تنقيح المناط وتحقيقه في سَفَر المرأة إلى المسجد الأقصى بلا محرم في الداخل الفلسطيني

السبت 1 يوليو 2017
شارك المقال

إنه لشرف لنا عظيم ان تشد  المرأة الرحال في الداخل الفلسطيني الى المسجد الاقصى، تعمر المسجد الاقصى بالرباط والاعتكاف والصلاة والتسبيح ، وانه لشرف لنا عظيم أن ينتظرها تجار بيت المقدس بما تحمله معها من دراهم معدودة، والتي سبقت المليارات في معركة الصمود والثبات لاهل بيت المقدس …اما عن حكم سفرها بلا محرم فلكم مني هذا البحث ….   

تنقيح المناط وتحقيقه في سَفَر المرأة إلى المسجد الأقصى بلا محرم في الداخل الفلسطيني

(دراسة فقهية أصولية)

كتبه أ. رائد عبدالله بدير

عضو هيئة العلماء والدّعاة بيت المقدس / فلسطين

مقدمة:

هذه دراسة أصوليّة فقهيّة سأنشرها في كتاب، بعد أن استكمل كافة أسس البحث الأصوليّ والفقهيّ في المسألة، وهي موجهة لصعوبة ألفاظها إلى أهل العلم عامّة والأصول خاصّة، ولولا أنّي تتلمذت، وما زلت أتتلمذ في فهم علل الأحكام الشّرعيّة على أيدي كبار علماء الأصول، ما فهمت شيئا من هذه المصطلحات، وما أدركت أثرها في الحياة اليوميّة المستجدّة. وحينما كنت على مقاعد الدّراسات العليا-  قبل  ما يقارب عن  20  سنة، أقترح عليّ علماء الأصول أن أكتب رسالتي الماجستير في جزئيّة من ” العلّة ” والّتي تنبني عليها  الأحكام الشّرعيّة. وأهمّ ما جاء فيها، تنقيح المناط وتحقيقه وتخريجه، وهي رسالة مطبوعة منذ سنوات، وما زلت أتتلمذ حتّى يومي هذا على يد العلماء، أذهب إلى بيوتهم بشكل ثابت ودوري أستمع إلى كلّ جديد عندهم وخاصّة في كيفيّة تخريج المسائل المعاصرة على الأصول قبل الفروع. ولكم أن تسألوا الآن الدّكتور علي السّرطاوي الّذي سافر إلى عدّة دول عربيّة وإسلاميّة وأجنبيّة لبناء منتوج إسلاميّ اقتصاديّ ليزوّد به ” مصارف العالم” الإسلاميّة والعربيّة ” ثمّ لبناء فهم أصوليّ لتخريج براءات الاختراع، وامتلاك وبيع الأفكار كمنتوج يستلزم تخريجه على الأصول وتقديمه للدّول الإسلاميّة والعربيّة على شكل تقنين للمصادقة عليه ليعتبر جزءا من قوانين الدّوليّة الّتي تحفظ حق الأفراد وفي نفس الوقت تراعي حقّ الجماعة أو الصّالح العام، أنا في انتظاره لينتهي من جولته العالميّة، وخاصّة فيما يخصّ المنتوج الماليّ الإسلاميّ المعاصر الّذي لا يتعارض مع القوانين الغربيّة ، حتى نتمكّن من فكرة التّقدّم لإنشاء مصرف إسلاميّ بمنتوجات إسلاميّة يراعى فيها حقّ الشّرع والجانب القانونيّ الوضعيّ الّذي يحكمنا حتّى تكون المعاملة محميّة ولها قوّة نفاذ شرعا وقانونا في الدّول الّتي لا تعتمد القانون الإسلاميّ كمرجع لها. تعمّدت تقديم هذا حتى أبيّن لطلّاب العلم أنّنا طلّاب متأخّرون عن  مواكبة العلوم الأخرى بعشرات السّنين في الجانب الاقتصاديّ والطّبّيّ والتّكنولوجيّ…الخ ، هنالك مئات المسائل العالقة الّتي لا يوجد عليها إجابات عند حملة الشّريعة، وحتّى المؤتمرات الفقهيّة تجدها تقول في نهاية كلّ مؤتمر في التّوصيات ” وما زال هذا الموضوع بحاجة إلى بحث بصورة أعمق …”

لقد  ساهمت في كتابة عدّة ورقات في مسائل فقهيّة جزئيّة أرجعتها إلى تنقيح المناط وتحقيقه مثل ” تنقيح المناط في فروقات القتل بالمثقل أو المحدد أو الكيماويّ في أحكام الشّرع”، وآخر ” تحقيق المناط في الزّيجات المعاصرة”، وأيضا آخر قيد الدّراسة بعنوان ” تحقيق المناط الخاصّ في إشكاليّات علّة الرّبا وأثرها على التّنمية الإقتصاديّة الإسلاميّة” المعاصرة”، وقمت بتأليف عدّة كتب المطبوع منها ما يقارب 8 قدَّمَ لها كبار علماء الأمّة . وهذا البحث – مع أنّي اعتبر وقته على حساب بحث مسألة مستجدّة – إلّا أنّني رأيت الحاجة إليه ، وخاصّة أنّي أعيش في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وعضو في لجنة الثّقافة الّتي صدرت عن هيئة العلماء والدّعاة في القدس، وحاجة العلماء في هذه الدّيار إلى بحث أصوليّ يتعلّق بالمسألة لفهم حقيقة الفروع الفقهيّة الّتي ورثناها عن الفقهاء.

لا يمكن لأيّ طالب علم على وجه الأرض مهما كانت درجته العلميّة ولو كان إمام عصره أن يستغني عن تحقيق المناط من حيث الإجتهاد التّطبيقيّ، وتخريج المناط من حيث العودة إلى الأصول في فهم النّصوص واستخراج العلل من الأحكام المنصوصة، فعلى هذا الأساس تكوّنت المذاهب الفقهيّة المختلفة، وعلى هذا الأساس من رغب التّمذهب بمذهب أو اتّباع رأي فهذه الطّريق، إذ أنّ التّمذهب يكون أوّلا في الأصول وفهمها لا في الفروع ونقلها، وحفظ الله تعالى من علمنا أن نحذّر من ” النّسخ واللّصق” قبل النّظر والتّمحيص وفهم أصول المسائل قبل فهم فروعها، وفهم كيفيّة الطّرق الّتي اتّبعها العلماء حتى توصّلوا إلى آرائهم، وما آراؤهم في المسائل الظّنّيّة إلى إفهام محتملة، من الضّلالة التّعاطي معها على أنّها قطعيّات، ومن الجهل إنزالها منزلة  القطعيّات. ومن التّعصب التّجذّر فيها وإنكار الآخر، ومن الغلوّ اعتبار أنّها الدّين وغيرها ليس دينا.

إن تنقيح المناط هو طريق هامّ لتوسيع دائرة النّصوص الشّرعيّة، وتوسيع أحكامها وجعلها تستوعب أنواعا كثيرة من تصرّفات المكلّفين وأقوالهم. وله اثر كبير في سبب اختلاف الفقهاء، بل يلعب دورا هامّا في إلحاق الوقائع والحوادث المتجدّدة بما يماثلها من أصول في النّصوص الشّرعيّة.

وأمّا تحقيق المناط بنوعيه العامّ والخاصّ فهو شبكة حماية وأمان للمجتهد التّطبيقيّ الّذي ينظر ويحقّق في الحالات أو الصّور المعروضة له ، وهذه الشّبكة تحميه من التّطبيق التّقليديّ والعشوائيّ للأحكام ، وهذه الحماية المتمثّلة بتحقيق المناط الخاصّ تجعله ينتقل من تطبيق المناط العامّ على التّصرّفات أو الأقوال إلى المناط الخاصّ بعد التّحقيق والنّظر فيلجأ أحيانا إلى تطبيق خطط الطّوارئ الشّرعيّة أمثال فتح الذّرائع أو سدّها الخ… ، وتلك الخطط كانت أثرا لتحقيق المناط الخاصّ كلّ ذلك حماية لذات الشّريعة الإسلاميّة من أن تعود على نفسها بالتّناقض أو الهدم.

سأنشر البحث  عبر صحيفة الميثاق بصورة حلقات موثّقا بالمراجع قريبا من النّهج العلميّ المطلوب من الأبحاث والدّراسات، وسأعود إلى النّصوص الشّرعيّة الواردة في سفر المرأة لإعمال تنقيح المناط فيها وتحقيقه، للكشف عن حقيقة الآراء الفقهيّة الّتي توصّل إليها الفقهاء في “سفر المرأة “. ثم سيتمّ بعون الله تعالى طباعته في كتاب وتوزيعه على أهل العلم الأصوليّين منهم قبل الفقهاء ، وكعادتي سيتمّ تقديم لهذه الدّراسة احد علماء الأصول في فلسطين……وحدّ علمي حتى الآن – وربّما أكون مخطئا- لم يتناول احد من العلماء النّصوص الواردة في سفر المرأة من النّاحية الأصوليّة من حيث إرجاع النّصوص  تتقيح المناط وتحقيقه، ولم يبيّن أحد هذه المسالك التي تتّبعها العلماء حتّى تم التّوصّل في كلّ مذهب أو مذاهب إلى رأي في المسألة، فما هو بين أيدينا نقل الآراء فقط عن المذاهب، وما سأقوم به في هذه الدّراسة هو استعمال الأدوات ” تنقيح المناط وتحقيق المناط” للكشف عن علّة الحكم في كلّ مذهب ومذهب والطّريق الّتي تم فيها اكتشاف العلّة، ثم فتح أفق لإخضاع المسائل إلى الأمر الواقع الّذي نعيشه بوسيلة تحقيق المناط. والله الموفّق لكلّ خير وبه نستعين.

أذكّر مرّة أخرى أنّ هذه الكتابات مقدّمة إلى أهل العلم الشّرعيّ عامّة وإلى الأصوليّين خاصّة، وفيها فائدة للنّاس، سأبدأ بتعريف كلّ مفرد ورد في العنوان على حدة ما استطعت وكلّ في مكانه، معاني الكلمات اللّغويّة والإصطلاحيّة، المناط، تنقيح، تحقيق، السّفر، المسجد الأقصى، المحرم على النحو التالي:

تعريف المناط لغة

      المناط مصدر ميميّ بمعنى اسم المكان وهو مشتقّ من لفظ الفعل ناط، وناط الشّيء: علّقه. ونيط عليه الشّيء علّق عليه. ونيط به الشّيء علّق، ومنه ذات أنواط اسم شجرة كانت تعبد في الجاهليّة وكانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم أي يعلّقونه بها “. فعن أبي واقد اللّيثي  أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا خرج إلى حنين مرّ بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: سبحان الله هذا كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة والّذي نفسي بيده لتركبنّ سنّة من كان قبلكم”[1]. وفي الحديث كذلك عن جابر بن عبد الله أنه كان يحدث أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال أوى اللّيلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله صلى الله عليه وسلّم ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر فلما قمنا من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قلنا أمّا الرجل الصالح فرسول الله صلّى الله عليه وسلّم من نوط بعضهم لبعض فهم ولاة هذا الأمر الّذي بعث الله به نبيّه صلى الله عليه وسلّم”[2] والنوط: كل ما يتعلّق بشيء ويقال منح فلان نوط الجدارة .والتُّنوِط: بضم التاء وكسر الواو اسم طائر يدلّي خيوطه وينسج عشّه كقارورة الدّهن منوطا بتلك الخيوط.

والمناط: موضع التّعليق لذا يقال هو منّي مناط الثّريّا أي شديد البعد، وفلان مناط الثّريّا أي شريف عالي المنزلة”[3].

يتبيّن من التّعريف اللّغويّ أنّ المقصود بالمناط هو محلّ الإناطة وموضع التّعليق فعندما نقول مثلا نطت الحبل بالوتد فالمحلّ الّذي علّقت عليه الحبل يسمى المناط وهذه في المحسوسات وتقول مثلا أمر الهزيمة والنّصر منوط بمشيئة الله تعالى، أو فوز فريق كرة القدم منوط بقوة إرادتهم، وهذا كلّه يفيد أنّ المناط لغة معناه محلّ الإناطة وموضع التّعليق.

 تعريف المناط في اصطلاح الأصولييّن

تبيّن لنا أنّ المناط فيما سبق عند اللّغويّين يطلق على مكان الإناطة وموضع التّعليق، وأمّا بخصوص تعريف المناط اصطلاحا فإنّنا بعد النّظر في أقوال العلماء وجدنا بعضهم يعتبر المناط هو العلّة مثل الغزاليّ والشّوكانيّ وابن قدامه، وبعضهم يرى أنّ المناط متعلّق الحكم وليس العلّة وهنالك فرق بينهما كما سيأتي معنا لاحقًا، والبعض الآخر يرى أنّ المناط هو العلّة الجزئيّة المتعلّقة بالقياس ويرى آخرون أنّه أشمل وأوسع من ذلك ليشمل الأصول الكلّيّة الّتي ربطت بها الأحكام. قال الشّوكاني: ” ….والمناط هو العلّة. قال ابن دقيق العيد وتعبيرهم عن العلة بالمناط من باب المجاز اللّغوي لأنّ الحكم لمّا علق بها كان كالشّيء المحسوس الّذي تعلّق بغيره فهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، وصار ذلك في اصطلاح الفقهاء بحيث لا يفهم عند الإطلاق غيره.”[4] وقال الغزاليّ:  ” اعلم أنّا نعني بالعلّة في الشّرعيّات مناط الحكم، أي ما أضاف الشّرع الحكم إليه، ونصبه علامة عليه.”[5]  وقال ابن قدامة: “ونعني بالعلّة:مناط الحكم.”[6]

 

والملاحظ أن هؤلاء العلماء على سبيل المثال لا الحصر لا يفرقون بين العلّة والمناط، فالعلّة والمناط عندهم لفظان لمدلول واحد وعلى هذا يكون المناط عندهم هو الوصف المعرف للحكم أو الوصف الظّاهر المنضبط الّذي شرع الحكم عنده، وهذا بحدّ ذاته تعريف للعلّة على ما مرّ معنا، فلا فرق بين العلّة والمناط عند هؤلاء. ويرى آخرون أنّ المناط يختلف عن العلّة إذ أنّ المناط هو متعلّق الحكم  بمعنى أنّ الحكم تعلّق بوصف معيّن وهذا الوصف هو مناط الحكم ولا يعتبر مناط الحكم علّة للحكم بل لا بدّ من النّظر والاجتهاد لاستخلاص علّة الحكم من مناط الحكم أي من مكان تعليق الحكم. قال ابن النّجّار: “المناط العلّة الّتي رتب عليها الحكم في الأصل… والمناط متعلّق الحكم.”[7] ومتعلّق الحكم هذا مفتقر إلى اجتهاد فيه وبحث ونظر حتّى يتوصّل من خلاله إلى علّة الحكم، فعلّة الحكم شيء، ومتعلّق الحكم شيء آخر، أو يمكن القول إنّ المناط شيء والعلّة شيء آخر، ولعلّ المثال يزيد الأمر بيانا ووضوحا، حيث سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن فأرة سقطت في سمن فقال: ” ألقوها وما حولها فاطرحوه وكلوا سمنكم”[8]، يقول ابن تيمية : “متّفق بين العلماء أنّ الحكم ليس مختصّا بتلك الفأرة وذلك السّمن، بل الحكم ثابت فيما هو أعمّ منهما، فبقي المناط الّذي علّق الحكم عليه ما هو؟ فطائفة يقولون إنّ الحكم مختصّ بفارة وقعت في سمن، ولا ينجّسون السّمن إذا وقع فيه العذرة، كذلك لا ينجّسون الزّيت إذا وقعت فيه الفأرة وهذا القول خطأ، والأئمة المشهورون يرون أن الحكم معلّق بالخبيث الّذي حرمه الله تعالى اذا وقع في السّمن  ونحوه من المائعات، لأن الله تعالى أباح لنا الطّيّبات وحرّم علينا الخبائث، فإذا علّقنا الحكم بهذا المعنى كنّا اتّبعنا كتاب الله، فإذا وقع الخبيث في الطّيّب ألقي الخبيث وما حوله وأكل الطّيّب “[9].

