للفقهاء والعلماء في كل العالم في نازلة كورونا:فعّلوا ثلاث خطط طوارئ تشريعه فتح الذرائع وسد الذرائع وقاعدة مراعاة الخلاف.

السبت 21 مارس 2020
شارك المقال

هذا موجه للفقهاء والعلماء فقط في كل العالم في نازلة كورونا

أنتم في زمن الاجتهاد التطبيقي لخطط الطوارئ التشريعية كونوا على استعداد لحركة فقهية سريعة ومتغيره وفق المتغيرات السريعة، اعتمدوا مبدأ تحقيق المناط قبل الفتوى، وفعّلوا ثلاث خطط طوارئ تشريعه فتح الذرائع وسد الذرائع وقاعدة مراعاة الخلاف.

الشيخ رائد بدير

(هذا حال  الكعبة  المشرفة فان لم يكن هذا زمن الطوارئ فمتى)

نعيش وفق ظروف طوارئ وليست اعتيادية في كل بقعة من العالم، فرض صناع القرار على الناس التزام البيوت ودوت صفارات الإنذار واستنفرت الجيوش والمستشفيات وبات العالم في مكان اخر غير الذي كان عليه، كأننا نعيش في طوفان نوح عليه السلام، باتت المساجد مغلقة وتركت الجمعة والجماعات وأصبحت الكعبة وحيدة بلا طائف واحد، والغيت العمرات  وأغلقت حدود البلاد، وصرح زعماء العالم انهم في حالة حرب مع عدو خفي يتنقل من بلد الى بلد، و وانك لتسمع بكاء المؤذنين وهم قد استبلوا كلمة ” حي الى الصلاة” بكلمة ” صلوا في رحالكم. ،  وأغلقت المدارس والجامعات والمقاهي واخذت الدول تستدعي أبنائها وتجليهم ليعودوا اليها حتى باتت اهم شوارع الدنيا خالية من الناس،  , والواجب  في مثل هذه الحالة ان نستقي من احكام الشرع ايضا خطط الطوارئ التي وضعت لنفس الظروف، والواجب علينا كعلماء وفقهاء ان نستنهض احكام الطوارئ الشرعية حماية لذات التشريع من التناقض وحماية لأرواح الناس وصحتهم .

 

زمن الكورونا هو زمن تفعيل مبدأ تحقيق المناط بنوعيه العام والخاص هو شبكة حماية وأمان للمجتهد التطبيقي الذي ينظر ويحقق في الحالات أو الصور المعروضة له ، وهذه الشبكة تحميه من التطبيق التقليدي والعشوائي للأحكام ، وهذه الحماية المتمثلة بتحقيق المناط الخاص تجعله ينتقل من تطبيق المناط العام على التصرفات أو الأقوال إلى المناط الخاص بعد التحقيق والنظر فيلجأ أحيانا إلى تطبيق خطط الطوارئ الشرعية أمثال الاستحسان وسد الذرائع أو مراعاة الخلاف وفتح الذرائع ، وتلك الخطط كانت أثرا لتحقيق المناط الخاص كل ذلك حماية لذات الشريعة الإسلامية من أن تعود على نفسها بالتناقض أو الهدم. وحماية للمصلحة ورفع الحرج عن الامة والمجتمع والفرد من هنا، كان ينبغي دراسة هذه الاصول الشرعية حتى لا نظل في ضمن الاحكام العامة التقليدية التي ربما ان ابقيناها للتطبيق تتعارض كليات الشريعة واصولها وربما بسببها نرتكب أسوأ المظالم للفرد والمجتمع والامة.

ان المتغيرات المتسارعة على وجه الأرض بسبب فيروس كورونا تفرض علينا مواكبة حركة فقهية اصولية تتناول العلم وفق اصوله ليسند الفكر المتغير. والشريعة الاسلامية غير عاجزة عن اعطاء الحلول مهما كانت الظروف ففيها من الخطط الاصولية تكفي لرفع الحرج عن الفرد والمجتمع والامة. لذا كان لا بد من العودة الى الدراسات الاصولية لتبنى عليها احكاما شرعية ليست عامة ولا وفق الخط العام بل وفق خطط الطوارئ التشريعية ومفتاح كل ذلك في فهم ما يسمى عند الاصوليين تحقيق المناط العام والخاص. من هنا نبعت الحاجة الى هذه الورقات الاصولية. في زمن كورونا.

تحقيق المناط لغة

التحقيق في اللغة العربية له معان كثيرة كلها مرتبطة ببعضها بعضا منها ما قاله ابن منظور في لسان العرب : ” يقال حق الأمر يحق حقا وحقوقا : صار حقا وثبت ، واحق الأمر أثبته وصار عنده حقا لا يشك فيه، ويقال : حقق الرجل إذا قال هذا الشيء هو الحق كقولك صدق ، ويقال أحققت الأمر إحقاقا إذا أحكمته وصححته ، وحقق قوله وظنه تحقيقا أي صدق ، وكلام محقق أي رصين ، والحقّة : حقيقة الأمر ، وثوب محقق إذا كان محكم النسج ، وأنا حقيق على كذا أي حريص عليه”[1]. وجاء في مختار الصحاح : ” أحق الشيء حققه وصار منه على يقين ، وأحقه غيره أوجبه واستحقه أي استوجبه ، وتحقق عنده الخبر أي صح عنده الخبر، وحقق قوله وظنه تحقيقا أي صدقه”[2] .

ونلحظ من خلال التعريف اللغوي أن لفظ التحقيق يشتمل على معان عديدة منها الثبات والتثبيت، والإحكام والحرص والتصحيح، فنقول مثلا كتاب محقق أو هذا الكتاب محقق وقد حققه فلان، أي أن فلان نظر في هذا الكتاب وصحح ما فيه من أخطاء وثبت ما فيه من معلومات، وأشار إلى ما ليس له اصل مما وضع في الكتاب حتى اصبح الكتاب محققا ، ويقال  مثلا تحققت وفاة فلان أي صحت وفاة فلان ،

 تعريف المناط لغة:

المناط مصدر ميميّ بمعنى اسم المكان وهو مشتقّ من لفظ الفعل ناط، وناط الشّيء: علّقه. ونيط عليه الشّيء علّق عليه. ونيط به الشّيء علّق، ومنه ذات أنواط اسم شجرة كانت تعبد في الجاهليّة وكانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم أي يعلّقونه بها “[i]. فعن أبي واقد اللّيثي  أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا خرج إلى حنين مرّ بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: سبحان الله هذا كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة والّذي نفسي بيده لتركبنّ سنّة من كان قبلكم”[ii]. وفي الحديث كذلك عن جابر بن عبد الله أنه كان يحدث أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال أوى اللّيلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله صلى الله عليه وسلّم ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر فلما قمنا من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قلنا أمّا الرجل الصالح فرسول الله صلّى الله عليه وسلّم من نوط بعضهم لبعض فهم ولاة هذا الأمر الّذي بعث الله به نبيّه صلى الله عليه وسلّم”[iii] والنوط: كل ما يتعلّق بشيء ويقال منح فلان نوط الجدارة .والتُّنوِط: بضم التاء وكسر الواو اسم طائر يدلّي خيوطه وينسج عشّه كقارورة الدّهن منوطا بتلك الخيوط.

والمناط: موضع التّعليق لذا يقال هو منّي مناط الثّريّا أي شديد البعد، وفلان مناط الثّريّا أي شريف عالي المنزلة”[iv]. يتبيّن من التّعريف اللّغويّ أنّ المقصود بالمناط هو محلّ الإناطة وموضع التّعليق فعندما نقول مثلا نطت الحبل بالوتد فالمحلّ الّذي علّقت عليه الحبل يسمى المناط وهذه في المحسوسات وتقول مثلا أمر الهزيمة والنّصر منوط بمشيئة الله تعالى، أو فوز فريق كرة القدم منوط بقوة إرادتهم، وهذا كلّه يفيد أنّ المناط لغة معناه محلّ الإناطة وموضع التّعليق.

 تحقيق المناط في الاصطلاح

تقاربت تعريفات علماء الأصول لتحقيق المناط في اصطلاحهم على خلاف ما مر في تنقيح المناط ، ولعل أهم أسباب ذلك التقارب ، هو اتفاقهم على هذا النوع من أنواع الاجتهاد والنظر في العلة يقول التفتازاني : ” ولا يعرف خلاف في صحة الاحتجاج  به –أي تحقيق المناط- إذا كانت العلة معلومة بنص أو إجماع “[3] ، ويقول الغزالي : ” أما الاجتهاد في تحقيق مناط الحكم فلا نعرف خلافا بين الأمة في جوازه ، وهو ضرورة كل شريعة “[4] . وقد عرفه الآمدي بقوله: ” أما تحقيق المناط فهو النظر في معرفة وجود العلة في أحاد الصور ، بعد معرفتها في نفسها ، أما إذا كانت معروفة بالنص ، فكما في جهة القبلة فإنها مناط وجوب استقبالها، وكون هذه الجهة هي جهة القبلة في حالة الاشتباه فمظنون بالاجتهاد والنظر ، وأما إذا كانت العلة معلومة بالإجماع  فكالعدالة فإنها مناط وجوب قبول الشهادة ، وهي معلومة بالإجماع، وأما كون الشخص عدلا فمظنون بالاجتهاد ، وأما إذا كانت مظنونة بالاستنباط ، فكالشدة المطربة ، فإنها مناط تحريم الشرب في الخمر ، فالنظر في معرفتها في النبيذ هو تحقيق المناط . “[5]، وذكر الزركشي تعريفه لتحقيق المناط قائلا : ” أما تحقيق المناط فهو أن يتفق على علية وصف بنص أو إجماع ، فيجتهد في وجودها في صورة النزاع ،كتحقيق أن النباش سارق، وكأن يعلم وجوب الصلاة إلى جهة القبلة ، ولكن لا يدرك جهتها إلا بنوع نظر واجتهاد” [6]. وذكر ابن السبكي تعريفه بقوله : “وأما تحقيق المناط فهو أن يتفق على علية وصف بنص أو إجماع ويجتهد وجودها في صورة النزاع كالاجتهاد في تعيين الإمام وكذا تعيين القضاة والولاة وكذا في تقدير التعزيزات وتقدير الكفاية في نفقة القريب وإيجاب المثل في قيم المتلفات وأروش الجنايات وطلب المثل  في أجزاء الصيد”[7].  وقال ابن قدامة : “وأما تحقيق المناط فنوعان: أحدهما لا نعرف في جوازه خلافا ، ومعناه ان تكون القاعدة الكلية متفقا عليها ، أو منصوصا عليها ويجتهد في تحقيقها في الفرع ، كالاجتهاد في القبلة ، فوجوب التوجه إلى القبلة معلوم بالنص ، أما أن هذه جهة القبلة فيعلم بالاجتهاد ، والثاني :ما عرف علة الحكم فيه بنص أو إجماع ، فيبين المجتهد وجودها في الفرع باجتهاده مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الهر: “إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات “[8]  ، جعل الطواف علة فبين المجتهد باجتهاده وجود الطواف في الحشرات من الفارة وغيرها ليلحقها بالهر في الطهارة “[9] . ويرى الدريني أن تحقيق المناط هو :  ” إثبات مضمون القاعدة العامة ، أو الأصل الكلي ، أو العلة في الجزئيات إبان التطبيق ، بشرط أن يكون كل من المضمون والعلة متفقا عليه ، فهو ضرب من الاجتهاد بالرأي في التطبيق الذي لا يمكن أن ينقطع حتى فناء الدنيا ، وبيان ذلك أن تطبيق كل من القاعدة العامة ، أو الأصل اللفظي العام ، أو الأصل المعنوي العام ، المتفق على حجية كل أولئك بين الأئمة والمجتهدين على الجزئيات والفروع المستجدة أو المعروضة ، إذا تحقق معناه فيها كملا والمجتهد والفقيه هو الذي يثبت هذا التحقيق والحصول بالبحث والاجتهاد كما يشمل مفهومه أيضا، إثبات وجود علة حكم النص الجزئي المتفق عليها في ذاتها  في الفرع ، الذي لم يرد فيه نص أبان إجراء القياس الأصولي ،سواء أكانت تعرف تلك العلة في ذاتها ، عن طريق النص الشرعي أو الإجماع أو الاستنباط” [10].  ويرى الشاطبي أن تحقيق المناط نوع من أنواع الاجتهاد المتعلق بالمكلفين كافة ولا يمكن أن ينقطع إلى قيام الساعة حيث يقول : “الاجتهاد على ضربين أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف ، وذلك عند قيام الساعة ، وهذا اجتهاد المتعلق بتحقيق المناط وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله”[11] .

