هذه الورقة الفقهية الاصولية اهديها الى هزاع المنصوري لتكون  مرآته  لأداء الصلوات الخمس في الفضاء

الجمعة 27 سبتمبر 2019
شارك المقال

 

هذه الورقة الفقهية الاصولية اهديها الى هزاع المنصوري لتكون  مرآته  لأداء الصلوات الخمس في الفضاء

((((( (كل رجل فضاء مسلم يصلي بالهيئة المتاحة، ويتيمم، ويوجه وجهه لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، فهو يحقق المعاني من الصلاة اكثر من المباني فيها،  وخاصة ان الصلاة شرعت في السموات وهو الى مكان  مشروعيتها اقرب من الارض))))

الشيخ:  رائد بدير

( السيرة العلمية  على هذا الرابط  https://nawazel.net/?page_id=215)

 

 

(كل رجل فضاء مسلم يصلي بالهيئة المتاحة، ويتيمم، ويوجه وجهه لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا فهو يحقق المعاني من الصلاة اكثر من المباني فيها  وخاصة ان الصلاة شرعت في السموات وهو الى مكان  مشروعيتها اقرب من الارض)

منذ عشرين سنة يبحث علماء ماليزيا لمعضلة الصلاة  بشروطها واركانها وهيئاتها لرجال الفضاء المسلمين الذي يشاركون في بعثات دولية للعيش في الفضاء مدة زمنية، قد شحذت ماليزيا همم العلماء في البحث عن مخارج من مآزق انعدام الارض بكل ما فيها من خصائص ومقدرات  من جاذبية وتراب وماء وجهات وليل ونهار ومشرق ومغرب. وقد اطلعت على المستجدات في تناول احكام السفر الى افضاء بكل ما فيه فوجدت ضعفا في اقتطاع الفتوى، مع انه ينبغي ان نعود الى النصوص \لاستخراج عللها بما يتناسب مع زماننا زلا نجعل من العلل التي توصل اليها السابقون نهاية المطاف في تعليل النص، على شرط ان نتبع نفس المسالك كي لا نضل لا نُضل  .

ان الفقه الافتراضي، والذي هو اجتهاد الفقيه في وضع الحكم الشرعي لما لم يقع بعد من الحوادث والنوازل المقدرة، والذي وضع اسسه ومنهاجه وتناوله حقيقة الامام الاعظم ابو حنيفة – رحمه الله تعالى- قد اخرج الامة من كثير من المآزق، ولا اخفي سرا على المستوى الشخصي لما اصادفه وأواجه من علماء فان قلبي يئن ويعتصر لانعدام هذه العقلية في زماننا المعاصر لنؤسس لمن سيأتون بعدنا، فنفترض احكام للصوم في الفضاء، او احكاما للصلاة على القمر.. والبلية التي نعاني منها اننا لا نسير بنفس الساعة في ايجاد اجابات شرعية لسائر تقدم العلوم من حولنا، ومن أسباب ذلك عدم تبني الاصول للانطلاق بفروع جديدة مستأنسين بالفروع القديمة، كما الحال في مسألة ” التلقيح الصناعي التي ناقشها الحنفية قبل 1300سنة.”.

لا يمكن ان نقدم مسائل افتراضية في زمانا لانا اصلا لم نقدم إجابات لكل ما بين ايدينا من واقع، ومعنى هذا الكلام، انه حتى المدارس الفقهية التي كانت لا تفتي في المسألة الا اذا وقعت، فحتى في هذه لم نحسنها ولم نتقنها، فكثير هي المسائل التي هي بحاجة الى بحث وتقديم حلول واجابات ما زالت عالقة على جداول المؤتمرات الفقهية، او غير منظورة اصلا على جداولها، فما بالك بالمساحة التي بيننا وبين العقلية الفقهية الافتراضية التي اوجدت إجابات وحلولا، بل واخذت تفترض لما سيقع من نوازل !!

لقد اوضح ابو حنيفة – رحمه الله تعالى – فلسفته من خلال تأسيسه للفقه الافتراضي بهذه الحادثة حين نزل قتادة الكوفة، فقام إليه أبو حنيفة، فسأله: يا أبا الخطاب‍ ما تقول في رجل غاب عن أهله أعوامًا، فظنت امرأته أن زوجها مات، فتزوجت، ثم رجع زوجها الأول. ما تقول في صداقها؟ وكان أبو حنيفة قد قال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدَّث بحديث ليكذبن، ولئن قال برأي نفسه ليخطئن. فقال قتادة: ويحك أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا. قال: فلِمَ تسألني عما لم يقع ؟ قال أبو حنيفة:” إنا لنستعد للبلاء قبل نزوله، فإذا ما وقع، عرفنا الدخول فيه والخروج منه ”[1] .