ويقول السّرخسي: ” هذا النّصّ معلّل بفحواه وفيه إشارة إلى أنّه معلول بعلّة مجاورة النّجاسة إياه “[10]. ومعنى هذا أنّ الشّارع الحكيم لم يعلّل الحكم بفأرة وقعت في سمن، ولكن علّق الحكم بفأرة وقعت في سمن وطلب من المجتهد أن ينظر في مكان التّعليق، أي أن ينظر المجتهد في مناط الحكم ثمّ يستخلص الوصف المناسب الصّالح للعليّة والّذي يحقّق مقصود الشّارع منه، وفي المثال السّابق لاحظنا أنّ الأئمّة المجتهدين كما قال ابن تيمية علّلوا الحكم بالخبيث إذا وقع بالطّيّب، والملاحظ أنّ هنالك مدرستين  لكلّ مدرسة منهجها الخاصّ في تعليل الأحكام، فمدرسة الشّافعيّة ترى أنّه بمجرّد الاهتداء للوصف تجعله صالحا للعلية وسرعان ما تعلّل به الحكم وعند هؤلاء لا فرق بين المناط وبين العلّة، أمّا  مدرسة الحنفيّة فترى أنّ مجرّد الاهتداء إلى الوصف الّذي تعلّق به الحكم لا يكفي التّعليل به، بل إنّ هذا الوصف يحتاج إلى نظر وبحث في ذاته ومن خلاله يمكن التّوصّل إلى علّة الحكم، ألا ترى أنّ الشّافعيّة يعلّلون الكفّارة في حديث الأعرابيّ الّذي واقع أهله في نهار رمضان بالوقاع نفسه، بينما الحنفيّة يعتبرون أنّ هذا مناط الحكم وهو بحاجة إلى نظر وبحث وتنقية لنستخلص منه الوصف الّذي يصلح أن يكون علّة للحكم فيخلص الأمر عندهم أنّ انتهاك حرمة الشّهر هو الوصف المناسب للحكم والّذي يحقّق مقصود الشّارع منه، وسيأتي معنا هذا المثال لاحقا إن شاء الله تعالى.

من هنا يُرى – والله أعلم – أنّ المناط عبارة عن الوصف الّذي تعلّق به الحكم وهو محتاج إلى اجتهاد ونظر للوصول إلى العلة من خلاله، وعليه فعلاقة المناط بالعلّة كعلاقة الشّيء بكنهه، أو علاقة الشّيء بحقيقته، وسنزيد الأمر بيانا ووضوحا لاحقا عند الحديث عن الفرق بين العلّة والمناط. ولا يقتصر مفهوم هذا المصطلح على العلّة الجزئيّة الخاصّة بالنّصّ التّشريعيّ يقول الدّريني: “يطلق المناط على مضمون القاعدة التّشريعيّة أو الفقهيّة “[11] أو معنى الأصل الكلّيّ الّذي ربط به حكم كلّ منهما، وكما يطلق المناط أيضا على علّة حكم النّصّ التّشريعيّ الجزئيّ، أي المتعلّق بمسألة خاصّة معيّنة، سواء أكانت ثابتة بالنّصّ، أو الإجماع أو الاستنباط.”[12] ونلاحظ أن الأستاذ الدّريني ارتقى بالوصف الجزئيّ من علّة جزئيّة مختصّة بفرعيّة معيّنة ليكون وصفا أو مضمونا لقاعدة تشريعيّة أو قاعدة فقهيّة فأطلق المناط على مضمون تلك القواعد أو على معاني الأصول الكلّيّة وهذا كلّه ينقلنا للحديث عن الفرق بين العلّة والمناط.

الفرق بين العلّة والمناط

     ذكرنا عند تعريف المناط أنّ الشّافعيّة وغيـرهم لا يفرقون بين المناط والعلّة، وهم بمجرّد الاهتداء إلى الوصف المناسب الّذي تعلّق به الحكم فسرعان ما يعتبرونه علّة للحكم أو مناطا للحكم، وقلنا أيضا أنّ الحنفيّة يرون غيـر ذلك حيث أنّ متعلّق الحكم أو مناطه لا يمثّل علّة الحكم بالضّرورة، ولكنّه  بحاجة إلى نظر واجتهاد للوصول من خلاله إلى علّة الحكم، وكان مناط الحكم يمثّل البوّابة الّتي من خلالها يمكن التّعرّف على علّة الحكم والاهتداء إليها، وهذا ما يميّـز مناط الحكم عن باقي الأوصاف المذكورة في الحكم، ومن هنا ينشأ الفرق بين العلّة والمناط، ولعلّ السّؤال الّذي ينبغي أن نطرحه لماذا ارتبط بالمناط ثلاثة ألفاظ أصبحت مشهورة عند الأصوليّين أنّها ذات صلة متينة بالمناط، وهي تنقيح المناط وتحقيق المناط وتخريج المناط؟ ولو قلنا إنّ العلّة هي المناط لما احتجنا أن نقول تنقيح المناط ولقلنا تنقيح العلّة إلّا أنّ الدّارس لا يجد هذا في كتب الأصوليّين، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى العلّة هي الوصف الظّاهر المنضبط الّذي لا يحتاج إلى نظر ولا اجتهاد على عكس المناط، زد على ذلك فالعلماء يصرّحون أنّ هذه الألفاظ الثّلاثة ذات الصّلة بالمناط، هي أنواع اجتهاد في العلّة، قال الشّاطبيّ: ” الاجتهاد على ضربين: أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتّى ينقطع أصل التّكليف وذلك عند قيام السّاعة، والثّاني يمكن أن قبل الدّنيا فأمّا الأوّل فهو الاجتهاد والمتعلّق بتحقيق المناط.”[13] وقال ابن بدران في حديثه عن تحقيق المناط: ” وهذا هو النّوع الأوّل من أنواع الاجتهاد في العلّة الشّرعيّة، والنّوع الثّاني يسمّى تنقيح المناط”[14]. وقال الغزاليّ:” الاجتهاد في العلّة إمّا أن يكون في تحقيق المناط أو في تنقيح المناط أو في تخريج المناط “[15] . وإنّ أقوال الأصوليّين هذه تشير أنّ استخدام لفظ المناط عندهم يستعمل عندما يحتاج الأصوليّ إلى الاجتهاد في بيان علّة الحكم أو الاجتهاد  في تطبيق الحكم وإنزاله على حادثة جديدة أو صورة جديدة أو واقعة معيّنة أو الاجتهاد في بيان العلّة وتنقيتها من الشّوائب.

لكلّ هذا يمكن القول إنّ هذه الأمور الثّلاثة تمثّل خططا تشريعيّة وآليّات ووسائل يستخدمها المجتهد في استخراج العلّة وجعلها الصّالحة للتّطبيق في الفروع بما يحقّق الغاية الّتي من أجلها شرع الحكم ولكلّ آليّة من هذه الآليّات مجالها واختصاصها.

إنّ أغلب استعمال العلماء لتنقيح المناط كمسلك للإهتداء إلى علّة الحكم ظهر في العبادات، لذا تجدهم يستفيضون بالبحث والتّنقيب والتّنقيح للبحث عن علّة الحكم في النّصوص الشّاملة على أوصاف كثيرة، وورد فيها حكم يتعلّق بجانب العبادات غالبا، مع أنّ هذا المسلك لا ينحصر مجاله في نصوص الأحكام الخاصّة بالعبادات، بل هو مجال واسع الأفق يصلح للإستعمال في جميع الأبواب والمجالات، والأهم أنّه لا يقتصر مفهوم هذا المصطلح على العلّة الجزئيّة الخاصّة بالنّصّ التّشريعيّ، ومرّ معنا قول الدّرينيّ -رحمه الله-: “يطلَق المناط على مضمون القاعدة التّشريعيّة أو الفقهيّة ومعنى الأصل الكلّيّ الّذي ربط به حكم كلّ منهما، وكما يطلق المناط أيضا على علّة حكم النّصّ التّشريعيّ الجزئيّ، أي المتعلّق بمسألة خاصّة معيّنة،سواء أكانت ثابتة بالنّصّ، أو الإجماع أو الاستنباط.”[16] ونلاحظ أنّ الأستاذ الدّرينيّ ارتقى بالوصف الجزئيّ من علّة جزئيّة مختصّة بفرعيّة معيّنة ليكون وصفا أو مضمونا لقاعدة تشريعيّة أو قاعدة فقهيّة، فأطلق المناط على مضمون تلك القواعد أو على معاني الأصول الكلّيّة. وهذه روعة التّشريع الإسلاميّ خيوطه متماسكة ورابطة بين الكلّيّات والجزئيّات، ولا يتوقّف الأمر عند ذلك بل بنظرة متعمّقة ربط بعلل الأحكام ومناسباتها والكلّ يعود على الكلّ والكلّ مرتبط بالكلّ.

تعريف تنقيح المناط:

  المدارس الأصوليّة تتحدّث عن الأوصاف الواردة في النّصوص، هل نأخذ من هذه الأوصاف وصفا ونعلّق الحكم عليه لنعتبر أنّه علّة الحكم، فيدور معه وجودا أو عدما. أم أنّ الأوصاف الواردة في النّصوص نفسها لا تكفي لأن نأخذ منها وصفًا معيّنا ظاهرا في النّصّ لنعيّنه علّة للحكم، بل هذه الأوصاف هي الطّريق وهي بمثابة معالم وملاحظات على الأصوليّ ملاحظتها ومن ثمّ استخراج مضامين تتحوّل بقوالب على صيغة قواعد كليّة أو معاني أصوليّة نربط بها الحكم، ونعلّقه عليها.

ذكرت أنّ تنقيح المناط اجتهاد في حصر الأوصاف وملاحظتها، واستبعاد ما لا يصلح للعليّة وتعيين الوصف المناسب وهذه الأوصاف مذكورة في النّصّ حيث لا يجتهد المجتهد في استنباطها، فهي أوصاف منصوص عليها، ودور المجتهد يتمثّل باستبعاد الوصف المنصوص عليه الّذي لا يصلح للعليّة، ويبقى الوصف المذكور في النّصّ الصّالح للعليّة أو بمعنى آخر دور المجتهد يكون في تهذيب الوصف المناسب والّذي ترتّب عليه الحكم ويحقّق مقصود الشّارع ممّا علّق به من الأوصاف والّتي يغلب على ظنّ المجتهد أنّ لا اعتبار لها ولا تأثير  في الحكم. قال ابن تيمية: ” تنقيح المناط أن ينصّ الشّارع على الحكم عقيب أوصاف يعرف فيها ما يصلح للتّعليل وما لا يصلح فينقح المجتهد الصّالح ويلغي ما سواه، وهذا قياس عند أصحابنا وقد أقرّ  به كثيـر من منكري القياس”[17]. وقال الغزاليّ: “والمقصود أنّ هذا تنقيح المناط بعد أن عرف المناط بالنّصّ لا بالاستنباط لذلك أقرّ به أكثـر منكري القياس”[18]. وقال ابن السّبكي: “تنقيح المناط لا يستخرج المجتهد العلّة من خفاء لكونها مذكورة في النّصّ بل نقّح المنصوص وأخذ ما يصلح للعليّة وترك ما لا يصلح”[19]. إذن تنقيح المناط مسلك من مسالك العلّة خاصّ بالعلّة المنصوص عليها، لا يبذل المجتهد جهدا في إخراجها من الخفاء، بل يعمد المجتهد إلى تهذيبها وتنقيحها من مجموعة الأوصاف الّتي علقت بها دون أن يكون لها دخل في العليّة، والأمثلة على ذلك كثيرة أشهرها حديث الأعرابيّ. وظاهر أقوال العلماء يدلّ أنّ النّصّ يشمل  مجموعة أوصاف مذكورة فيه، والمجموعة هذه يتمّ استخلاص الوصف المناسب منها، ومن العلماء من يرى أنّ تنقيح المناط لا يتعلّق ويختصّ بالنّصّ الّذي ذكرت فيه مجموعة أوصاف معينة، بل قد يذكر النّصّ وصفًا واحدًا لا غيـر ويحتاج هذا الوصف إلى تهذيب واستخلاص العلّة منه، يقول د.علي السّرطاويّ ” تنقيح المناط لا يتعلّق فقط ويختصّ بالنّصّ الّذي ذكرت فيه مجموعة أوصاف، بل قد يكون وصفا واحدا الّذي ذكر، ولكنّ هذا الوصف يحتاج إلى تهذيب وتنقية حتى نصل إلى السّبب الحقيقيّ أو العلّة الّتي تكون مظنّة للحكم، فعندما قال الرّسول – صلّى الله عليه وسلّم ” لا يقضي القاضي وهو غضبان “[20] قيل إنّ علّة النّهي هي الغضب، وقيس على الغضب غيـره، ولكنّ وصف الغضب وصف غيـر دقيق، فأيّ غضب المقصود؟ فلو كان مطلق الغضب لتوقّفت عمليّة القضاء، ولكنّ العلّة في هذا الوصف. غضب عارض شوّش الذّهن ومنع من خروج العدل في أنصع صوره، وهذا الوصف هو الأصلح للقياس. لذا يقال كلّ عارض منع العدل من الخروج في أنصع صوره أخذ حكم الغضب”[21].

وخلاصة الأمر أنّ تنقيح المناط يتعلّق بالنّصّ الّذي ذكرت فيه مجموعة أوصاف أو حتـّى ذكر فيه وصف واحد، يقوم المجتهد بعمليّة تنقية وتهذيب لاستخلاص علّة الحكم، وهذه ميـزة هذا النّوع من أنواع الإجتهاد، فآليّاته تنطبق على النّصوص الّتـي ذكرت أوصافا معيّنة لا تكون خفيّة بل ظاهرة، ليقوم المجتهد بتهذيبها وتخليصها، حتّى لو ذكر النّصّ وصفًا واحدًا كالغضب عند القضاء.

حجّيّة تنقيح المناط

اِعتبر كثير من علماء الأصول تنقيح المناط مسلكا من المسالك الدّالّة على العليّة وعدّوه مسلكا مستقلّا من مسالك العّلة، واعتبره آخرون ضربا من ضروب الاجتهاد في العلّة حيث يدلّ النّصّ على مجموعة أوصاف وكلّ ما يفعله المجتهد هو تنقية هذه الأوصاف واستبعاد غير المناسب منها ليبقى المناسب، وعليه، لا يكون مسلكا من مسالك العلّة بل ضربا من ضروب الاجتهاد فيها. قال الرّازيّ: ” الطرق الدّالّة على عليّة الوصف في الأصل هي عشرة: النّصّ والإيماء والإجماع والمناسبة والتّأثير والشّبه والدّوران والسّبر والتّقسيم، والطّرد وتنقيح المناط، وأمور أخرى اعتبرها قوم وهي عندنا ضعيفة”[22].وقال البيضاويّ عند حصره لمسالك العلّة: “المسلك التّاسع تنقيح المناط بأن يبيّـن إلغاء الفارق”[23].

وقال الأسنويّ: ” أقول الطّريق التّاسع هو آخر الطّرق الدّالّة على العلّيّة تنقيح المناط”[24]. هؤلاء وغيرهم من الأصوليّين اعتبروا أنّ تنقيح المناط مسلك مستقلّ من المسالك الدّالّة على العليّة إذ لا فرق بينه وبين المسالك الأخرى في عدّه مسلكا من مسالك العلّة، حيث يجتهد المجتهد في استبعاد أوصاف مذكورة في النّصّ بعد حصرها ويتمّ تعيين وصف مناسب صالح للعلّيّة، أو يجتهد في استخلاص العلّة من الوصف الواحد المذكور في النّصّ، أو يجتهد المجتهد في إلغاء الفارق غير المؤثّر في العلّيّة ليتعيّن عنده المشترك بين الأصل والفرع فيلحق الفرع بالأصل. وهذا كلّه على رأيهم يؤكّد أنّ تنقيح المناط مسلك معتبر من المسالك الدّالّة على العلّة.

أما الآخرون فيرون أنّ تنقيح المناط ليس مسلكا من مسالك العلّة، وذكر الإمام الغزاليّ تنقيح المناط عندما تحدّث عن حصر مجاري الاجتهاد في العلل، ولم يذكر تنقيح المناط عند حديثه عن إثبات العلّة وطرق الاستدلال، سواء كان ذلك بالنّصّ أو الإجماع أو الاستنباط. قال الغزاليّ: “والاجتهاد الثّاني في تنقيح مناط الحكم وذلك أن يضيف الشّارع الحكم إلى سبب وينوطه به وتقتـرن به أوصاف لا دخل لها في الإضافة فيجب حذفها عن درجة الاعتبار”[25]. وهذا ما ذهب إليه الآمديّ أيضا، حيث لم يذكر تنقيح المناط عند حصره لمسالك العلّة، بل جعل تنقيح المناط نوعا من أنواع النّظر والاجتهاد في مناط الحكم، حيث قال: “ولمّا كانت العلّة متعلّق الحكم ومناطه، فالنّظر والاجتهاد فيه إما في تحقيق المناط أو تنقيحه أو تخريجه”[26][27].

