الاستفادة من القاعدة الاصولية ” مراعاة الخلاف” في ظل سلطة اسرائيلية

الثلاثاء 5 سبتمبر 2017
شارك المقال

          الاستفادة من القاعدة الاصولية ” مراعاة الخلاف” في ظل سلطة اسرائيلية

أ.رائد عبدالله بدير

عضو في هيئة الدعاة والعلماء في فلسطين

توطئة وتمهيد  

لقد تقاسمت بريطانيا وفرنسا العالم العربي بموجب اتفاقيه سايكس-بيكو سنه 1916 ووقعت فلسطين بموجب هذه الاتفاقية تحت الانتداب البريطاني([1]). وبتاريخ 2\11\1917 أصدر وزير خارجية بريطانيا آنذاك اللورد آرثر بلفور وعد لليهود بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي على ارض فلسطين([2])، ففي هذه السنة ولدت القضية الفلسطينية  قانونيا، فهي قضية نضال مشروع لشعب باتت أرضه محتلة بحكم بريطاني مباشر ومهدده   باحتلال صهيوني غير مباشر([3]).

وفي تشرين أول  (أكتوبر) سنة 1917 دخلت بريطانيا فلسطين([4]). وفي يوم السبت 29 تشرين ثاني (نوفمبر) 1947 وافقت الجمعية العامة على قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين، بأغلبية 33 صوتا ضد 12 وامتناع عشرة دول، الذي تضمن إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في اقرب وقت وفي موعد أقصاه 1 آب 1948 وسحب القوات المسلحة التابعة للسلطة المنتدبة، وقد رفض العرب قرار التقسيم رفضا قاطعا وقد بينت الهيئة العربية العليا معارضتها على التقسيم للأسباب الآتية :

  1. لقد أعطى قرار التقسيم لليهود الأجانب جزاء ثمينا من بلادهم العربية .
  2. إجلاء الكثير من العرب عن موطنهم .
  3. وضع شعب غريب في قلب الوطن العربي الأمر الذي يهدد الأمن في الشرق .
  4. وضع عرب فلسطين اقتصاديا تحت رحمة اليهود .
  5. جعل مدينة القدس تحت إشراف الأمم المتحدة أي إخراجها من يد العرب([5]).

وبعد قرار التقسيم اندلعت المعارك بين المقاتلين العرب من شتى الأقطار العربية مع أبناء فلسطين من جهة وبين اليهود من جهة أخرى بناء على قرار مجلس الجامعة العربية وممثل عن الهيئة العربية العليا حيث قرروا رفض قرار التقسيم وأخذ التدابير الحازمة لإحباط مشروع   التقسيم وصمموا العزم على خوض المعركة حتى النصر وقد صمد المقاتلين العرب صمودا   مذهلا على الرغم من الأخطاء القيادية والتنظيمية([6]).

وفي يوم السبت الموافق 14 أيار (مايو) سنة 1948 أعلن مجلس الدولة المؤقت بلسان رئيسه دافيد بن غوريون الإعلان عن قيام دولة إسرائيل([7]). وقد جاء في إعلان مجلس الدولة المؤقت :

( أرض إسرائيل هي مهد الشعب اليهودي، هنا تكونت هويته الروحية والدينية والسياسية، وهنا  أقام دولته للمرة الأولى وخلق قيما حضارية ذات مغزى قومي وإنساني جامع، وفيها أعطى للعالم كتاب الكتب الخالد، كما وأعلن البيان فتح دولة إسرائيل أبوابها للهجرة اليهودية، وكانت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أول دوله تعترف بالحكومة الإسرائيلية المؤقتة([8]).

 

وبتاريخ 14 أيار 1948 رحل أخر جندي بريطاني عن مدينة القدس وبذلك زال الانتداب البريطاني عن فلسطين وقامت إسرائيل على ارض فلسطين العربية([9]).