يظهر من تعريفات الأصوليين أعلاه أن تحقيق المناط نوعان ، نوع عام ، ونوع خاص ، وسنفرد لكل واحد من النوعين مطلبا خاصا به ، والملاحظ أيضا من خلال جميع التعريفات السابقة أنها تصب في معنى واحد ومتشابه جدا ، وحاصلها التحقيق من وجود مناط الحكم في الواقعة المحكوم فيها أو عدم وجوده ، أو بمفهوم آخر البحث عن وجود وصف اعتبره الشرع علة للحكم فيما هو منصوص عليه في الواقعة الجديدة غير المنصوص عليها ، وهو بهذا ضرب من الاجتهاد التطبيقي للقواعد العامة أو الأصول الكلية أو للعلة في الجزئيات ، وقد لمسنا من خلال التعريف أن هذا الضرب من الاجتهاد ضرورة  لكل شريعة وقانون ، وانه لا ينقطع مهما تبدل الزمان وتغيرت الأحوال ، بل هو حاجة الولاة والائمة والفقهاء ، يقول د.عبد المجيد النجار: “ولما كانت الأحكام المراد تنزيلها أحكاما كلية عامة تتناول أجناس الأفعال والأنواع بحيث لا تسع أفعال الإنسان في تعددها لتعدد الأفراد ، وفي   تغايرها وتجددها بتجدد الزمن ، فان إرجاع هذه الأفراد من الأفعال المتعددة الكثيرة المتغايرة المتجددة إلى تلك الأحكام الكلية العامة لتوجهها، بما يحقق المصلحة ويستلزم جهدا عقليا عظيما متعدد المظاهر متحد الغاية ، وذلك الجهد هو الاجتهاد في التنزيل الذي سماه الشاطبي الاجتهاد لتحقيق المناط”[12] .

والملاحظ من ذلك أن الوظيفة الأساسية لتحقيق المناط هي ضمان تحقيق العدل والعدالة عند إنزال الأحكام سواء كانت عامة تتعلق بالأنواع أو خاصة تتعلق بالأشخاص ، والغرض الأساسي لتحقيق المناط أن ينظر في الصور العملية لافعال الناس وملاءمة تلك الصور بعد الفحص والنظر والأخذ بالاعتبار حتى حالة المكلف نفسه وما يصدر عنه من تصرفات في حالات معينة، والنظر في آثار تلك التصرفات وغايتها ليرجع كل نوع من تلك الأنواع أو تصرف من تلك التصرفات إلى جنسه في الشريعة فيشمله حكمه . وهذه الوظيفة تستلزم جهدا عقليا عظيما تماما كعملية تشخيص المرض لاختيار العلاج المناسب ، والغاية الكبرى من كل هذا هو تحقيق المصلحة التي توخاها الشرع عند تنزيله للشريعة ، ولأهمية قاعدة تحقيق المناط العظمى قال الخضري : ” إن تحقيق المناط لا يستغني عنه فقيه ولا عامي”[13]. وهذا يدعونا للبحث عن اصل تلك القاعدة وهو ما سنبحثه في المبحث التالي إن شاء الله.

اصل قاعدة تحقيق المناط

مر معنا في المبحث السابق أن تحقيق المناط كما قال الشيخ الخضري رحمه الله لا يستغني عنه فقيه ولا عامي ومر معنا انه ضرورة لكل شريعة، وهو نوع من أنواع الاجتهاد بالرأي في التطبيق الذي لا ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف ، يقول الدريني : ” إن مبدأ تحقيق المناط الثابت بإجماع الأصوليين والفقهاء ، – وهو مقتضى للتشريع نفسه –  لا يقل عن الاجتهاد بالرأي فيه ، خطرا واثرا ، عن الاجتهاد بالرأي في الاستنباط ،  إذ تتعلق بالتطبيق العملي ثمرات التشريع الإسلامي كله ، بل ومقصد الشارع من إنزال الشريعة لتدبير الحياة الإنسانية على وجه الأرض ، وإلا فاستنباط الأحكام نظريا لا يغني عن تطبيقها عمليا، واجتناء ثمراتها في مواقع الوجود “[14] .

أما قصد الشارع من إنزال الشريعة فيقول الشاطبي : ” والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراءً لا ينازع فيه الرازي ، ولا غيره”[15] . ويقول د.حامد العالم : “وما من حكم شرعي إلا وهو يحقق مصلحة أساسها المحافظة على النفس أو العقل أو الدين أو النسل أو المال ، وان هذا يبدو من الشريعة في جملة مقاصدها ، ولا يمكن أن يكون حكم شرعي إلا هو متجه إلى ناحية من هذه النواحي”[16] .

إذن الهدف والغاية من إنزال الشريعة الإسلامية هو تحقيق مصلحة الإنسان وخيره في الدنيا والآخرة ، وان كل نص من نصوص الشريعة الإسلامية يحمل بين ثناياه مصلحة تتحقق فور تنفيذه أو العمل به، وقاعدة تحقيق المناط هي بمثابة شبكة الأمان التي تضمن تحقيق المصلحة المنشودة عند تطبيق الأحكام الشرعية، وهي بمثابة الموجه الذي لا يمكن لاحد أن يستغني عنه عند تطبيق الأحكام ، فالأحكام الشرعية ما هي إلا وسائل لغايات ، والغاية الكبرى من هذه الوسائل هو تحقيق مصلحة الإنسان ولهذا قال د. علي السرطأوي : “تتميز المشروعية الإسلامية عن القانون الوضعي في أنها لا تكتفي فقط بمعيار الصحة والبطلان ، للحكم على التصرفات بل نجدها تنقل حكم التصرف من الإباحة إلى الندب ثم إلى الوجوب ، ومن الإباحة إلى الكراهة فالتحريم “[17] . وهذا الحكم على التصرف وتدرجه بداية من الوجوب انتهاءً إلى التحريم إنما يؤكد أن  الأحكام الشرعية ما هي إلا وسائل لغايات، ولا يتم التحقق من أن الحكم المرتبط بغاية وهدف يحقق المقصود من تشريعه ابتداء إلا بعد النظر والتدقيق عند تطبيقه ، لذا أنشأت الشريعة الإسلامية نوع من أنواع النظر والاجتهاد يضمن تحقيق المصلحة المقصودة من تشريع الأحكام وهذا النوع هو قاعدة تحقيق المناط يقول الشاطبي : “لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد ، كانت الأعمال معتبرة بذلك لانه مقصود الشارع منها ، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على اصل المشروعية فلا إشكال ، وان كان الظاهر موافقا ، والمصلحة مخالفة ، فالفعل غير صحيح وغير مشروع ، لان الأعمال الشرعية ليست مقصودة بنفسها وإنما قصد بها أمور أخرى هي معانيها وهي المصالح التي شرعت لاجلها ،فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع ، فليس على وضع المشروعات “[18] . ويضيف الأستاذ  الدريني شارحا هذا الكلام : “الشريعة الإسلامية لم تشرع الحقوق وما تستلزم من أعمال كغايات ، حتى يكون صاحبها مطلق التصرف فيها، بل شرعت كوسائل لتطبيق مصالح ، ووضعت الحقوق في يد الفرد لهذا الغرض، وبذلك اصبح كل حق في الشرع مقيدا بغايته، والانحراف عن هذه الغاية التعسف بعينه”[19] . ووجه إيراد هذا الكلام لنبين أن قاعدة تحقيق المناط هي وسيلة الكشف والنظر والتمحيص للحكم على التصرفات لتظهر أهي موافقة للشرع نصا وروحا ،منطوقا ومنطقا بداية وغاية ام لا؟ ولهذا انشأت هذه القاعدة الجليلة وأنيطت   بها تلك المهمة ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: ” لفظ الربا يتناول كل ما نهي عنه من ربا النسأ وربا الفضل، والقرض الذي يجر منفعة متناول لهذا كله ، لكن يحتاج في معرفة دخول الأنواع والأعيان في النص إلى ما يستدل به على ذلك ، وهذا الذي يسمى : تحقيق المناط  “[20]. وقال أيضا : ” كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال : ” لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر”[21]. وعمل بهذا أهل الحديث ومتابعوهم فنهى عن بذل المال في المسابقة إلا في مسابقة يستعان بها على الجهاد ، الذي هو طاعة لله عز وجل ، فكيف يجوز أن يبذل الجعل لمن يعمل دائما عملا ليس طاعة لله تعالى ،وهذه قاعدة معروفة عند العلماء : لكن قد تختلف أراء الناس وأهواؤهم في بعض ذلك ، ولا يمكن هنا تفصيل هذه الجملة ولكن من له هداية من الله تعالى لا يكاد يخفى عليه المقصود من غالب الأمر، وتسمي العلماء مثل هذه الأصول تحقيق المناط”[22].

والمقصود من المثال أن العلماء متفقون أن يبذل الجعل في مسابقة يستعان بها على الجهاد، والجهاد هو طاعة لله تعالى إلا انهم يختلفون في صرف الجعل في إعمال تكون طاعة لله عز وجل ، والتي يمكن أن نعدها نوعا من أنواع الجهاد كالجهاد بالقلم أو الجهاد باللسان كالدعوة إلى الله عز وجل ، أو أن يصرف الجعل لأي عمل من الأعمال الدالة على البر وفعل الخير وهذا كله يختلف الناس فيه . بمعنى آخر قد يختلف العلماء في نوع العمل هل تتحقق فيه معاني الجهاد التي صرف الجعل لها أم لا ؟ حيث أن العلماء تسمي مثل هذا التحقق تحقيق المناط . بعد بيان اصل هذه القاعدة وبيان المهمة التي أنيطت بها لا بد أن نذكر أن جميع الخطط التشريعية والتي عنيت بتحقيق المصلحة والغاية من وراء إنزال الشريعة بحيث لا يعود تطبيق الحكم على عكس ما قصد منه عند تشريعه ، بل تبقى الغاية المتواخاه عند تطبيقه ثابتة لا تتغير ولا تتبدل ، جميع تلك الخطط التشريعية تندرج تحت هذه القاعدة العظيمة ، يقول الأستاذ الدريني : ” إن منشأ تحقيق المناط الخاص هو-كما قال الشاطبي-اصل النظر في مآلات الأفعال ، وتأسيسا على ذلك يندرج في هذه القاعدة مبدأ سد الذرائع ومبدأ فتح الذرائع والتعسف في استعمال الحق ومبدأ الاستحسان”[23] . كل مبدأ من هذه المبادئ تمثل خطة تشريعية تطبيقية هامة في حياة الأمة الإسلامية بكافة أشكالها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية على مستوى الأمة أو قطر منها شعوبا وأفرادا ، وهذه المبادئ التي تندرج تحت قاعدة تحقيق المناط إنما هي على سبيل المثال لا الحصر وقد أفردنا فصلا كاملا نتـناول فيه بعض الخطط التشريعية التي تفرعت على قاعدة تحقيق المناط وسيأتي معنا في الفصل القادم إن شاء الله .