وذهب بعض المعاصرين أمثال الزّحيليّ إلى عدم  اعتبار تنقيح المناط من مسالك العلّة حيث قال: “وإنّي لا أجد مسوّغًا واضحًا لاعتبار تنقيح المناط مسلكًا  مستقلّا من مسالك العلة، إذ أنه يكون حيث يدلّ نصّ على العلّيّة من غيـر تعيين وصف بعينه علّة، فهو ليس مسلكا للتّوصّل به إلى تعليل الحكم، لأنّ تعليل الحكم مستفاد النّصّ وإنّما هو مسلك لتهذيب وتخليص علّة الحكم مما اقترن بها من الأوصاف الّتي لا تصلح للعلّيّة “[28].هذا هو تعليل الفريق الثّاني الّذي يرى عدم اعتبار تنقيح المناط مسلكا من مسالك العلّة، واعتباره مسلكا لتهذيب العلّة، وكلّ ما يقوم به المجتهد على رأي هؤلاء هو استبعاد الأوصاف الّتي لا دخل لها في العلّيّة، وتعليل الحكم مستفاد من النّصّ نفسه.

ويُرى – والله أعلم – أنّ المدرسة الأولى محقّة في اعتبار تنقيح المناط مسلكا من مسالك العلّة، بل مسلكا هامّا مستقلّا في الدّلالة على العلّة، وكون تعليل الحكم مستفادا من النّصّ، أو أنّ الوصف ثابت بالنّصّ وكلّ ما يفعله المجتهد هو استبعاد الأوصاف غير المناسبة وإبقاء الوصف المناسب، فهذا كلّه غير كاف لعدم اعتبار تنقيح المناط مسلكا من مسالك العلّة، وقد مرّ معنا أنّ تنقيح المناط أحيانا لا يتعلّق فقط بالنّصّ الّذي ذكرت فيه مجموعة أوصاف، ولكن قد يكون الوصف واحدا فيلجأ المجتهد إلى تنقية هذا الوصف وتهذيبه ليصل إلى العلّة المحقّقة لمقصود الشّارع من الحكم كقضاء القاضي وهو غضبان فإنّ الغضب هي الصّفة الوحيدة المذكورة في النّصّ وعلى المجتهد أن يعمد إلى مسلك ليبيّن علّة الحكم، وتنقيح المناط هو المسلك الّذي ينطبق على هذا النّصّ ومن خلاله يمكن الاستدلال على علّة النّصّ كما مرّ معنا، زد على ذلك أنّه لا يكفي أن لا نعتبر تنقيح المناط مسلكا من مسالك العلّة لكون تعليل الحكم مستفاد من النّصّ، حيث ذكر الأصوليّون أنّ مسالك العلّة كثيرة ومنها النّصّ القاطع على علّيّة الحكم في الكتاب أو السّنّة وعدّوا ذلك مسلكا من مسالك العلّة، فكون العلّة مستفادة من النّصّ في تنقيح المناط لا يعني عدم اعتباره مسلكا من مسالك العلّة، و العلماء عدّوا السّبر والتّقسيم من مسالك العلّة وهنالك تشابه كبير بين تنقيح المناط والسّبر والتّقسيم وخاصّة في الطّريقة، قال ابن عبد الشّكور: ” تنقيح المناط مقبولٌ عند الكلّ إلّا أّن الحنفيّة لم يصطلحوا على هذا الاسم وإن سلموا معناه”[29].  وقال العطّار: ” إنّ أبا حنيفة يستعمل تنقيح المناط في الكفّارة وإنْ منع القياس فيها، لكنّه لا يسمّيه قياسا بل استدلالا”[30]. من هنا يرى – والله أعلم – أنّ تنقيح المناط مسلك مستقلّ من المسالك المهمّة الدّالّة على العلّيّة.

 طرق إلغاء الفارق في تنقيح المناط

    هنالك مدرسة أصوليّة ترى أنّ تنقيح المناط هو عبارة عن إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، حيث تلغي كلّ الصّفات الّتي لا دخل لها في العلّة عن درجة الاعتبار حتّى يبقى وصف واحد مشترك بين الصّورتين: صورة الأصل وصورة والفرع، أمّا عن كيفيّة إلغاء الفارق بين الأصل والفرع فقد ذكر الأصوليّون أنّ هنالك ثلاثة طرق مختلفة يتعرّف من خلالها المجتهد على أنّ الوصف الفلانيّ يجب إلغاؤه ولا ينبغي اعتباره لكونه لا أثر ولا دخل له في العلّيّة، وبيان هذه الطّرق الثّلاثة على النّحو الآتي:

 

 حجّيّة تنقيح المناط

   اِعتبر كثير من علماء الأصول تنقيح المناط مسلكا من المسالك الدّالّة على العليّة وعدّوه مسلكا مستقلّا من مسالك العّلة، واعتبره آخرون ضربا من ضروب الاجتهاد في العلّة حيث يدلّ النّصّ على مجموعة أوصاف وكلّ ما يفعله المجتهد هو تنقية هذه الأوصاف واستبعاد غير المناسب منها ليبقى المناسب، وعليه، لا يكون مسلكا من مسالك العلّة بل ضربا من ضروب الاجتهاد فيها. قال الرّازيّ: ” الطرق الدّالّة على عليّة الوصف في الأصل هي عشرة: النّصّ والإيماء والإجماع والمناسبة والتّأثير والشّبه والدّوران والسّبر والتّقسيم، والطّرد وتنقيح المناط، وأمور أخرى اعتبرها قوم وهي عندنا ضعيفة”[33].وقال البيضاويّ عند حصره لمسالك العلّة: “المسلك التّاسع تنقيح المناط بأن يبيّـن إلغاء الفارق”[34].

وقال الأسنويّ: ” أقول الطّريق التّاسع هو آخر الطّرق الدّالّة على العلّيّة تنقيح المناط”[35]. هؤلاء وغيرهم من الأصوليّين اعتبروا أنّ تنقيح المناط مسلك مستقلّ من المسالك الدّالّة على العليّة إذ لا فرق بينه وبين المسالك الأخرى في عدّه مسلكا من مسالك العلّة، حيث يجتهد المجتهد في استبعاد أوصاف مذكورة في النّصّ بعد حصرها ويتمّ تعيين وصف مناسب صالح للعلّيّة، أو يجتهد في استخلاص العلّة من الوصف الواحد المذكور في النّصّ، أو يجتهد المجتهد في إلغاء الفارق غير المؤثّر في العلّيّة ليتعيّن عنده المشترك بين الأصل والفرع فيلحق الفرع بالأصل. وهذا كلّه على رأيهم يؤكّد أنّ تنقيح المناط مسلك معتبر من المسالك الدّالّة على العلّة.

أما الآخرون فيرون أنّ تنقيح المناط ليس مسلكا من مسالك العلّة، وذكر الإمام الغزاليّ تنقيح المناط عندما تحدّث عن حصر مجاري الاجتهاد في العلل، ولم يذكر تنقيح المناط عند حديثه عن إثبات العلّة وطرق الاستدلال، سواء كان ذلك بالنّصّ أو الإجماع أو الاستنباط. قال الغزاليّ: “والاجتهاد الثّاني في تنقيح مناط الحكم وذلك أن يضيف الشّارع الحكم إلى سبب وينوطه به وتقتـرن به أوصاف لا دخل لها في الإضافة فيجب حذفها عن درجة الاعتبار”[36]. وهذا ما ذهب إليه الآمديّ أيضا، حيث لم يذكر تنقيح المناط عند حصره لمسالك العلّة، بل جعل تنقيح المناط نوعا من أنواع النّظر والاجتهاد في مناط الحكم، حيث قال: “ولمّا كانت العلّة متعلّق الحكم ومناطه، فالنّظر والاجتهاد فيه إما في تحقيق المناط أو تنقيحه أو تخريجه”[37].

وذهب بعض المعاصرين أمثال الزّحيليّ إلى عدم  اعتبار تنقيح المناط من مسالك العلّة حيث قال: “وإنّي لا أجد مسوّغًا واضحًا لاعتبار تنقيح المناط مسلكًا  مستقلّا من مسالك العلة، إذ أنه يكون حيث يدلّ نصّ على العلّيّة من غيـر تعيين وصف بعينه علّة، فهو ليس مسلكا للتّوصّل به إلى تعليل الحكم، لأنّ تعليل الحكم مستفاد النّصّ وإنّما هو مسلك لتهذيب وتخليص علّة الحكم مما اقترن بها من الأوصاف الّتي لا تصلح للعلّيّة “[38].هذا هو تعليل الفريق الثّاني الّذي يرى عدم اعتبار تنقيح المناط مسلكا من مسالك العلّة، واعتباره مسلكا لتهذيب العلّة، وكلّ ما يقوم به المجتهد على رأي هؤلاء هو استبعاد الأوصاف الّتي لا دخل لها في العلّيّة، وتعليل الحكم مستفاد من النّصّ نفسه.

ويُرى – والله أعلم – أنّ المدرسة الأولى محقّة في اعتبار تنقيح المناط مسلكا من مسالك العلّة، بل مسلكا هامّا مستقلّا في الدّلالة على العلّة، وكون تعليل الحكم مستفادا من النّصّ، أو أنّ الوصف ثابت بالنّصّ وكلّ ما يفعله المجتهد هو استبعاد الأوصاف غير المناسبة وإبقاء الوصف المناسب، فهذا كلّه غير كاف لعدم اعتبار تنقيح المناط مسلكا من مسالك العلّة، وقد مرّ معنا أنّ تنقيح المناط أحيانا لا يتعلّق فقط بالنّصّ الّذي ذكرت فيه مجموعة أوصاف، ولكن قد يكون الوصف واحدا فيلجأ المجتهد إلى تنقية هذا الوصف وتهذيبه ليصل إلى العلّة المحقّقة لمقصود الشّارع من الحكم كقضاء القاضي وهو غضبان فإنّ الغضب هي الصّفة الوحيدة المذكورة في النّصّ وعلى المجتهد أن يعمد إلى مسلك ليبيّن علّة الحكم، وتنقيح المناط هو المسلك الّذي ينطبق على هذا النّصّ ومن خلاله يمكن الاستدلال على علّة النّصّ كما مرّ معنا، زد على ذلك أنّه لا يكفي أن لا نعتبر تنقيح المناط مسلكا من مسالك العلّة لكون تعليل الحكم مستفاد من النّصّ، حيث ذكر الأصوليّون أنّ مسالك العلّة كثيرة ومنها النّصّ القاطع على علّيّة الحكم في الكتاب أو السّنّة وعدّوا ذلك مسلكا من مسالك العلّة، فكون العلّة مستفادة من النّصّ في تنقيح المناط لا يعني عدم اعتباره مسلكا من مسالك العلّة، و العلماء عدّوا السّبر والتّقسيم من مسالك العلّة وهنالك تشابه كبير بين تنقيح المناط والسّبر والتّقسيم وخاصّة في الطّريقة، قال ابن عبد الشّكور: ” تنقيح المناط مقبولٌ عند الكلّ إلّا أّن الحنفيّة لم يصطلحوا على هذا الاسم وإن سلموا معناه”[39].  وقال العطّار: ” إنّ أبا حنيفة يستعمل تنقيح المناط في الكفّارة وإنْ منع القياس فيها، لكنّه لا يسمّيه قياسا بل استدلالا”[40]. من هنا يرى – والله أعلم – أنّ تنقيح المناط مسلك مستقلّ من المسالك المهمّة الدّالّة على العلّيّة

تنقيح المناط اجتهاد في استخراج العلة

    اِعتبر كثير من علماء الأصول تنقيح المناط مسلكا من المسالك الدّالّة على العليّة وعدّوه مسلكا مستقلّا من مسالك العّلة، واعتبره آخرون ضربا من ضروب الاجتهاد في العلّة حيث يدلّ النّصّ على مجموعة أوصاف وكلّ ما يفعله المجتهد هو تنقية هذه الأوصاف واستبعاد غير المناسب منها ليبقى المناسب، وعليه، لا يكون مسلكا من مسالك العلّة بل ضربا من ضروب الاجتهاد فيها. فهذا المسلك او الطريق هو سبيل الى  العلية وما يميزه أنه يلحظ الاوصاف المذكورة في النص ، ثم يشرع باستبعاد الاوصاف الغير مناسبة لان تكون على للحكم ويهتدي الى الوصف المناسب، او ان شئت قل هو سبيل للنظر في الاوصاف نفسها ثم الغوص في معانيها وروحها ، واستبعاد الغير مناسب من تلك المعاني، ثم استخراج  معنى من تلك الاوصاف يصلح أن يكون علّة للحكم. وهذا ينقلنا للحديث عن معنى العلة واهميتها في الاجتهاد.

 

 تعريف العلّة

للعلة في اللغة العربية عدة معان من بينها ما ذكره ابن منظور حيث قال : ” العلة المرض، عل يعل واعتل مرض ، فهو عليل ، والعلة السبب يقال : هذا علة لهذا أي سبب ، والعلة الحدث يشغل صاحبه عن حاجته ، كأن تلك العلة صارت شغلا ثانيا منعه عن شغله الأول، وعلت الإبل وتعل  إذا شربت الشربة الثانية ، وتعاللت الناقة اذا استخرجت ما عندها من السير ، والتعليل سقي بعد سقي وجني الثمرة بعد الاخرى “[41].

نجد من خلال التعريف اللغوي للعلة أنها تأتي بمعنى السبب ومأخوذة من الدوام والاستمرار والتكرار كما جاء في التعريف اللغوي معاودة الشرب مرة بعد أخرى ، وتأتى بمعنى المرض ولا شك أن المرض يؤثر في الصحيح فيصبح عليلا وعند البحث في تعريف العلة حسب اصطلاح الأصوليين سنبين علاقة هذه المعاني اللغوية للعلة مع المدلول الاصطلاحي لها.

العلّة اصطلاحا

 للعلّة في علم الأصول عدة أسماء عند العلماء وسبب ذلك  اختلافهم في حدها وتعريفها قال الشوكاني : ” وللعلة أسماء تختلف باختلاف الاصطلاحات فيقال لها السبب والأمارة والداعي والمستدعي والباعث والحامل والمناط والدليل والمقتضي والموجب والمؤثر”[42]. ولعل الشوكاني  جمع تلك الأسماء  من كتب الأصوليين حيث تتبع أقوالهم فوجد تلك المسميات تطلق على العلة عند العلماء.  قال الآمدي : ” لا بد أن تكون العلة بمعنى الباعث ، أي مشتملة على حكمة صالحة “[43] ، وقال الرازي : ” العلة الشرعية أمارة ، فوجودها في بعض الصور دون حكمها لا يخرجها عن كونها أمارة ، لانه ليس من شرط كون الشيء أمارة للحكم يستلزمه دائما، فان الغيم الرطب في الشتاء إمارة على المطر ، ثم عدم المطر في بعض الأوقات لا يقدح في كونه إمارة “[44] ،  وقال الغزالي ” اعلم انا نعني بالعلة في الشرعيات مناط الحكم أي ما أضاف الشرع الحكم إليه وناطه به ونصبه علامة عليه”[45] ،

ونقل صدر الشريعة عن بعضهم أن العلة بمعنى الباعث فقال: ” بعض الناس عرفوا العلة بالباعث، يعني ما يكون باعثا للشارع على شرع الحكم، كما في قولك جئتك لإكرامك، الإكرام باعث على المجيء، والقتل العمد باعث للشارع على شرع القصاص صيانة للنفوس لا على سبيل الإيجاب “[46]، ونحن لا نرى الحاجة في بحثنا هذا الخوض في تلك المسميات ومعانيها وأيها يحتمل أن يكون علة أو يصلح أن يكون المعنى القريب  منها، وهذا كله منثور في كتب الأصول، مع الإشارة أن تلك الأسماء للعلة متقاربة جدا في المعنى المقصود من العلة وتلتقي في جوانب كثيرة من معانيها لمعنى العلة.