وبتاريخ 16\11\1948 اتخذ مجلس الأمن قرار يحمل الرقم 62 يقضي بإقامة هدنة في جميع أنحاء فلسطين([10]) وبتاريخ 24\2\49 وقعت اتفاقية الهدنة الدائمة بين إسرائيل ومصر، وبتاريخ 23\3\1949 تبعتها لبنان وثم الأردن بتاريخ 3\4\1949، وأخيرا وقعت اتفاقية الهدنة مع سوريا بتاريخ 20\7\1949([11]).

بعد قيام إسرائيل على معظم الأراضي الفلسطينية، تم تهجير غالبية أبناء الشعب الفلسطيني، وبقي منهم في إسرائيل حوالي 156,000 وقد أصبح العرب في إسرائيل بعد قيامها  في حدود وقف إطلاق النار أقلية تمثل 17% من مجموع سكان إسرائيل في ذلك الوقت .

عاش معظم أبناء الشعب الفلسطيني 80% في الريف والقرى الفلسطينية، وعاشت أقلية (20%) في المدن الفلسطينية. وفي عام 1949 ضم المثلث إلى إسرائيل بموجب اتفاقيه رودوس.

مرت ظروف سريعة على فلسطين ومن حيث الهوية والتعريف والاوراق والمستندات اختلطت كل شيء ، اصبح الفلسطيني الذي يعيش على ارضه  يحمل جنسية اسرائيلية ويصنف كأقلية في دولة ذات اغلبية يهودية  ….لم تسعف الحروب ولم تسعف اتفاقيات السلام عن الخروج عن هذا التعريف…. اصبحنا نحن في الداخل الفلسطيني مما يعيش داخل حدود 1967 حياتنا كلها مختلطة مع اليهود في جميع مجالاتها ، واصبحنا نحمل جنسية اسرائيلية بل وحياتنا مرتبطة ارتباطا كليا بالإسرائيليين

واقعنا المعيشي :

لا بد ان نكيف وضعنا وحالتنا المعيشية اليومية المرتبطة بالواقع الذي نعيشه يوميا ، ولا بد ان نعي ونستوعب حقيقة الواقع الذي نعيشه، ولا بد ان نفقه كيفية التعايش اليومي في حياتنا اليومية العملية وبين ما قاله علماء الامة الاسلامية المعتمدين في تكييفهم ” لإسرائيل”  ، لا بد ان نفقه الواقع وان نفقه السلوك وان نفقه الاعتقاد وان نفقه المنشود وان نفقه الموجود ،  لا يمكن لأي فقيه يعيش خارج حدود فلسطين  1948 ان يشبع الاجابة عن أي مسالة نزلت بنا نحن في الداخل الفلسطيني وخاصة في المسائل التي تتعلق بالاجتهاد التطبيقي والتي تحتاج الى فهم الواقع المعاش  اذ لا ينفك الاجتهاد عن فهم الواقع المعيشي ، فالاجتهاد في الشريعة الاسلامية ينقسم الى قسمين ، قسم يتعلق بالاستنباط، والقسم الاخر يتعلق بالتطبيق، وقد كان لي الحظ الوافر في ” رسالة الماجستير” ان اكتب عن الخطط التسريعية التي لها علاقة بالاجتهاد التطبيقي، والتي ستاتي معنا في حلقات لاحقة ،ولا بد قبل الاجتهاد التطبيقي من النظر بالواقع المعيش حتى يكيف الفقيه الفتوى بما يتلائم ما احكام الشرع بحيث لا يبتر جزيئاته عن كلياته .فالعلم بالواقع ضرورة للمفتي وضرورة للفتوى، وربما ينتج عن  ” فتاوى نسخ لصق” دون النظر والتمحيص مفاسد او دفع مصالح  بسبب تغييب الواقع المعيشي.

يقول الشيخ القرضاوي- حفظه الله تعالى – :” ولا يستطيع  هذا الاجتهاد المعاصر المرجو ان يؤدي مهمته، ويحقق غايته، ويؤتي ثمرته، الا ذا ضم فقه النصوص والادلة : فقه الواقع المعيش. فالفقيه اشبه بالطبيب ولا يمكن للطبيب ان يصف الدواء للمريض الا اذا عاينه وفحصه وسأله  وعرف تاريخ مرضه، وحجمه ومداه، فاستطاع بذلك ان يشخص الداء ويصف الدواء الملائم.”[12]

ويقول ابن القيم –رحمه الله- : ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجر”[13].

