تناول الدواء لمنع الحيض في رمضان معناه استجلاب لحكم تشريعي في غير محله

السبت 22 أبريل 2017
شارك المقال

تناول الدواء لمنع الحيض في رمضان معناه استجلاب لحكم تشريعي في غير محله

 

بقلم: أ رائد عبدالله بدير

 

في يكل عام أعود إلى سلة  سلسلة المقالات الفقهية والدعوية التي انشرها حين استهلال شهر رمضان المبارك ، ودائما أعاود القراءة من جديد حين حلول مناسبة الكتابة وسببها ،   ومما كتبت في الماضي حول مسالة تناول الدواء لمنع الحيض في رمضان  إن مسالة تناول الدواء لتأخير أو تقديم أو قطع أو منع أو استعجال الدورة الشهرية عند المرأة مسالة قديمة جدا، ولطالب العلم الشرعي أن يعود إلى أمهات المراجع الإسلامية، ليجد هذه المسالة مطروحة في أبواب فقهية عديدة، كعدة المطلقة إذا أرادات تقصيرها لمصلحة،ومن تريد الحج والعمرة و الصيام فتأخذ الدواء لاستعجال الطهر أو تأخير الحيض  ، أو حتى بحث الفقهاء  من تناولت دواء تقصد من وراءه استعجال الحيض  لقصد تأخير الصيام ،  فالمسالة ليست معاصرة كما يظن البعض من الناس ، أنها مسالة فقهية تداولها الفقهاء منذ مئات السنين. وتناولها أيضا الفقهاء المعاصرون، وكل من المعاصرين تبنى رأيا مقلدا فيه قولا من أقوال العلماء السابقين.

والفقهاء في هذه المسالة لهم ثلاثة أقوال :-

القول الأول: الإباحة: لعدم ورود النص بالمنع، ولان الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد دليل المنع.

والقول الثاني: الكراهة: لأنه فعل على خلاف ما كان عليه زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ونساء الصحابة -رضي الله عنهم وعنهن-.

والقول الثالث: المنع: لان وعدم الجواز لأنه على خلاف طبيعة المرأة وفطرتها ولأنه امر كتبه الله تعالى على بنات ادم كما صح في الحديث فلا يجوز التلاعب فيه او منعه بل يجب على المرأة مسايرة فطرتها التي فطرها الله عليها.

والفقهاء الذين أجازوا استعمال هذا الدواء أو كرهوه اشترطوا امن الضرر عند تناول الدواء ، وبهذا يكون إجماع الفقهاء على انه في حالة استعمال أي دواء لمنع الحيض ويسبب هذا الدواء أضرارا للمرأة فانه يمنع، ويصبح تناوله حراما للإضرار بالنفس، لان النصوص الشرعية تمنع الإضرار بالنفس، وتمنع استعمال أي شيء يتوقع منه الضرار بالنفس ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” لا ضرر ولا ضرار” والضرر هو الواقع والضرار هو المتوقع.

ولو سألتني عن ترجيح رأي من أقوال الفقهاء الثلاثة ، لرجحت الرأي الذي يمنع استعمال دواء التلاعب في الدورة الشهرية، وذلك لعدة أسباب:-

1.     الحيض، أمر كتبه الله تعالى على بنات ادم عليه السلام، وذلك انسجاما مع طبيعة المرأة وفطرتها التي فطرها الله تعالى عليها، وتناول دواء بغض النظر عن القصد منه سواء التقديم أو التأخير أو الرفع أو المنع ما هو سلوك وتصرف في اتجاه مخالف للفطرة البشرية.

2.     الحيض امر فطري يتعلق بجميع النساء من لدن ادم عليه السلام وحتى قيام الساعة، ولا يتعلق بنساء دون نساء، وزمن دون زمن، وهذا يؤكد أهمية خروج هذا الدم عند المرأة ويؤكد على انه أمر فطري ملازم للأنثى.

3.     الطب المعاصر اثبت أن هنالك إضرارا من وراء عدم مسايرة الإنسان بشكل عام لفطرته .

4.     قد يكتشف الطبيب الضرر الناتج عن تناول الدواء، وقد لا يطلع عليه ويظن أن جسم المرأة لا يتأثر بتناول هذا الدواء فيرخص في استعماله، والتأثير والضرر قد يأتي بعد تناول الدواء.

5.     إن الأصل إتباع الهدي النبوي وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسائه وأصحابه ونسائهم، وهم عاشوا في خير القرون، وهم احرص الناس على أداء العبادات، ولم يبحث احدهم عن استعمال مادة أو دواء لتوقيف أمر فطري انما جاء هذا البحث ممن بعدهم.