اثر تحقيق المناط على الحكم التكليفي

كنا قد انتهينا في المبحث السابق إلى أن اصل قاعدة تحقيق المناط ومهمتها التحقق من جني الثمرات من وراء إنزال الشريعة، وضمان أن الأحكام الشرعية موصلة إلى غاياتها والتي هي مصالح العباد كما أشار ابن القيم إلى أساس بناء الشريعة والغاية منها فقال : ” إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ، ورحمة كلها، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسالة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة وان أدخلت فيها بالتأويل”[24] . ويمكن القول بعد النظر في عبارات ابن القيم ، أن الشريعة وضعت وبنيت على مصالح العباد لتحقيق العدل والعدالة ، فما من حكم تكليفي إلا من وراء تشريعه مصلحة وعدل ورحمة، فإذا خرج عن ذلك اصبح لا يمت إلى الشريعة بصلة ، وكان بعيدا كل البعد عن الشريعة، والمقصود بالحكم التكليفي كما ذكره البيانوني : ” اثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد طلبا أو تخييرا”[25] . فالأحكام الشرعية التكليفية مرتبطة بغاياتها ، والهدف من اتباع تلك الأحكام أو تطبيقها والعمل بها الوصول إلى مراد الشارع منها ، وقد يتأثر الحكم الشرعي في الواقعة المعروف أنها مندرجة تحته والأصل أن ينزل على تلك الواقعة المعينة إلا انه يصار إلى غيره بحيث لو بقي على ما كان عليه لخرجت تلك المسالة عن العدل إلى الجور وعن المصلحة إلى ضدها وقد نقل الأستاذ الزرقاء قول العلامة ابن عابدين ” كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو لفساد  أهل الزمان ، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه للزم منه المشقة ، والضرر بالناس ، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد”[26].  وقد أكد الأستاذ الزرقاء رحمه الله ذلك بقوله: ” إن الأحكام الشرعية التي أسسها الاجتهاد في ظروف مختلفة عن الظروف الجديدة غير صالحة لتحقيق الغاية الشرعية من تطبيقها، فيجب أن تتغير إلى الشكل الذي يتناسب مع الأوضاع القائمة ، ويحقق الغاية الشرعية من الحكم الأصلي ، وذلك نظير السفينة الشراعية التي تقصد اتجاها معينا في ريح شمالية مثلا ، فان شراعها يقام على شكل يسير بالسفينة في الاتجاه المطلوب ، فإذا انحرف مهب الريح وجب تعديل وضع الشراع إلى شكل يضمن سير السفينة في اتجاهها المقصود ، وإلا انحرفت أو توقفت” [27].

وقد عقب د. علي السرطأوي على هذا المثال الرائع مبينا وشارحا من بيده صلاحية وسلطة التغيير قائلا : “وسلطة التغيير والتطوير هذه جعلتها الشريعة في يد العلماء وولاة الأمر لذا نجد المفتي الذي ينظر في حال كل شخص وفي كل واقعة بعينها ، ناظرا في طبيعة الشخص وقدرته، وما احتف الواقعة من ظروف ، ثم يعطي الحكم الشرعي المناسب الذي يكون محققا لمقصود الشارع”[28].  وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم-المرشد الأول لهذا المنهاج الصحيح والذي يعني بالفتوى ويحث المفتي على النظر والاجتهاد عند إنزال الفتوى على الواقعة المعروضة-تحقيق المناط-  ، حيث روى البهيقي في سننه عن جابر قال: ” خرجنا في سفر فاصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فقال لاصحابه:هل تجدون لي رخصة في التيمم ، قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – اخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم “[29] .

والملاحظ أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يلتفتوا إلى أي نص آخر غير النص العام  يتعاملون به مع هذه الواقعة ، بل بقي في أذهانهم وعقولهم أن الرجل يقدر على الحركة، وان الماء متوفر موجود ، ولا يمكن التيمم مع استطاعة الرجل ووجود الماء واستندوا إلى الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة وهو قوله تعالى :  ) فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا([30] ، وافتوا بما هو مشهور إذا حضر الماء بطل التيمم ، وعلى الرغم من استنادهم إلى أدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة إلا أننا نجد ان الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد غلظ عليهم ، بل ونفى عنهم صفة العلم والصق بهم صفة الجهل ونعتهم به وأرشدهم إلى السؤال قبل الإفتاء وشنع على فتواهم هذه والتي كانت سببا في مقتل الرجل ، حيث أن بقاء حكم الغسل من الجنابة  على ما هو عليه فيما يتعلق بالواقعة الجديدة والتي احتفت بظروف معينة لا يناسب، بل وبسبب تلك الظروف انتقل خطاب الله تعالى المتعلق بالواقعة من الغسل إلى التيمم كما بين ذلك الرسول – صلى الله عليه وسلم – حيث يتناسب حكم التيمم مع  تلك الواقعة ، ويأتي منسجما مع روح الشريعة والإسلامية ومقصدها وذلك بعد النظر والاجتهاد ، حتى لو تعلق الأمر بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة وبهذا الصدد يقول د. علي السرطاوي : ” إن الشريعة الإسلامية وضعت خططا ومناهج تشريعية تضمن أن تجعل الأحكام موصلة إلى غاياتها بعدالة وفق إرادة الشارع ، التي كلفنا تنفيذها وامتثالها اخذين بعين الاعتبار ان إرادة الشارع في أمر من الأمور لا تؤخذ من نص عام واحد فقط مهما كانت قطعية الثبوت والدلالة ، لان هذا النص جزء من كل الشريعة ،فلا يجوز أخذه أو فهمه فيما يناقضها ،لان الأصل الا يتناقض الجزء مع الكل وشرع الله لا تناقض فيه”[31].  هذه طبيعة الدين وهذه طبيعة الشريعة، وتحقيق المناط هو إحدى المناهج الشرعية التي لها الأثر البارز في التأثير على الأحكام الشرعية وصرف دليل الأصل المقطوع به لواقعه معينة إلى دليل آخر بدله بعد النظر والتدقيق في الظروف التي تحيط بالواقعة والتي بسببها نشأ دليل قوي يصرف دليل الأصل كما بينا في المثال السابق ، لذا يبقى تحقيق المناط أحوج الأدوات التي لا يستغني المجتهد عنها في صناعة الفتوى على احسن وجه بما يلائم مقصد الشارع وهذا بدوره يبرز أهمية هذه القاعدة في التأثير على الحكم الشرعي التكليفي كما مر معنا في المثال السابق.

 

المناط العام

سبق القول أن تحقيق المناط نوعان نوع عام ونوع خاص وسنتناول في هذا المطلب النوع العام منه وقد عرفه ابن قدامة بقوله : ” أن تكون القاعدة الكلية متفقا عليها، أو منصوصا عليها ويجتهد في تحقيقها في الفرع”[32] . وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية تعريفا قريبا من ذلك لهذا النوع من أنواع المناط فقال: “هو أن يعلق الشارع الحكم بمعنى كلي فينظر في ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان كأمره باستقبال الكعبة ، وكأمره باستشهاد شهيدين من رجالنا ممن نرضى من الشهداء ، وكتحريمه الخمر والميسر، وكفرضه تحليل اليمين بالكفارة ، وكتفريقه بين الفدية والطلاق وغير ذلك ، فيبقى النظر في بعض الأنواع هل هي خمر ويمين وميسر وفدية أو طلاق، وفي بعض الأعيان هل هي من هذا النوع ؟ وهل هذا المصلي مستقبل القبلة ؟ وهذا الشخص عدل مرضى ؟ ونحو ذلك ،  وهذا النوع من الاجتهاد متفق عليه بين المسلمين بل بين العقلاء فيما يتبعونه من شرائع دينهم وطاعة ولاة أمورهم ومصالح دنياهم واخرتهم “[33] . وقال صاحب الموافقات عن هذا النوع  من أنواع المناط : “معناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله ، وذلك أن الشارع إذا قال :”واشهدوا ذوى عدل منكم “[34] ، وثبت عندنا معنى العدالة شرعا ، افتقرنا إلى تعيين من حصلت فيه هذه الصفة ، وليس الناس في وصف العدالة على حد سواء ، بل ذلك يختلف اختلافا متباينا ، فانا إذا تأملنا العدل وجدنا لاتصافهم بها طرفين وواسطة:طرف أعلى في العدالة لا إشكال فيه كابي بكر الصديق – رضي الله عنه-وطرف آخر وهو أول درجة في الخروج عن مقتضى هذا الوصف ، كالمجاوز لمرتبة الكفر إلى الحكم بمجرد الإسلام فضلا عن مرتكبي الكبائر المحددين فيها وبينهما مراتب لا تنحصر وهذا الوسط غامض ، لا بد فيه من بلوغ حد الوسع وهو الاجتهاد”[35] .

هذه الأمثلة التي تعرض لها ابن تيمية والشاطبي من هذا النوع من أنواع الاجتهاد ، وغيرها من الأمثلة التي لا تنحصر والمطلوب من المجتهد أن يحقق في هذه الأنواع ليرجع كل نوع إلى جنسه من الأحكام فيشمله حكمه ، ولا يرجع إلى جنس آخر فيشمله حكم آخر ليس الذي أراده الله تعالى يقول الأستاذ الدريني : ” الحكم التكليفي قبل مرحلة تطبيقه ، وتحقيق مناطه في الجزيئات عام ومجرد، حتى إذا جرى الاجتهاد في تطبيقه على متعلقه من واقعة معينة ، أو شخص معين ، فان تحقق مناطه في كل منهما كان الحكم التطبيقي في هذه الحال مساويا للحكم التكليفي، ولا مراء في أن المجتهد يبذل أقصى طاقاته العلمية في سبيل تحقيق هذه المساواة بين الحكم التكليفي العام المجرد ، وبين الحكم التطبيقي الاجتهادي أو الإفتائي ، على الوقائع المعينة المعروضة ، التي يتعلق بها ذلك الحكم التكليفي العام “[36] . وقد نبه الشاطبي إلى أهمية هذا النوع من أنواع الاجتهاد-المناط العام-فقال:  “ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن ، لأنها مطلقات وعمومات وما يرجع إلى ذلك، منزلات على أفعال مطلقات كذلك ، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة ، وإنما تقع معينة مشخصة ، فلا يكون الحكم عليها إلا بعد المعرفة بان هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام وقد يكون ذلك سهلا وقد لا يكون وكله اجتهاد”[37]. وكما مر معنا أن هذا النوع من أنواع الاجتهاد في تحقيق المناط لا ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف وهو مستمر باستمرار الحياة البشرية يقول د. النجار : “وليست هذه الأنواع والصور في الأفعال بمنحصرة حتى تظهر في فترة من الزمن ، ثم يقتصر الإنسان بعد ذلك على تكرارها فحسب ، بل تغاير أوضاع الحياة وانقلابها تأتي من الأنواع بما هو مستأنف ، ولذلك فان التحقيق في هذه الأنواع اجتهاد مستمر، مثاله الواضح اليوم ما يحدث في التعامل المالي من صور عديدة تتجاذبها في الانتماء أجناس المعاملة المالية من بيع وربا وغيرهما”[38].