لا بد ان نعود للمتون بنفس الوسائل من المسالك لكن ببحث اعمق لنتائج جديدة.

وقد استوقفتني رحلة هزاع المنصوري من دولة الامارات العربية للوقوف امام المتون ومحاولة بيان استخراج الاوصاف الجديدة منها التي نبني عليها احكاما شرعية خاصة بزماننا وزمان من يأتي بعدنا. وهنا لا نحتاج الى فتوى اصلا بل الى اعادة النظر في النصوص الاصلية لاستكشاف اوصافا جديدة لنستخرج احكاما جديدة.

اولا : القيام والركوع والسجود في الفضاء :

خذ على سيل المثال كل مل يتعلق بهيئات الصلاة من حيث اركانها القيام والركوع والسجود ، ففي  الحديث   رواه البخاري عن عمران بن حصين الجواب الشافي والكافي ، قال رضي الله عنه : كانت بي بواسير  فسالت النبي – صلى الله عليه وسلم – عن الصلاة فقال : صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطع فعلى جنب “[2] .

ان المطلوب هو اعادة النظر فيما يسميه الاصوليون تنقيح المناط تنقيح المناط اجتهاد في حصر الأوصاف وملاحظتها واستبعاد ما لا يصلح للعلية وتعيين الوصف المناسب وهذه الأوصاف مذكورة في النص حيث لا يجتهد المجتهد في استنباطها ، فهي أوصاف منصوص عليها ودور المجتهد يتمثل باستبعاد الوصف المنصوص عليه الذي لا يصلح للعلية ويبقى الوصف المذكور في النص الصالح للعلية أو بمعنى آخر دور المجتهد يكون في تهذيب الوصف المناسب والذي ترتب عليه الحكم ويحقق مقصود الشارع مما علق به من الأوصاف والتي يغلب على ظن المجتهد أن لا اعتبار لها ولا تأثير في الحكم. قال ابن تيميه : ” تنقيح المناط أن ينص الشارع على الحكم عقيب أوصاف يعرف فيها ما يصلح للتعليل وما لا يصلح فينقح المجتهد الصالح ويلغى ما سواه وهذا قياس عند أصحابنا وقد اقر به كثير من منكري القياس”[3]. وقال الغزالي: “والمقصود أن هذا تنقيح المناط بعد أن عرف المناط بالنص لا بالاستنباط لذلك اقر به اكثر منكري القياس”[4]. وقال ابن السبكي: “تنقيح المناط لا يستخرج المجتهد العلة من خفاء لكونها مذكورة في النص بل نقح المنصوص واخذ ما يصلح للعلية وترك ما لا يصلح”[5]. إذن تنقيح المناط مسلك من مسالك العلة خاص بالعلة المنصوص عليها ، لا يبذل المجتهد جهدا في إخراجها من الخفاء ، بل يعمد المجتهد إلى تهذيبها وتنقيحها من مجموعة الأوصاف التي علقت بها دون أن يكون لها دخل في العلية .

