ثقافة عامة في الحياة الزوجية

الإثنين 21 سبتمبر 2020
شارك المقال

ثقافة عامة في الحياة الزوجية 

 

الشيخ رائد بدير

هذا كتابي تم طباعته عن طريق دار ابن الجوزي في مصر اعرضه للقاء هنا على موقعي نوزال.

 

الإهداء

إلى كل من أحب أن يتزوج زواجا كاملا في الدين وتامّا في النعمة.

إلى من أحب منهم أن يتزوج زواجا في صراحة بلجة، وإعلان ذائع مستفيض، في غير خور أو اضطراب أو استحياء.

الى من احب أن يدرك معاني الود والرحمة والحب في الزواج برؤية اسلامية شرعية.

الى كل حاضرٍ غائبٍ عن زوجته…والى كل حاضرة غائبة عن زوجها.

الى احب زوجين والى ابغض زوجين ….

الى الْمَلَكِ[1] الذي يقوم بالدور الاعظم في مواجهة لَمّة الشيطان……


مسارد الموضوعات

 

الموضوع الصفحة
إهداء—————————————————– 3
مسارد الموضوعات————————————— 4
المقدمة————————————————— 7
أهمية الزواج ——————————————— 9
هل اخفق الفقهاء في تعريف عقد الزواج؟——————– 14
فوائد الزواج في الإسلام———————————— 19
الحكم الفقهي للراغب في الزواج والعازف عنه————— 26
تحت سقف واحد ….ولكن ———————————- 31
آدم وحواء….بلا جنس————————————- 37
فراغ نفسي ….وحياة مملة——————————— 42
الحب مصنوع…لا مطبوع ——————————— 46
شغف  امرأة العزيز وعشقها——————————– 48
أولويات ابليس——————————————– 42
مساحة الحياة الزوجية في القران الكريم——————— 56
حاجتنا إلى تنمية ثقافة الحب بين الزوجين——————- 58
انهيار الحياة الزوجية————————————– 61
ما الغريب في زواج موسى – عليه السلام-؟—————- 64
عُوتب آدم –عليه السلام…..ولم تُعاتب حواء—————– 67
الحب العلني ——————————————— 72
الموضوع الصفحة
الحب يُعرف بآثاره —————————————- 77
عذوبة الحياة الزوجية——————————- 83
الزواج عقد على التابيد ———————————— 86
غضب وهجر…شكلي لا جوهري————————— 90
الجنس وحيويته بين الزوجين——————————- 94
أُشعر زوجي أنه الأول في حياتي————————— 98
هفوات ما قبل الزواج بين النباهة والاستحمار—————- 108
لا سابق….ولا مسبوق————————————– 112
كيف تساعد الامومة والابوة في تنمية الحب؟—————– 116
الاخرون في الحياة الزوجية——————————– 119
الاعمال المنزلية——————————————- 123
حب فاشل …على عتبة المحكمة—————————- 127
الرجل الناشز——————————————— 130
عقربٌ…وأفعى——————————————- 133
ساعة منزلية بقرب الزوجة——————————- 137
غيرة زوج…وفصاحة زوجة—————————— 141
كلمة اخيرة قصيرة—————————————– 144
سيرة المؤلف——————————————— 145

 

قال القاضي البيساني يرحمه الله:

“إني رأيت أنه لا يكتب إنسانُ كتاباً في يومه، إلا قال في غده: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زيدَ كذا لكان يُستحسن، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضل، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبَر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر”

 

مقدمة

الحمد لله رب العالمين الموفق لكل حسنة وولي كل نعمة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، والمُرسل رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

