بعد تخريج المناط ” مؤشر الإصابات والوفيات”، هو علة الاحكام وفتاوى النوازل في زمن فيروس كورونا   ” COVID-19

السبت 11 أبريل 2020
شارك المقال

بعد تخريج المناط ” مؤشر الإصابات والوفيات”، هو علة الاحكام وفتاوى النوازل في زمن فيروس كورونا   ” COVID-19

 

كل من تصدى للإفتاء وكل من شغل منصبا معينا يكون فيه من صناع القرار المتعلق بمصلحة المسلمين عليه أن يتبع منهجا جليا ومرسوما واضحا يحميهم من التطبيق العشوائي للأحكام، ويبين لهم دور الظروف والأحوال في التأثير على مناط الأحكام. وذلك بفهم حقيقة الأحكام وروحها من خلال عرض الخطط التشريعية التي حمت ذاتية التشريع من التناقض واعتنت بتحقيق المصلحة المقصودة من إنزال الشريعة، وكما أشار ابن القيم إلى أساس بناء الشريعة والغاية منها فقال : ” إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ، ورحمة كلها، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسالة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة وان أدخلت فيها بالتأويل”[1].

يلزم علينا تخريج مناط هذه الفتاوى النازلة في زمن فيروس كورونا   ” COVID-19 ونبحث عن الوصف الذي نعتبره مناطا للأحكام والفتاوى الشرعية التي صدرت بإغلاق المساجد وتعليق الجمعة والجماعات وربما صلاة التراويح في البيوت. لقد أغلقت اسياد المساجد أبوابها المسجد الحرام مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة والمسجد الأقصى في فلسطين في القدس الشريف، وصدرت فتاوى  استثنائية في احكام دفن الموتى وغسلهم على غير العادة، وقد يصل بنا الحال لا سمح الله الى الغاء الحج لهذا العام.

ان المسلك السليم للبحث عن علل تلك الفتاوى التي انبنت عليها الاحكام الاستثنائية  وحتى يحمي الفقيه والمفتي وصناع القرار من تناول الاحكام بالتشهي او الخوف من التطبيق العشوائي او من التوقف عن فتاوى النوازل او التشدد فيها لا بد الوقوف على مناط حكم تلك الاحكام التي تدور معه وجوبا وعدما.

ان أهمية  استخراج العلة تنبع من أهمية إبقاء الحكم أو تعليقه فالعلة  كما قال السرخسي : ” العلة الوصف الذي جعل علما على حكم العين مع النص من بين الأوصاف التي يشتمل عليها اسم النص “[2]. وقال  البيضاوي: ” العلة الوصف المعرف للحكم “[3] ، وذكر عبد العزيز البخاري معنى العلة بقوله : ” العلة في اصطلاح الفقهاء عبارة عن المعنى الذي تعلق به حكم النص “[4] ، وقال الشيرازي : ” اعلم أن العلة في الشرع هي المعنى الذي يقتضي الحكم “[5] ، وقال الآمدي : ” العلة هي الباعث للشارع على تشريع الحكم أي مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة من شرع الحكم “[6] ، وعرفها ابن أمير الحاج بقوله : ” العلة هي ما وصف شرع الحكم عنده ، ويلزم هذا الوصف أن يكون ظاهرا منضبطا في نفسه “[7] ، ويرى الشاطبي ” أن المراد بالعلة الحكم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإباحة والمفاسد التي تعلقت بها النواهي “[8]. ويفهم من معانيها أن الشارع الحكيم بنى الحكم عند تشريعه على معنى معين أو وصف معين ، وجعل ذلك الوصف سببا للحكم والداعي إليه.