أما بخصوص  تعريفها في اصطلاح الأصوليين فنذكر بعض التعريفات لها على سبيل المثال لا الحصر حيث عرفها السرخسي بقوله : ” العلة الوصف الذي جعل علما على حكم العين مع النص من بين الأوصاف التي يشتمل عليها اسم النص “[47]. واختار البيضاوي أن يعرف العلة بقوله : ” العلة الوصف المعرف للحكم “[48] ، وذكر عبد العزيز البخاري معنى العلة بقوله : ” العلة في اصطلاح الفقهاء عبارة عن المعنى الذي تعلق به حكم النص “[49] ، وقال الشيرازي : ” اعلم أن العلة في الشرع هي المعنى الذي يقتضي الحكم “[50] ، وقال الآمدي : ” العلة هي الباعث للشارع على تشريع الحكم أي مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة من شرع الحكم “[51] ،

وعرفها ابن أمير الحاج بقوله : ” العلة هي ما وصف شرع الحكم عنده ، ويلزم هذا الوصف أن يكون ظاهرا منضبطا في نفسه “[52] ، ويرى الشاطبي ” أن المراد بالعلة الحكم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإباحة والمفاسد التي تعلقت بها النواهي “[53]. والملاحظ انه مهما تعددت تعريفات العلة عند الأصوليين إلا انه يفهم من معانيها أن الشارع الحكيم بنى الحكم عند تشريعه على معنى معين أو وصف معين ، وجعل ذلك الوصف سببا للحكم والداعي إليه ، فاذا قال الشارع الحكيم حرمت التفاضل في بيع البر بعضه ببعض لانه مطعوم مثلا – عند الشافعية – فان هذا الوصف أي الطعم دل على حرمة البر متفاضلا حيث انبى الحكم على ذلك الوصف وعرف انه سبب التحريم لحكمة تعلقت به. وقد يلتقي المعنى الاصطلاحي مع المعنى اللغوي للعلة حيث إننا نجد أن الحكم يتأثر بالعلة كتأثير العلة بالمريض ، والملاحظ أيضا تقارب العلة بمعنى التكرار في اللغة منه للاصطلاح حيث أن الحكم يتكرر  كلما تكرر وصفه الداعي إليه كما تعاود الناقة الشرب مرة بعد مرة أخرى ودوام ذلك.

 

النصوص الواردة في سَفَر المرأة على سبيل المثال لا الحصر

  1. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام، إلا مع ذي محرم»[54].
  2. عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً، إلا ومعها أبوها، أو أخوها، أو زوجها، أو ابنها، أو ذو محرم منها».[55]
  3. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة، إلا ومعها ذو محرم»([56].

4.عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تسافر امرأة، إلا ومعها ذو محرم»، وجاء النبيَ -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ، فقال: إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وامرأتي حاجَّة؟ قال: «فارجع، فحج معها»[57]

  1. عن أبي سعيد -رضي الله عنه- رواية يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام، إلا ومعها ذو محرم»[58]
  2. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: جاء رجل إلى المدينة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أين نزلت؟». قال: على فلانة. قال: «أغلقت عليك بابها؟ لا تحُجَّن امرأة، إلا ومعها ذو محرم»[59]
  3. وعن أبي أُمامة الباهلي -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا يحل لامرأة مسلمة أن تحج، إلا مع زوج أو ذي محرم»[60]
  4. عَنْعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ : بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الفَاقَةَ ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ ، فَقَالَ : يَا عَدِيُّ ، هَلْ رَأَيْتَ الحِيرَةَ ؟ قُلْتُ : لَمْ أَرَهَا ، وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا ، قَالَ فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ ، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ ، حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ، – قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا البِلاَدَ …”[61]
  5. حديث البخاري قال: وقال لي أحمد بن محمد حدثنا إبراهيم عن أبيه عن جده: أذن عمر -رضي الله عنه- لأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن ابن عوف.[62]

10.قال ابن حجر: “ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات إذا أمن الطريق – أول أحاديث الباب، لاتفاق عمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، ونساء النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك، ومن أبى ذلك من أمهات المؤمنين، فإنما أباه من جهة خاصة -كما تقدم- لا من جهة توقف السفر على المحرم.[63]

 

    تنقيح الفقهاء للنصوص واختلافهم في تعيين الوصف الذي أنبنى عليه حكم النهي عن سفر المرأة

   عرفنا أنّ تنقيح المناط اجتهاد في حصر الأوصاف وملاحظتها، واستبعاد ما لا يصلح للعليّة وتعيين الوصف المناسب وهذه الأوصاف مذكورة في النّصّ حيث لا يجتهد المجتهد في استنباطها، فهي أوصاف منصوص عليها، ودور المجتهد يتمثّل باستبعاد الوصف المنصوص عليه الّذي لا يصلح للعليّة، ويبقى الوصف المذكور في النّصّ الصّالح للعليّة أو بمعنى آخر دور المجتهد يكون في تهذيب الوصف المناسب والّذي ترتّب عليه الحكم ويحقّق مقصود الشّارع ممّا علّق به من الأوصاف والّتي يغلب على ظنّ المجتهد أنّ لا اعتبار لها ولا تأثير  في الحكم.

نلاحظ من خلال النصوص الواردة في سَفَر المرأة ان هنالك اوصافا وردت في النصوص التي يمكن ان يغلب على ظن المجتهد ان لها اثرا في علية الحكم ، من هذه الاوصاف:

أ. الانوثة : وذلك ان الاحاديث الواردة في النهي عن سفر المرأة كونها امرأة ولم تحظر سفر الرجل فالاحاديث فرقت بين الذكورة والانوثة وعليه فان هذا الوصف يحتمل ان يكون علة لحكم النهي.

ب.  المدة الزمنية والمسافة :  ففي المدة الزمنية وردت النصوص مشتملة على النهي عن سفر المرأة مدة يوم وليلة وفي بعضها يومين وليليتين وفي بعضها فوق يومين وفي بعضها ثلاثة ايام وفي بعضها فوق ثلاث ايام ولاحظنا ايضا احاديث تتحدث عن اطلاق المدة من دونم تحديد وتقييد . وكذا الامر في الاحاديث الواردة في مسافة السفر، لذا يمكن أن يكون هذا الوصف الذي إنبنى عليه الحكم.

ت. الغاية من السفر والهدف منه وصف غلب ظن بعض المجتهدين ان له دخل في علية الحكم.

ج. الامن والامان: هنالك من ذكر وصفا اخر أنبنى عليه علة حكم النهي الا وهو الامن والامان لذا استبعد سائر الاوصاف.

 

 

نماذج من أقوال الفقهاء على اختيار وصف من

النصوص لبناء الحكم عليه

 

أولا: اختيار وصف الأنوثة واستبعاد سائر الاوصاف:

إن العلة من التحريم صيانة المرأة والمحافظة عليها كونها أنثى وسفرها بلا محرم للضرورة  فقط كانتقالها من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، والانتقال من البلد المخوفة إلى حيث البلاد الآمنة. وما دون ذلك لا يمكن ان تتنقل كونها أنثى صيانة لها .

ثانيا :  وصف ” المدة الزمنية” واثره في الحكم :

قال العكبري- رحمه الله تعالى-  “يعتبر المحرم في سفر المرأة الطويل والقصير إلا أنه اختُلِف في تحديد السفر الطويل فمذهب الحنفية ثلاثة أيام فصاعداً ـ”   [64]ـ

ثالثا:  وصف ” الغاية من السفر” واثره في الحكم :

قال ابن الملقن _رحمه الله_ :: “أما سفر الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام فاتفق العلماء على وجوبه ، وإن لم يكن معها أحد من محارمها”[65]

وقال أبو العباس القرطبي- رحمه الله تعالى –  :: “اتُّفِق على أنه يجب عليها ـ أي : المرأة ـ أن تسافر مع غير ذي محرم إذا خافت على دينها ونفسها ، وتهاجر من دار الكفر كذلك”[66]

قال أبو العباس في سفر المرأة للحج الواجب وعدم اشتراط المحرم  “وذهب عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين والأوزاعي ومالك والشافعي إلى أن ذلك ليس بشرط ، ورُوي مثله عن عائشة رضي الله عنها”[67]

قال ابن بطال -رحمه الله  تعالى -” هذه الحال ترفع تَحْريج الرسول عن النساء المسافرات بغير ذي مَحْرم .كذلك قال مالك والأوزاعي والشافعي : تخرج المرأة في حجة الفريضة مع جماعة النساء في رفقة مأمونة ، وإن لم يكن معها محـرم . وجمهور العلماء على جواز ذلك ، وكان ابن عمر يحج معه نسوة من جيرانه . وهو قول عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن البصري . وقال الحسن : المسلم مَحْرَم ـ أي : الصالح التقي كالمحرم الحقيقي في كونه مأموناً على المرأة ـ ، ولعل بعض من ليس بمحرم أوثق من المحرم ” [68]

قال  ابن الملقن رحمه الله تعالى  : “قال ابن بزيزة : والصحيح عندنا أن فريضة الله لازمة والمؤمنون إخوة ، وطاعة الله واجبة ، وقد قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله” ، والمسجد الحرام أجل المساجد فكان داخلاً تحت مقتضى هذا الخبر”[69]

 

رابعا:  وصف “الثقة  والامان” واستبعاد سائر الاوصاف:

قال ابن مفلح رحمه الله تعالى –  ” وعند شيخنـا ـ أي : ابن تيمية ـ : تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم . وقال : إن هذا مُتوجِّه في كل سفر طاعة ، كذا قال ـ رحمه الله ـ “[70]

قال البعلي : “وتَحُجُّ كل امرأة آمنة مع عدم محرم . قال أبو العباس : وهذا مُتوجِّه في سفر كل طاعة ” [71] .قال النووي رحمه الله تعالى-  : “هل يجوز للمرأة أن تسافر لحج التطـوع؟ أو لسفر زيارة وتجارة ونحوهما مع نسوة ثقات ؟ أو امرأة ثقة ؟ فيه وجهان ، وحكاهما الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي وآخرون من الأصحاب في : (باب الإحصار) . وحكاهما القاضي حسين والبغوي والرافعي وغيرهم . أحدهما: يجوز كالحج . والثاني : وهو الصحيح باتفاقهم ، وهو المنصوص في (الأم)” [72]

ونقل ايضا قائلا  : ” قال الماوردي: ومن أصحابنا من جوَّز خروجها مع نساء ثقات، كسفرها للحج الواجب،  قال: وهذا خلاف نص الشافعي،  قال أبو حامد: ومن أصحابنا من قال: لها الخروج بغير محرم في أي سفر كان, واجبًا كان أو غيره”.[73]

قال الإمام الباجي رحمه الله تعالى-  بعد نقل أقوال الفقهاء في سفر المرأة للحج بدون محرم: “ولعل هذا الذي ذكره بعض أصحابنا إنما هو في حال الانفراد والعدد اليسير، فأما القوافل العظيمة والطرق المشتركة العامرة المأمونة فإنها عندي مثل البلاد التي يكون فيها الأسواق والتجار فإن الأمن يحصل لها دون محــرم ولا امرأة، وقد روي هذا عن الأوزاعي”[74]

 

 

 

نماذج  من فتاوى معاصرة

 

دار الإفتاء المصرية

ما حكم سفر المرأة من غير محرم؟

الجـــــــــــــــــــــــــــواب:

يجوز للمرأة أن تسافر بدون مَحرَم بشرط اطمئنانها على الأمان في دينها ونفسها وعرضها في سفرها وإقامتها وعودتها، وعدم تعرضها لمضايقاتٍ في شخصها أو دِينها؛ فقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه البخاري وغيره عن عَدِيّ بن حاتم رضي الله عنه أنه قال له: «فإن طالَت بكَ حَياةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينةَ -أي المسافرة- تَرتَحِلُ مِنَ الحِيرةِ حتى تَطُوفَ بالكَعبةِ لا تَخافُ أَحَدًا إلاّ اللهَ»، وفي رواية الإمام أحمد: «فو الذي نَفسِي بيَدِه لَيُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمرَ حتى تَخرُجَ الظَّعِينةُ مِن الحِيرةِ حتى تَطُوفَ بالبَيتِ في غَيرِ جِوارِ أَحَدٍ». فمِن هذا الحديث برواياته أخذ جماعة من الفقهاء المجتهدين جوازَ سفر المرأة وحدها إذا كانت آمنة، وخصصوا بهذا الحديث الأحاديثَ الأخرى التي تُحَرِّم سفر المرأة وحدها بغير مَحرَم؛ فهي محمولة على حالة انعدام الأمن التي كانت من لوازم

سفر المرأة وحدها في العصور المتقدمة

وقد أجاز جمهور الفقهاء للمرأة في حج الفريضة أن تسافر بدون محرم إذا كانت مع نساء ثقات أو رفقة مأمونة، واستدلوا على ذلك بخروج أمهات المؤمنين رضي الله عنهن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للحج في عهد عمر رضي الله عنه وقد أرسل معهن عثمان بن عفان ليحافظ عليهن رضي الله عنه.
قال الإمام أبو الحسن بن بطال المالكي في “شرح البخاري” (4/532، ط. مكتبة الرشد): [قال مالك والأوزاعي والشافعي: تخرج المرأة في حجة الفريضة مع جماعة النساء في رفقة مأمونة وإن لم يكن معها محرم، وجمهور العلماء على جواز ذلك، وكان ابن عمر يحجُّ معه نسوة من جيرانه، وهو قول عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن البصرى، وقال الحسن: المسلم مَحْرَمٌ، ولعل بعضَ مَن ليس بمَحْرَمٍ أوثقُ مِن المَحْرَم] اهـ.
ومما سبق يتبين لنا أن توفر الأمن هو المعول عليه عند الفقهاء في الإقدام على السفر والامتناع منه.
والذي عليه الفتوى أن سفر المرأة وحدها عبر وسائل السفر المأمونة وطرقه المأهولة ومنافذه العامرة؛ من موانئ ومطارات ووسائل مواصلات عامَّة، جائز شرعًا ولا حرج عليها فيه؛ سواء أكان سفرًا واجبًا أم مندوبًا أم مباحًا، وأنَّ الأحاديث التي تنهى المرأة عن السفر من غير محرم محمولة على حالة انعدام الأمن، فإذا تَوَفَّرَ الأمن لم يشملها النهي عن السفر أصلًا.
والله سبحانه وتعالى أعلم”[75]

 

فتوى  سماحة الشيخ ابن باز – رحمه الله تعالى –

الأحاديث متنوعة في هذا فيها يومان وفيها يوم وليلة وفيها يوم وفيها ليلة وفيها ثلاثة أيام وفيها مطلق، هذا على اختلاف الأسئلة يجيبهم على قدر سؤالهم عليه الصلاة والسلام، في الحديث الجامع ما رواه الشيخان في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقال رجل: يا رسول إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال له النبي: انطلق فحج مع امرأتك))[2].

والحديث الجامع: ((لا تسافر إلا مع ذي محرم)) أي سفر يوم أو ليلة أو يومين أو ثلاث أو أكثر أو أقل؛ لأنها عورة وفتنة، وإذا لم يكن معها محرم يصونها ويلاحظها عن الخطر العظيم عليها.

فالشيء الجامع هو السفر وما يعدُّ سفراً هو الممنوع قد يكون يوماً، قد يكون يومين، قد يكون ثلاثة، وقد يكون أكثر من ذلك، ولا فرق بين الطائرة وبين القطار والسيارة وبين الجمل، فإن الذي أخبر عن هذا يعلم سبحانه ما في السماء والأرض وما يكون في آخر الزمان، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما يخبر عن مشروعية ذلك؛ لقوله سبحانه: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[3]، فهو يعلم عن شرع الله ويخبر عن شرع الله في الحاضر والمستقبل، والله سبحانه يعلم ما يكون في آخر الزمان في القرن الرابع عشر والخامس عشر من الطائرات والسيارات والقطارات والبواخر العظيمة السريعة وغير ذلك، فحكمه واحد بينه لعباده ولم يقل إلا إذا كان في آخر الزمان وجاءت مراكب سريعة فلا بأس، قد جعل الحكم واحداً.” [76]

دار الافتاء العام المملكة الاردنية الهاشمية [77]

قرار رقم: (92) حكم سفر المرأة دون محرم

بتاريخ 28/ 6/ 1426 هـ، الموافق  4/ 8/ 2005 م

ورد إلينا سؤال يقول فيه صاحبه:

هل سفر المرأة بالذهاب أو الإياب بلا محرم حرام أم لا، وما حكم إقامة المرأة في البلد الذي تعمل به بدون محرم ؟

الجواب وبالله التوفيق:

إن الأصل في ذلك أنه يحرم سفر المرأة – وكذلك إقامتها- بدون زوج أو محرم مسافة أبعد من مسافة قصر الصلاة، لحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسافر امرأة ثلاثاً إلا ومعها محرم) [رواه الشيخان] ولحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوماً وليلة ليس معها ذو محرم) رواه الشيخان، وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم) [رواه البخاري ومسلم].

الحالات التي أجمع العلماء على جواز سفر المرأة بلا محرم أو زوج :

1 – في الهجرة من دار الحرب إلى دار السلام.

