القدس مدينة مقدسة بلا قدسية في الاشهر الاخيرة                                     

الأحد 31 ديسمبر 2017
شارك المقال

     القدس مدينة مقدسة بلا قدسية في الاشهر الاخيرة

الشيخ رائد بدير ، عضو هيئة العلماء في القدس الشريف

 

القدس مدينة مقدسة ذات اهمية دينية للمسلمين ولأهل الكتاب من اليهود والنصارى ، وجميع اهل الكتاب حسب اعتقادنا بالادلة الثابتة في ديننا يعظمون بينت المقدس ، فالنسبة لنا نحن المسلمين فيها المسجد الاقصى وما حوله ،  والمسجد الاقصى  مسجد قضى الله تعالى ان يكون للمسلمين وذلك حسب اعتقادنا انه تأسس بعد المسجد الحرام وقبل كل الانبياء والرسل وقبل ان يكون الناس شعوبا ، فقد ثبت في صحيح البخاري حديث أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ». قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الأَقْصى» قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمًا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ بَعْدُ، فَصَلِّ، فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ».
(أخرجه البخاري في: 60 كتاب الأنبياء)، وقد اختصت هذه المكانة من الارض قبل خلق الانسان اختصت بتحديد مكانيين فيها ، اذ ان وجه الارض نطق حينما سئلت الارض مع السماء ان تكون مكلفة ام طائعة فاختارت ان تكون طائعة قال تعالى :”  ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ” فصلت 11.  تكلمت الارض بوجهها وتكرم ذلك الوجه  بان تقدس ببقعة  حددت بمكة المكرمة والمسجد الحرام والكعبة المشرفة ثم مدت جسور التوأمة بين هذه البقعة وبقعة اخرى هذه الارض فلسطين واختار الله تعالى مكان المسجد الاقصى من حيث تحديد المنطقة كما اختار المسجد الحرام من حيث تحديد المنطقة وجعل المسجد الاقصى بوابة السماء التي اتت طائعة مع الارض فالمسجد الاقصى ومكانه حدد من حيث الخارطة التنظيمية والهيكلية لعمران الارض من قبل الله تعالى قبل خلق الانسان كرامة للأرض واتصالا بين الارض والسماء وخص الله تعالى تلك البقعتين بالمسلمين مع اختلاف الاحكام  الشرعية لكن في الخصوصية اتحدا وهذا السر والرابط في العلاقة بين الارض والسماء والكرامة التي اكرمت بها الارض حينما اتت طائعة مع السماء ، من هنا كان الرابط وخط التواصل واضح بهذه العلاقة في رحلة السراء والعراج واختيار المكانيين تحديدا وجعل المسجد الاقصى اقرب نقطة الى السماء وبوابتها قال تعالى ” سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” الاسراء 1. اذن رحلة الاسراء والمعراج ما هي الا تأكيد على هذا الرابط، ومن عادة الله تعالى ان يذكرنا بأشياء قبل خلقنا فخلق ادم عليه السلام ولم يك شيئا ثم تناسلت البشرية فخلق عيسى عليه السلام بكلمة منه كما قال تعالى  (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: 59].   فالله يأتينا بأحداث لتذكرنا ما كان قبل خلقنا ، خلق عيسى في مرحلة من مراحل التناسل الاناني بلا اب ليذكرنا انه الخالق لادم بلا اب ولا ام. ومن هذا الباب كان الاسراء والمعراج ليذكرنا الرابط بين وجه الارض الذي تكلم فاكرم بوجود  منطقة محرمة قبل خلق الانسان ثم اتبعت تلك المنطقة بمنطقة اخرى، الاولى : اسمها المسجد الحرام والثاني:  اسمه المسجد الاقصى….وما تأكيد العلاقة بين المسجد الحرام والمسجد الاقصى  في الحديث النبوي والآية القرآنية الا تذكيرا  للبشرية   بتكريم الارض حينما نطقت مع السماء انهما طائعتين تماما حينما جاء ربنا بعيسى عليه السلام ليذكرنا خلق ادم عليه السلام .

