهو القائس ليعم المجتهد والمقلد”[17] .وقال الاسنوي كذلك في شرحه لتعريف البيضاوي :  ” وقوله عند المثبت أن يكون اشتراكهما في العلة في نظر القائس ، وانما لم يقل عند المجتهد إذ المفهوم من إطلاقه المجتهد مطلقا ، فيخرج عنه قياس المجتهد في المذهب كالفقيه المقلد لأبي حنيفة أو الشافعي مثلا ، وهذا التعريف أولى مما قاله غيره، بان  القياس تحصيل حكم الأصل في الفرع لاستوائهما في علة الحكم عند المجتهد”[18].   هذا القياس اختلفوا في اجازته في مسالة جمع الصلوات فكان السؤال  هل يجوز أن نقيس أيَّ سفر، أو أية صلاة على يوم عرفة، مبيت بمزدلفة؟ هل مبدأ القياس جائز هنا في العبادات ؟ فنقول: كما جمع النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة والمزدلفة بين الصلاتيْن، فإنّ ذلك جائز بين الصلاتيْن في أيّ مكان أو زمان؟ هل القياس هكذا جائز؟ أو غير جائز؟فمن من قال بجواز القياس ، قال بجواز الجمْع. ومن لم يقل بجواز القياس ، لم يقل بجواز الجمع.

يقول ابن رشد رحمه الله ” وأما اختلافهم في إجازة القياس  في ذلك فهو أن يلحق سائر الصلوات في السفر بصلاة عرفة والمزدلفة ،  أعني : أن يجاز الجمع قياسا على تلك ) ، فيقال مثلا : صلاة وجبت في سفر ، فجاز أن تجمع . أصله جمع الناس بعرفة والمزدلفة ، وهو مذهب سالم بن عبدالله  أعني جواز هذا القياس  لكن القياس في العبادات يضعف ، فهذه هي أسباب الخلاف الواقع في جواز الجمع”[19]

اذن المسالة في جمع الصلوات مسالة خلافية ، منشأ الخلاف في هذه المسالة ثلاثة اسباب : الاول اختلافهم في تأويل الآثار  والثاني اختلافهم في تصحيح الحديث  ، وثالثا اختلافهم في إجازة القياس في العبادات. وهذا هو منشأ الخلاف وسببه .

 

الشيخ رائد بدير – عضو هيئة العلماء والدعاة في القدس الشريف- وعضو دار الافتاء والبحوث ( فلسطين 1948)

 

سيتبع لاحقا

ورقة في منشأ الخلاف في صفة الجمع

ورقة في منشأ الخلاف مبيحات الجمع

[1] ابن رشد –  بداية المجتهد نهاية المقتصد  القاضي محمد بن احمد بن رشد ( ت 595) 1/204 ، طبعة دار الكتب الاسلامية

[2]   الآمدي- سيف الدين ابي الحسن علي بن علي الآمدي- الإحكام في أصول الأحكام – دار الحديث القاهرة ج 3 ص 74

[3]  الدريني- محمد فتحي – المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي-مؤسسة الرسالة الطبعة الثالثة 1997-ص 167. ( هذا الكتاب نافع جدا لدراسة علم ” التأويل” لكن لا يمكن دراسة هذا العلم الا على يد شيخ عالم في الاصول

[4]  مسلم –مسلم بن الحجاج النيسابوري-صحيح مسلم- كتاب صلاة المسافرين – باب استحباب  تحية المسجد بركعتين- حديث رقم 1172 .

[5]  العسقلاني ، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني،  فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الريان للتراث ،سنة النشر: 1407هـ / 1986 ص حديث رقم 1 ص 659 باب إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس صلى الظهر ثم ركب.

[6] ابن رشد –  بداية المجتهد نهاية المقتصد  القاضي محمد بن احمد بن رشد ( ت 595) 1/204 ، طبعة دار الكتب الاسلامية

[7]  جمع الجوامع» لابن السبكي (2/ 366). شرح مختصر الروضة» للطوفي (3/ 705). «إرشاد الفحول» للشوكاني (39)

[8] ابن رشد –  بداية المجتهد نهاية المقتصد  القاضي محمد بن احمد بن رشد ( ت 595) 1/204 ، طبعة دار الكتب الاسلامية

[9] ابن رشد –  بداية المجتهد نهاية المقتصد  القاضي محمد بن احمد بن رشد ( ت 595) 1/204 ، طبعة دار الكتب الاسلامية

[10]  صدر الشريعة-عبيد الله بن مسعود المجبوبي البخاري الحنفي-التوضيح في حل غوامض التنقيح في أصول الفقه-دار الكتب العلمية- بيروت – الطبعة الاولى 1996 الجزء 2 ص 110

 [11] النسفي- ابو بركات عبد الله بن احمد المعروف بحافظ الدين النسفي – كشف الأسرار-دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى سنة 1986 الجزء 2 ص 196 (ومعه شرح نور الأنوار على المنار)

 [12] الميهوي-حافظ شيخ احمد المعروف بملاجيون بن ابي سعيد بن عبيد الله الحنفي- شرح نور الأنوار على المنار – دار الكتب العلمية- بيروت الطبعة الأولى سنة 1986 حاشية كشف الأسرار الجزء 2 ص 197

 [13] الجويني-إمام الحرمين أبى المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني- البرهان في أصول الفقه- دار الوفاء المنصورة  سنة 1999الجزء 2 ص 487 تحقيق عبد العظيم محمود .

 [14] الآمدي- سيف الدين ابي الحسن علي بن علي الآمدي- الإحكام في أصول الأحكام – دار الحديث القاهرة جزء 3 ص 237

 [15] التفتازاني- سعد الدين مسعود بن عمر – شرح التلويح على التوضيح – دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الاولى سنة 1996 ج 2 ص 112

[16]   البيضاوي- ناصر الدين عبد الله بن عمر – منهاج الوصول في علم الأصول – دار الكتب العلمية بيروت جزء 3  ص3

 [17] البدخشي – محمد بن حسن –مناهج العقول- دار الكتب العلمية بيروت جزء 3 ص 5 (ومعه شرح الاسنوي)

 [18] الاسنوي-جمال الدين عبد الرحيم – نهاية السول- دار الكتب العلمية بيروت جزء 3 ص 6

[19] ابن رشد –  بداية المجتهد نهاية المقتصد  ) 1/204 ،

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017