ان متن النص في تغيير هيئة اركان الصلاة جاء نتيجة عن سؤال يتعلق بالبواسير ،  وفي لسان العرب : “البواسير علة معروفة تحدث في المقعد أو داخل الأنف”[6] ، وعند تنقيح مناط هذا النص للبحث عن الوصف المناسب الصالح للحكم والذي ترتب عليه تغيير هيئة المصلي من القيام والذي هو ركن إلى القعود ومن القعود إلى الصلاة على جنب ينظر المجتهد في هذا النص ويبدأ بحصر الأوصاف المذكورة فيه ، ككون السائل عمران بن حصين أو كون الحكم لذات السائل أو كون المرض في الأنف أو كون المرض في المقعدة وبمعنى آخر كون الحكم خاصا بمرض البواسير فقط ، أو الحكم خاصا بالذكور دون الإناث لكون السائل ذكرا فيقوم المجتهد بحصر جميع هذه الأوصاف ويستبعد الأوصاف غير المناسبة فيتعين عنده الوصف المناسب وهو عدم الاستطاعة لمرض عضوي  هو الوصف المناسب الصالح للعلية والذي يحقق مقصود الشارع من الحكم ، فلو أصيب زيد أو عمرو أو أصيبت عائشة وهند بمرض السكري مثلا او الحمى أو أي مرض عضوي لا يمكنهم من أداء الصلاة كما هي مشروعة اخذوا نفس الحكم المذكور في النص ،  حيث تلحق كل هذه الصور بصورة الأصل فيفتى لهم بالقعود أو الصلاة على جنب كل حسب حال مرضه واستطاعته ، بمعنى آخر تلحق صورة الفرع بصورة الأصل لاشتراكهما في علة واحدة فيلحق مرض السكري بمرض البواسير فيأخذ حكمه لعدم الاستطاعة وهكذا في كل مرض تأثيره على المريض كتأثير البواسير. وبنظرة اعمق في النص لا يتوقف المجتهد عند  المرض العضوي الذي لا يستطيع معه المريض الصلاة قائما مثلا يصلي قاعدا سواء كان بواسير أو غيره بل ان هذا الوصف بحاجة الى مزيد من التهذيب والتنقية  ، فيقول كون عدم الاستطاعة لمرض عضوي وصف بحاجة إلى تهذيب ، فيستبعد المرض العضوي ويبقي عدم الاستطاعة على عمومها ثم يقول ما كان سببا في عدم استطاعة وتمكن المصلي من أداء الصلاة على الوجه المشروع لها ابتداء يأخذ حكم النص سواء كان مرضا عضويا أو مرضا نفسيا أو مؤثرا خارجيا أو غيره ، وهذا هو الوصف المناسب الصالح للعلية والذي يحقق مقصود الشارع منه ، ومثال ذلك وقوف سيارات أمام حاجز عسكري ومنع ركابها من الخروج منها لأوقات طويلة تخرج الصلاة فيه عن وقتها المشروع ، أو مثلا تواجد مسلم في منطقة معينة ونتيجة حادث معين لا يستطيع أن يؤدي الصلاة على هيئتها المشروعة ، وقد وجدنا في الشريعة الإسلامية تغيرات في هيئة الصلاة نتيجة لظروف خارجية كصلاة الخوف أو صلاة القصر مثلا .  هذه الأمثلة وغيرها تأخذ حكم صورة الأصل لعلة مشتركة بينهما وهي عدم الاستطاعة . وبمعنى آخر تشترك صورة الأصل مع صورة الفرع في الحكم  وهو انتقال المصلي من الهيئة المشروعة ابتداء  إلى غيرها لاشتراكهما في العلة وهي عدم الاستطاعة .

اذن من خلال النظر في المتن تم التوصل الى انه عدم استطاعة وتمكن المصلي من أداء الصلاة على الوجه المشروع لها ابتداء يأخذ حكم النص سواء كان مرضا عضويا أو مرضا نفسيا أو مؤثرا خارجيا أو غيره ، وهذا هو الوصف المناسب الصالح للعلية والذي يحقق مقصود الشارع منه، وعليه نقيس انعدام الجاذبية .

من المعلوم ان  الجاذبية الأرضية أنها تلك القوة التي تؤثر بها الكرة الأرضية على الأجسام على سطحها وضمن حدود غلافها الجوي، حيث تؤثر كل الأجسام باتجاهها للأسفل، أي باتجاه مركز الكرة الأرضية، فان انعدمت الجاذبية او نقصت بشكل كبير كما يحدث خارج الغلاف الجوي اصبح هذا المؤثر الخارجي هو علة الحكم في تحديد هيئات اركان الصلاة وهو ويأخذ حكم البواسير فيصح ان يتطبق عليه  الحديث. فيستطيع هزاع المنصوري يصلي  قائما فان لم يستطع فقاعدا فان لم يستطع فعلى جنب او على أي هيئة يتحقق منها المقصود الا وهي الصلاة.

ثانيا : الوضوء في الفضاء :

يقول الشاطبي : ” والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراءً لا ينازع فيه الرازي ، ولا غيره”[7] . ويقول د.حامد العالم : “وما من حكم شرعي إلا وهو يحقق مصلحة أساسها المحافظة على النفس أو العقل أو الدين أو النسل أو المال ، وان هذا يبدو من الشريعة في جملة مقاصدها ، ولا يمكن أن يكون حكم شرعي إلا هو متجه إلى ناحية من هذه النواحي”[8] .