والخلاصة أن تحقيق المناط العام يختص بالأنواع ، يقدر المجتهد بعد النظر والتدقيق في هذه الأنواع إلحاقها والرجوع بها إلى جنسها في الشريعة الإسلامية من الأحكام إذا وجدها مشابهة ومتقاربة منها. وهكذا تحافظ الشريعة الإسلامية على هيمنتها وإحاطتها بالأنواع والصور في الأفعال مهما تنوعت وتشكلت ومهما تغيرت وتبدلت ، حيث يتم وبواسطة تحقيق المناط تصنيف وترتيب تلك الصور في الإطار المناسب لها ويتم ضمها إلى جنسها أو ما يشبهها في الشريعة الإسلامية.

 

المناط الخاص

المناط العام يرجع إلى الأنواع ويتميز المناط العام عن المناط الخاص أن الخاص يرجع إلى الأشخاص لا إلى الأنواع ، ومما يميز الشريعة الإسلامية أنها اهتمت بواقع الإنسان وطبيعته يقول د.علي السرطأوي: ” الشريعة واقعية ، ولا تهمل واقع الإنسان وطبيعته وتأتى بأحكام ومثل خارجة على نطاق قدراته، أو غير معتبرة لظروفه ، فالواقع في الشريعة مادة للدرس والتمحيص والتحليل لمقوماته وسائر عناصره وأهدافه للحكم عليه لا للاحتكام إليه والتسليم به على علاته “[39] . وهذا النوع من أنواع المناط يختص بالنظر في حالة كل مكلف من جميع نواحي الحياة وشؤونها يقول الشاطبي:  “وعلى الجملة فتحقيق المناط الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية ، بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة ، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل ، هذا بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره ، ويختص غير المنحتم بوجه آخر: وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت ، وحال دون حال ، وشخص دون شخص ، إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد ، فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة ، ولا يكون كذلك بالنسبة للآخر….وصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف النفوس ومراميها ، وتفاوت إدراكها ، وقوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها ، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها ، فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها ، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف ، فكأنه يخص عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق لكن مما ثبت عمومه في التحقيق الأول العام”[40] . وهذا الكلام من أروع ما يكون في الشريعة الإسلامية بالنسبة لتعاملها مع حملتها ومع اتباعها ، وعليه تتفرع جميع الخطط التشريعية التي عنيت بتحقيق الغاية من وراء كل حكم شرعي المتعلق بالأشخاص ، فمن المعقول مثلا إذا خرج جماعة في سفر معين وكان عدد المسافرين مائة راكب مقسمين إلى خمس مجموعات في كل مجموعة عشرين راكبا ، وتم تقسيم تلك المجموعات على حسب أعمارهم  ، فاعمار أفراد المجموعة الأولى مثلا بين ثمانين وسبعين ، والثانية ما بين ستين وخمسين وهكذا دواليك ، حتى إذا وصلت تلك المجموعات المسافرة إلى نقطة عبور الحدود ، أصر طاقم أفراد نقطة العبور على السماح للمجموعة الأولى فقط العبور لسنهم وضعفهم ، أما باقي المجموعات فطلب منها أن تبقى مدة زمنية على الحدود ، ووجد شخص في المجموعة الخامسة والتي يبلغ أعمار أفرادها ما بين عشرين وثلاثين سنة  مصاب بمرض شديد ولا يستطيع الانتظار يوما على الحدود فمن المنطق والمعقول أن يضم هذا الفرد إلى المجموعة الأولى والتي تتراوح أعمار أفرادها بين الثمانين والسبعين ، والذي أوصلنا إلى عدم السير حسب ترتيب المجموعات الأولى ثم الثانية هو  النظر في حالة هذا الفرد وضمه إلى المجموعة الأولى ليسمح له بمخالفة الترتيب بالرغم من أن  عمره لا يتناسب مع أعمار المجموعة الأولى ، يقول الأستاذ الدريني : ” ليس من المعقول ولا من المقبول شرعا ، أن يحكم واقعة معينة بحكم واحد ، مهما اختلفت ظروفها وملابستها ، ذلك لان لهذه الظروف تأثيرا في نتائج التطبيق ….. والواجب شرعا تطبيق الحكم المناسب لكل شخص على حدة ، في ضوء ظروفه الخاصة ، التي تنهض بدليل تكليفي معين يستدعي حكما خاصا في حقه ، لان تعميم الحكم التكليفي على جميع المكلفين يفترض التشابه في الظروف وقد لا يوجد”[41].

يتبين من كل ذلك أن تحقيق المناط الخاص يأتي بعد النظرة المتمعنة والمتفحصة المتعلقة بإنزال الأحكام على الأشخاص عند التطبيق لذا عبر عنه الشاطبي بقوله: ” أما الثاني وهو النظر الخاص فاعلى وادق من هذا –العام- وهو في الحقيقة ناشئ عن نتيجة تقوى الله عز وجل المذكورة في قوله تعالى)ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا([42]  وذلك لما يترتب على العمل بهذه القاعدة من اثار حيث يتنقل الحكم من الوجوب في اصله إلى الحرمة أو من الحرمة إلى الوجوب يقول الزحيلي: ” قد يطرا على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها ويتعين أو يباح عندئذ الحرام ، أو ترك الواجب أو تأخيره عن وقته دفعا للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشارع”[43] . ونرى د.علي السرطاوي يوسع من نطاق هذه القاعدة لتعود إلى الأمة بشكل عام حيث قال : ” وإذا كانت لطبيعة الحال والظروف الملابسة اثر في تغيير الحكم الشرعي للشخص الواحد ، فمن باب أولى أن تكون طبيعة الحال والظروف التي تمر بالأمة اثر في تشكيل علل الأحكام التي تطبق على الأمة بكاملها ، لذا أعطي ولي الأمر سلطة التغيير والتطوير هذه “[44] . وقد برع الخليفة الثاني للدولة الإسلامية ، عمر بن الخطاب  – رضي الله عنه –  في استعمال تلك القاعدة في مسائل كثيرة ،منها عام المجاعة والزواج من الكتابيات وحبس الأراضي وعدم تقسيمها بين الغانمين وغيرها من المسائل لذا لا يمكن أن يستغنى عن قاعدة تحقيق المناط الخاص عند الإفتاء وصناعة الفتوى أو عند القضاء وإصدار الأحكام ،حيث تبقى هذه القاعدة الجليلة هي أهم الآلات والأدوات التي يملكها المفتي أو القاضي أو والي الأمر لصناعة ما يصدره من أحكام على احسن وجه بما يتلائم مع مقصد الشارع من إنزال الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد ،ولعل الأهم من ذلك عند استعمال تلك القاعدة يمكن أن تظهر صورة الشريعة الإسلامية متحدة كلها متناسقة كلها متحدة في غاية واحدة ، مهما زادت فروعها وتبدلت وسائلها ويخشى على الفقيه أو القاضي أو والي الأمر عدم إدراك تلك القاعدة وفهم المهمة التي أنيطت بها وكيفية استعمالها عند تطبيق الأحكام الشرعية بحيث تكون نتيجة التطبيق بعكس ما قصد من وضع الشريعة تجلب المفاسد وتدرء المصالح ، إذ أن الشريعة وضعت لجلب المصالح ودرء المفاسد ،وان عدم الالتفات إلى قاعدة تحقيق المناط الخاص قد يؤدي إلى نتيجة عكسية غير النتيجة المتوقعة والتي هي مراد الشارع من تشريع الأحكام الشرعية  وحق إذا قيل تحقيق المناط لا يستغني عنه أحد.

تعريف قاعدة سد الذرائع وأهميتها

لقد بين ابن منظور معنى كلمة ” سد “وكلمة  ” ذريعة ” فقال : السد : الردم والإغلاق لانه يسد به ، والسد أيضا كل بناء شد به موضع ، والسد أيضا يأتي بمعنى الحاجز، والذريعة الوسيلة والسبب إلى الشيء يقال : فلان ذريعتي إليك أي سببي ووصلتي الذي أتسبب به إليك “[1]. فالذريعة لغة ما كان طريقا وسببا الى الشيء ، مثلا سد الباب أي أغلقه . وفي اصطلاح  العلماء عرفها الشاطبي بقوله: “حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة “[2] .  قال الباجي: “الذرائع ما يتوصل به إلى محظور العقود من إبرام عقد أو حله”[3] . وقال ابن النجار:  “سد الذرائع : أي شيء من الأفعال أو الأقوال ظاهرة مباح ويتوصل به الى محرم “[4] . وقال الشوكاني : ” الذريعة هي المسالة التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها الى فعل المحظور “[5] . والباحث في كتب الأصول يجد أن التعريفات كلها متقاربه من بعضها البعض لقاعدة سد الذرائع، وخلاصة معناها أن يكون هنالك أمر غير ممنوع سواء كان قولا أو فعلا، وسواء تعلق بإبرام عقد أو غيره، وهذا القول أو التصرف في ظاهره مباح إلا انه يتوقع من هذا القول أو التصرف المفسدة بدل المصلحة فيحكم على هذا التصرف أو القول بالمنع ، حسما للمفسدة ودرءا لها ، وهذا الأمر عام في جميع التصرفات والأقوال وغيرها.