اما أهمية  هذه المدينة بالنسبة للنصارى فتشهد عليها الوثيقة العمرية ، حينما توجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بيت المقدس ، فدخلها سنة 15هـ- – 636م، وكان في استقباله “بطريرك المدينة صفرونيوس” وكبار الأساقفة ، وبعد أن تحدثوا في شروط التسليم انتهوا إلى إقرار تلك الوثيقة التي اعتبرت من الآثار الخالدة الدالّة على عظمة تسامح المسلمين في التاريخ ، والتي عرفت باسم العهدة العمرية . نورد نصَّها الذي تكاد تجمع عليه المصادر التاريخية الوثيقة:”بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانـًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها ؛ أنه لا تسكن كنائسهم و لا تهدم ولا ينتقص منها ولا من خيرها ، و لا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم ، ولا يكرهون على دينهم ، ولا يضام أحد منهم ، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود ، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن ، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص ، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم ، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم (ويخلى بيعهم وصلبهم) ، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم ، حتى يبلغوا مأمنهم ، ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم ، ومن شاء رجع إلى أهله فإنه لايؤخذ منهم شىء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية . شهد على ذلك: خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، ومعاوية بن أبي سفيان .وكتب وحضر سنة خمسة عشرة هـ .

اما أهمية بالنسبة لليهود ، فلا يختلف اثنان ولا ينطح عنزان ان كثير من نصوص القران الكريم تبين اهمية الارض المقدسة بالنسبة لليهود  فهي قبلتهم وجهتهم التي يصلون اليها  وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى جهتهم سبعة عشر شهرا ففي صحيح البخاري : عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ وَكَانَتْ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ

قال الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه، فلما قدم المدينة وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا ثم صرفه الله إلى الكعبة بعد، ولهذا يقول تعالى: ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ـ قال أبو عبيد القاسم بن سلام، في كتاب الناسخ والمنسوخ: أخبرنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء، عن ابن عباس، قال: أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا – والله أعلم – شأن القبلة: قال تعالى: ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ـ فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق، ثم صرفه إلى بيته العتيق ونسخها، فقال: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة – وكان أهلها اليهود – أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ـ إلى قوله: فولوا وجوهكم شطره ـ فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله: قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انتهى.اذن هي قبلتهم ولها مكانة في دينهم حسب وذلك من ادلة ديننا الصحيحة والصريحة ،ولا يوجد أي نص ديني عندنا يمنع اليهود من العيش في فلسطين او السكن فيها، او السكن في القدس فهي مدينة تحتمل كل الديانات وليست كمكة المكرمة حماها الله تعالى او المدينة المنورة لا تتسع الا لديان ة واحدة، هذه حقيقة لا يختلف عليها عالمان والقضية والمشكلة تكمن في الاحتلال لا في الوجود .

في هذه الايام  لا بد ان اتذكر  ما كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي – رضي الله عنهم – أن هَلُمَّ إلى بيت المقدس، فكتب إليه سلمان – رضي الله عنه -: (إن الأرض لا تقدس أحداً وإنما يقدس الرجل عمله)، قالها سلمان رضي الله عنه مع اداركه التام لمكانة  القدس والمسجد الاقصى، فالأرض المقدسة لا تقدس احدا ستظل مكانتها مقدسة وانما الذي يقدسك هو اعمالك وتزداد هذه الاعمال اجرا او وزرا ان كانت في ارض مقدسة .

منذ اشهر ومدينة  القدس تعيش حالة هستيرية لا تتفق مع مكانتها، القتل ، الدمار، الهدم، حرق الناس، الشنق، الاعتداء الصاخب على المسجد الاقصى،  الاعتداء على المصلين في المساجد والكنس والكنائس، التحريض، العنصرية، القهر، الظلم، هذا كله لا تجيزه شريعة ولا دين، ولا يتفق مع مكانة المدينة المقدسة. بسبب الحالة الهستيرية غاب كل شيء من الدين والمنطق والانسانية ، السلوكيات  الاستفزازية للمجرمين من المستوطنين في المسجد الاقصى ودخولهم الحرم وباحاته ادت الى قتل عشرات الابرياء..هنالك  مجموعة  من المجرمين المستوطنين عاثوا وتسببوا في هذه المدينة الفساد والخراب والدمار سكت عنهم من سكت وأيدهم من أيد .لا ينبغي لمحمد ابو خضير ان يحرق ولا ينبغي للطفلة التي دهست وهي ابنة ثلاثة اشهر ان تموت ولا ينبغي لسائق الباص ان يشنق ولا ينبغي لان يدخل مسلم الى كنيس يهودي فيذبح الناس في صلاتهم كل ذلك لا يتفق مع طبيعة المدينة المقدسة ولا يتفق مع الاحكام الشرعية بل هو مخالف صريح لها  نشجبه ونستنكره. وندعو الى علاج جذري لنزع فتيل التوتر في المدينة المقدسة الى حين يتسنى للعالم  ان يجد حلولا سياسية في هذه المرحلة من الزمن .

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017