علينا ان نحدد واقعنا المعيشي ، وعلينا ان نكيف واقعنا المعيشي، هنالك فرق بين  فقه الواقع المعيشي على علاته وبين ما تنشد وترجو وتعتقد وتتمنى، وكما قال الشيخ القرضاوي حفظه الله ان المهم النظر في تاريخ الواقع وعبر عن ذلك بتاريخ المرض. وهذا الذي ينبغي ان  نشخصه. علينا ان نكيف انفسنا من حيث الواقع المعيشي لا من حيث الامنية والرجاء والاعتقاد والتاريخ ، ولا يتعارض هذا مع ذاك ابدا لمن فقه المسالة .وان غياب التشريع الاسلامي ، وغياب الدولة الاسلامية، وغياب من يقوم على تطبيق احكام الشرع ، واحلال النظم الوضعية التي لا تراعي احاكم الشريعة الاسلامية، وعدم الامان ، والحروبات بين الفينة والفينة، تجعلنا ان ننظر الى الواقع الذي نعيشه نظرة اجتهادية تطبيقية من خلال القواعد الاصولية التي عنيت بالاجتهاد التطبيقي دون بترها عن الجزئيات، ومن هذه القواعد ” قاعدة مراعاة الخلاف”

تعريف قاعدة مراعاة الخلاف وأهميتها

المراعاة في اللغة كما جاء في لسان العرب ” من راعيت الشيء رعيا ومراعاة :أي لاحظته محسنا إليه، والأمر: نظرت إلام يصير ، والمراعاة أيضا : المحافظة والإبقاء على الشيء ، وفي الحديث ” نساء قريش خير نساء أحناه على طفل في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده”[14]، وأرعاه من المراعاة أي الحفظ والرفق وتخفيف الكلف والأثقال عنه “[15]. ومعنى الخلاف كما جاء في القاموس المحيط من خالف يقال : خالفه إلى الأمر : قصده بعد ما نهاه عنه، وخالفه إلى الشيء :ضاده”[16]، وعن معنى هذه القاعدة عند العلماء في الاصطلاح يقول الشاطبي :  (قاعدة مراعاة الخلاف وذلك أن الممنوعات في الشرع إذا وقعت ، فلا يكون إيقاعها من المكلف سببا في الحيف عليه بزائد)[17]. ويقول أيضا في شرح معنى هذه القاعدة:  (من واقع منهيا عنه ، فقد يكون فيما يترتب عليه من الأحكام زائد على ما ينبغي بحكم التبعية لا بحكم الأصالة ، أو مؤد إلى أمر اشد عليه من مقتضى النهي ، فيترك وما فعل من ذلك ، أو نجيز ما وقع من الفساد على وجه يليق بالعدل انظر إلى أن ذلك الواقع ، واقع المكلف فيه دليلا على الجملة ، وان كان مرجوحا فهو راجح بالنسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه ، لان ذلك أولى من إزالتها مع دخول ضرر على الفاعل اشد من مقتضى النهي ، فيرجع الأمر إلى أن النهي كان دليله أقوى  قبل الوقوع ، ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع لما اقترن من القرائن المرجحة )[18] .هذه القاعدة تعتني بالمنهيات بعد الوقوع ، وقد عرفنا سابقا أن الشريعة الإسلامية مقصدها تحقيق مصالح العباد ، وان الأوامر فيها لجلب المصالح ، وان النواهي فيها لدرء المفاسد ، وهذه القاعدة جاءت لتعالج تصرفات المكلف بعد تلبسه بالممنوع اذاترتب على منعه مفسدة اشد أو اكبر يقول د. السرطاوي: ” ان المفسدة التي حرم الله لاجلها الممنوع ستقابل بمفسدة اشد إذا أردنا زواله فنرجح بقاءه على وجه يليق بالعدل، وبذلك نتفادى وقوع ضرر اكبر من ضرر الأصل”[19]. وهذا كله يبرز أهمية تلك القاعدة الجليلة في دفع المفاسد يقول السنوسي : ” ربما أفتى المفتي بفساد الفعل ابتداء فإذا وقع عاد إليه بالإنفاذ والاعتبار، لمعارضة دليل آخر يقتضي رجحان دليل المخالف ، وهو نوع من الالتفات إلى الأمر الواقع والبناء عليه بعد تجديد النظر في المسالة ، بحيث يصير التصرف بعد وقوعه معتبرا وشرعيا بالنظر لقول المخالف ، وان كان ضعيفا في اصل النظر ، لكن لما وقع الأمر على مقتضاه روعيت المصلحة “[20] . وهذا يؤكد أن  هذه القاعدة نوع من أنواع الاجتهاد التطبيقي ، أنيطت بها مهمة ترجيح إحدى كفتي الميزان بعد النظر في الواقع الجديد بما هو مصلحة للمكلف يقول السرطاوي: “هذه القاعدة –مراعاة الخلاف-التشريعية في الاجتهاد التطبيقي تتفرع على اصل في مآلات الأفعال فالشريعة إن حكمت على بعض التصرفات بعدم المشروعية ومنعت منها ورتبت على الوقوع عقابا فلا ينبغي أن تزيد على المذنب العقاب عما طالب به الشرع وخاصة في الأمور التابعة للتصرف “[21] . فالمكلف إذا واقع منهيا عنه في الشرع والأصل المترتب على وقوعه في النهي عنه مفسدة ، لكنه يترك على ذلك بحيث لو نهيناه اتباعا لدليل الأصل لوقع ضرر اشد وابلغ فيترك بالرغم من وقوعه في المنهي عنه اجتنابا وخوفا من وقوع الضرر الأشد وقد  اشتهر بين العلماء قاعدة إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما يقول د.محمد بكر إسماعيل : ” هذه القاعدة ميزان دقيق لارتكاب أخف الضررين عند وقوع مفسدتين يراد دفع إحداهما بالأخرى فترتكب الأخف في سبيل دفع الأشد وتقدير هذا لا يخضع للهوى ولا للعقل المجرد ولكنه يخضع للشرع”[22].