قال البصري : ” يبعد أن يستدل على الأحكام بطريقة مستنبطة لا تتحقق فيها العلة ، لان العلة هي الطريق إلى الحكم ، فما لم تتحقق العلة لا يمكن التوصل إلى الحكم “[9]. إذن العلة هي المنارة التي يهتدي بها المجتهد بعد أن يسلك السبل المفضية إليها والمعروفة بالمسالك حتى يصل إليها ، ومن ثم يبني على ما وصل إليه أحكاما جديدة لوقائع مستجدة ليؤكد على ديمومة الشريعة الإسلامية واستمرار عطائها حلولا وأحكاما لكل جديد في كل عصر ، وقد ذهب الشاطبي رحمه الله إلى ابعد من ذلك ذاكرا أهمية تعليل الأحكام فقال : ” ولما اضطر في علم أصول الفقه إلى إثبات العلل للأحكام الشرعية ، اثبت ذلك على أن العلل بمعنى العلامات المعرفة للأحكام خاصة…. واما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فاكثر من أن تحصى كقوله تعالى بعد آية الوضوء )ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون( [10]، وكقوله تعالى في الصيام : )يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون([11]، وإذا دل الاستقراء على هذا وكان في مثل هذه القضية مفيدا للعلم ، فنحن نقطع أن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة ومن هذه الجملة ثبت القياس والاجتهاد”[12] . وقَل أن تجد مثل الأستاذ الدريني يعقب ويشرح كلمات الشاطبي :  أن القران الكريم نفسه سلك مسالك التعليل في كثير من أحكامه ، بل لتفاصيل الأحكام حيث تراه يقرن العلة بالحكم ايماءً إلى ضرورة أن يسلك المجتهدون هذا السنن ، إبان اجتهادهم بالرأي تبينا لعلة الحكم الموجبة لتشريعه ، لتفسر معقوليته أو معنى معناه ، أو تحدد الغاية التي ترتب الحكم عليها…. وان علة الحكم التي اشتمل عليها النص التشريعي مبنى له يستنبطها المجتهد بأدلة ومسالك ترشده إليها ، ليتمكن بعد إمعان النظر من استخلاصها بمسالك أصولية معروفة ومن تعميم حكم هذا النص التشريعي على كافة مجال علته التي هي مظنة المصلحة المتوخاة من تشريعه ابتداء ، تعميما عقليا أو معنويا لا لفظيا من قبيل أن العلة أو السبب الموجب للحكم يمثل منطقية النص ومعقوليته  لا لغويته لان منطقية النص ارحب أفقا من لغويته ، وسبيل ذلك الاجتهاد بالرأي ضرورة لانه الأداة العلمية التي تكشف عن روح التشريع ومنطقه المتسق ، وإذا رفضنا اصل التعليل باعتباره منهجا لتفسير الشريعة ، وتبين مقاصدها أفضى ذلك بنا إلى أمرين : الأول اما القول بعجز الشريعة عن إمداد الوقائع المتجددة بحكمها مما لم يرد فيه نص شرعا ، والثاني الحكم على تلك الوقائع التي لا تتناهى بأصل الحل العام أو الاباحة الأصلية ، في حين أنها قد تكون منطوية على علل تستوجب تحريمها ، وفي هذا مناقضة لقصد الشارع واهدار المصالح وقضاء على حكمة التشريع وكل ذلك باطل”[13].

من خلال هذا العرض المختصر لعلماء المسلمين يتضح جليا أهمية تعليل الأحكام الشرعية، وأهمية العلة في الاجتهاد ودورها البارز في هداية العقل البشري لإيجاد الحلول لجميع ما استجد للناس من حوادث في مختلف الحياة الإنسانية وبكافة اشكالها، ودورها البارز والمهم أيضا في حماية الشريعة الإسلامية من التناقض والتعارض يتم التحقق من مراد الشارع من تشريع الحكم فهي أساس الحكم وبهذا تحفظ مصالح العباد والتي هي الغاية الكبرى من إنزال الشريعة مهما تبدل الزمان وتغير المكان فهي شبكة الآمان لعلوم الشريعة ولعلمائها.

ان المسلك الذي يمكن ان نتبعه في اكتشاف علل فتاوى النوازل في زمن فيروس كورونا   ” COVID-19 هو تخريج المناط على انه نوع من أنواع النظر في العلة ومجاله النصوص التي لا تتعرض لها فيعمد الأصولي إلى استنباطها.

لا يوجد نص شرعي كلي او جزئي يتحدث عن فيروس كورونا   ” COVID-19ـ لكن يوجد نصوص كلية وجزئية تتحدث عن حماية النفس من الهلاك والضرر وحفظ النفس .ومن استقرأ الشريعة الاسلامية يجد هذا في كل النصوص الشرعية من القران الكريم والسنة النبوية الصحيحة.

لكني في هذه الورقة ساتوقف عند البحث في فتاوى النوازل التي صدرت عن العماء في زمنفيروس كورونا   ” COVID-19 لابين العلة التي تستند عليها هذه الاحكام خوفا من الزلل او تناول الاحكام بعيدا عن مسالك عللها. لذا ساعتبر مسلك ” تخريج المناط” هو مرآتي في كيفية الوصول الى العلة التي انبنت عليها اخكام النوازال في زمن فيروس كورونا   ” COVID-19.