إذن الهدف والغاية من إنزال الشريعة الإسلامية هو تحقيق مصلحة الإنسان وخيره في الدنيا والآخرة ، وان كل نص من نصوص الشريعة الإسلامية يحمل بين ثناياه مصلحة تتحقق فور تنفيذه أو العمل به، وقال السرطاوي  “تتميز المشروعية الإسلامية عن القانون الوضعي في أنها لا تكتفي فقط بمعيار الصحة والبطلان ، للحكم على التصرفات بل نجدها تنقل حكم التصرف من الإباحة إلى الندب ثم إلى الوجوب ، ومن الإباحة إلى الكراهة فالتحريم “[9] . وهذا الحكم على التصرف وتدرجه بداية من الوجوب انتهاءً إلى التحريم إنما يؤكد أن  الأحكام الشرعية ما هي إلا وسائل لغايات، ولا يتم التحقق من أن الحكم المرتبط بغاية وهدف يحقق المقصود من تشريعه ابتداء إلا بعد النظر والتدقيق عند تطبيقه ، لذا أنشأت الشريعة الإسلامية نوع من أنواع النظر والاجتهاد يضمن تحقيق المصلحة المقصودة من تشريع الأحكام وهذا النوع هو قاعدة تحقيق المناط يقول الشاطبي : “لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد ، كانت الأعمال معتبرة بذلك لانه مقصود الشارع منها ، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على اصل المشروعية فلا إشكال ، وان كان الظاهر موافقا ، والمصلحة مخالفة ، فالفعل غير صحيح وغير مشروع ، لان الأعمال الشرعية ليست مقصودة بنفسها وإنما قصد بها أمور أخرى هي معانيها وهي المصالح التي شرعت لاجلها ،فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع ، فليس على وضع المشروعات “[10] .

يقول ابن القيم إلى أساس بناء الشريعة والغاية منها فقال : ” إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ، ورحمة كلها، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسالة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة وان أدخلت فيها بالتأويل”[11] . ويمكن القول بعد النظر في عبارات ابن القيم ، أن الشريعة وضعت وبنيت على مصالح العباد لتحقيق العدل والعدالة ، فما من حكم تكليفي إلا من وراء تشريعه مصلحة وعدل ورحمة، فإذا خرج عن ذلك اصبح لا يمت إلى الشريعة بصلة ، وكان بعيدا كل البعد عن الشريعة، والمقصود بالحكم التكليفي كما ذكره البيانوني : ” اثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد طلبا أو تخييرا”[12] . فالأحكام الشرعية التكليفية مرتبطة بغاياتها ، والهدف من اتباع تلك الأحكام أو تطبيقها والعمل بها الوصول إلى مراد الشارع منها ، وقد يتأثر الحكم الشرعي في الواقعة المعروف أنها مندرجة تحته والأصل أن ينزل على تلك الواقعة المعينة إلا انه يصار إلى غيره بحيث لو بقي على ما كان عليه لخرجت تلك المسالة عن العدل إلى الجور وعن المصلحة إلى ضدها وقد نقل الأستاذ الزرقاء قول العلامة ابن عابدين ” كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو لفساد  أهل الزمان ، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه للزم منه المشقة ، والضرر بالناس ، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد”[13].  وقد أكد الأستاذ الزرقاء رحمه الله ذلك بقوله: ” إن الأحكام الشرعية التي أسسها الاجتهاد في ظروف مختلفة عن الظروف الجديدة غير صالحة لتحقيق الغاية الشرعية من تطبيقها، فيجب أن تتغير إلى الشكل الذي يتناسب مع الأوضاع القائمة ، ويحقق الغاية الشرعية من الحكم الأصلي ، وذلك نظير السفينة الشراعية التي تقصد اتجاها معينا في ريح شمالية مثلا ، فان شراعها يقام على شكل يسير بالسفينة في الاتجاه المطلوب ، فإذا انحرف مهب الريح وجب تعديل وضع الشراع إلى شكل يضمن سير السفينة في اتجاهها المقصود ، وإلا انحرفت أو توقفت” [14].

وقد عقب د. علي السرطأوي على هذا المثال الرائع مبينا وشارحا من بيده صلاحية وسلطة التغيير قائلا : “وسلطة التغيير والتطوير هذه جعلتها الشريعة في يد العلماء وولاة الأمر لذا نجد المفتي الذي ينظر في حال كل شخص وفي كل واقعة بعينها ، ناظرا في طبيعة الشخص وقدرته، وما احتف الواقعة من ظروف ، ثم يعطي الحكم الشرعي المناسب الذي يكون محققا لمقصود الشارع”[15].