تشترك البشرية وتُجمع على أن الرجل بحاجة إلى المرأة وان المرأة بحاجة إلى الرجل ، وسبب اتفاق البشرية مرجعه الى أن الله عز وجل خلق ادم عليه السلام وهو أبو البشر وخلق حواء وهي ام البشر وقال له:﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ سورة البقرة الآية 35 . فمنذ البداية الأُولى كان ادم زوجا لحواء وكانت حواء زوجة لأدم . ومنذ البداية الأولى كانت حاجة آدم وحواء متبادلة . فالجنة التي كان يسكنها ادم جنة كاملة متكاملة ، ومع ذلك خلق الله تعالى حواء واسكنها الجنة التي لا ينقصها شيء إلى جانب ادم ، وهذا يؤكد حاجة آدم وحواء لبعضهم البعض، وعلى هذا فُطر البشر ، ويعبر القران الكريم عن هذه الحاجة بقوله تعالى: ﴿ هن لباس لكم وانتم لباس لهن ﴾ سورة البقرة  الآية 187 . فما أبلغ هذا التعبير القرآني في الدلالة على حاجة الرجل للمرأة وحاجة المرأة للرجل حيث سَوّى القران الكريم بين الرجل والمرأة في حاجة الواحد للآخر  واختار القران الكريم من جميع ألفاظ اللغة العربية ومعانيها ودلالتها الحقيقية والمجازية كلمة اللباس ليعبر بها ليس فقط عن حاجة الرجل للمرأة وحاجة المرأة للرجل كحاجتهما للباس ، بل ليؤكد على انه لا استغناء للرجل عن المرأة ولا استغناء للمرأة عن الرجل فلا الرجل يستغني عن لباسه ولا المرأة تستغني عن لباسها ، فاللباس له فوائد معنوية وحسية ، فبه يُزين الإنسان نفسه وبه يدفع عنه شدة البـرد وبه يتقي من الحر وبه يظهر الإنسان في صورته الحسنة . وهدف هذا الكتاب التعبير عن حقيقة العلاقة بين الرجل والمرأة، وكيفية التطبيق الواقعي لحياة زوجية مليئة بالحب والمودة والسكينة، وهو ما يحتاج اليه الازواج والزوجات، ويكفي لتعرف أهمية هذا الكتاب  ان تذهب إلى اقرب محكمة شرعية في بلدك وتجري احصائية عن نسبة الطلاق كل ثلاث سنوات، لتعلم مسيس الحاجة إلى هذا الكتاب. وبما انني  اعمل محاميا شرعيا منذ عشر سنوات تقريبا فقد رايت بيوتا تنهار لا لأسباب ومسوغات شرعية، ولكن لعناد واتباع هوى وقلة وعي عن حقيقة المودة والرحمة التي ينبغي ان تكون بين كل زوجين.  اسال الله تعالى ان يكون هذا الكتاب في ميزان حسناتي، وان يكون سببا من اسباب تحقيق السعادة بين الزوجين وعاملا في تنمية الحب بينهما،فما وقع من خطا فمن نفسي وما دون ذلك فمن فضل الله سبحانه وتعالى .

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين.

                                            أ.رائد عبدالله بدير

20 من جمادى الاولى لعام 1427هـجرية

الموافق ليوم الجمعة من حزيران لسنة 2006 ميلادية

 

أهمية الزواج

تنبع أهمية الزواج في الإسلام من كونه السبيل الوحيد الذي يعطي شرعية للاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ، ففي وقتنا المعاصر أبتدع الناس لأنفسهم طرقا كثيرة للاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ، فكثرت سبل الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ، وزادت وسائل مقدمات وممهدات ومهيئات هذا الاتصال الجنسي ، وأصبحت الدعوة إلى  الجنس العشوائي دعوة علنيّة عبر كافة وسائل الاتصال بين الناس ولا يلتفت تجار الجنس إلى الفوضى الاجتماعية التي يحدثونها. فالشريعة الإسلامية اعتبرت الزواج الصحيح هو السبيل الوحيد من بين السبل الكثيرة للاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ، بل وأكثر من ذلك حيث تفنن الناس وابتدعوا طرقا كثيرة للإنجاب والتناسل ، والشريعة الإسلامية جعلت الزواج هو الدرب الوحيد المشروع الذي يصلح للإنجاب والتناسل فعبر الزواج تنسب الأجيال بعضها لبعض جيلاً بعد جيل .

ومن المسلمات أن الجنس غريزة في الكائن الحي ،والغريزة كما عرفها علماء النفس: ” أنها استعداد فطري جسمي نفسي يدفع الكائن الحي لان يدرك مثيرا خاصا، وينفعل حياله انفعالا خاصا، ثم ينـزع أو يشعر على الأقل حياله بالرغبة في النـزوع منـزعا خاصا “[2] .وقد أجمعت البشرية على أن الجنس غريزة في الكائن الحي، فهو في الكائن الحي له انفعال يسمى الشهوة ، من مميزاته أنه صفة خلقها الله سبحانه وتعالى في الكائن الحي ، وهذه الصفة غير مكتسبة ، والغاية من ذلك استمرارية النوع الإنساني. يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين : ” …إنما الشهوة خُلقت باعثة مستحثة كالموكل بالفحل في إخراج البذر، وبالأنثى في التمكين من الحرث تلطفا بهما في السياقة إلى اقتناص الولد بسبب الوقاع، كالتلطف بالطير في بث الحب الذي يشتهيه ليساق إلى الشبكة ، وكانت القدرة الأزلية غير قاصرة عن اختراع الأشخاص ابتداء من غير حراثة وازدواج ، ولكن الحكمة اقتضت ترتيب المسببات على الأسباب مع الاستغناء عنها إظهارا للقدرة وإتماما لعجائب الصنعة ، وتحقيقا  لما سبقت به المشيئة وحقّت به الكلمة وجرى به القلم[3] ” . ونلاحظ أن الغزالي يؤكد على أن الشهوة باعثة مستحثة، وهي صفة غير مكتسبة والغاية من خلقها في الكائن الحي وبالذات النوع الإنساني هو اقتناص الولد لبقاء استمرارية  النوع الإنساني والحفاظ على نظام التناسل ، وهذا كله من باب تنظيم المسببات بالأسباب وترتيب النتائج على الأسباب .