لقد عرف الاصوليون تخريج المناط بعدت تعريفات فقال الآمدي : ” وأما تخريج المناط فهو النظر والاجتهاد في إثبات علة الحكم الذي دل النص الإجماع عليه دون عليته وذلك كالاجتهاد في إثبات كون الشدة المطربة علة لتحريم شرب الخمر”[14]. وعرفه ابن السبكي : ” تخريج المناط هو الاجتهاد في استنباط علة الحكم الذي دل عليه النص والإجماع عليه من غير تعرض لبيان علته لا بالصراحة ولا بالإيماء لكن المجتهد نظر واستنبط بالطرق العقلية من المناسبة وغيرها ، فكأن المجتهد اخرج العلة من خفاء فلذلك سمي تخريج المناط”[15]. وفي هذا الكلام دلالة واضحة على أن تخريج المناط عملية تحليلية عقلية للنص، حيث يبذل المجتهد الوسع لاستنباط علة الحكم، ويسعى إلى إظهارها واخراجها من خفاء، وخاصة أن ألفاظ النص لا تساعد المجتهد بشكل مباشر على توجيهه نحو علة الحكم.

وهذا بدوره يحث المجتهد على النظر والبحث اكثر فاكثر ، قال الزركشي : ” وهو مشتق من الإخراج فكأنه راجع إلى أن اللفظ لم يتعرض للمناط بحال ، فكأنه مستور اخرج بالبحث والنظر كتعليل تحريم الربا بالطعم فكأن المجتهد أخرج بالطعم ولهذا سمي تخريجا “[16]. والزركشي يؤكد أن ألفاظ النص لا تدل على مناط الحكم الأمر الذي يزيد من صعوبة مهمة المجتهد في استخراج العلة الشرعية. أما ابن بدران فقال :  ” تخريج المناط هو إضافة حكم لم يتعرض الشرع لعلته إلى وصف يناسب في نظر المجتهد بالسبر والتقسيم ومعناه أنا إذا رأينا الشارع قد نص على حكم ولم يتعرض لعلته، قلنا هذا الحكم حادث لا بد له بحق الأصل من سبب حادث فيجتهد المجتهد في استخراج ذلك السبب من المحل فإذا ظفر بوصف مناسب له واجتهد ولم يجد غيره ، غلب على ظنه أن ذلك الوصف هو سبب الحكم”[17].

والملاحظ أن نتيجة تخريج المناط معتمدة على ظفر المجتهد بوصف مناسب صالح للعلية لا توجه لهذا الوصف الكثير من الأسئلة وما يرد عليه قليل بالنسبة لغيره من الأوصاف والتي قد تكون بعيدة عن مقصود الشارع من الحكم، إذ يغلب على ظن المجتهد أن الوصف الذي استخرجه يحقق مقصود الشارع من الحكم المذكور في النص، وهذا كله يعود إلى مقدور كل مجتهد أو مقدور كل مدرسة اجتهادية على تحليل النصوص وتتبع مقاصد الشارع وحكم المشروعية لاستخراج الوصف المناسب الصالح للعلية.

أما  الشاطبي فاطلق على تخريج المناط الاجتهاد القياسي حيث قال : ” تخريج المناط راجع الى أن النص الدال على الحكم لم يتعرض للمناط فكأنه أخرج بالبحث وهو الاجتهاد القياسي وهو معلوم”[18] . وليس المقصود من كلام الشاطبي تسمية تخريج المناط بالاجتهاد القياسي بمعنى القياس المعلوم عند الأصوليين كإلحاق فرع بأصل لاشتراكهما في علة واحدة بل المقصود هو الاجتهاد في النص الشرعي لاستنباط علته.

وخلاصة الأمر يمكن القول إن تخريج المناط عملية تحليلية عقلية للنصوص الشرعية، يتم استخراج الوصف المناسب والذي يحقق مقصود الشارع من خفاء، ولا يتصدى لذلك إلا من ملك عقلية أدركت مقاصد الشارع وعرفت الربط بين كليات الشريعة وجزيئاتها وأدركت بعد الاستقصاء المصالح المتوخاة من النصوص سواء كانت جزئية أو كلية، وتتبع حكم المشروعية بعد ذلك تقوم هذه الملكة العقلية باستخراج الوصف المناسب بعد أن كان مستورا ومخفيا باستخراجه فتعلن عنه ليكون صالحا بعدها لتحقيقه في الفروع والحوادث المستجدة.