يقول د.محمود حامد عثمان بعد أن عرض تعريفات عدة   لقاعدة سد الذرائع :  “والتعريف المختار للذريعة هي ما كان ظاهرة الإباحة ويتوصل أو يمكن أن يتوصل به الى محظور”[6] . فكل شيء مباح سواء كان قولا أو تصرفا لكنه يفضي الى محظور أو ممنوع فيمنع حسما للفساد، وهذا يشير إلى أن موارد الأحكام تنقسم قسمين ، مقاصد ووسائل ، وكل وسيلة تأخذ حكم القصد الذي تفضي إليه يقول ابن القيم الجوزية : ” لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها ، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها الى غايتها وارتباطها بها ، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها الى غايتها ،  فوسيلة المقصود تابعة للمقصود ، وكلاهما مقصود ، لكنه مقصود قصد الغايات ، وهي مقصودة قصد الوسائل ، فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فانه يحرمها ويمنع منها ، تحقيقا لتحريمه ، وتثبيتا له  ،ومنعا أن يقرب حماه ، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم ، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء “[7] . والثمرة التي تجنى من هذه القاعدة الجليلة أن لا تعود الأحكام على الشريعة بالتناقص حيث تمنع الأقوال والتصرفات وإن كان ظاهرها موافقة للشرع حسما لمادة الفساد ، ودرءًا للشر المتوقع ، وكي تتحقق المقاصد المراد تحقيقها من الأحكام والتي وضعت لها أصلا وهذا يرفع من مكانة تلك القاعدة وأهميتها فعدها ابن قيم الجوزية واعتبرها أحد أرباع الدين حيث قال : “وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف ، فانه أمر ونهي، والأمر نوعان ، أحدهما: مقصود لنفسه ، والثاني : وسيلة الى المقصود ، والنهي نوعان أحدهما : ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه ، والثاني : ما يكون وسيلة الى المفسدة ، فصار سد الذرائع المفضية الى الحرام أحد أرباع الدين “[8] . فالشرع أوجد مثل هذه القاعدة واهتم بها كي يضمن سلامة النتائج المتوقعة من التصرفات المشروعة ، حيث أن المهمة التي أنيطت بهذه القاعدة الجليلة ضمان إفضاء التصرفات المشروعة للغرض الذي وضعت له ابتداء ، فكانت إحدى شبكات الأمان الشرعية التي تضمن تحقيق مراد الشارع وقصده من إباحة تلك التصرفات والأقوال ، يقول د.علي السرطاوي : ” يتفرع على أصل النظر في مآلات الأفعال قاعدة سد الذرائع ، وهي قاعدة تشريعية عظيمة تحمي ذاتية التشريع ، وتضمن أن تصل التصرفات المشروعة الى غاياتها ، وان تكون النتائج المترتبة عليها هي عين النتائج التي قصدها الشارع عند تشريعه للأحكام “[9] . ونرى الأستاذ الزرقاء رحمه الله يعتبر مبدأ سد الذرائع من المبادئ الشرعية الثابتة فيقول : ” أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية ، كحرمة المحرمات المطلقة ، وكوجوب التراضي في العقود والتزام الإنسان بعقده ، وضمان الضرر الذي يلحقه بالغير ، وسريان إقراره على نفسه دون غيره ، ووجب منع الأذى وقمع الأجرام ، وسد الذرائع الى الفساد ، وحماية الحقوق المكتسبة ومسؤولية كل مكلف عن عمله وتقصيره ، وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره ، إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة خلافها ، فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان ، بل هي الأصول التي جاءت الشريعة لاصلاح الأزمان والأجيال  ، ولكن وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها قد تتبدل باختلاف الأزمنة المحدثة “[10] . ويقول د. محمد البرهاني : ” سد الذرائع مما يدخل في السياسة الشرعية ، ويمد ولي الأمر في محيطه الواسع بسلطة يتدارك بها كل ما يمكن أن يجدُ من مضار اجتماعية ، ومشاكل عامة وخاصة ، بهدف النهوض بمستوى الحياة العامة ، وتحقيق العدالة الاجتماعية “[11] . هذا هو الهدف التشريعي من وجود مثل هذه القواعد الثابتة  في الشريعة الإسلامية ، وقد اكتسبت هذه القاعدة الاجتهادية التطبيقية أهميتها كونها تضمن لاحكام الشريعة الإسلامية أن تتصل وتترابط بالغاية والمقصد الذي شرعت لاجله ، فالأحكام وسائل لتلك الغايات ، وتعمل قاعدة سد الذريعة على حجز وسد الأبواب أمام جميع التصرفات الشرعية المباحة أصلا ، وذلك للنتيجة المتوقعة من هذه التصرفات ، وهي غير النتيجة التي وضعت ابتداء لاصل هذه التصرفات المشروعة  ، فتمنع بناء على ما ستؤول إليه من ضرر أو مفسدة متوقعة ، ولا يلتفت الى مشروعيتها ، وهذا يعني أن اصل قاعدة سد الذرائع والمبدأ الذي تفرعت عنه هو اصل النظر في مآلات الأفعال .

وهذا ينقلنا للحديث عن اثر هذه القاعدة في تحقيق المناط الخاص، والذي ستناوله في المطلب القادم إن شاء الله تعالى.

اثر قاعدة سد الذرائع كخطة تشريعية في تحقيق المناط الخاص

الشريعة الإسلامية جاءت بقاعدة سد الذرائع لحماية ذاتية التشريع من التناقض ، وضمان وصول التصرفات المشروعة الى غاياتها ، فكل نص شرعي مرتبط بغاية ، وتلك الغاية مشتملة على مصلحة هي ثمرة تشريع الأحكام المقصودة للشارع عند تشريعه إياها ، فكل تصرف مرتبط بغاية ومشتمل على مصلحة ، ولذلك كانت تلك التصرفات مأذونا فيها ، والذي يجعل تلك التصرفات المشروعة وسيلة لتحقيق أغراضه الخاصة ، أو يقوم بتلك التصرفات المشروعة على وجه يعود بالمفسدة ، يُمنع من ذلك ولو فعل ذلك بحسن نية ، لان التصرفات المشروعة تمنع في قاعدة سد الذرائع لما ستؤول إليه من دفع مصلحة أو جلب مفسدة أو جلب مفسدة اشد بدل الأخف بغض النظر عن قصد المكلف ، وقد أوجز العز بن عبد السلام كل ذلك بقوله : ” كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل “[12] .

ولقد رسمت الشريعة الإسلامية منهاجا للمجتهدين ليسيروا وفقه في كيفية استعمال تلك القاعدة ، وكيفية إعمالها وتطبيقها فاتت بأمثلة كثيرة لبيان ذلك ، يقول الزرقاء : ” مبدأ سد الذرائع باب واسع يتصل بسياسة التشريع ، ويعتبر فرعا من الاستصلاح ، ويشهد له من نصوص الشريعة شواهد كثيرة جدا في الكتاب والسنة “[13] . وقد أورد ابن قيم الجوزية تسعة وتسعين وجها للدلالة على ثبوت هذه القاعدة في الشرع وذلك على سبيل المثال لا الحصر ، جمع فيها شواهد من الكتاب والسنة ، وقال بعد أن تناول تلك الشواهد: ” ولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافق لاسماء الله الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ، تفاؤلا بأنه من أحصى هذه الوجوه ، وعلم أنها من الدين وعمل بها دخل الجنة ، إذ قد يكون اجتمع له معرفة أسماء الرب تعالى ومعرفة أحكامه ، ولله وراء ذلك أسماء وأحكام “[14] .

هذا يؤكد أن الشريعة الإسلامية وضعت للمجتهدين خطة تشريعية ليسيروا على نهجها ، وذلك من خلال عرضها لكثير من الأمثلة على قاعدة سد الذرائع وهذه الأمثلة تناولت جميع نواحي الحياة بكافة أشكالها وأنواعها ، السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والعبادة وغيرها ، سواء تعلق الأمر بحياة الفرد أم الجماعة ، يقول أبو زهرة : ” نرى من خلال الآثار الكثيرة المثبتة للذرائع ، على أنها اصل للاستنباط ، أساسه النظر الى مآلات الأفعال ” [15]. ويقول الشاطبي : ” الأدلة الدالة على سد الذرائع غالبها تذرع بفعل جائز الى عمل غير جائز ، فالأصل المشروعية لكن مآله ممنوع “[16]. فقاعدة سد الذرائع متفرعة على مبدأ اصل النظر في مآلات الأفعال ، حيث يكون ظاهر التصرف مشروعا ، واصله الجواز لكن بالنظر الى مآله ، والنتيجة المتوقعة يمنع هذا الفعل ، فيصبح ممنوعا بعد أن كان مشروعا ، وليس من السهل في شريعة الإسلام ، أن تمنع ما كان مشروعا ، إذ أن المجتهد بحاجة الى تحقيق المناط الخاص كأداة عملية عند تطبيقه لهذا المبدأ ، فالمجتهد ملزم بالنظر والتحقيق في مآلات الأفعال  يقول د.علي السرطاوي : ” بناء على قاعدة الذرائع يستطيع المجتهد التشريعي أن يمنع التصرفات المشروعة إذا كان التسبب فيها لمؤثر خارجي سيؤدي الى هدم مصلحة المجتمع”[17] . وبما أن المنع وعدمه تعلق باجتهاد المجتهد وما نسميه تحقيق المناط فان ذلك يؤدي الى اختلاف إعمال القاعدة أو عدم إعمالها في التصرفات المعروضة يقول الشاطبي : ” قاعدة الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة ، وانما الخلاف في أمر آخر”[18] . ويعلق الشيخ دراز على ذلك قائلا :  “هو في الحقيقة اختلاف في المناط الذي يحقق فيه التذرع وهو من تحقيق المناط في الأنواع “[19] . ووجه إيراد هذا الكلام أن لتحقيق المناط الأثر البالغ في هذه الخطة التشريعية ،حيث لا يمكن العمل بها إلا بعد النظر في مالات التصرفات وتحقيق المناط ، فإذا كان الفعل مؤديا الى نتيجة يأباها الشرع يمنع ، دون الالتفات إلى  قصد الفاعل ، أو اصل مشروعية هذا الفعل . وقد نهج الفقهاء المجتهدون هذا النهج في كثير من اجتهادهم يقول الزرقاء: ” لجأ المجتهدون الى هذا المبدأ –الذرائع-في أحكام اجتهادية قرروها  على أساسه من أن للزوجة المطلقة في طلاق الفرار حق الإرث من زوجها الذي طلقها ، لكيلا يتخذ من حقه في الطلاق ذريعة الى حرمان الزوجة ميراثها المشروع في الميراث وحرمانها منه، فأوجبوا لها الميراث إذا توفي وهي في العدة سدا لهذا الطريق ، ولو كان من المحتمل أن الزوج غير قاصد هذا المقصد وهذا الحكم في الاجتهاد الحنفي”[20]. فحالة الشخص المطلق لها الأثر الكبير في منع التصرف ، بغض النظر عن قصده ، حيث نظر المجتهد فوجد أن الشخص طلق زوجته في مرض موته ، وقد اقدم على هذا الفعل وهو مفارق للدنيا ، والنتيجة المترتبة على اعتبار تصرف هذا الشخص مشروعا دون النظر الى حالته عند التصرف، أي عدم إعمال آلية الفحص والنظر والمتمثلة بتحقيق المناط الخاص يؤدي الى حرمان الزوجة من ميراثها المشروع ، فيمنع هذا التصرف بناء على النتيجة بعد النظر في حالة المتصرف ، ولو لم يقصد الإضرار بالزوجة ، وهذا بحد ذاته حماية لذاتية التشريع من ان يعود على نفسه بالتناقض لو اجزنا هذا التصرف .  يقول السرطاوي : ” سد الذرائع خطة تشريعية تهدف إلى حماية ذاتية التشريع من المناقضة والهدم فالأحكام شرعت كوسائل لتحقيق مقاصد قصدها الشارع ، والأصل ان المكلف عند تلبسه بالأحكام الشرعية أن يكون قصده من التسبب فيها هو من جملة قصد الشارع ، ولا يجوز له أن يبتغي في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له أو يناقض قصد الشارع ، وسد الذرائع خطة يستخدمها المجتهد ليكشف من خلالها عن التوجه العام في الأحكام الشرعية فهو يبحث في المناط الخاص ، فان اكتشف أن المشروعات تسبب المكلف فيها لتحقيق قصد ما لم تشرع في الأصل لمثله فقد حصلت المناقضة، أو أن المجتمع اصبح يتخذ المشروعات ذريعة إلى غير مشروع كان على المجتهد بناء على هذا التحقيق الخاص أن يمنع من التسبب فيها “[21]. وهذا يؤكد أن تحقيق المناط الخاص له الأثر البالغ في سد الذرائع كخطة تشريعية تحمي الأحكام الشرعية أن تعود على نفسها بالمناقضة أو الهدم ، فهذا التحقيق الخاص يجري على أقوال المكلفين وتصرفاتهم ويجري على التوجهات العامة للمجتمع فان تبين بعد التحقيق الخاص أن الأفراد أو المجتمع يتخذون الاحكام المشروعة وسيلة لأغراض غير مشروعة منعت تلك التصرفات وان كان ظاهرها مشروعة وللمعاملات المالية نصيب كبير من هذا الباب ، يقول ابن رشد في بيوع  الذرائع  الربوية : “وهنا شيء يعرض للمتبايعين إذا قال أحدهما للآخر بزيادة أو نقصان وللمتبايعين إذا اشترى أحدهما من صاحبه الشيء الذي باعه بزيادة أو نقصان وهو أن يتصور بينهما قصد إلى ذلك تبايع ربوي مثل أن يبيع إنسان من إنسان سلعة بعشرة دنانير نقدا ثم يشتريها منه بعشرين إلى أجل فإذا أضيفت البيعة الثانية إلى الأولى استقر الأمر على أن أحدهما دفع عشرة دنانير في عشرين إلى أجل وهذا هو الذي يعرف ببيوع الآجال”[22] . فالمجتهد التطبيقي يرصد ويراقب التصرفات ويحقق فيها فان تبين أن المكلف تلبس بالأحكام المشروعة ليصل إلى غير المشروع لجأ المجتهد إلى خطة سد الذرائع وعمل بها لضمان تحقيق الأحكام مقاصد الشارع منها ،  وتحقيق المناط الخاص لإعمال خطة سد الذرائع كإحدى خطط الطوارئ التشريعية  يكون في شتى المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية وغيرها ويتعلق هذا التحقيق بأقوال الفرد وتصرفاته كما انه يتعلق بالمجتمع وتوجهاته ، من هنا يتبين الأثر البارز لتحقيق  المناط الخاص في سد الذرائع.