اثر قاعدة مراعاة الخلاف كخطة تشريعية في تحقيق المناط الخاص

إن قاعدة مراعاة الخلاف تهتم بدفع المفسدة الأشد عن المكلف والبقاء على المفسدة الأخف وحتى وان ارتكب المكلف منهيا عنه، ومر معنا أيضا أن هذه القاعدة تفرعت على اصل النظر في مآلات الأفعال ، وهذا الأصل عظيم في الشرع الإسلامي ، لا يستغني عن اعتباره أحد من حملة الشريعة ، وقاعدة مراعاة الخلاف إحدى الخطط التشريعية المتعلقة بالاجتهاد التطبيقي ، وطالما تعلق الأمر بالتطبيق فلا بد من النظر والتدقيق قبل أن يحكم على الأفعال أنها موافقة للشريعة أو مخالفة لها ، وبعد ذلك يصدر الحكم على الأفعال أو الأقوال وبمعنى آخر لا بد من تحقيق المناط الخاص قبل إصدار الإحكام ، يقول د. السرطاوي : ” لا بد للمجتهد التطبيقي أن ينظر في الممنوعات بعد وقوعها ، فإذا كانت إزالة الممنوع يترتب عليها ضرر اشد من بقائه فقد يجيز الممنوع من وجه يليق بالعدالة  وبمقصود الشارع “[23] .

إذن على المجتهد أن ينظر في مآل التصرفات قبل إصدار الحكم عليها وحتى لو تعلق الأمر بالمنهيات ، فالنظر في المآل والنظر في حال المكلف –تحقيق المناط الخاص- معتبر وعليه مدار الحكم بالموافقة أو المخالفة ، وقد رسمت الشريعة الإسلامية هذا النهج منذ البداية وحثت المجتهدين السير على نفس الطريق والمثال الذي تناوله العلماء حديث البائل في المسجد  عن انس بن مالك رضي الله عنه قال : جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس ، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فاهريق عليه “[24] .