من المعلوم بالدين من الضرورة ان الطهارة بكل انواعها شرط للصلاة وقد جاءت النصوص القرآنية والسنة النبوية واضحة جلية في هذا الباب منها ما رواه البخاري ومسلم ” قَالَ رَسولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أحَدِكُمْ إذَا أحْدَثَ حَتَى يَتَوضًأ”.

وكما عالجت الشريعة الاسلامية الظروف والمؤثرات في اركان الصلاة كما مر ، عالجت أيضا الظروف والمؤثرات في الطهارة والتي هي شرط لصحة الصلاة  فقد روى البهيقي في سننه عن جابر قال: ” خرجنا في سفر فاصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فقال لاصحابه:هل تجدون لي رخصة في التيمم ، قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – اخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم “[16] .

والملاحظ أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يلتفتوا إلى أي نص آخر غير النص العام  يتعاملون به مع هذه الواقعة ، بل بقي في أذهانهم وعقولهم أن الرجل يقدر على الحركة، وان الماء متوفر موجود ، ولا يمكن التيمم مع استطاعة الرجل ووجود الماء واستندوا إلى الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة وهو قوله تعالى :  ) فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا([17] ، وافتوا بما هو مشهور إذا حضر الماء بطل التيمم ، وعلى الرغم من استنادهم إلى أدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة إلا أننا نجد ان الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد غلظ عليهم ، بل ونفى عنهم صفة العلم والصق بهم صفة الجهل ونعتهم به وأرشدهم إلى السؤال قبل الإفتاء وشنع على فتواهم هذه والتي كانت سببا في مقتل الرجل ، حيث أن بقاء حكم الغسل من الجنابة  على ما هو عليه فيما يتعلق بالواقعة الجديدة والتي احتفت بظروف معينة لا يناسب، بل وبسبب تلك الظروف انتقل خطاب الله تعالى المتعلق بالواقعة من الغسل إلى التيمم كما بين ذلك الرسول – صلى الله عليه وسلم – حيث يتناسب حكم التيمم مع  تلك الواقعة ، ويأتي منسجما مع روح الشريعة والإسلامية ومقصدها وذلك بعد النظر والاجتهاد ، حتى لو تعلق الأمر بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة وبهذا الصدد يقول د. علي السرطاوي : ” إن الشريعة الإسلامية وضعت خططا ومناهج تشريعية تضمن أن تجعل الأحكام موصلة إلى غاياتها بعدالة وفق إرادة الشارع ، التي كلفنا تنفيذها وامتثالها اخذين بعين الاعتبار ان إرادة الشارع في أمر من الأمور لا تؤخذ من نص عام واحد فقط مهما كانت قطعية الثبوت والدلالة ، لان هذا النص جزء من كل الشريعة ،فلا يجوز أخذه أو فهمه فيما يناقضها ،لان الأصل الا يتناقض الجزء مع الكل وشرع الله لا تناقض فيه”[18].  هذه طبيعة الدين وهذه طبيعة الشريعة، وتحقيق المناط هو إحدى المناهج الشرعية التي لها الأثر البارز في التأثير على الأحكام الشرعية وصرف دليل الأصل المقطوع به لواقعه معينة إلى دليل آخر بدله بعد النظر والتدقيق في الظروف التي تحيط بالواقعة والتي بسببها نشأ دليل قوي يصرف دليل الأصل .

وفي و اقعة اخرى فقد روى أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا” وفي صحيح البخاري “أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلَا ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ “.[19]

التفت عمرو- رضي الله عنه-  إلى الكليات التي تتحدث عن حفظ النفس وعرف كيف يستعمل الدليل المناسب في المكان المناسب في الظرف المناسب فكانت النتيجة صحيحة سليمة موافقة لإرادة الشارع عز حين تعاطى مع الجزئيات مقابل الكليات ومع التحسينيات عند تعارضها مع الضروريات. وكل ذللك يتعلق بالاجتهاد التطبيقي الذي يراعي الحالة فيخرجها من حكم تكليفي الى حكمي تكلفي اخر .

اذن وجود الماء والقدرة على استعماله لا يعني وجوب ولزوم الوضوء ، بل ان الظروف الحيطة هي التي تحدد استعمال هذا الماء ،  وحتى يومنا هذا من المعلوم ان الماء في الفضاء له اهمية في الحفاظ على حياة رجال الفضاء واستعمالات اخرى تتعلق بحاجياتهم الاخرى ، الار الذي يستدعي ان نستغني عنه في الوضوء ونصير الى البدل الا وهو التيمم، ونرجح الراي الفقهي الذي يجيز التيمم باي جسم صلب .