تعريف قاعدة فتح الذرائع وأهميتها

عرفنا فيما مضى أن سد الذرائع منع ما هو جائز كي لا يتوسل به الى الممنوع ، والمتبادر الى الذهن أن تعريف قاعدة فتح الذرائع سيكون تماما معاكسا لتعريف سد الذرائع ، فإذا كانت قاعدة سد الذرائع يمنع فيها الجائز حتى لا يكون وسيلة الى المحظور ، ففتح الذرائع يسمح فيه بالممنوع للتوسل به الى المطلوب يقول الدريني : ” إن الوسيلة لا ينظر إليها في ذاتها، بل تتكيف من جديد  بالنظر الى مآلها ، فما أفضى الى مطلوب كان مطلوبا ، ولو كان في الأصل محظورا وهذا ما يسمى بفتح الذرائع ، وما يقال في هذا النوع من الذرائع ، يقال في النوع الآخر الذي هو في الأصل مشروع ، لكنه يكتسب صفة عدم المشروعية بالنظر لمآلة “[23]. ويقول أيضا : ” المحظور إذا أدى الى مصلحة مؤكدة  ، وكانت المصلحة أربى من الضرر الناشئ عن المحظور ، أو بعبارة أدق ، وكان الضرر الذي يدفع بتحقيق هذه المصلحة اكبر من الذي ينشأ من ارتكاب المحظور ، صار ذلك المحظور في اصله في مرتبة المأذون به ، لتحقيق تلك المصلحة أو لتحقيق دفع الضرر الأكبر”[24] .  ويقول د.البرهاني  : “معنى فتح الذرائع  طلب ما من شانه تحصيل الخير من بابه الموضوع له ، وذلك بان الله تعالى يوجب أمورا لا لعينها ، بل لكونها وسائل وذرائع لأمور أخرى ثبت طلبه لها”[25] . ففتح الذرائع يسمح بارتكاب المحظور، ويؤذن فيه بعد أن كان محظورا وذلك بعد النظر في مآله ، حيث يترتب على الإذن بالمحظور مصلحة تجلب ، ومفسدة تدرأ فيؤذن فيه وقد تناول الفقهاء أمثلة كثيرة على ذلك منها ما نقله أبو زهر بقوله : ” إن الذرائع اصل في الفقه الإسلامي اخذ به الفقهاء جميعا ، وانهم اختلفوا في مقداره ، ومن المسائل التي تعد الأحكام بالإباحة فيها من قبيل الأخذ بالذرائع ، دفع مال فداء لأسرى من المسلمين ، فان اصل دفع مال للمحارب محرم مما فيه من تقويه له ، وفي ذلك الضرر بالمسلمين ، ولكنه أجيز ليتحقق من ورائه حرية طائفة من المسلمين ، واطلاق سراحهم وتقوية المسلمين ، ومن المسائل أيضا دفع المسلمين مالا لدولة محاربة ، لدفع آذاها إذا لم يكن لجماعة المسلمين قوة يستطيعون بها حماية الشوكة ، وحفظ الحوزة وهذا كله من باب الأخذ بالذرائع على انه من قبيل فتحها لا سدها “[26] . والملاحظ من خلال هذا المثال أن اصل الفعل محرم ، إذ لا يجوز دفع المال للأعداء المحاربين لانه يؤدي الى تقويتهم عسكريا واقتصاديا ويزيدهم هيمنة وثقة بأنفسهم ، ولكن هنالك مصلحة اكبر في إعطائهم المال دفع أذاهم ، فانه إذا اتبعنا اصل الدليل ، وقلنا بعدم الجواز بحيث منعنا دفع المال لهم على اعتبار انهم أعداء محاربون ، فقد يتوقع أن يعود الضرر على الدين والنفس والعقل والنسل والمال ، وقد عرف واشتهر بين المسلمين أن هذه المقاصد الضرورية الخمسة التي وضعت الشريعة ابتداء من اجل حمايتها ، فالضرر الناشئ عن ارتكاب المحظور وهو دفع المال للمحاربين الأعداء ، أخف من المتوقع من القول بمنع المحظور ، يقول الدريني : ” إن مبدا  الذرائع – فتحا وسدا – إنما هو توثيق للمقصد الأصلي من الشريعة ، جلب المصالح ودرء المفاسد فأعطيت الوسيلة حكم ما أفضت إليه “[27]. وقد اجمل استاذنا السرطاوي كل هذا بقوله : ” من المعلوم لدينا أن الأصل الذي قامت عليه شريعة محمد – صلى الله عليه وسلم- هو جلب مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم ، وعليه فان الأحكام الشرعية ما هي إلا وسائل ومقدمات لمصالح ونتائج قصد الشارع أن تنشأ عنها ، وهي أسباب شرعت لمسببات تنشأ عنها كذلك ، والشارع قاصد أن تنشأ المسببات عن أسبابها ، والأصل ألا ينشأ عن الأسباب المشروعة إلا المصالح ، والأسباب الممنوعة المفاسد ، ولكن الأسباب المشروعة للمصالح أو الممنوعة للمفاسد قد تقترن بها من الخارج أمور تؤثر في السبب المشروع ، ولا يتوقع منه أن يؤدي الى النتيجة التي من اجلها شرع “[28]. ومهمة صناع الفتوى وصياغة القرار النظر في السبب والنتيجة فاذا توقع النتيجة الموضوعة للسبب ابتداء كان ذلك وإلا فقاعدة فتح الذرائع بمتناول يد الفقيه أو القاضي او الإمام أو غيرهم  يتمشون بها مع المقصد الأساسي للشريعة الإسلامية جلب المصلحة ودرء المفسدة ولا يكون منهم ذلك إلا بعد النظر في تلك القرائن وقوتها التي أدت الى صرف دليل الحظر الى دليل الجواز وهذا ينقلنا للحديث عن اثر تلك القاعدة التشريعية في تحقيق المناط الخاص.

اثر قاعدة فتح الذرائع كخطة تشريعية في تحقيق المناط الخاص

تعتبر قاعدة فتح الذرائع كشقيقتها قاعدة سد الذرائع من حيث أنها مظهرا من مظاهر الاجتهاد بالرأي عند التطبيق والتي تتفرع على اصل النظر في مآلات الأفعال ، وهي خطة تشريعية تضمن تحقيق المصالح حتى لو تعلق الأمر في إجازة الممنوع كما مر معنا سابقا ، ولا يمكن إعمال هذه القاعدة بصورة عشوائية ، دون التحقق وبصورة دقيقة من القرائن التي احتفت بالحالة أو الواقعة أو التصرف حتى يمكن أن يعمل بهذه القاعدة يقول د. خليفة : ” لا يصح فيما أرى أن تفتح الذرائع مطلقا وانما تفتح على سبيل الاستثناء في الحالات التي تستوجب ذلك “[29] . فالأصل أن يعمل بالدليل العام ودليل اصل الحادثة أو الواقعة لان المبدأ الثابت الذي قامت عليه الشريعة الإسلامية ، أن المنهيات لا ينشأ عنها إلا المفاسد ، وان الأوامر لا ينشأ عنها إلا المصالح ، وعند استعمال هذه القاعدة لا بد من النظر فيما كان سببا موجبا ومقتضيا لعدم إعمال دليل الأصل والذي وضع لدفع مفسدة ، وهذا كله بحاجة الى الآلية التي يمكن أن تستعمل لذلك وهي تحقيق المناط الخاص ، ومثل ذلك دفع شخص مالا للآخر على سبيل الرشوة أو نحو ذلك , ليتقي بها معصية يريد الظالم أن يوقعها به ، وضررها اشد من ضرر المال ، قال ابن قدامة : “وان رشاه ليدفع ظلمه ويجزيه على واجبه فقد قال عطاء وجابر بن زيد فلا باس به أن يصانع عن نفسه “[30] . وجاء في كشاف القناع : “وان رشاه ليدفع عنه ظلمه ويجريه على واجبه فلا باس به “[31] وقال ابن تيمية :  ” فأما إذا أهدى له هدية ليكف ظلمه عنه أو ليعطيه حقه الواجب كانت هذه الهدية حراما على الآخذ وجاز للدافع أن يدفعها  اليه “[32] . هذه الفتاوى الصادرة عن العلماء هي على خلاف ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من انه لعن الراشي والمرتشي والرائش يعني الذي يمشي بينهما “[33] ، واللعن في الحديث من ألفاظ التحريم  فالرشوة حرام لا ينبغي لاحد من المسلمين أن يتعاطاها ، لما يتسبب من ذلك من فوضى في الحياة العامة ، وخاصة في مجال القضاء والحقوق على كافة أشكالها وأنواعها ، والعمل بقاعدة فتح الذريعة على إطلاقها في هذه المسالة واجازة دفع المال للظالم دون تحقيق المناط الخاص والذي بموجبه يقرر أن يعمل  بفتح الذرائع أو لا، وبموجبه يتأثر الحكم فينقل من المنع إلى الجواز، فالقول بفتح الذرائع دون تحقيق المناط لخاص سيسبب مفاسد عظيمة في المجتمع وليس فقط كما برر العلماء فتح الذرائع هنا بان دفع الظلم اشد ضررا من دفع المال لذا يفتى بفتح الذرائع ، بل قد يكون دفع المال عاملا مشجعا للظالم أن يزيد في ظلمه وينتشر الظلم في المجتمع لانه يجر كسبا وربحا ومالا  ، فلا بد إذن من تحقيق المناط الخاص كي ينتقل من الحكم العام الموضوع ابتداء للحالة إلى حكم آخر فينقل من المنع وهو الأصل إلى الجواز وهو الاستثناء ، يقول د .السرطاوي : ” إن على المجتهد أن يكيف مشروعية التصرف من جديد ، وينظر فيما يحتف به من دلائل وقرائن قد تدفعه إلى تصحيح هذا التصرف كليا أو جزئيا حتى يضمن أن لا تكون النتائج المترتبة على إزالته منافية العدل والرحمة التي قامت عليها الشريعة الإسلامية” [34] ، فالعمل على تصحيح التصرفات جزئيا أو كليا بحاجة إلى نظر دقيق ومر معنا ما قاله الشاطبي في هذا المجال انه صعب المورد، إلا انه عذب المذاق ، محمود الغب جار على مقاصد الشريعة ، وبالفعل هذا النظر عذب المذاق على الرغم من انه صعب المورد لانه يحمي الشريعة الإسلامية من أن تعود على نفسها بالتناقض يقول الدريني:  “الذريعة تأخذ حكم ما أفضت إليه دفعا المناقضة الشارع “[35] . وبهذا تبقى الشريعة الإسلامية محافظة على المقاصد والغايات التي أرادت تحقيقها من وراء الأحكام الموجودة فيه أو ذلك لوجود مثل تلك الخطط التشريعية الهامة ، فالمجتهد التطبيقي يحقق تحقيق خاصا في التصرف أو القول قبل أن يعمل بفتح الذرائع ، فينظر إلى التصرف من جميع زواياه، كما ويحقق تحقيقا تاما في النتائج المتوقعة على إجازة الممنوع أو فتح الذريعة ، وبناء عليه يتخذ القرار هل سيلجأ إلى فتح الذرائع والتي هي إحدى خطط الطوارئ التشريعية أم لا ؟ وكذا الأمر إذا تعلق بالمجتمع الإسلامي في جميع نواحي حياته السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية فعلى المجتهد التطبيقي للأحكام ان ينظر ويحقق في توجهات المجتمع وفيما يعود عليه بالمصلحة تحقيقا تاما ومنضبطا ، متناولا المسألة المعروضة أو الحالة المطروحة من جميع زواياها بما فيها النتائج المتوقعة في حالة إعمال خطة فتح الذريعة ، فبدون تحقيق المناط الخاص لا يعمل بفتح الذرائع ولا بغيرها من خطط الطوارئ التشريعية كل ذلك من اجل حماية التشريع وصيانة لاحكامه من أن تعود على نفسها بالتناقض أو الهدم أو تكون سببا لجلب المفسدة ودفع المصلحة  ، وقد عرفنا سابقا أن الأحكام وسائل لغايات والأصل في المأمورات منها جلب المنافع والأصل في المنهيات منها درء المفاسد ، فان اكتشف المجتهد التطبيقي بعد التحقيق الخاص أنه بارتكاب المنهي عنه مصلحة هي أولى من المفسدة الناشئة عن ارتكابه ، أجاز  المجتهد التطبيقي ارتكاب المحظور لتغليب جانب المصلحة على جانب المفسدة ، من هنا نلاحظ أن تحقيق المناط الخاص يؤثر تأثيرا كليا في إعمال قاعدة فتح الذرائع أو عدم إعمالها ، فتحقيق المناط الخاص بمثابة المفتاح الذي يتم فيه فتح الذريعة أو سدها ولا يستغني عنه أحد من حملة الشريعة أو من صناع القرار.