هذه هي طبيعة الإنسان وهذه هي طبيعة حاجته إلى الجنس، فالانفعالات الشهوانية الناتجة عنه وخاصة الشهوة هي صفات غير مكتسبة ، والإسلام أراد بتشريعاته ضبط كافة الانفعالات وتهذيبها ،  فقد حصر على سبيل المثال إشباع انفعال الشهوة والاستجابة له حصره بطريق واحد ، فلا إشباع ولا استجابة لغريزة الجنس والانفعالات الجنسية ولا لأي دافع ومثير جنسي خارجي كان أم داخلي للاتصال الجنسي  بين الرجل والمرأة إلا بهذا الطريق ،طريق رسمته الشريعة الإسلامية وبينت مقاصده وحددت معالمه، ووضّحت كيفية الاستعداد له وشروط السير فيه ووضعت لكل ذلك خطة تضمن سيرا في هذا الطريق صحيحا مقبولا من وجهة نظرها. هذا الطريق هو طريق الزواج الصحيح الشرعي ، فالشريعة الإسلامية حرمت الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة دون زواج.

قال الغزالي : ” فالنكاح بسبب دفع غائلة الشهوة مهم في الدين لكل من لا يؤتى عن عجز وعنّة وهم غالب الخلق[4] “. وما أروع هذه اللفتة من حجة الإسلام الغزالي حيث لاحظ أهمية الزواج في الدين لكونه الدرب الوحيد الشرعي والصحيح للاستجابة لانفعالات الشهوة والاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ، ولا نستغرب كثيرا حينما نلاحظ من خلال النظر في تعريفات الفقهاء لعقد الزواج انههم قالوا انه عقد يفيد حل استمتاع كل من العاقدين بالآخر ، بل كان جل تركيزهم عند تعريفهم لعقد الزواج على مشروعية الجنس بين الزوجين بعد إجراءه ، ويذكر الشيخ محمد أبو زهره ملاحظاته على تعريفات الفقهاء لعقد الزواج قائلا: ” كلها تدور حول هذا المعنى وان اختلف في التعبير ، وهي تؤدي في جملتها إلى أن موضوع عقد الزواج امتلاك المتعة على الوجه المشروع والى أن الغرض منه في عرف الناس والشرع هو جعل هذه المتعة حلالا، ولا شك ان ذلك من أغراضه، بل هو أوضح إغراضه عند الناس عامة، ولكن ليست هي كل أغراضه ولا أسمى أغراضه في نظر الشارع الإسلامي[5].”

ومهما حاول الفقهاء توضيح صورة الزواج في بيان أهميته في تحقيق معانٍ اجتماعية ونفسية، دنيوية ودينية، والتي سأبين بعضها في المطلب التالي ، إلا انه تظهر أهمية الزواج في الإسلام كونه السبيل الوحيد والطريق المخصوص والمحصور والمنصوص لاستمتاع الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، وان ثمرات هذا الاستمتاع بالدرجة الأولى الإنجاب والتناسل وثبوت الأنساب على وجه سليم صحيح ، أما غيرها من الأغراض فقد تتحقق بدون زواج ، فالحقوق والواجبات يستطيع المرء أن يتعلمها وينشأ عليها دون زواج،  والراحة النفسية والسكينة والطمأنينة لا تنحصر طرق توفرها في الزواج فقط ، ويكفي أن نعلم أن الزواج بحد ذاته قد يعتريه بعض الأوصاف حيث تخرجه من دائرة المشروع إلى دائرة الممنوع كما نص على ذلك الفقهاء ، فقد يكون الزواج واجبا أو مندوبا أو مباحا أو مكروها أو محرما كما سيذكر في سياق الكتاب. هذا ولا يعني أن الزواج لا يحقق معاني السكينة والرحمة والمودة، بل هو بحد ذاته مدرسة يتعلم فيه المرء الحقوق والواجبات والانتماء والولاء وتحمل المسؤولية ، ولكن هذه المعاني قد يشترك في تعليمها للمرء غير الزواج ، أما الاستمتاع الجنسي لكل من الرجل والمرأة وإشباع الرغبة الجنسية عند الرجل والمرأة وما ينتج عن ذلك من ثمرة الإنجاب فهذا ينحصر فقط في الزواج الصحيح السليم والذي تنطبق عليه كافة المواصفات الشرعية لعقد الزواج . فلا معاشرة جنسية ولا ثبوت نسب بدون زواج. اذ ان الشريعة الإسلامية ذهبت إلى أبعد من ذلك فاعتبرت المعاشرة الجنسية خارج نطاق الزواج ولو كانت برضا الأطراف جريمة واعتبرتها جريمة موجبة للحد وسمّت تلك الجريمة الزنا وما ينتج عن تلك المعاشرة الجنسية من ثمرة كالولد سمّته ولد الزنا وحَرَمته من النسب إلى غير أمه، لذلك تبرز أهمية الزواج الكبرى انه يضفي المشروعية على الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ويثبت به النسب وهو درب سليم صحيح مقبول لبقاء النوع الإنساني .