2 – المخافة على نفسها.

3 – إذا وقعت أسيرة وتمكنت من الهرب.

4 – قضاء الدين ورد الوديعة.

5 – الرجوع من النشوز.

6 – وجوب عدة الوفاة أو الطلاق البائن عليها في حالة السفر.

ورأى مجلس الإفتاء أن جواز سفرها بلا محرم أو زوج لغرض مشروع على أن يكون سفرها مقيداً بالشروط التالية:

1 – أن يكون الطريق آمناً.

2 – أن تكون الفتنة مأمونة.

3 – أن يكون سفرها برفقة مأمونة من النساء الثقات.

4 – أن تكون ملتزمة باللباس الشرعي والأخلاق والآداب الإسلامية.

5 – أن يكون سفرها في وسائط النقل وبرفقة مأمونة من النساء.

6 – أن تقيم برفقة مأمونة من النساء المشهورات بالتقوى والخلق القويم.

ومما يدل على ذلك الحديث الذي أخرجه البخاري عن عدي بن حاتم قال: (بينما أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتى إليه آخر فشكا قطع السبيل فقال يا عدي: هل رأيت الحيرة؟ قلت لم أرها وقد أنبئت عنها قال: فإن طالت بك الحياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله) قال عدي: (فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله)

والله تعالى أعلم.

رئيس مجلس الإفتاء

قاضي القضاة / عز الدين الخطيب التميمي

الشيخ سعيد عبدالحفيظ الحجاوي د. واصف عبدالوهاب البكري
د. يوسف علي غيظان الشيخ عبدالكريم الخصاونة
الشيخ نعيم محمد مجاهد د. عبدالمجيد محمود الصلاحين

 

 

هذه نماذج لفتاوى معاصرة  استقيت من امهات الكتب الفقه وكل قد اختار الوصف المناسب ليعلق عليه الحكم في سفر المرأة بلا محرم كما بينت سابقا.

 

-تحقيق المناط في سَفَر المرأة الى المسجد الاقصى للكشف عن علّة النزاع وتحريرها في تعريف تحقيق المناط

تحقيق المناط لغة

   التحقيق في اللغة العربية له معان كثيرة كلها مرتبطة ببعضها بعضا منها ما قاله ابن منظور في لسان العرب : ” يقال حق الأمر يحق حقا وحقوقا : صار حقا وثبت ، واحق الأمر أثبته وصار عنده حقا لا يشك فيه، ويقال : حقق الرجل إذا قال هذا الشيء هو الحق كقولك صدق ، ويقال أحققت الأمر إحقاقا إذا أحكمته وصححته ، وحقق قوله وظنه تحقيقا أي صدق ، وكلام محقق أي رصين ، والحقّة : حقيقة الأمر ، وثوب محقق إذا كان محكم النسج ، وأنا حقيق على كذا أي حريص عليه”[78]. وجاء في مختار الصحاح : ” أحق الشيء حققه وصار منه على يقين ، وأحقه غيره أوجبه واستحقه أي استوجبه ، وتحقق عنده الخبر أي صح عنده الخبر، وحقق قوله وظنه تحقيقا أي صدقه”[79] .

ونلاحظ من خلال التعريف اللغوي أن لفظ التحقيق يشتمل على معان عديدة منها الثبات والتثبيت، والإحكام والحرص والتصحيح ، فنقول مثلا كتاب محقق أو هذا الكتاب محقق وقد حققه فلان، أي أن فلان نظر في هذا الكتاب وصحح ما فيه من أخطاء وثبت ما فيه من معلومات ، وأشار إلى ما ليس له اصل مما وضع في الكتاب حتى اصبح الكتاب محققا ، ويقال  مثلا تحققت وفاة فلان أي صحت وفاة فلان ، والمحقق هو الذي يحاول الوصول إلى المعلومات الصحيحة وتحري الحقيقة، ونلاحظ أن هذه المعاني كلها مجتمعة قريبة من بعضها ، وأن بينها صلة  وأيضا قريبة  من المعنى   الاصطلاحي لتحقيق المناط

 

 

تحقيق المناط في الاصطلاح

 

تقاربت تعريفات علماء الأصول لتحقيق المناط في اصطلاحهم على خلاف ما مر في تنقيح المناط ، ولعل أهم أسباب ذلك التقارب ، هو اتفاقهم على هذا النوع من أنواع الاجتهاد والنظر في العلة يقول التفتازاني : ” ولا يعرف خلاف في صحة الاحتجاج  به –أي تحقيق المناط- إذا كانت العلة معلومة بنص أو إجماع “[80] ، ويقول الغزالي : ” أما الاجتهاد في تحقيق مناط الحكم فلا نعرف خلافا بين الأمة في جوازه ، وهو ضرورة كل شريعة “[81] . وقد عرفه الآمدي بقوله: ” أما تحقيق المناط فهو النظر في معرفة وجود العلة في أحاد الصور ، بعد معرفتها في نفسها ، أما إذا كانت معروفة بالنص ، فكما في جهة القبلة فإنها مناط وجوب استقبالها، وكون هذه الجهة هي جهة القبلة في حالة الاشتباه فمظنون بالاجتهاد والنظر ، وأما إذا كانت العلة معلومة بالإجماع  فكالعدالة فإنها مناط وجوب قبول الشهادة ، وهي معلومة بالإجماع، وأما كون الشخص عدلا فمظنون بالاجتهاد ، وأما إذا كانت مظنونة بالاستنباط ، فكالشدة المطربة ، فإنها مناط تحريم الشرب في الخمر ، فالنظر في معرفتها في النبيذ هو تحقيق المناط . “[82]، وذكر الزركشي تعريفه لتحقيق المناط قائلا : ” أما تحقيق المناط فهو أن يتفق على علية وصف بنص أو إجماع ، فيجتهد في وجودها في صورة النزاع ،كتحقيق أن النباش سارق، وكأن يعلم وجوب الصلاة إلى جهة القبلة ، ولكن لا يدرك جهتها إلا بنوع نظر واجتهاد” [83]. وذكر ابن السبكي تعريفه بقوله : “وأما تحقيق المناط فهو أن يتفق على علية وصف بنص أو إجماع ويجتهد وجودها في صورة النزاع كالاجتهاد في تعيين الإمام وكذا تعيين القضاة والولاة وكذا في تقدير التعزيزات وتقدير الكفاية في نفقة القريب وإيجاب المثل في قيم المتلفات وأروش الجنايات وطلب المثل  في أجزاء الصيد”[84].  وقال ابن قدامة : “وأما تحقيق المناط فنوعان: أحدهما لا نعرف في جوازه خلافا ، ومعناه ان تكون القاعدة الكلية متفقا عليها ، أو منصوصا عليها ويجتهد في تحقيقها في الفرع ، كالاجتهاد في القبلة ، فوجوب التوجه إلى القبلة معلوم بالنص ، أما أن هذه جهة القبلة فيعلم بالاجتهاد ، والثاني :ما عرف علة الحكم فيه بنص أو إجماع ، فيبين المجتهد وجودها في الفرع باجتهاده مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الهر: “إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات “[85]  ، جعل الطواف علة فبين المجتهد باجتهاده وجود الطواف في الحشرات من الفارة وغيرها ليلحقها بالهر في الطهارة “[86] .

ويرى الدريني أن تحقيق المناط هو :  ” إثبات مضمون القاعدة العامة ، أو الأصل الكلي ، أو العلة في الجزئيات إبان التطبيق ، بشرط أن يكون كل من المضمون والعلة متفقا عليه ، فهو ضرب من الاجتهاد بالرأي في التطبيق الذي لا يمكن أن ينقطع حتى فناء الدنيا ، وبيان ذلك أن تطبيق كل من القاعدة العامة ، أو الأصل اللفظي العام ، أو الأصل المعنوي العام ، المتفق على حجية كل أولئك بين الأئمة والمجتهدين على الجزئيات والفروع المستجدة أو المعروضة ، إذا تحقق معناه فيها كملا والمجتهد والفقيه هو الذي يثبت هذا التحقيق والحصول بالبحث والاجتهاد كما يشمل مفهومه أيضا، إثبات وجود علة حكم النص الجزئي المتفق عليها في ذاتها  في الفرع ، الذي لم يرد فيه نص أبان إجراء القياس الأصولي ،سواء أكانت تعرف تلك العلة في ذاتها ، عن طريق النص الشرعي أو الإجماع أو الاستنباط” [87].  ويرى الشاطبي أن تحقيق المناط نوع من أنواع الاجتهاد المتعلق بالمكلفين كافة ولا يمكن أن ينقطع إلى قيام الساعة حيث يقول : “الاجتهاد على ضربين أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف ، وذلك عند قيام الساعة ، وهذا اجتهاد المتعلق بتحقيق المناط وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله”[88] .

يظهر من تعريفات الأصوليين أعلاه أن تحقيق المناط نوعان ، نوع عام ، ونوع خاص ، وسنفرد لكل واحد من النوعين مطلبا خاصا به ، والملاحظ أيضا من خلال جميع التعريفات السابقة أنها تصب في معنى واحد ومتشابه جدا ، وحاصلها التحقيق من وجود مناط الحكم في الواقعة المحكوم فيها أو عدم وجوده ، أو بمفهوم آخر البحث عن وجود وصف اعتبره الشرع علة للحكم فيما هو منصوص عليه في الواقعة الجديدة غير المنصوص عليها ، وهو بهذا ضرب من الاجتهاد التطبيقي للقواعد العامة أو الأصول الكلية أو للعلة في الجزئيات ، وقد لمسنا من خلال التعريف أن هذا الضرب من الاجتهاد ضرورة  لكل شريعة وقانون ، وانه لا ينقطع مهما تبدل الزمان وتغيرت الأحوال ، بل هو حاجة الولاة والائمة والفقهاء ، يقول د.عبد المجيد النجار: “ولما كانت الأحكام المراد تنزيلها أحكاما كلية عامة تتناول أجناس الأفعال والأنواع بحيث لا تسع أفعال الإنسان في تعددها لتعدد الأفراد ، وفي   تغايرها وتجددها بتجدد الزمن ، فان إرجاع هذه الأفراد من الأفعال المتعددة الكثيرة المتغايرة المتجددة إلى تلك الأحكام الكلية العامة لتوجهها، بما يحقق المصلحة ويستلزم جهدا عقليا عظيما متعدد المظاهر متحد الغاية ، وذلك الجهد هو الاجتهاد في التنزيل الذي سماه الشاطبي الاجتهاد لتحقيق المناط”[89] .

والملاحظ من ذلك أن الوظيفة الأساسية لتحقيق المناط هي ضمان تحقيق العدل والعدالة عند إنزال الأحكام سواء كانت عامة تتعلق بالأنواع أو خاصة تتعلق بالأشخاص ، والغرض الأساسي لتحقيق المناط أن ينظر في الصور العملية لافعال الناس وملاءمة تلك الصور بعد الفحص والنظر والأخذ بالاعتبار حتى حالة المكلف نفسه وما يصدر عنه من تصرفات في حالات معينة، والنظر في آثار تلك التصرفات وغايتها ليرجع كل نوع من تلك الأنواع أو تصرف من تلك التصرفات إلى جنسه في الشريعة فيشمله حكمه . وهذه الوظيفة تستلزم جهدا عقليا عظيما تماما كعملية تشخيص المرض لاختيار العلاج المناسب ، والغاية الكبرى من كل هذا هو تحقيق المصلحة التي توخاها الشرع عند تنزيله للشريعة ، ولأهمية قاعدة تحقيق المناط العظمى قال الخضري : ” إن تحقيق المناط لا يستغني عنه فقيه ولا عامي”[90].

اصل قاعدة تحقيق المناط

   ذكرت سابقا أن تحقيق المناط كما قال الشيخ الخضري رحمه الله لا يستغني عنه فقيه ولا عامي ومر معنا سابقا انه ضرورة لكل شريعة، وهو نوع من أنواع الاجتهاد بالرأي في التطبيق الذي لا ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف ، يقول الدريني : ” إن مبدأ تحقيق المناط الثابت بإجماع الأصوليين والفقهاء ، – وهو مقتضى للتشريع نفسه –  لا يقل عن الاجتهاد بالرأي فيه ، خطرا واثرا ، عن الاجتهاد بالرأي في الاستنباط ،  إذ تتعلق بالتطبيق العملي ثمرات التشريع الإسلامي كله ، بل ومقصد الشارع من إنزال الشريعة لتدبير الحياة الإنسانية على وجه الأرض ، وإلا فاستنباط الأحكام نظريا لا يغني عن تطبيقها عمليا، واجتناء ثمراتها في مواقع الوجود “[91] .

أما قصد الشارع من إنزال الشريعة فيقول الشاطبي : ” والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراءً لا ينازع فيه الرازي ، ولا غيره”[92] . ويقول د.حامد العالم : “وما من حكم شرعي إلا وهو يحقق مصلحة أساسها المحافظة على النفس أو العقل أو الدين أو النسل أو المال ، وان هذا يبدو من الشريعة في جملة مقاصدها ، ولا يمكن أن يكون حكم شرعي إلا هو متجه إلى ناحية من هذه النواحي”[93] .إذن الهدف والغاية من إنزال الشريعة الإسلامية هو تحقيق مصلحة الإنسان وخيره في الدنيا والآخرة ، وان كل نص من نصوص الشريعة الإسلامية يحمل بين ثناياه مصلحة تتحقق فور تنفيذه أو العمل به، وقاعدة تحقيق المناط هي بمثابة شبكة الأمان التي تضمن تحقيق المصلحة المنشودة عند تطبيق الأحكام الشرعية، وهي بمثابة الموجه الذي لا يمكن لاحد أن يستغني عنه عند تطبيق الأحكام ، فالأحكام الشرعية ما هي إلا وسائل لغايات ، والغاية الكبرى من هذه الوسائل هو تحقيق مصلحة الإنسان ولهذا قال د. علي السرطأوي : “تتميز المشروعية الإسلامية عن القانون الوضعي في أنها لا تكتفي فقط بمعيار الصحة والبطلان ، للحكم على التصرفات بل نجدها تنقل حكم التصرف من الإباحة إلى الندب ثم إلى الوجوب ، ومن الإباحة إلى الكراهة فالتحريم “[94] . وهذا الحكم على التصرف وتدرجه بداية من الوجوب انتهاءً إلى التحريم إنما يؤكد أن  الأحكام الشرعية ما هي إلا وسائل لغايات، ولا يتم التحقق من أن الحكم المرتبط بغاية وهدف يحقق المقصود من تشريعه ابتداء إلا بعد النظر والتدقيق عند تطبيقه ، لذا أنشأت الشريعة الإسلامية نوع من أنواع النظر والاجتهاد يضمن تحقيق المصلحة المقصودة من تشريع الأحكام وهذا النوع هو قاعدة تحقيق المناط يقول الشاطبي : “لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد ، كانت الأعمال معتبرة بذلك لانه مقصود الشارع منها ، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على اصل المشروعية فلا إشكال ، وان كان الظاهر موافقا ، والمصلحة مخالفة ، فالفعل غير صحيح وغير مشروع ، لان الأعمال الشرعية ليست مقصودة بنفسها وإنما قصد بها أمور أخرى هي معانيها وهي المصالح التي شرعت لاجلها ،فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع ، فليس على وضع المشروعات “[95] . ويضيف الأستاذ  الدريني شارحا هذا الكلام : “الشريعة الإسلامية لم تشرع الحقوق وما تستلزم من أعمال كغايات ، حتى يكون صاحبها مطلق التصرف فيها، بل شرعت كوسائل لتطبيق مصالح ، ووضعت الحقوق في يد الفرد لهذا الغرض، وبذلك اصبح كل حق في الشرع مقيدا بغايته، والانحراف عن هذه الغاية التعسف بعينه”[96] . ووجه إيراد هذا الكلام لنبين أن قاعدة تحقيق المناط هي وسيلة الكشف والنظر والتمحيص للحكم على التصرفات لتظهر أهي موافقة للشرع نصا وروحا ،منطوقا ومنطقا بداية وغاية ام لا؟ ولهذا انشأت هذه القاعدة الجليلة وأنيطت   بها تلك المهمة ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: ” لفظ الربا يتناول كل ما نهي عنه من ربا النسأ وربا الفضل، والقرض الذي يجر منفعة متناول لهذا كله ، لكن يحتاج في معرفة دخول الأنواع والأعيان في النص إلى ما يستدل به على ذلك ، وهذا الذي يسمى : تحقيق المناط  “[97]. وقال أيضا : ” كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال : ” لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر”[98]. وعمل بهذا أهل الحديث ومتابعوهم فنهى عن بذل المال في المسابقة إلا في مسابقة يستعان بها على الجهاد ، الذي هو طاعة لله عز وجل ، فكيف يجوز أن يبذل الجعل لمن يعمل دائما عملا ليس طاعة لله تعالى ،وهذه قاعدة معروفة عند العلماء : لكن قد تختلف أراء الناس وأهواؤهم في بعض ذلك ، ولا يمكن هنا تفصيل هذه الجملة ولكن من له هداية من الله تعالى لا يكاد يخفى عليه المقصود من غالب الأمر، وتسمي العلماء مثل هذه الأصول تحقيق المناط”[99].