 

ثالثا: التوجه الى القبلة

ان حركة التحولات التي جرت في مسالة القبلة تدل على ان هذا الدين مرن ، ومع ان الشريعة الاسلامية استقرت في التشريع على ثبوت الاتجاه نحو القبلة الا انه يمكن الاستفادة على تحول القبلة على حركة هذا الدين وعدم جموده .عنِ البَراءِ بن عازبٍ:” أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان أوَّلَ ما قَدِمَ المدينةَ نزَلَ على أجدادِه – أو قال: أخوالِه – من الأنصارِ، وأنَّه صلَّى قِبلَ بيتِ المقدسِ سِتَّةَ عَشرَ شهرًا، أو سَبعةَ عَشرَ شهرًا، وكان يُعجِبُه أن تكونَ قِبلتُه قِبلَ البيتِ، وأنَّه صلَّى أوَّلَ صلاةٍ صلَّاها صلاةَ العصرِ، وصلَّى معه قومٌ، فخرَج رجلٌ ممَّن صلَّى معه، فمرَّ على أهلِ مَسجدٍ وهم راكعون، فقال: أشهدُ باللهِ لقدْ صَليتُ مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قِبلَ مَكَّةَ، فدَاروا كما هم قِبلَ البيتِ”[20].

لقد بحث الفقهاء والاصليون مسالة الاجتهاد في تحديد القبلة، ففقروا بين من عرف جهة القبلة فلزمه اتباعها وبين من اشكلت عليه الجهة فلزمه الاجتهاد في تحديدها، وهذا يخضع لما يسمى في علم الاصول تحقيق المناط الخاص.

قال  الآمدي: ” أما تحقيق المناط فهو النظر في معرفة وجود العلة في أحاد الصور ، بعد معرفتها في نفسها ، أما إذا كانت معروفة بالنص ، فكما في جهة القبلة فإنها مناط وجوب استقبالها، وكون هذه الجهة هي جهة القبلة في حالة الاشتباه فمظنون بالاجتهاد والنظر…. “[21]، وذكر وقال الزركشي: ” أما تحقيق المناط فهو أن يتفق على علية وصف بنص أو إجماع ، فيجتهد في وجودها في صورة النزاع ،….، وكأن يعلم وجوب الصلاة إلى جهة القبلة ، ولكن لا يدرك جهتها إلا بنوع نظر واجتهاد” [22].  وقال ابن قدامة : “وأما تحقيق المناط فنوعان: أحدهما لا نعرف في جوازه خلافا ، ومعناه ان تكون القاعدة الكلية متفقا عليها ، أو منصوصا عليها ويجتهد في تحقيقها في الفرع ، كالاجتهاد في القبلة ، فوجوب التوجه إلى القبلة معلوم بالنص ، أما أن هذه جهة القبلة فيعلم بالاجتهاد “[23] . وقال ابن تيمية عند حديثه على تحيقي المناط : “هو أن يعلق الشارع الحكم بمعنى كلي فينظر في ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان كأمره باستقبال الكعبة ، وكأمره باستشهاد شهيدين من رجالنا ممن نرضى من الشهداء ، وكتحريمه الخمر والميسر، وكفرضه تحليل اليمين بالكفارة ، وكتفريقه بين الفدية والطلاق وغير ذلك ، فيبقى النظر في بعض الأنواع هل هي خمر ويمين وميسر وفدية أو طلاق، وفي بعض الأعيان هل هي من هذا النوع ؟ وهل هذا المصلي مستقبل القبلة ؟ وهذا الشخص عدل مرضى ؟ ونحو ذلك ،  وهذا النوع من الاجتهاد متفق عليه بين المسلمين بل بين العقلاء فيما يتبعونه من شرائع دينهم وطاعة ولاة أمورهم ومصالح دنياهم واخرتهم “[24]

اذن معلوم من الدين بالضرورة ان من شروط  الصلاة استقبال القبلة ، ومعلوم ايضا من خلال ما مر ان الاجتهاد في تحديد القبلة عند الالتباس يعود للاجتهاد والتحري ، وقد امتلأت كتب الفقه بمسائل فقهية تبحث عن الاجتهاد في تحديد القبلة لمن التبس عليه الامر والاثار المترتبة على ذلك .