تعريف قاعدة مراعاة الخلاف وأهميتها

المراعاة في اللغة كما جاء في لسان العرب ” من راعيت الشيء رعيا ومراعاة :أي لاحظته محسنا إليه، والأمر: نظرت إلام يصير ، والمراعاة أيضا : المحافظة والإبقاء على الشيء ، وفي الحديث ” نساء قريش خير نساء أحناه على طفل في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده”[36]، وأرعاه من المراعاة أي الحفظ والرفق وتخفيف الكلف والأثقال عنه “[37]. ومعنى الخلاف كما جاء في القاموس المحيط من خالف يقال : خالفه إلى الأمر : قصده بعد ما نهاه عنه، وخالفه إلى الشيء :ضاده”[38]، وعن معنى هذه القاعدة عند العلماء في الاصطلاح يقول الشاطبي :  (قاعدة مراعاة الخلاف وذلك أن الممنوعات في الشرع إذا وقعت ، فلا يكون إيقاعها من المكلف سببا في الحيف عليه بزائد)[39]. ويقول أيضا في شرح معنى هذه القاعدة:  (من واقع منهيا عنه ، فقد يكون فيما يترتب عليه من الأحكام زائد على ما ينبغي بحكم التبعية لا بحكم الأصالة ، أو مؤد إلى أمر اشد عليه من مقتضى النهي ، فيترك وما فعل من ذلك ، أو نجيز ما وقع من الفساد على وجه يليق بالعدل انظر إلى أن ذلك الواقع ، واقع المكلف فيه دليلا على الجملة ، وان كان مرجوحا فهو راجح بالنسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه ، لان ذلك أولى من إزالتها مع دخول ضرر على الفاعل اشد من مقتضى النهي ، فيرجع الأمر إلى أن النهي كان دليله أقوى  قبل الوقوع ، ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع لما اقترن من القرائن المرجحة )[40] .هذه القاعدة تعتني بالمنهيات بعد الوقوع ، وقد عرفنا سابقا أن الشريعة الإسلامية مقصدها تحقيق مصالح العباد ، وان الأوامر فيها لجلب المصالح ، وان النواهي فيها لدرء المفاسد ، وهذه القاعدة جاءت لتعالج تصرفات المكلف بعد تلبسه بالممنوع اذاترتب على منعه مفسدة اشد أو اكبر يقول د. السرطاوي: ” ان المفسدة التي حرم الله لاجلها الممنوع ستقابل بمفسدة اشد إذا أردنا زواله فنرجح بقاءه على وجه يليق بالعدل، وبذلك نتفادى وقوع ضرر اكبر من ضرر الأصل”[41]. وهذا كله يبرز أهمية تلك القاعدة الجليلة في دفع المفاسد يقول السنوسي : ” ربما أفتى المفتي بفساد الفعل ابتداء فإذا وقع عاد إليه بالإنفاذ والاعتبار، لمعارضة دليل آخر يقتضي رجحان دليل المخالف ، وهو نوع من الالتفات إلى الأمر الواقع والبناء عليه بعد تجديد النظر في المسالة ، بحيث يصير التصرف بعد وقوعه معتبرا وشرعيا بالنظر لقول المخالف ، وان كان ضعيفا في اصل النظر ، لكن لما وقع الأمر على مقتضاه روعيت المصلحة “[42] . وهذا يؤكد أن  هذه القاعدة نوع من أنواع الاجتهاد التطبيقي ، أنيطت بها مهمة ترجيح إحدى كفتي الميزان بعد النظر في الواقع الجديد بما هو مصلحة للمكلف يقول السرطاوي: “هذه القاعدة –مراعاة الخلاف-التشريعية في الاجتهاد التطبيقي تتفرع على اصل في مآلات الأفعال فالشريعة إن حكمت على بعض التصرفات بعدم المشروعية ومنعت منها ورتبت على الوقوع عقابا فلا ينبغي أن تزيد على المذنب العقاب عما طالب به الشرع وخاصة في الأمور التابعة للتصرف “[43] . فالمكلف إذا واقع منهيا عنه في الشرع والأصل المترتب على وقوعه في النهي عنه مفسدة ، لكنه يترك على ذلك بحيث لو نهيناه اتباعا لدليل الأصل لوقع ضرر اشد وابلغ فيترك بالرغم من وقوعه في المنهي عنه اجتنابا وخوفا من وقوع الضرر الأشد وقد  اشتهر بين العلماء قاعدة إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما يقول د.محمد بكر إسماعيل : ” هذه القاعدة ميزان دقيق لارتكاب أخف الضررين عند وقوع مفسدتين يراد دفع إحداهما بالأخرى فترتكب الأخف في سبيل دفع الأشد وتقدير هذا لا يخضع للهوى ولا للعقل المجرد ولكنه يخضع للشرع”[44].

اثر قاعدة مراعاة الخلاف كخطة تشريعية في تحقيق المناط الخاص

إن قاعدة مراعاة الخلاف تهتم بدفع المفسدة الأشد عن المكلف والبقاء على المفسدة الأخف وحتى وان ارتكب المكلف منهيا عنه، ومر معنا أيضا أن هذه القاعدة تفرعت على اصل النظر في مآلات الأفعال ، وهذا الأصل عظيم في الشرع الإسلامي ، لا يستغني عن اعتباره أحد من حملة الشريعة ، وقاعدة مراعاة الخلاف إحدى الخطط التشريعية المتعلقة بالاجتهاد التطبيقي ، وطالما تعلق الأمر بالتطبيق فلا بد من النظر والتدقيق قبل أن يحكم على الأفعال أنها موافقة للشريعة أو مخالفة لها ، وبعد ذلك يصدر الحكم على الأفعال أو الأقوال وبمعنى آخر لا بد من تحقيق المناط الخاص قبل إصدار الإحكام ، يقول د. السرطاوي : ” لا بد للمجتهد التطبيقي أن ينظر في الممنوعات بعد وقوعها ، فإذا كانت إزالة الممنوع يترتب عليها ضرر اشد من بقائه فقد يجيز الممنوع من وجه يليق بالعدالة  وبمقصود الشارع “[45] .

إذن على المجتهد أن ينظر في مآل التصرفات قبل إصدار الحكم عليها وحتى لو تعلق الأمر بالمنهيات ، فالنظر في المآل والنظر في حال المكلف –تحقيق المناط الخاص- معتبر وعليه مدار الحكم بالموافقة أو المخالفة ، وقد رسمت الشريعة الإسلامية هذا النهج منذ البداية وحثت المجتهدين السير على نفس الطريق والمثال الذي تناوله العلماء حديث البائل في المسجد  عن انس بن مالك رضي الله عنه قال : جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس ، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فاهريق عليه “[46] .

والملاحظ في هذه الواقعة أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأعرابي يستمر في ارتكاب للمحظور ، بل منع أصحابه ونهاهم عن نهيهم الأعرابي  ، قال الصنعاني :  “من فوائد هذا الحديث دفع اعظم المضرتين بأخفهما لانه لو قطع عليه بوله لاضر به، وكان يحصل من تقويمه من محله مع ما قد حصل من تنجيس بدنه وثيابه ومواضع من المسجد غير الذي وقع عليه البول أول “[47] . ويضيف ابن حجر في الفتح قائلا : ” إنما تركوه يبول في المسجد لانه كان شرع في المفسدة ، فلو منع لزادت ، إذ حصل تلويث جزء من المسجد ، فلو منع لدار بين أمرين : إما أن يقطعه فيتضرر ،  واما أن لا يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه أو ثوبه أو مواضع أخرى من المسجد “[48] . فإبقاء واقع الأعرابي وتصرفه على ما هو عليه أخف من منعه ، ولو تم منعه لزادت عليه المفسدة المتوقعة ، بحيث لو نظرنا إلى مآل المنع لتوقعنا مفسدة اشد ، وترتب على المنع مفاسد كثيرة وخاصة أن الأعرابي قد شرع في التصرف واصل التنجس حاصل في المسجد وهذه المفسدة المترتبة على تصرفه ابتداء ممنوعة ومنهي عنها  لكن بالنظر إلى مال المنع يمكن أن يحصل مفاسد اكبر من تنجيس بدنه وثيابه وأماكن أخرى في المسجد ، ويمكن أن يصيبه مرض في بدنه للاحتباس المفاجئ ، وقد تحدث فتنة في المسجد.