والمقصود من المثال أن العلماء متفقون أن يبذل الجعل في مسابقة يستعان بها على الجهاد، والجهاد هو طاعة لله تعالى إلا انهم يختلفون في صرف الجعل في إعمال تكون طاعة لله عز وجل ، والتي يمكن أن نعدها نوعا من أنواع الجهاد كالجهاد بالقلم أو الجهاد باللسان كالدعوة إلى الله عز وجل ، أو أن يصرف الجعل لأي عمل من الأعمال الدالة على البر وفعل الخير وهذا كله يختلف الناس فيه . بمعنى آخر قد يختلف العلماء في نوع العمل هل تتحقق فيه معاني الجهاد التي صرف الجعل لها أم لا ؟ حيث أن العلماء تسمي مثل هذا التحقق تحقيق المناط . بعد بيان اصل هذه القاعدة وبيان المهمة التي أنيطت بها لا بد أن نذكر أن جميع الخطط التشريعية والتي عنيت بتحقيق المصلحة والغاية من وراء إنزال الشريعة بحيث لا يعود تطبيق الحكم على عكس ما قصد منه عند تشريعه ، بل تبقى الغاية المتواخاه عند تطبيقه ثابتة لا تتغير ولا تتبدل ، جميع تلك الخطط التشريعية تندرج تحت هذه القاعدة العظيمة ، يقول الأستاذ الدريني : ” إن منشأ تحقيق المناط الخاص هو-كما قال الشاطبي-اصل النظر في مآلات الأفعال ، وتأسيسا على ذلك يندرج في هذه القاعدة مبدأ سد الذرائع ومبدأ فتح الذرائع والتعسف في استعمال الحق ومبدأ الاستحسان”[100] . كل مبدأ من هذه المبادئ تمثل خطة تشريعية تطبيقية هامة في حياة الأمة الإسلامية بكافة أشكالها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية على مستوى الأمة أو قطر منها شعوبا وأفرادا ، وهذه المبادئ التي تندرج تحت قاعدة تحقيق المناط إنما هي على سبيل المثال لا الحصر

اثر تحقيق المناط على الحكم التكليفي

قلنا سابقا أن اصل قاعدة تحقيق المناط ومهمتها التحقق من جني الثمرات من وراء إنزال الشريعة، وضمان أن الأحكام الشرعية موصلة إلى غاياتها والتي هي مصالح العباد كما أشار ابن القيم إلى أساس بناء الشريعة والغاية منها فقال : ” إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ، ورحمة كلها، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسالة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة وان أدخلت فيها بالتأويل”[101] . ويمكن القول بعد النظر في عبارات ابن القيم ، أن الشريعة وضعت وبنيت على مصالح العباد لتحقيق العدل والعدالة ، فما من حكم تكليفي إلا من وراء تشريعه مصلحة وعدل ورحمة، فإذا خرج عن ذلك اصبح لا يمت إلى الشريعة بصلة ، وكان بعيدا كل البعد عن الشريعة، والمقصود بالحكم التكليفي كما ذكره البيانوني : ” اثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد طلبا أو تخييرا”[102] . فالأحكام الشرعية التكليفية مرتبطة بغاياتها ، والهدف من اتباع تلك الأحكام أو تطبيقها والعمل بها الوصول إلى مراد الشارع منها ، وقد يتأثر الحكم الشرعي في الواقعة المعروف أنها مندرجة تحته والأصل أن ينزل على تلك الواقعة المعينة إلا انه يصار إلى غيره بحيث لو بقي على ما كان عليه لخرجت تلك المسالة عن العدل إلى الجور وعن المصلحة إلى ضدها وقد نقل الأستاذ الزرقاء قول العلامة ابن عابدين ” كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو لفساد  أهل الزمان ، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه للزم منه المشقة ، والضرر بالناس ، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد”[103].  وقد أكد الأستاذ الزرقاء رحمه الله ذلك بقوله: ” إن الأحكام الشرعية التي أسسها الاجتهاد في ظروف مختلفة عن الظروف الجديدة غير صالحة لتحقيق الغاية الشرعية من تطبيقها، فيجب أن تتغير إلى الشكل الذي يتناسب مع الأوضاع القائمة ، ويحقق الغاية الشرعية من الحكم الأصلي ، وذلك نظير السفينة الشراعية التي تقصد اتجاها معينا في ريح شمالية مثلا ، فان شراعها يقام على شكل يسير بالسفينة في الاتجاه المطلوب ، فإذا انحرف مهب الريح وجب تعديل وضع الشراع إلى شكل يضمن سير السفينة في اتجاهها المقصود ، وإلا انحرفت أو توقفت” [104].

وقد عقب د. علي السرطأوي على هذا المثال الرائع مبينا وشارحا من بيده صلاحية وسلطة التغيير قائلا : “وسلطة التغيير والتطوير هذه جعلتها الشريعة في يد العلماء وولاة الأمر لذا نجد المفتي الذي ينظر في حال كل شخص وفي كل واقعة بعينها ، ناظرا في طبيعة الشخص وقدرته، وما احتف الواقعة من ظروف ، ثم يعطي الحكم الشرعي المناسب الذي يكون محققا لمقصود الشارع”[105].  وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم-المرشد الأول لهذا المنهاج الصحيح والذي يعني بالفتوى ويحث المفتي على النظر والاجتهاد عند إنزال الفتوى على الواقعة المعروضة-تحقيق المناط-  ، حيث روى البهيقي في سننه عن جابر قال: ” خرجنا في سفر فاصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فقال لاصحابه:هل تجدون لي رخصة في التيمم ، قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – اخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم “[106] .

والملاحظ أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يلتفتوا إلى أي نص آخر غير النص العام  يتعاملون به مع هذه الواقعة ، بل بقي في أذهانهم وعقولهم أن الرجل يقدر على الحركة، وان الماء متوفر موجود ، ولا يمكن التيمم مع استطاعة الرجل ووجود الماء واستندوا إلى الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة وهو قوله تعالى :  ) فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا([107] ، وافتوا بما هو مشهور إذا حضر الماء بطل التيمم ، وعلى الرغم من استنادهم إلى أدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة إلا أننا نجد ان الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد غلظ عليهم ، بل ونفى عنهم صفة العلم والصق بهم صفة الجهل ونعتهم به وأرشدهم إلى السؤال قبل الإفتاء وشنع على فتواهم هذه والتي كانت سببا في مقتل الرجل ، حيث أن بقاء حكم الغسل من الجنابة  على ما هو عليه فيما يتعلق بالواقعة الجديدة والتي احتفت بظروف معينة لا يناسب، بل وبسبب تلك الظروف انتقل خطاب الله تعالى المتعلق بالواقعة من الغسل إلى التيمم كما بين ذلك الرسول – صلى الله عليه وسلم – حيث يتناسب حكم التيمم مع  تلك الواقعة ، ويأتي منسجما مع روح الشريعة والإسلامية ومقصدها وذلك بعد النظر والاجتهاد ، حتى لو تعلق الأمر بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة وبهذا الصدد يقول د. علي السرطاوي : ” إن الشريعة الإسلامية وضعت خططا ومناهج تشريعية تضمن أن تجعل الأحكام موصلة إلى غاياتها بعدالة وفق إرادة الشارع ، التي كلفنا تنفيذها وامتثالها اخذين بعين الاعتبار ان إرادة الشارع في أمر من الأمور لا تؤخذ من نص عام واحد فقط مهما كانت قطعية الثبوت والدلالة ، لان هذا النص جزء من كل الشريعة ،فلا يجوز أخذه أو فهمه فيما يناقضها ،لان الأصل الا يتناقض الجزء مع الكل وشرع الله لا تناقض فيه”[108].  هذه طبيعة الدين وهذه طبيعة الشريعة، وتحقيق المناط هو إحدى المناهج الشرعية التي لها الأثر البارز في التأثير على الأحكام الشرعية وصرف دليل الأصل المقطوع به لواقعه معينة إلى دليل آخر بدله بعد النظر والتدقيق في الظروف التي تحيط بالواقعة والتي بسببها نشأ دليل قوي يصرف دليل الأصل كما بينا في المثال السابق ، لذا يبقى تحقيق المناط أحوج الأدوات التي لا يستغني المجتهد عنها في صناعة الفتوى على احسن وجه بما يلائم مقصد الشارع وهذا بدوره يبرز أهمية هذه القاعدة في التأثير على الحكم الشرعي التكليفي كما مر معنا في المثال السابق.

أقسام تحقيق المناط

 المناط العام

سبق القول أن تحقيق المناط نوعان نوع عام ونوع خاص وسنتناول في هذا المطلب النوع العام منه وقد عرفه ابن قدامة بقوله : ” أن تكون القاعدة الكلية متفقا عليها، أو منصوصا عليها ويجتهد في تحقيقها في الفرع”[109] . وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية تعريفا قريبا من ذلك لهذا النوع من أنواع المناط فقال: “هو أن يعلق الشارع الحكم بمعنى كلي فينظر في ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان كأمره باستقبال الكعبة ، وكأمره باستشهاد شهيدين من رجالنا ممن نرضى من الشهداء ، وكتحريمه الخمر والميسر، وكفرضه تحليل اليمين بالكفارة ، وكتفريقه بين الفدية والطلاق وغير ذلك ، فيبقى النظر في بعض الأنواع هل هي خمر ويمين وميسر وفدية أو طلاق، وفي بعض الأعيان هل هي من هذا النوع ؟ وهل هذا المصلي مستقبل القبلة ؟ وهذا الشخص عدل مرضى ؟ ونحو ذلك ،  وهذا النوع من الاجتهاد متفق عليه بين المسلمين بل بين العقلاء فيما يتبعونه من شرائع دينهم وطاعة ولاة أمورهم ومصالح دنياهم واخرتهم “[110] . وقال صاحب الموافقات عن هذا النوع  من أنواع المناط : “معناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله ، وذلك أن الشارع إذا قال :”واشهدوا ذوى عدل منكم “[111] ، وثبت عندنا معنى العدالة شرعا ، افتقرنا إلى تعيين من حصلت فيه هذه الصفة ، وليس الناس في وصف العدالة على حد سواء ، بل ذلك يختلف اختلافا متباينا ، فانا إذا تأملنا العدل وجدنا لاتصافهم بها طرفين وواسطة:طرف أعلى في العدالة لا إشكال فيه كابي بكر الصديق – رضي الله عنه-وطرف آخر وهو أول درجة في الخروج عن مقتضى هذا الوصف ، كالمجاوز لمرتبة الكفر إلى الحكم بمجرد الإسلام فضلا عن مرتكبي الكبائر المحددين فيها وبينهما مراتب لا تنحصر وهذا الوسط غامض ، لا بد فيه من بلوغ حد الوسع وهو الاجتهاد”[112] .

هذه الأمثلة التي تعرض لها ابن تيمية والشاطبي من هذا النوع من أنواع الاجتهاد ، وغيرها من الأمثلة التي لا تنحصر والمطلوب من المجتهد أن يحقق في هذه الأنواع ليرجع كل نوع إلى جنسه من الأحكام فيشمله حكمه ، ولا يرجع إلى جنس آخر فيشمله حكم آخر ليس الذي أراده الله تعالى يقول الأستاذ الدريني : ” الحكم التكليفي قبل مرحلة تطبيقه ، وتحقيق مناطه في الجزيئات عام ومجرد، حتى إذا جرى الاجتهاد في تطبيقه على متعلقه من واقعة معينة ، أو شخص معين ، فان تحقق مناطه في كل منهما كان الحكم التطبيقي في هذه الحال مساويا للحكم التكليفي، ولا مراء في أن المجتهد يبذل أقصى طاقاته العلمية في سبيل تحقيق هذه المساواة بين الحكم التكليفي العام المجرد ، وبين الحكم التطبيقي الاجتهادي أو الإفتائي ، على الوقائع المعينة المعروضة ، التي يتعلق بها ذلك الحكم التكليفي العام “[113] . وقد نبه الشاطبي إلى أهمية هذا النوع من أنواع الاجتهاد-المناط العام-فقال:  “ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن ، لأنها مطلقات وعمومات وما يرجع إلى ذلك، منزلات على أفعال مطلقات كذلك ، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة ، وإنما تقع معينة مشخصة ، فلا يكون الحكم عليها إلا بعد المعرفة بان هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام وقد يكون ذلك سهلا وقد لا يكون وكله اجتهاد”[114]. وكما مر معنا أن هذا النوع من أنواع الاجتهاد في تحقيق المناط لا ينقطع حتى ينقطع اصل التكليف وهو مستمر باستمرار الحياة البشرية يقول د. النجار : “وليست هذه الأنواع والصور في الأفعال بمنحصرة حتى تظهر في فترة من الزمن ، ثم يقتصر الإنسان بعد ذلك على تكرارها فحسب ، بل تغاير أوضاع الحياة وانقلابها تأتي من الأنواع بما هو مستأنف ، ولذلك فان التحقيق في هذه الأنواع اجتهاد مستمر، مثاله الواضح اليوم ما يحدث في التعامل المالي من صور عديدة تتجاذبها في الانتماء أجناس المعاملة المالية من بيع وربا وغيرهما”[115].

والخلاصة أن تحقيق المناط العام يختص بالأنواع ، يقدر المجتهد بعد النظر والتدقيق في هذه الأنواع إلحاقها والرجوع بها إلى جنسها في الشريعة الإسلامية من الأحكام إذا وجدها مشابهة ومتقاربة منها. وهكذا تحافظ الشريعة الإسلامية على هيمنتها وإحاطتها بالأنواع والصور في الأفعال مهما تنوعت وتشكلت ومهما تغيرت وتبدلت ، حيث يتم وبواسطة تحقيق المناط تصنيف وترتيب تلك الصور في الإطار المناسب لها ويتم ضمها إلى جنسها أو ما يشبهها في الشريعة الإسلامية.

المناط الخاص

المناط العام يرجع إلى الأنواع ويتميز المناط العام عن المناط الخاص أن الخاص يرجع إلى الأشخاص لا إلى الأنواع،ومما يميز الشريعة الإسلامية أنها اهتمت بواقع الإنسان وطبيعته يقول د.علي السرطأوي: ” الشريعة واقعية ، ولا تهمل واقع الإنسان وطبيعته وتأتى بأحكام ومثل خارجة على نطاق قدراته، أو غير معتبرة لظروفه ، فالواقع في الشريعة مادة للدرس والتمحيص والتحليل لمقوماته وسائر عناصره وأهدافه للحكم عليه لا للاحتكام إليه والتسليم به على علاته “[116] . وهذا النوع من أنواع المناط يختص بالنظر في حالة كل مكلف من جميع نواحي الحياة وشؤونها يقول الشاطبي:  “وعلى الجملة فتحقيق المناط الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية ، بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة ، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل ، هذا بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره ، ويختص غير المنحتم بوجه آخر: وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت ، وحال دون حال ، وشخص دون شخص ، إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد ، فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة ، ولا يكون كذلك بالنسبة للآخر….وصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف النفوس ومراميها ، وتفاوت إدراكها ، وقوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها ، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها ، فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها ، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف ، فكأنه يخص عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق لكن مما ثبت عمومه في التحقيق الأول العام”[117] . وهذا الكلام من أروع ما يكون في الشريعة الإسلامية بالنسبة لتعاملها مع حملتها ومع اتباعها ، وعليه تتفرع جميع الخطط التشريعية التي عنيت بتحقيق الغاية من وراء كل حكم شرعي المتعلق بالأشخاص ، فمن المعقول مثلا إذا خرج جماعة في سفر معين وكان عدد المسافرين مائة راكب مقسمين إلى خمس مجموعات في كل مجموعة عشرين راكبا ، وتم تقسيم تلك المجموعات على حسب أعمارهم  ، فاعمار أفراد المجموعة الأولى مثلا بين ثمانين وسبعين ، والثانية ما بين ستين وخمسين وهكذا دواليك ، حتى إذا وصلت تلك المجموعات المسافرة إلى نقطة عبور الحدود ، أصر طاقم أفراد نقطة العبور على السماح للمجموعة الأولى فقط العبور لسنهم وضعفهم ، أما باقي المجموعات فطلب منها أن تبقى مدة زمنية على الحدود ، ووجد شخص في المجموعة الخامسة والتي يبلغ أعمار أفرادها ما بين عشرين وثلاثين سنة  مصاب بمرض شديد ولا يستطيع الانتظار يوما على الحدود فمن المنطق والمعقول أن يضم هذا الفرد إلى المجموعة الأولى والتي تتراوح أعمار أفرادها بين الثمانين والسبعين ، والذي أوصلنا إلى عدم السير حسب ترتيب المجموعات الأولى ثم الثانية هو  النظر في حالة هذا الفرد وضمه إلى المجموعة الأولى ليسمح له بمخالفة الترتيب بالرغم من أن  عمره لا يتناسب مع أعمار المجموعة الأولى ، يقول الأستاذ الدريني : ” ليس من المعقول ولا من المقبول شرعا ، أن يحكم واقعة معينة بحكم واحد ، مهما اختلفت ظروفها وملابستها ، ذلك لان لهذه الظروف تأثيرا في نتائج التطبيق ….. والواجب شرعا تطبيق الحكم المناسب لكل شخص على حدة ، في ضوء ظروفه الخاصة ، التي تنهض بدليل تكليفي معين يستدعي حكما خاصا في حقه ، لان تعميم الحكم التكليفي على جميع المكلفين يفترض التشابه في الظروف وقد لا يوجد”[118].