والملاحظ في هذه الواقعة أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأعرابي يستمر في ارتكاب للمحظور ، بل منع أصحابه ونهاهم عن نهيهم الأعرابي  ، قال الصنعاني :  “من فوائد هذا الحديث دفع اعظم المضرتين بأخفهما لانه لو قطع عليه بوله لاضر به، وكان يحصل من تقويمه من محله مع ما قد حصل من تنجيس بدنه وثيابه ومواضع من المسجد غير الذي وقع عليه البول أول “[25] . ويضيف ابن حجر في الفتح قائلا : ” إنما تركوه يبول في المسجد لانه كان شرع في المفسدة ، فلو منع لزادت ، إذ حصل تلويث جزء من المسجد ، فلو منع لدار بين أمرين : إما أن يقطعه فيتضرر ،  واما أن لا يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه أو ثوبه أو مواضع أخرى من المسجد “[26] . فإبقاء واقع الأعرابي وتصرفه على ما هو عليه أخف من منعه ، ولو تم منعه لزادت عليه المفسدة المتوقعة ، بحيث لو نظرنا إلى مآل المنع لتوقعنا مفسدة اشد ، وترتب على المنع مفاسد كثيرة وخاصة أن الأعرابي قد شرع في التصرف واصل التنجس حاصل في المسجد وهذه المفسدة المترتبة على تصرفه ابتداء ممنوعة ومنهي عنها  لكن بالنظر إلى مال المنع يمكن أن يحصل مفاسد اكبر من تنجيس بدنه وثيابه وأماكن أخرى في المسجد ، ويمكن أن يصيبه مرض في بدنه للاحتباس المفاجئ ، وقد تحدث فتنة في المسجد.

هذه المفاسد كلها متوقعة في حال منع الأعرابي من استمراره في ارتكاب المحظور، فبعد وقوع المنهي عنه من جهة هذا الأعرابي ترجح جانب تركه على ما هو عليه درءا للمفاسد التي تترتب على كفه ومنعه ، وبعبارة أخرى بعد النظر في مآلات الأفعال والتدقيق في الأحوال أو تحقيق المناط الخاص يبدّل حكم الأصل الموضوع ابتداء للتصرف بحكم غيره ، ولعل قاعدة مراعاة الخلاف من اصعب القواعد التطبيقية على المجتهدين ، وهي بحاجة إلى نظر دقيق وبذل جهد واسع في تحقيق الحالة التي تندرج تحتها ، وفي هذا يقول الشاطبي : ” النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا ، ولا يحكم المجتهد على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل ، فقد يكون مشروعا لمصلحة فيه تستجلب ، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه ،وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك ، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها ، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية ، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد ، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال صعب المورد إلا انه عذب المذاق ، محمود الغب جار على مقاصد الشريعة”[27]. والذي جعل تحقيق المناط الخاص صعب المورد هوان التحقيق نفسه يجري على تصرف او قول مجمع بين العلماء على حظره ، فالنظر والتحقيق يرد على تصرف أو قول لا يختلف اثنان من حملة الشريعة على منعه ، والتحقيق ينصب على مآل المنع وفي نفس الوقت بتتبع لمقاصد الشريعة ، فما ينتج عن تحقيق المناط الخاص يكون أدلة قوية مقابل دليل الأصل وهو النهي ومثال الأعرابي السابق بين واضح على هذا ، والخلاصة لو تم إعمال قاعدة مراعاة الخلاف دون تحقيق المناط الخاص لكان هذا إقرار للتصرفات المحظورة شرعا ، من هنا تبرز أهمية تحقيق المناط الخاص في قاعدة مراعاة الخلاف . وكم نحن اليوم بحاجة لعلماء يتقنون فن تطبيق هذه الخطة الشرعية الطارئة على الأصل العام سواء على تصرفات الأفراد أو الأمة الإسلامية مع أن الحق مما مر معنا من قول الشاطبي أن إدراك فن الاجتهاد التطبيقي عامة واعمال خطط الطوارئ منه خاصة مجال صعب المورد عذب المذاق محمود العاقبة والاهم من ذلك كله انه جار على مقاصد الشريعة ، يحمي ذاتية التشريع من التناقض ومن أن تعود على نفسها بالهدم .