هذه المفاسد كلها متوقعة في حال منع الأعرابي من استمراره في ارتكاب المحظور، فبعد وقوع المنهي عنه من جهة هذا الأعرابي ترجح جانب تركه على ما هو عليه درءا للمفاسد التي تترتب على كفه ومنعه ، وبعبارة أخرى بعد النظر في مآلات الأفعال والتدقيق في الأحوال أو تحقيق المناط الخاص يبدّل حكم الأصل الموضوع ابتداء للتصرف بحكم غيره ، ولعل قاعدة مراعاة الخلاف من اصعب القواعد التطبيقية على المجتهدين ، وهي بحاجة إلى نظر دقيق وبذل جهد واسع في تحقيق الحالة التي تندرج تحتها ، وفي هذا يقول الشاطبي : ” النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا ، ولا يحكم المجتهد على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل ، فقد يكون مشروعا لمصلحة فيه تستجلب ، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه ،وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك ، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها ، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية ، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد ، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال صعب المورد إلا انه عذب المذاق ، محمود الغب جار على مقاصد الشريعة”[49]. والذي جعل تحقيق المناط الخاص صعب المورد هوان التحقيق نفسه يجري على تصرف او قول مجمع بين العلماء على حظره ، فالنظر والتحقيق يرد على تصرف أو قول لا يختلف اثنان من حملة الشريعة على منعه ، والتحقيق ينصب على مآل المنع وفي نفس الوقت بتتبع لمقاصد الشريعة ، فما ينتج عن تحقيق المناط الخاص يكون أدلة قوية مقابل دليل الأصل وهو النهي ومثال الأعرابي السابق بين واضح على هذا ، والخلاصة لو تم إعمال قاعدة مراعاة الخلاف دون تحقيق المناط الخاص لكان هذا إقرار للتصرفات المحظورة شرعا ، من هنا تبرز أهمية تحقيق المناط الخاص في قاعدة مراعاة الخلاف . وكم نحن اليوم بحاجة لعلماء يتقنون فن تطبيق هذه الخطة الشرعية الطارئة على الأصل العام سواء على تصرفات الأفراد أو الأمة الإسلامية مع أن الحق مما مر معنا من قول الشاطبي أن إدراك فن الاجتهاد التطبيقي عامة واعمال خطط الطوارئ منه خاصة مجال صعب المورد عذب المذاق محمود العاقبة والاهم من ذلك كله انه جار على مقاصد الشريعة، يحمي ذاتية التشريع من التناقض ومن أن تعود على نفسها بالهدم .

اللهم الطف بنا ونجنا من طوفان كورونا

موقع نوازل للشيخ رائد بدير

 [1] ابن منظور – لسان العرب–  حرف القاف، فصل الحاء، جزء 10ص53 وما بعدها.

 [2] الرازي – مختار الصحاح – ج1 ص 62

 [3] التفتازاني – شرح التلويح على التوضيح– ج2 ص 163

 [4] الغزالي – المستصفى– ج2 ص 280

 [5] الآمدي – الأحكام في أصول الأحكام–  ج 3 ص 435

 [6] الزركشي- – البحر المحيط في أصول الفقه– ج2 ص 256

[7]  ابن السبكي- الإبهاج في شرح المنهاج – الجزء 3 ص 82

[8]  الدراقطني – علي بن عمر الدارقطني –  سنن الدارقطني – بيروت 19966 ج1 ص 70 رقم الحديث 22 تحقيق عبدالله المدني.

 [9] ابن قدامة المقدسي- روضة الناظر وجنة المناظر – الجزء 3 ص 801

 [10] الدريني- بحوث مقارنة في الفقه وأصوله– الجزء 1 ص 126

[11]  الشاطبي- الموافقات– الجزء 4 ص 90

[12]عبد المجيد النجار – خلافة الإنسان بين الوحي والعقل -ص 122

 [13] الخضري-  محمد خضري  – أصول الفقه – المكتبة البخارية الطبعة السادسة 1969 ص 323

 [14] محمد فتحي الدريني- بحوث مقارنة في الفقه وأصوله– الجزء 1 ص 180

[15]  الشاطبي- أبو إسحاق الشاطبي- الموافقات  – جزء 2 ص 6

[16]   د. يوسف حامد العالم- المقاصد العامة للشريعة الإسلامية– المعهد العالمي للفكر الإسلامي- الطبعة الأولى 1991 ص 125

 [17] د.علي السرطاوي- مبدأ المشروعية – ص 101

[18]  الشاطبي– الموافقات – ج 2 ص 385

 [19] الدريني-محمد فتحي الدريني- نظرية التعسف في استعمال الحق – مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية 1977 ص 53

[20]  ابن تيمية – كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية– الجزء 19 ص 284

[21]  النسائي – احمد بن شعيب أبو عبدالرحمن – السنن الكبرى – دار الكتب العلمية – الطبعة الاولى 1991 بيروت ج3 ص41 تحقيق عبدالغفار البنداري

[22]  ابن تيميه – كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية – ج19 ص 284

[23]  الدريني – بحوث مقارنة – ج1 ص 143

[24] ابن القيم –إعلام الموقعين عن رب العالمينج 3 ص 3

 [25] البيانوني- محمد أبو الفتح – الحكم التكليفي في الشريعة الإسلامية – دار القلم – دمشق الطبعة الأولى-1988 ص 51

 1- الزرقاء- المدخل الفقهي العام– ج 2 ص 938

  [27] – نفس المرجع السابق- ج 2 ص 938

 [28]  السرطاوي- مبدا المشرعية – ص80

[29]   البيهقي – احمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي – سنن البيهقي الكبرى – مكتبة دار الباز مكة المكرمة –ج1 ص 227 حديث رقم 1016 تحقيق محمد عبد القادر عطا.

[30]  سورة النساء الآية 43

 [31] سرطاوي- مبدا المشروعية – ص 80

 [32] ابن قدامة– روضة الناظر وجنة المناظر– ج 3 ص 801

[33]  ابن تيمية – كتب الرسائل وفتاوى ابن تيمية– ج 19 ص 16

[34]  سورة الطلاق- الآية رقم 2

[35] الشاطبي- الموافقات– الجزء 4 ص 90

[36]  الدريني– بحوث مقارنة في الفقه وأصوله ج 1 ص 133

[37] الشاطبي – الموافقات – ج 4 ص 93

[38]  عبدالمجيد النجار – خلافة الإنسان بين الوحي والعقل  ص 124

[39]   السر طاوي – مبدأ المشروعية – ص63

[40]   الشاطبي – الموافقات – ج4  98

 [41] الدريني– بحوث مقارنة في الفقه وأصوله -ج 1 ص 134

 [42] سورة الانفال  – اية رقم 29

[43]   الزحيلي- وهبه الزحيلي- نظرية الضرورة الشرعية-مؤسسة الرسالة-الطبعة الخامسة1997

[44]   السرطاوي –  مبدأ المشروعية – ص 81

[ii]أبو عيسى- محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي – سنن  الترمذي– كتاب الفتن دار إحياء التراث العربي. بيروت حديث رقم-2180 ج1ص475 تحقيق محمد احمد شاكر

[iii] النيسابوري- محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري- المستدرك على الصحيحين– ج3 ص109 ط1 دار الكتب العلمية بيروت ج3 ص109 ط1، مصطفى عبد القادر عطا.

[iv]الفيروز ابادي- مجد الدين محمد بن يعقوب-القاموس المحيط– فصل النون والواو –باب الطاء دار الجيل بيروت ب.ط ،ص404 وانظر المعجم الوسيط باب النون دار الدعوة ج2 ص 895  .

 

 

[1]  ابن منظور  – لسان العرب  -ج 8 ص 96  وانظر ج 3 ص 208

[2]  الشاطبي –  الموافقات   – ج 4 ص 199

[3]   الباجي  – الحدود –  ص 68

  [4] ابن النجار- شرح الكوكب المنير – ص 434

 [5] الشوكاني- إرشاد الفحول – ص 410

[6]   د.محمود حامد – قاعدة سد الذرائع واثرها في الفقه الإسلامي– دار الحديث القاهرة- ص 62

 [7] ابن القيم الجوزية-إعلام الموقعين– ج 3 ص 135

 [8] نفس المرجع السابق –ج 3 ص 159

[9]  السرطاوي – مبدأ المشروعية – ص183

[10]  الزرقاء – المدخل الفقهي العام – ج2 ص 924

 

[11] البرهاني – محمد هشام البرهاني – سد الذرائع في الشريعة الاسلامية – دار الفكر – دمشق الطبعة الاولى – 1985 ص 772

[12]   عز الدين بن عبد السلام –  قواعد الأحكام في مصالح الأنام  – دار الكتب العلمية ج2 ص 221

[13]   الزرقاء –  المدخل- ج1 ص 98

[14]  ابن القيم –  إعلام الموقعين  – ج3 ص 159

[15]  ابو زهرة –  أصول الفقه – ص 255

[16]  الشاطبي –  الموافقات  – ج4 ص 198

 [17] السرطاوي- مبدا المشروعية -ص 186

 

 [18] الشاطبي- الموافقات– ج 4 ص 200

[19]  عبدالله دراز – حاشية الموافقات-ج 4 ص 201

 [20] الزرقاء- المدخل الفقهي العام – ج 1 ص 100 وانظر الحاشية

 

[21]  السرطاوي –تحقيق المناط الخاص– بحث غير منشور

[22]  ابن رشد  – بداية المجتهد – ج2 ص 105

 [23]  الدريني- نظرية التعسف في استعمال الحق – ص 189

[24]   نفس المرجع- ص 188

 [25] البرهاني- سد الذرائع  -ص 349

[26]   ابو زهرة – اصول الفقه – ص 258

[27]   الدريني –  نظرية التعسف في استعمال الحق – ص 188

 

[28] السرطاوي – مبدا المشروعية – ص167

[29]  د. خليفة بابكر الحسن –  الادلة المختلف فيها – ص 57

 [30] ابن قدامة –  عبدالله احمد بن قدامة المقدسي –  المغني – دار الفكر بيروت – الطبعة الأولى ج10 ص118.

[31]  البهوتي – منصور بن يونس بن ادريس   –  كشاف القناع عن متن الإقناع– دار الفكر بيروت- الجزء 6 ص 316 تحقيق هلال مصلحي.

 [32] ابن تيمية –كتب ورسائل ابن تيمية في الفقه – ج 31 ص 286

 [33] ابن ابي شيبة- مصنف ابن ابي شيبة – مكتبة الرشد – الرياض-الطبعة الأولى ج 4 ص 444 تحقيق كمال الحوت

 [34] سرطاوي- مبدا المشروعية في الشريعة الإسلامية – ص 246

 

[35]  دريني – نظرية التعسف في استعمال الحق– 188

[36]    ابن حبان- صحيح ابن حبان– مؤسسة الرسالة بيروت 1993  وانظر صحيح مسلم بشرح النووي– ابو زكريا يحيى بن شرف النووي-بيروت دار النشر الطبعة الثانية ج 16 ص 80 .

[37]     ابن منظور – لسان العرب – فصل الراء المهملة ج14 ص 329

  [38]    الفيروز ابادي- القاموس المحيط-ج 1 ص 251

[39]     الشاطبي-الموافقات-ج 4 ص 202

 

[40]  نفس المرجع –ج 4 ص 203

 [41] سرطاوي- مبدا المشروعية – ص 245

  [42] السنوسي-مراعاة الخلاف-الرياض-مكتبة الرشد ص 49

 [43] سرطاوي-  مبدا المشروعية– ص 244

 [44] محمد بكر إسماعيل-القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه-دار المنار الطبعة الاولى 1997 ص 104

 [45] د.علي السرطاوي- مبدأ المشروعية – ص 244

 [46] مسلم- صحيح مسلم –دار احياء التراث العربي –بيروت ج 1 ص 236 حديث رقم 284 في الطهارة.

[47]  الصنعاني- محمد بن إسماعيل الصنعاني – سبل السلام -دار الحديث –القاهرة –كتاب الطهارة-باب المياه-جزء 1 ص 32 حديث رقم 10

 [48] ابن حجر-فتح الباري– دار إحياء الثراث العربي-بيروت الطبعة الثانية ج 1 ص 257

 [49] الشاطبي-الموافقات-ج 4 ص 195

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017