يتبين من كل ذلك أن تحقيق المناط الخاص يأتي بعد النظرة المتمعنة والمتفحصة المتعلقة بإنزال الأحكام على الأشخاص عند التطبيق لذا عبر عنه الشاطبي بقوله: ” أما الثاني وهو النظر الخاص فاعلى وادق من هذا –العام- وهو في الحقيقة ناشئ عن نتيجة تقوى الله عز وجل المذكورة في قوله تعالى)ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا([119]  وذلك لما يترتب على العمل بهذه القاعدة من اثار حيث يتنقل الحكم من الوجوب في اصله إلى الحرمة أو من الحرمة إلى الوجوب يقول الزحيلي: ” قد يطرا على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها ويتعين أو يباح عندئذ الحرام ، أو ترك الواجب أو تأخيره عن وقته دفعا للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشارع”[120] . ونرى د.علي السرطاوي يوسع من نطاق هذه القاعدة لتعود إلى الأمة بشكل عام حيث قال : ” وإذا كانت لطبيعة الحال والظروف الملابسة اثر في تغيير الحكم الشرعي للشخص الواحد ، فمن باب أولى أن تكون طبيعة الحال والظروف التي تمر بالأمة اثر في تشكيل علل الأحكام التي تطبق على الأمة بكاملها ، لذا أعطي ولي الأمر سلطة التغيير والتطوير هذه “[121] . وقد برع الخليفة الثاني للدولة الإسلامية ، عمر بن الخطاب  – رضي الله عنه –  في استعمال تلك القاعدة في مسائل كثيرة ،منها عام المجاعة والزواج من الكتابيات وحبس الأراضي وعدم تقسيمها بين الغانمين وغيرها من المسائل لذا لا يمكن أن يستغنى عن قاعدة تحقيق المناط الخاص عند الإفتاء وصناعة الفتوى أو عند القضاء وإصدار الأحكام ،حيث تبقى هذه القاعدة الجليلة هي أهم الآلات والأدوات التي يملكها المفتي أو القاضي أو والي الأمر لصناعة ما يصدره من أحكام على احسن وجه بما يتلائم مع مقصد الشارع من إنزال الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد ،ولعل الأهم من ذلك عند استعمال تلك القاعدة يمكن أن تظهر صورة الشريعة الإسلامية متحدة كلها متناسقة كلها متحدة في غاية واحدة ، مهما زادت فروعها وتبدلت وسائلها ويخشى على الفقيه أو القاضي أو والي الأمر عدم إدراك تلك القاعدة وفهم المهمة التي أنيطت بها وكيفية استعمالها عند تطبيق الأحكام الشرعية بحيث تكون نتيجة التطبيق بعكس ما قصد من وضع الشريعة تجلب المفاسد وتدرء المصالح ، إذ أن الشريعة وضعت لجلب المصالح ودرء المفاسد ،وان عدم الالتفات إلى قاعدة تحقيق المناط الخاص قد يؤدي إلى نتيجة عكسية غير النتيجة المتوقعة والتي هي مراد الشارع من تشريع الأحكام الشرعية  وحق إذا قيل تحقيق المناط لا يستغني عنه أحد.

 

 

 وسنرى بعد تنقيح المناط الصورة التي يكشفها لنا تحقيق المناط عن سَفَر المرأة الى المسجد الاقصى من خلال هذا العرض

مشروع “قوافل الأقصى”[122]

مشروع قوافل الأقصى ينقل آلاف المصلين شهريا إلى المسجد الأقصى ضمن رحلات تستمر طوال اليوم (الجزيرة نت) جمان أبو عرفة-القدس

متوكأة بيدها اليمنى على عصاها الخشبية وبالأخرى على إحدى النسوة نزلت المسنة نعمة العفيف (91 عاما) درجات الحافلة التي أقلتها من قريتها كفر قاسم في الداخل الفلسطيني إلى باب الاسباط المسجد الأقصى، ثم صعدت تلة  وواصلت مسيرها نحو قبة الصخرة متخطية كل نساء المجموعة اللواتي يصغرنها سنا..

تقول الحاجة نعمة للجزيرة نت إنها كانت تأتي إلى المسجد في صباها عبر القطار قبيل الاحتلال الإسرائيلي، وتواصل زيارته اليوم عبر مشروع قوافل الأقصى الذي تشرف عليه جمعية الأقصى لرعاية الوقف والمقدسات التابعة للحركة الإسلامية/الجناح الجنوبي.

يمكن مشروع قوافل الأقصى آلاف الفلسطينيين من قرى ومدن أراضي 1948 من زيارة المسجد الأقصى يوميا عبر حافلات تقلهم مجانا بمعدل مئة حافلة شهريا، وتتوزع الحافلات على المناطق حسب الأيام بما يوفر زيارات يومية إلى المسجد في أوقات الصلاة المختلفة من الفجر حتى العشاء. تنطلق صباح الاثنين من كل أسبوع حافلة مشتركة تضم مصلين من قرى كفر قاسم، وكفر برا، وجلجولية والطيرة يصلون إلى المسجد قبيل صلاة الظهر.
وتقول فاطمة الشنطي (63 عاما) للجزيرة نت إنها تقطع مسافة 48 كيلومترا من قرية كفر قاسم لتزور الأقصى برفقة مجموعة من صديقاتها وبعض أزواجهن.

الحافلات ضمن مشروع قوافل الأقصى تقل آلاف الفلسطينيين شهريا من الداخل الفلسطيني إلى الأقصى (الجزيرة)

وتؤكد فاطمة أن الطريق بعيد ومكلف لكن الحافلات تهون عليها مشاق السفر. وتضيف “أتمنى أن أقضي وقتي كله فيه، وأبني بيتا بجانبه حتى أزوره كل يوم وليس يوما واحدا فقط، ليس لنا مكان عزيز غيره”.لا يعمر المصلون أثناء زيارتهم المسجد الأقصى فقط، بل يعرجون على أسواق القدس والبلدة القديمة، الأمر الذي ينعش الاقتصاد في المدينة ويدعم صمود أهلها.
تقول أم راسم طه (66 عاما) إنها تحب شراء الكعك المقدسي لدى زيارتها القدس، وتذكر أنها كانت تزور الأقصى منذ عام 1976 عندما فتحت الطريق إلى المدينة، ثم أكملت زيارته عبر مسيرة حافلات البيارق ومن ثم مشروع قوافل الأقصى. وتضيف “نأتي صيفا وشتاء لنعمر الأقصى ولا نتركه فارغا أمام المستوطنين المقتحمين له، نقرأ القرآن ونصلي ونستمع إلى دروس العلم”.

وتأسس مشروع قوافل الأقصى عام 2000، وعاد مؤخرا إلى الواجهة بعد حظر الاحتلال الحركة الإسلامية/الجناح الشمالي التي كانت تقوم على مشروع حافلات مسيرة البيارق وتنقل فلسطينيي الداخل إلى مدينة القدس.

وما زال الاحتلال يعتقل أفرادا من القائمين على مسيرة البيارق بتهم، منها “نقل مصلين إلى الأقصى” فيما بات يعرف بملف عشاق الأقصى.

ويقول مدير جمعية الأقصى غازي عيسى “للجزيرة نت” إن مشروع قوافل الأقصى يكمل مسيرة البيارق ويسد ثغرات الأقصى ولا يذره فارغا، ويهدف إلى تشجيع الناس على شد الرحال إليه ودعم جيرانه من أهل القدس.

متبرعون من أهل الخير يتكفلون بمصاريف الحافلات المتجهة إلى الأقصى

وتقول مدلين عيسى -وهي مركزة المشروع (مسؤولة عن كل القوافل والمندوبين) في الداخل الفلسطيني- إن إحدى النساء تواصلت معها بعد رؤيتها الإعلان وأرسلت مع طفلها مبلغا من المال رغم إمكانيات الأسرة الصعبة.وأشار عيسى إلى أن هذا المشروع غير ممول من أحد إنما يقوم على دعم أهل الخير الذين يكفلون حافلات بشكل يومي دوري، كما تقوم الجمعية بتغطية قسم من المصروفات وتنشر إعلانات تشجع على التبرع لدعم نقل المصلين إلى الأقصى وتعرض أسهما للبيع بقيمة خمسين دولارا للسهم الواحد.

وتتولى جمعية الأقصى التواصل مع أهالي القرى والبلدات من أقصى الشمال الفلسطيني إلى جنوبه مرورا بمنطقة المثلث والمدن الساحلية من خلال أئمة المساجد وذوي النشاط الدعوي فيها.

وتشرف الجمعية أيضا على مشروع “عيون البراق” الذي يؤهل مجموعات من الشبان عبر دورات نظرية وعملية ليقوموا باصطحاب المصلين القادمين من الداخل الفلسطيني وتوعيتهم وتثقيفهم تاريخيا عبر جولات إرشادية في المسجد الأقصى والقدس.

 

[123]“المرابطات رأس مال الأقصى والمدافعات عن حياضه  

القدس المحتلة- المركز الفلسطيني للإعلام

هنّ أخوات الرجال في زمن عزّ فيه الرجال، يقمن بما يمليه عليهنّ الواجب في أحلك الأوقات التي تراجع فيها الكثير من القادرين على الفعل، عرفن أن ثغرة القدس في أمس الحاجة لهن، فلبين النداء دونما أي تفكير بالعواقب، فكن المدافعات عن المسجد الأقصى المبارك .. إنهن المرابطات.

لا يبالغ المرء إن قال إنهن المجاهدات اللاتي تُقدّر كل واحدة منهن بألف رجل؛ فما يقمن به من حمايةٍ للمسجد الأقصى ومن دفاعٍ عنه، كان ولا يزال له الدور الأكبر في إحباط عشرات محاولات اقتحامه وتدنيسه من قبل جماعات المستوطنين التي تخطط للاستيلاء على المسجد وإقامة الهيكل المزعوم مكانه.


 مقطع فيديو

عبر الدخول إلى موقع يوتيوب، ومشاهدة روابط الفيديو التي تتعلق باقتحامات المستوطنين وجنود الاحتلال للمسجد الأقصى المبارك، يجد المراقب بأن المرابطات كنّ عنصر الربط بين كل تلك المقاطع المصورة، فلا تغيب المرأة عن مشاهد الذود عن المسجد الأقصى ولو في أحلك الظروف.
وأينما كان مشهد الدفاع عن الأقصى داخل باحاته، كانت المرابطة أول من يفديه بالدم والجسد والروح، بعدما فدته بوقتها ومالها وعملها ومنزلها، فتراها تصدح بالتكبيرات بكل ما أوتيت من قوة، لتهزّ أركان الغاصب المقتحم للأقصى، كما تراها تساعد إخوتها المرابطين فتمدهم بالدواء والماء والحجارة، في مشهد يعيد للذاكرة ما كانت الصحابيات يقمن به خلال الحروب والغزوات.

 بداية الحكاية

مع تصاعد حدة المخاطر التي تحيط بالمسجد الأقصى المبارك منذ سنوات عديدة، من محاولة تهويد مستمرة وطمس للمعالم الإسلامية فيه، إلى اقتحامه بشكل شبه يومي، لجأ أهالي مدينة القدس والداخل المحتل إلى إقامة مشروع مصاطب العلم، حيث أصبح المسجد الأقصى قبلةً للحجيج من عدد من مدن الداخل المحتل.
ورغم أن مكانة الأقصى الكبيرة في قلوب الفلسطينيات كانت الملهم الأول لفكرة الرباط، إلا أنها تعززت عقب افتتاح مصاطب العلم التي استقطبت الكثير من النساء والرجال لتلقي دروس العلم وتعلم وحفظ القرآن داخل باحات المسجد المبارك.
فمن مدن أم الفحم والناصرة وحيفا وعكا والمثلث ويافا، تحجّ المرابطات للأقصى بقطع مئات الكيلومترات، متحديات جميع حواجز الاحتلال ومحاولات عزله للمدينة المقدسة.
وتؤمن المرابطات بأن الرباط في المسجد الأقصى جزءٌ من دور المرأة الفلسطينية في الجهاد ضد الاحتلال؛ حيث إنهن يتركن أعمالهن وأولادهن وأزواجهن لفداء الأقصى والوقوف سدًّا منيعًا أمام تدنيسه أو التفرد به.

كما تعبّر ظاهرة المرابطات عن حالة الوعي التي يعيشها المجتمع الفلسطيني لما يخطط الاحتلال لفعله بالمسجد الأقصى ومدينة القدس المحتلة.

 تحريك همم الرجال

من ناحتيها، أكدت الكاتبة السياسية لمى خاطر أن المرأة الفلسطينية أثبتت نفسها بجدارة في الرباط بالمسجد الأقصى وفي التفاعل الكبير مع مشروع مصاطب العلم في ساحاته، مشيرة إلى أن دورها مهم وحيوي، حيث يعدّ عامل تحريك لهمم الرجال والشباب.
وتقول خاطر إن القدس كانت على الداوم ثقل الصراع الحقيقي ومركز انبعاث الطاقة لمواجهة الاحتلال الصهيوني، منوهة إلى أن “رمزيتها لن تتأثر مهما اجتهد الاحتلال لعزلها وتغييبها عن ذاكرة الأجيال المتتالية”.

افتتاح مجلس علم في الأقصى باسم شهيدات النقب

انتهت عصر اليوم الثلاثاء فعالية افتتاح مصطبة علمية في المسجد الأقصى باسم شهيدات النقب المرابطات، تخليدا لذكرى 8 شهيدات من حوره النقب لقين حتفهن الاسبوع الماضي في حادث طرق مأساوي أثناء عودتهن من المسجد الأقصى المبارك.

وقد شارك المئات من أبناء النقب وأهالي الشهيدات في الفعالية بالإضافة إلى مشايخ وعلماء .
هذا وافتتح فعالية التكريم المحامي خالد الزبارقة عضو المكتب السياسي للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني،حيث رحب بالحضور الذين جاؤوا من النقب والقدس لحضور افتتاح المصطبة التعليمية بإسم الشهيدات المرابطات.
وثمن في كلمته دور النقب وأهله في نصرة المسجد الأقصى المبارك.
وأردف أن الأخوات الشهيدات سطرن أروع الأمثلة في تضحيات النقب من أجل نصرة المسجد الأقصى.
وبدوره قال الشيخ عبد العظيم سليب, رئيس مجلس الأوقاف إن الموت والحياة بيد الله سبحانه وتعالى.