ما من جزيئة في الا ارتبطت بكلية ولاحظنا في غسل الجنابة كيف ارتبطت بكلية تظلها ، فذه الاية تتحدث عن جزئية استقبال القبلة من حيث الجهه. قال تعالى قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ””[25]

وهذه الآية تبين حقيقة التوجه في الصلاة  ((وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )) “”[26] يقول ابن كثير يقول تعالى” { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثَمَّ وجه اللّه”} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة. وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان أهلها اليهود أمره اللّه أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بضعة عشر شهراً، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم، وكان يدعو وينظر إلى السماء فأنزل اللّه: { قد نرى تقلب وجهك في السماء} إلى قوله: { فولوا وجوهكم شطره} فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: { ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} فأنزل اللّه { قل للّه المشرق والمغرب} ، وقال: { فأينما تولوا فثم وجه اللّه} وقال عكرمة: عن ابن عباس { فأينما تولوا فثم وجه اللّه} قال: قبلة اللّه أينما توجهت شرقاً أو غرباً، وقال: مجاهد { فأينما تولوا فثم وجه اللّه} حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها الكعبة. وقال ابن جرير: وقال آخرون: بل أنزل اللّه هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها ليعلم نبيّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه أن له التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب، لأنه لا يوجهون وجوههم وجهاً من ذلك وناحية إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية، لأن له تعالى المشارق والمغارب وأنه لا يخلوا منه مكان كما قال تعالى: { ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا} قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم التوجه إلى المسجد الحرام هكذا قال، وفي قوله: وأنه تعالى لا يخلوا منه مكان؛ إن أراد علمه تعالى فصحيح، فإنَّ علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً. وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذناً من اللّه أن يصلي المتطوع حيث توجه من شرق أو غرب في سفره لما روي عن ابن عمر أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته، ويذكر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يفعل ذلك ويتأول هذه الآية: { فأينما تولوا فثم وجه اللّه } “”رواه مسلم والترمذي والنسائي”” وقال آخرون: بل نزلت هذه الآي في قوم عميت عليه القبلة فلم يعرفوا شطرها، فصلُّوا على أنحاء مختلفة، فقال اللّه تعالى: لي المشارق والمغارب، فأين وليتم وجوهكم فهناك وجهي وهو قبلتكم فيعلمكم بذلك أن صلاتكم ماضية، لما روي عن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلاً فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجداً يصلي فيه، فلما أن أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلىغير القبلة، فقلنا: يا رسول اللّه لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة فأنزل اللّه تعالى: { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} “”رواه الترمذي وابن ماجة وقال الترمذي: هذا حديث حسن وليس إسناده بذاك”” الآية”””[27]

وفي صحيح مسلم حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ الْمَاجِشُونُ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ ، قَالَ : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، إِنَّ صَلَاتِي ، وَنُسُكِي ، وَمَحْيَايَ ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ”[28]

ولعل رجل الفضاء من المكلفين  يعيش حالة وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا اكثر من المكلفين على الارض.

ان هذه الاية الكريمة :” الصلاة  ((وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )) “”[29] ذكر الله سبحانه وتعالى صفتين عن نفسه ” الواسع” و ” العليم ” ولم تأتي صفة الواسع لله عز وجل هنا من باب الصدفة او العبثية ، بموضوع  يتحدث عن ملك الله  المشرق والمغرب وما ذكر المشرق والمغرب الا لبيان المساحة الواسعة، ويتحدث عن استقبال وجوه المؤمنين لوجه الله تعالى فهو الواسع جل في علاه لوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي: ﴿ ولله المشرقُ والمغرب ﴾ أَيْ: إنَّه خالقهما نزلت في قوم من الصَّحابة سافروا فأصابهم الضَّباب فتحرَّوا القِبلة وصلَّوا إلى أنحاءٍ مختلفةٍ فلمَّا ذهب الضَّباب استبان أنَّهم لم يصيبوا فلمَّا قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقوله تعالى: ﴿ فأينما تولوا ﴾ أَيْ: تصرفوا وجوهكم ﴿ فثمَّ وجه الله ﴾ أَيْ: فهناك قِبلة الله وجهته التي تعبَّدكم الله بالتوجُّه إليها ﴿ إنَّ الله واسعٌ عليم ﴾ أَيْ: واسع الشَّريعة يُوسِّع على عباده في دينهم (اختلف العلماء في حكم هذه الآية فمنهم مَنْ قال: هي منسوخة الحكم بقوله: ﴿ فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾، ومنهم مَنْ قال: حكمها ثابت غير أنها مخصوصة بالنَّوافل في السفر وقيل: إنها نزلت في شأن النجاشي حين صلَّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وقولهم له: كيف تُصلِّي على رجل صلَّى إلى غير قبلتنا فأنزل الله تعالى هذه الآية وبيَّن أنَّ النجاشي وإنْ صلَّى إلى المشرق أو المغرب فإنَّما قصد بذلك وجه الله وعبادته””[30]