6.     إن الثواب التي تحصل عليه الحائض في شهر رمضان هو نفس ثواب الصائمين، لأنها أفطرت بأمر الله عز وجل ولأمر من الله تعالى كتبه عليها.فكما ان الله تعالى أمرها في الطهر ان تصوم فصامت، فانه جل في علاه نهاها عن الصوم في الحيض فانتهت رحمة بها، وبذلك اتبعت أوامر الله عز وجل في الطهر، والتزمت نواهيه في الحيض، والمقصود من الشريعة الإسلامية إتباع الأوامر والانتهاء عن النواهي، وليست العبادات ذاتها، وقد حققت المرأة ذلك في طهرها وحيضها.

7.     إن التجربة ومن خلال أسئلة النساء تشير إلى أن نسبة لا باس بها تختلط عليها العادة الشهرية بعد تناول الدواء فتصبح من المتحيرات او تصبح من غير ذوات الحيض المنتظم .

8.     إن ذوات الحيض المنتظم هن في نعمة وعافية، وان الاحتمال الناشئ من تناول هذا الدواء لتصبح  المرأة من غير ذوات الحيض المنتظم ما هو استجلاب للمشقة والمعاناة، والدراسات الطبية المعاصرة تمدح ذوات الحيض المنتظم وترى فيها صحة وعافية.

9.     إن ذوات الحيض المنتظم هن في نعمة وعافية، وان الاحتمال الناشئ من تناول هذا الدواء لتصبح  المرأة من المتحيرات في الحيض، ما هو استجلاب للمشقة والمعاناة، والتحير بعد الانتظام فيه مشقة.

10.    إن معظم الأطباء يوصون ببقاء المرأة على فطرتها ، وان من يعطي منهم هذا الدواء يشترط إجراء كافة الفحوصات لتناوله، وذلك لاختلاف المضاعفات عند النساء.

11.  إن القران الكريم صرح بان الحيض أذى، وان خروجه من الجسم يعني خروج هذا الأذى ، وان خروجه بانتظام دليل العافية ودليل الصحة، وان تناول حبة دواء لمنعه ترجح تأثيره السلبي على صحة المرأة، ومن جعل الآية الكريمة مرآته، يتسائل أين تذهب حبة الدواء بهذا الأذى إذا جان موعد خروجه؟

12.    إن القاعدة تقول الأصل في الأشياء النافعة الإباحة، فإذا كانت ضارة أو يغلب على الظن أنها تضر فالأصل فيها المنع والحظر.

13.    إن الصوم يسقط عن المكلف أو يدفع عنه لأجل آخر، لأدنى عارض، فالسفر والمرض والحمل والإرضاع والمشقة الكبيرة ، هي علل تستجلب الإفطار، ولم اسمع عن نصوص شرعية تدعو إلى استجلاب الصوم، على العكس تماما فالنصوص الشرعية تستجلب الإفطار دائما لأدنى عارض، وان استجلاب الصوم باستعمال وسائل مقابل مسايرة أمر فطري يتعارض مع القواعد الكلية في التيسير والتخفيف في الشريعة الإسلامية، وتجانب مقاصدها من التشريع الإسلامي.

 

إن التشريع الإسلامي بكلياته وجزئياته شرع من اجل مصلحة الإنسان، وان هذا التشريع حمل خصائص ومميزات المرونة والسعة والحركة فهو تشريع متحرك غير ساكن يتحرك مع المسلم في كل ظرف وحال ، وينزل عليه أحكامه وفق الظروف والأحوال والتي لها الأثر الكبير في الحكم،   لا ينبغي قلب الموازين، فالدين كله وأحكامه يراعي ظروف المكلفين هذا في حالة الطوارئ والنوازل وحتى لو كانت اختيارية، فما بالك بأمر ليس اختياري إنما كتبه الله تعالى على بنات ادم الا وهو الحيض .

ان تناول الدواء لمنع دم الحيض من النزول هو بمثابة استجلاب حكم شرعي ألا وهو الصوم في محل الأصل إن يكون في الإفطار بسبب الحيض، إن تناول الدواء هو إرغام وإجبار الجسم على تعطيل حركته الطبيعية بإخراج الأذى منه وإقحامه في حالة لم يعتد عليها طوال العام . وان الحفاظ على دورة الجسم الطبيعية فرض مقدم على استجلاب الصوم واستحداثه في غير محله.

 

أنصحك آختاه:  لا تستجلبي حكما غير الحكم الذي وضعه الله تعالى لحالتك وأنت حائض، فترغمي نفسك على قطع دم الحيض إنما سايري الفطرة، وابقي على الحكم الأصيل في المسالة ودعي الدم يقطر في حينه وابقي على حكم التكليف بالإفطار عند الحيض والقضاء بعد رمضان……لا تستدعي الأحكام ولا تستعجليها  دعيها تنزل عليك وفق حالتك الطبيعية  ، ففي حال الطهارة تصومين وفي حال الحيض تفطرين وتقضين، هذه هي الأحكام التشريعية المشروعة في المسالة ابتداء . وهذه هي الأحكام الموضوعة ابتداء لمسايرة الفطرة البشرية , وهذا ما هو عليه العمل في زمن نزول الوحي….

 

 

والله ولي التوفيق

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017