وأضاف بأن عزاءنا من قلوبنا المكلومة للذين لبوا نداء الأقصى والمرابطة فيه، أن يجعل الله ذلك في ميزان حسناتهم.
وأضاف ليس غريباً على النقب والداخل الفلسطيني أن يأتوا من أجل المرابطة في المسجد الأقصى المبارك، رغم ان الاحتلال يحاول منع ذلك بكل وسيلة.
وفي كلمته قال الشيخ عكرمة صبري رئيس الهيئة الإسلامية العليا، إننا تألمنا على ما أصاب الأخوات المرابطات من النقب
واستطرد بأنه بسبب الرباط في المسجد الأقصى منعت مخططات الاحتلال.
وأضاف بأننا سيرنا حافلات من القدس إلى حوره في النقب من أجل أن نعزي أنفسنا أولاً ثم أهالي الشهيدات.
وأردف بأن تسمية المسطبة اليوم بإسم الشهيدات المرابطات من النقب هو وفاء لشهيدات الأقصى وتثمينا لدور النقب في الرباط في المسجد الأقصى.
وفي كلمته أمام الجماهير قال مدير المسجد الأقصى الشيخ عمر الكسواني مصابنا جلل في ارتقاء الشهيدات. ولكن الله يخص ويختار لهذه الشهادة من يشاء.
وأضاف الشهيدات قدمن ارواحهن من أجل الرباط في المسجد الأقصى في زمن عز فيه الرجال وعزت فيه الشعوب عن صمودنا في المسجد الأقصى، فضربن الأخوات مثالا في البطولة والتضحية.
وأردف سنبقى على العهد على خطاهن حتى يزول الاحتلال عن آخر شبر من المسجد الأقصى.
الشيخ أسامة العقبي مسؤول الحركة الإسلامية في النقب قال في كلمته إن طريق الرباط والصمود ونصرة المسجد الأقصى يجب أن تكون طريق كل شخص في النقب بعد ارتقاء الشهيدات المرابطات.
واستطرد في كلمة قوية تخللها تكبيرات الحضور بأن النقب اليوم دخل التاريخ من أوسع أبوابه ألا وهو با التضحية من أجل نصرة المسجد الأقصى.
وشكر في كلمته كل الوفود الذين جاؤا لتقديم العزاء من القدس وكافة مناطق الداخل الفلسطيني وفي نهاية الفعالية قام الحضور بتعزية ذوي الشهيدات ومشايخ المسجد الأقصى الذين وقفوا بينهم لتلقي العزاء تعبيراً عن وحدة المصاب والنضال.

 

– See more at: http://shof.co.il/index.php?mod=articles&ID=837#sthash.Lt19VxMp.dpuf

 

 

“اعتقد ان الاجابة عن حكم سفر المرأة الى المسجد الاقصى موجودة بعد هذا البحث عند اطفال المسلمين وشبابهم وشيوخهم نسائهم ورجالهم . جاهلهم وعالمهم” .

والله الموفق

 

 

 

 

 

الحواشي :

[1] أبو عيسى- محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي – سنن  الترمذي– كتاب الفتن دار إحياء التراث العربي. بيروت حديث رقم-2180 ج1ص475 تحقيق محمد احمد شاكر

[2]  النيسابوري- محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري- المستدرك على الصحيحين– ج3 ص109 ط1 دار الكتب العلمية بيروت ج3 ص109 ط1، مصطفى عبد القادر عطا.

[3]الفيروز ابادي- مجد الدين محمد بن يعقوب-القاموس المحيط– فصل النون والواو –باب الطاء دار الجيل بيروت ب.ط ،ص404 وانظر المعجم الوسيط باب النون دار الدعوة ج2 ص 895  .

 

[4] الشوكاني –إرشاد الفحول – ص374

[5]الغزالي – المستصفى  ج  2ص280 .وانظر الغزالي- المنخول في تعليقات الأصول-دار الفكر-الطبعة الثانية ص412 تحقيق د.محمد حسن هيتو.

[6]ابن قدامة – موفق الدين عبد الله بن احمد بن محمد – روضة النّاظر وجنّة المناظر في أصول الفقه- شركة الرياض للنشر والتوزيع-الرياض-جزء3-ص-800-تحقيق-د.عبد الكريم بن علي النملة.

[7] ابن النجار:محمد بن احمد بن عبد العزيز علي الفتوحي الحنبلي- شرح الكوكب المنير– مكتبة العبيكان- الرياض 1993-جزء 4 ص199 تحقيق د.محمد الزّحيليّ ود.نزيه حماد.

[8]البخاريّ– محمد بن إسماعيل –الجامع الصّحيح– دار ابن كثير – اليمامة الطبعة الثالثة 1987 باب ما يقع من النّجاسات حديث رقم 233 ج1 ص 93

[9]  ابن تيمية – احمد بن عبدالحليم الحراني –مجموع فتاوى ابن تيمية– دار الفكر ج22 ص 330 جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم .

[10] السرخسي –أصول السرخسي– ج2 ص 141

 

 [11]القاعدة التشريعية: عبارة عن أصول لفظية عامة صاغها المشرع نفسه بصيغة من عنده مثل”ولا تزر وازرة وزر أخرى،والقاعدة الفقهية عبارة عن أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكاما تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها، وهي من صياغة الفقهاء.

أنظر الزرقاء:مصطفى احمد الزّرقاء- المدخل الفقهي العام– دار الفكر- دمشق سنة1968 الجزء 3 ص 947 وانظر الدريني: محمد فتحي الدريني-بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله– مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى سنة 1994 جزء 1 ص122(حاشية).

 

1الدريني-بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله-جزء 1 ص122-

 [13]الشاطبي: إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي- الموافقات في أصول الشريعة الإسلامية– دار المعرفة- بيروت-الجزء4ص89 وبهامشه شرح الشيخ عبد الله الدراز.

[14] ابن بدران –عبد القادر بن بدران الدمشقي :المدخل إلى مذهب الإمام احمد بن حنبل– مؤسسة الرسالة- بيروت الطبعة2 ص303 تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي.

[15] الغزالي – أبو حامد الغزالي– المستصفى ج 2 ص280

1الدريني – بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله– جزء 1 ص122-

[17] ابن تيميه– المسوّدة في أصول الفقه– ص 346

[18]الغزالي – المستصفى – الجزء 2 ص 285

[19] ابن السبكي – الإبهاج في شرح المنهاج– الجزء 3 ص 83.

[20] النيسابوري – عبدالله بن علي بن الجارود – المنتقى من السنن المسندة – مؤسسة الكتاب الثقافية – بيروت 1988 الطبعة الأولى – باب الأحكام  ج1 ص 250 تحقيق عبدالله البارودي.

[21] د. علي السرطاوي – محاضرات ألقيت على طلاب الدراسات العليا في مادة القياس – جامعة النجاح الوطنية نابلس.

[22]الرازي –المحصول –الجزء 2 ص 311

[23] البيضاوي- منهاج الوصول في علم الأصول– جزء 3 ص 99

[24] الأسنوي – نهاية السول-ج3 ص 101

 [25] الغزاليّ- المستصفى– أنظر الجزء 2 ص 283 وانظر ص 384

 [27] الآمدي- الإحكام في أصول الأحكام– الجزء 3 ص 435

[28] الزّحيليّ-وهبه الزّحيليّ-أصول الفقه الإسلاميّ-جزء 2 ص 693

[29]ابن عبد الشكور – محبّ الله بن عبد الشّكور- مسلم الثّبوت في أصول الفقه– دار الأرقم الجزء 2 ص 524  ومعه(المستصفى للغزاليّ).

[30] العطّار – حسن العطّار- حاشية العطّار– الجزء 2 ص 337.

[31]   الرّازيّ – المحصول– الجزء 2 ص 359

[32] الرّازيّ- فخر الدّين محمّد بن عمر  الرّازيّ– المحصول– الجزء 2 ص 354

[33]الرازي –المحصول –الجزء 2 ص 311

[34] البيضاوي- منهاج الوصول في علم الأصول– جزء 3 ص 99

[35] الأسنوي – نهاية السول-ج3 ص 10

 [36] الغزاليّ- المستصفى– أنظر الجزء 2 ص 283 وانظر ص 384

 [37] الآمدي- الإحكام في أصول الأحكام– الجزء 3 ص 435

[38] الزّحيليّ-وهبه الزّحيليّ-أصول الفقه الإسلاميّ-جزء 2 ص 693

[39]ابن عبد الشكور – محبّ الله بن عبد الشّكور- مسلم الثّبوت في أصول الفقه– دار الأرقم الجزء 2 ص 524  ومعه(المستصفى للغزاليّ).

[40] العطّار – حسن العطّار- حاشية العطّار– الجزء 2 ص 337.

 [41] ابن منظور –لسان العر ب– باب اللام – فصل العين جزء 11 ص 467 وما بعدها.

[42]  الشوكاني – محمد بن علي الشوكاني –  إرشاد الفحول –  ص 352

[43]  الآمدي- الإحكام في أصول الأحكام  –  الجزء 3 ص 289

[44]  الرازي – فخر الدين محمد بن عمر– المحصول في علم الأصول– دار الكتب العلمية – بيروت – الجزء2 ص 367

[45]  الغزالي- أبو حامد الغزالي-  المستصفى- الجزء2 ص 280

[46]  صدر الشريعة – عبيد الله بن مسعود الحنفي –  التوضيح في حل غوامض التنقيح– الجزء 2 ص 134

[47]   السرخسي – محمد بن احمد بن سهل السرخسي –  أصول السرخسي– دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى سنة 1993  الجزء 2 ص175

[48]  البيضاوي –  منهاج الوصول الى علم الأصول– الجزء 2 ص50

[49]  عبد العزيز البخاري – علاء الدين عبد العزيز  – كشف الأسرار– دار الكتب العلمية- بيروت الطبعة الأولى سنة 1997- الجزء 3 ص 231

[50]   الشيرازي – أبو إسحاق إبراهيم بن علي– اللمع في أصول الفقه– دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى 1981 ص 104

[51]   الآمدي الإحكام في أصول الأحكام. الجزء 3 ص 289

[52]   ابن أمير الحاج – محمد بن محمد بن حسن بن علي –  التقرير والتحبير على التحرير في علم أصول الفقه – دار الفكر بيروت الطبعة الأولى 1996 الجزء 3 ص 187

[53]  الشاطبي –  الموافقات– الجزء 1 ص 265

[54] صحيح البخاري 4/ 232، ، صحيح مسلم 7/ 44،

[55] سنن الترمذي 4/ 401، سنن ابن ماجه 8/ 447،

[56] سنن الترمذي 4/ 402

[57] مسند أحمد 7/ 95

[58] ) مسند أحمد 22/ 160

[59] سنن الدارقطني 6/ 213

[60] المعجم الكبير للطبراني 7/ 300

[61]  صحيح البخاري رقم 3431

[62]  صحيح البخاري رقم 1727

[63]  فتح الباري – ابن حجر العسقلاني، 6/88

[64] العكبري- الحسين بن محمد ( حنبلي)– رؤؤس المسائل الخلافية على مذهب ابي عبدالله احمد بن حنبل -2/591 “وانظر ابن عابدين – محمد امين ابن عمر ( حنفي) رد المحتار على الدر المختار – حاشية ابن عابدين 2/464

[65] ابن الملقن –  سراج الدين  عمر بن علي ( شافعي) الاعلام بفوائد عمدة الاحكام – 79/6.

[66] أبو العباس القرطبي- ضياء الدين أحمد الاندلسي القرطبي ( مالكي)- “المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم” (3/450)

[67] أبو العباس القرطبي- ضياء الدين أحمد الاندلسي القرطبي ( مالكي)- “المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم” (3/449)

[68] ابن البطال: ابو الحسن علي بن خلف  ( مالكي)– شرح صحيح البخاري -4/532

[69] ابن الملقن –  سراج الدين  عمر بن علي ( شافعي) الاعلام بفوائد عمدة الاحكام – 82/6

[70] ابن مفلح – القاضي شمس الدين ابي عبدالله ( حنبلي) – “كتاب الفروع في الفقه الحنبلي 3/263

[71] البعلي – احمد بن عبدالله ( حنبلي) – “الاختيارات الفقهية  171

[72] النووي– ابو زكريا  يحي بن شرف الحزامي ( شافعي)  – المجموع شرح المهذب لابي اسحاق الشيرازي- 70/7

[73] النووي– ابو زكريا  يحي بن شرف الحزامي ( شافعي)  – المجموع شرح المهذب لابي اسحاق الشيرازي- 8/342

[74] الباجي– سليمان بن خلف ( مالكي)   – المنتقى في شرح الموطأ – 3/17

[75] https://www.facebook.com/EgyptDarAlIfta/posts/549194475110339

[76] الموقع الرسمي لسماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى http://www.binbaz.org.sa/fatawa/3414

[77] http://aliftaa.jo/Decision.aspx?DecisionId=94#.WTuv-Y21t9A

 [78] ابن منظور – لسان العرب–  حرف القاف، فصل الحاء، جزء 10ص53 وما بعدها.

 [79] الرازي – مختار الصحاح – ج1 ص 62

 [80] التفتازاني – شرح التلويح على التوضيح– ج2 ص 163

 [81] الغزالي – المستصفى– ج2 ص 280

 [82] الآمدي – الأحكام في أصول الأحكام–  ج 3 ص 435

 [83] الزركشي- – البحر المحيط في أصول الفقه– ج2 ص 256

[84]  ابن السبكي- الإبهاج في شرح المنهاج – الجزء 3 ص 82

[85]  الدراقطني – علي بن عمر الدارقطني –  سنن الدارقطني – بيروت 19966 ج1 ص 70 رقم الحديث 22 تحقيق عبدالله المدني.

 [86] ابن قدامة المقدسي- روضة الناظر وجنة المناظر – الجزء 3 ص 801

 [87] الدريني- بحوث مقارنة في الفقه وأصوله– الجزء 1 ص 126

[88]  الشاطبي- الموافقات– الجزء 4 ص 90

 

[89]عبد المجيد النجار – خلافة الإنسان بين الوحي والعقل -ص 122

 [90] الخضري-  محمد خضري  – أصول الفقه – المكتبة البخارية الطبعة السادسة 1969 ص 323

 [91] محمد فتحي الدريني- بحوث مقارنة في الفقه وأصوله– الجزء 1 ص 180

[92]  الشاطبي- أبو إسحاق الشاطبي- الموافقات  – جزء 2 ص 6

[93]   د. يوسف حامد العالم- المقاصد العامة للشريعة الإسلامية– المعهد العالمي للفكر الإسلامي- الطبعة الأولى 1991 ص 125

 [94] د.علي السرطاوي- مبدأ المشروعية – ص 101

[95]  الشاطبي– الموافقات – ج 2 ص 385

 [96] الدريني-محمد فتحي الدريني- نظرية التعسف في استعمال الحق – مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية 1977 ص 53

[97]  ابن تيمية – كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية– الجزء 19 ص 284

[98]  النسائي – احمد بن شعيب أبو عبدالرحمن – السنن الكبرى – دار الكتب العلمية – الطبعة الاولى 1991 بيروت ج3 ص41 تحقيق عبدالغفار البنداري

[99]  ابن تيميه – كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية – ج19 ص 284

[100]  الدريني – بحوث مقارنة – ج1 ص 143

[101] ابن القيم –إعلام الموقعين عن رب العالمين-ج 3 ص 3

 [102] البيانوني- محمد أبو الفتح – الحكم التكليفي في الشريعة الإسلامية – دار القلم – دمشق الطبعة الأولى-1988 ص 51

 1- الزرقاء- المدخل الفقهي العام– ج 2 ص 938

  [104] – نفس المرجع السابق- ج 2 ص 938

 [105]  السرطاوي- مبدا المشرعية – ص80

[106]   البيهقي – احمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي – سنن البيهقي الكبرى – مكتبة دار الباز مكة المكرمة –ج1 ص 227 حديث رقم 1016 تحقيق محمد عبد القادر عطا.

[107]  سورة النساء الآية 43

 [108] سرطاوي- مبدا المشروعية – ص 80

 [109] ابن قدامة– روضة الناظر وجنة المناظر– ج 3 ص 801

[110]  ابن تيمية – كتب الرسائل وفتاوى ابن تيمية– ج 19 ص 16

[111]  سورة الطلاق- الآية رقم 2

[112] الشاطبي- الموافقات– الجزء 4 ص 90

[113]  الدريني– بحوث مقارنة في الفقه وأصوله ج 1 ص 133

[114] الشاطبي – الموافقات – ج 4 ص 93

[115]  عبدالمجيد النجار – خلافة الإنسان بين الوحي والعقل-  ص 124

[116]   السر طاوي – مبدأ المشروعية – ص63

[117]   الشاطبي – الموافقات – ج4  98

 [118] الدريني– بحوث مقارنة في الفقه وأصوله -ج 1 ص 134

 [119] سورة الانفال  – اية رقم 29

[120]   الزحيلي- وهبه الزحيلي- نظرية الضرورة الشرعية-مؤسسة الرسالة-الطبعة الخامسة1997

[121]   السرطاوي –  مبدأ المشروعية – ص 81

[122] http://www.aljazeera.net/news/alquds/2017/2/10

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017