لقد فرق الفقهاء بيم مسالتين ، مسالة ان استقبال القبلة معلومة من الدين بالضرورة انها شرط في صحة الصلاة، والمسالة الثانية في الاجتهاد في تحصيل هذا الشرط فبحثوا في  الثاني والبحث يدور حول الاشكاليات في تحديد جهة القبلة  وهم على الارض. واذا انتقلنا الى الفضاء كانت الحاجة في الاجتهاد عن ادلة اخرى كلية تنشمل تحتها جزئية استقبال القبلة والاشكاليات التي وقعت مع المكلفين وهم على الارض .

الخلاصة :

كل  رجل فضاء مسلم يصلي بالهيئة المتاحة، ويتيمم، ويوجه وجهه لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا فهو يحقق المعاني من الصلاة اكثر من المباني فيها  وخاصة ان الصلاة شرعت في السموات وهو الى مكان  مشروعيتها اقرب من الارض.

هذه الورقة الفقهية الاصولية اهديها الى هزاع المنصوري لتكون  مرآته  لأداء الصلوات الخمس في الفضاء، فلا تنسانا من صالح دعائك وانت في الفضاء.

 

للتواصل معنا :

رقم: 0522226721 bader.raed.2@gmail.com

كل الحقوق محفوظه لموقع نوازل

مدير ومالك موقع نوازل   : الشيخ رائد بدير – كفر قاسم- عضو هيئة الدعاة والعلماء في القدس الشريف./ لجنة الفتوى والابحوث الاسلامية

 

[1] “ابن نجيم، زين الدين ابراهين، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار الكتاب الاسلامي ، ط2 ج4 ص 392. “. وانظر ابن عابدين، محمد امين، رد المحتار على الدر المختار، دار الكتب العلمية، سنة 1992، ج 3 ص 528”

[2]  البخاري – الجامع الصحيح – ج1 ص 376

[3]  ابن تيميه –المسودة في أصول الفقه– ص 346

 [4] الغزالي –المستصفى -الجزء 2 ص 285

[5]  ابن السبكي –الإبهاج في شرح المنهاج– الجزء 3 ص 83.

[6]  ابن منظور – لسان العرب – ج4 ص59

 

[7]  الشاطبي- أبو إسحاق الشاطبي- الموافقات  – جزء 2 ص 6

[8]   د. يوسف حامد العالم- المقاصد العامة للشريعة الإسلامية– المعهد العالمي للفكر الإسلامي- الطبعة الأولى 1991 ص 125

 [9] د.علي السرطاوي- مبدأ المشروعية – ص 101

[10]  الشاطبي– الموافقات – ج 2 ص 385

[11] ابن القيم –إعلام الموقعين عن رب العالمين-ج 3 ص 3

 [12] البيانوني- محمد أبو الفتح – الحكم التكليفي في الشريعة الإسلامية – دار القلم – دمشق الطبعة الأولى-1988 ص 51

 1- الزرقاء- المدخل الفقهي العام– ج 2 ص 938

  [14] – نفس المرجع السابق- ج 2 ص 938

 [15]  السرطاوي- مبدا المشرعية – ص80

[16]   البيهقي – احمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي – سنن البيهقي الكبرى – مكتبة دار الباز مكة المكرمة –ج1 ص 227 حديث رقم 1016 تحقيق محمد عبد القادر عطا.

[17]  سورة النساء الآية 43

 [18] سرطاوي- مبدا المشروعية – ص 80

[19]    أخرجه أبو داود (334) واللفظ له، وأحمد (17845)

 [20] رواه البخاري ومسلم

 [21] الآمدي – الأحكام في أصول الأحكام–  ج 3 ص 435

 [22] الزركشي- – البحر المحيط في أصول الفقه– ج2 ص 256

 [23] ابن قدامة المقدسي- روضة الناظر وجنة المناظر – الجزء 3 ص 801

[24]  ابن تيمية – كتب الرسائل وفتاوى ابن تيمية– ج 19 ص 16

[25]  سورة البقرة 144

[26]  سورة البقرة115

[27]  تفسير ابنن كثير عند الاية.

[28]  صحيح مسلم 1342

[29]  سورة البقرة115

[30]  تفسير الواحدي ص127 عند الاية 115.

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017