نحن نبحث في زمن فيروس كورونا   ” COVID-19 عن وصف نعتبره مناطا للأحكام والفتاوى الشرعية التي صدرت بإغلاق المساجد وتعليق الجمعة والجماعات وربما صلاة التراويح في البيوت. لقد أغلقت اسياد المساجد أبوابها المسجد الحرام مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة والمسجد الأقصى في فلسطين في القدس الشريف، وصدرت فتاوى في استثنائية في احكام دفن الموتى وغسلهم على غير العادة، وقد يصل بنا الحال لا سمح الله الى الغاء الحج لهذا العام. إن ” ” مؤشر الإصابات والوفيات” هو الوصف المناسب لعلية هذه الاحكام النازلة في زمن فيروس كورونا   ” COVID-19. وموجبه تتبدل الفتاوى وأحكام النوازل ، وان تعيين هذا الوصف يحمي من التطبيق العشوائي للاحكام ويضمن تحقيق الفتاوى والاحكام الى غايتها،فطالما هذا المؤشر يعطينا نتائج أن الوفيات والاصابات في ازدياد ستظل فتاوى النوازل قائمة، وفي حال ان المؤشر يعطينا نتائج بانعدام الاصابات والوفيات بسبب الفيروس فان فتاوى النوازل تتوقف ونعود الى الاصول العامة للاحكام.

اذن ” مؤشر الاصابات والوفيات  ” هو علة فتاوى واحكام النوازل في زمن فيروس كورونا   ” COVID-19، وسافرد بحثا خاصا عن ” حكم التلاعب  بالمؤشر أو إخفاء معلومات حوله  أو عدم استجابة الناس للفحوصات  في كل دولة ومدينة وقرية حتى نعتمد على معلومات حقيقية “لان الاحكام تدور مع عللها عدما ووجودا. وايضا بحث مستقل في عدم تمكن الدول الفقيرة جدا من الحصول على المؤشر الحقيقي للاصابات بسبب عدم توفر الامكانيات.

 

الشيخ رائد بدير – عضو دار الافتاء والبحوث الاسلامية– الحقوق لموقع نوازل

 

[1] ابن القيم –إعلام الموقعين عن رب العالمين-ج 3 ص 3

[2]   السرخسي – محمد بن احمد بن سهل السرخسي –  أصول السرخسي– دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى سنة 1993  الجزء 2 ص175

[3]  البيضاوي –  منهاج الوصول الى علم الأصول– الجزء 2 ص50

[4]  عبد العزيز البخاري – علاء الدين عبد العزيز  – كشف الأسرار– دار الكتب العلمية- بيروت الطبعة الأولى سنة 1997- الجزء 3 ص 231

[5]   الشيرازي – أبو إسحاق إبراهيم بن علي– اللمع في أصول الفقه– دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى 1981 ص 104

[6]   الآمدي الإحكام في أصول الأحكام. الجزء 3 ص 289

[7]   ابن أمير الحاج – محمد بن محمد بن حسن بن علي –  التقرير والتحبير على التحرير في علم أصول الفقه – دار الفكر بيروت الطبعة الأولى 1996 الجزء 3 ص 187

[8]  الشاطبي –  الموافقات– الجزء 1 ص 265

[9]  البصري- محمد بن علي بن الطيب – المعتمد في أصول الفقه – دار الكتب العلمية بيروت- الطبعة الأولى – جـ 2 ص 191

[10]  سورة المائدة آية  6

[11]  سورة البقرة آية 183

[12]  الشاطبي– الموافقات– الجزء 2 ص5 بتصرف

[13]  الدريني –  بحوث مقارنة – الجزء 1 ص 28 وانظر ص 112 بتصرف

[14]  الآمدي – الأحكام في أصول الأحكام– الجزء 3 ص 283

 [15] ابن السبكي – الإبهاج في شرح المنهاج-الجزء 3 ص83

[16]  الزركشي – البحر المحيط – ج4 ص 288

 [17] ابن بدران- المدخل إلى مذهب الإمام احمد بن حنبل– الجزء 1 ص 325

[18]   الشاطبي– الموافقات– الجزء 4 ص 96

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017