الخلاصة :

نحن في الداخل الفلسطيني ممن نحمل الجنسية الاسرائيلية ونعيش تحت سلطة اسرائيل لا يمكننا التغاضي عن الاستفادة من هذه القاعدة العظيمة والتي هي بمثابة خطة طوارئ تشريعية تعنى بالجانب التطبيقي بعد وقوع المحظور، اذ اننا نعيش في ظروف بين القوم صعبة جدا في جميع مجالات الحياة تقريبا، ونتحدث هنا عن مجتمع كامل, وليس عن فرد هنا او هناك او افراد في حزب او جماعة هناك بل نتحدث عن السواد الاعظم من المسلمين ممن يحمل جنسية اسرائيلية ممن يعيش داخل الخط الاخضر ، فالمحظور والممنوع والحرام محيط بالمجتمع من كل ناحية ، وعليه نستفيد ونستأنس بهذه القاعدة في تحديد معالم الافتاء ومنهجية التخريج عند الحاجة مع التأكيد اننا لا نهمل الخطط الاصلية للتشريع، ولا نهمل الجزئيات ابدا، لكن في نفس الوقت لا نسد الباب امام هذه الخطط التشريعية العظيمة.

 

([1]) أبو فارس، شهداء فلسطين 50، الكيالي عبد الوهاب، موسوعة السياسة 572، المؤسسة العربية للدراسات والنشر طبعه أولى 1983.

([2]) المصدر السابق، الحوت بيان نويهض، فلسطين القضية الشعب الحضارة، ص: 456،457.

([3]) الحوت بيان نويهض، فلسطين القضية الشعب الحضارة، ص: 489، دار الاستقلال، بيروت 1991 .

([4]) الكيالي، موسوعة السياسة  4\572 .

([5]) الحوت، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 575-577.

([6]) الحوت، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 639، العلمي احمد سعد الدين، حرب عام 1948  17.

([7]) الحوت، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 640.

([8]) المصدر السابق 640، 641.

([9]) العارف عارف، المفصل في تاريخ القدس، 426، الكيالي، موسوعة السياسة، 572 .

([10]) المرعشلي احمد، هاشم عبد الهادي، الموسوعة الفلسطينية، 530، 533 .

([11]) المصدر السابق، ص: 533.

[12]  القرضاوي، في فقه الاقليات المسلمة، دار الشروق ص 44

[13]  ابن القيم الجوزية ، اعلام الموقعين عن رب العالمين ، ج1 ص 87

[14]    ابن حبان- صحيح ابن حبان– مؤسسة الرسالة بيروت 1993  وانظر صحيح مسلم بشرح النووي– ابو زكريا يحيى بن شرف النووي-بيروت دار النشر الطبعة الثانية ج 16 ص 80 .

[15]     ابن منظور – لسان العرب – فصل الراء المهملة ج14 ص 329

  [16]    الفيروز ابادي- القاموس المحيط-ج 1 ص 251

[17]     الشاطبي-الموافقات-ج 4 ص 202

[18]  نفس المرجع –ج 4 ص 203

 [19] سرطاوي- مبدا المشروعية – ص 245

  [20] السنوسي-مراعاة الخلاف-الرياض-مكتبة الرشد ص 49

 [21] سرطاوي-  مبدا المشروعية– ص 244

 [22] محمد بكر إسماعيل-القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه-دار المنار الطبعة الاولى 1997 ص 104

 [23] د.علي السرطاوي- مبدأ المشروعية – ص 244

 [24] مسلم- صحيح مسلم –دار احياء التراث العربي –بيروت ج 1 ص 236 حديث رقم 284 في الطهارة.

[25]  الصنعاني- محمد بن إسماعيل الصنعاني – سبل السلام -دار الحديث –القاهرة –كتاب الطهارة-باب المياه-جزء 1 ص 32 حديث رقم 10

 [26] ابن حجر-فتح الباري– دار إحياء الثراث العربي-بيروت الطبعة الثانية ج 1 ص 257

 [27] الشاطبي-الموافقات-ج 4 ص 195

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017