 

هل أخفق الفقهاء في تعريف عقد الزواج؟

اعتاد الفقهاء في كتبهم أن يعرفوا العقود الشرعية قبل أن يخوضوا في مسائلها، وعقد الزواج أو النكاح في تعريفات الفقهاء لم يأخذ حظه الوافر وحقه الكامل في التعريف، حيث أن تعريفات الفقهاء قديما تدور حول معاني متقاربة جدا فقد عرفه البهوتي بقوله:” النكاح شرعا عقد يعتبر فيه لفظ إنكاح أو تزويج في الجملة والمعقود عليه منفعة الاستمتاع[6].”

وعرفه الرملي بقوله:” النكاح شرعا عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ الانكاح والتزويج[7].”

وقال النسفي:” عقد يرد على ملك المتعة قصدا.”[8] وعرفه الأنصاري:” عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ انكاح أو نحوه[9].”

هذه بعض تعريفات عقد الزواج على سبيل المثال لا الحصر، وان الناظر في كتب الفقهاء والمراجع المعتمدة لتعريف عقد الزواج يخرج بنتيجة ان التعريفات في غالبها متقاربة المعنى وان اختلفت في انتقاء العبارة، ومعاني هذه التعريفات تدور في فلك واحد تقريبا مضمونه بان عقد الزواج يتم بين عاقدين بلفظ مخصوص وان المحل المعقود عليه مُحدداً بالاستمتاع وامتلاك منفعة الاستمتاع بالمرأة أو بالبضع كما يسميها بعض الفقهاء، وقد ابرز الفقهاء قديما قضية حق الاستمتاع الجنسي في الغالب للرجل عند تعريف عقد الزواج، وجعلوا الاستمتاع محورا أساسيا في تعريفاتهم الأمر الذي جعل بعض المعاصرين يعتبر أن تعريفات الفقهاء لعقد الزواج تعريفات قاصرة لا تكشف عن حقيقة عقد الزواج.

يقول الشيخ محمد أبو زهرة:” كلها تدور حول هذا المعنى وان أُختلف في التعبير ، وهي تؤدي في جملتها إلى أن موضوع عقد الزواج امتلاك المتعة على الوجه المشروع والى أن الغرض منه في عرف الناس والشرع هو جعل هذه المتعة حلالا، ولا شك أن ذلك من أغراضه، بل هو أوضح إغراضه عند الناس عامة، ولكن ليست هي كل أغراضه ولا أسمى أغراضه في نظر الشارع الإسلامي ….. وإذا كانت تعريفات الفقهاء لا تكشف عن المقصود من هذا العقد في نظر الشارع الإسلامي فانه يجب تعريفه بتعريف كاشف عن حقيقته والمقصود منه عند الشارع الإسلامي، ولعل التعريف الموضح لذلك أن نقول: انه عقد يفيد حل العشرة بين الرجل والمرأة وتعاونهما، ويحدد ما لكليهما من حقوق وما عليه من واجبات[10].”

ويقول السرخسي:” ليس المقصود بهذا العقد قضاء الشهوة وإنما المقصود ما بيناه من أسباب المصلحة، ولكن الله تعالى علق به قضاء الشهوة أيضا، ليرغب فيه المطيع والعاصي  المطيع للمعاني الدينية والعاصي لقضاء الشهوة، بمنزلة الإمارة ففيها قضاء شهوة الجاه، والنفوس ترغب فيها لهذا المعنى أكثر من الرغبة في النكاح، حتى تطلب ببذل النفوس وجر العساكر، لكن ليس المقصود بها في الشرع قضاء شهوة الجاه، بل المقصود إظهار الحق والعدل ولكن الله تعالى قرن به معنى شهوة الجاه ليرغب فيه المطيع والعاصي، فيكون الكل تحت طاعته والانقياد لأمره، مع أن منفعة العبادة على العابد مقصورة ومنفعة النكاح لا تقتصر على الناكح بل تتعدى إلى غيره[11].”

وبذلك فقد حُصر تعريف عقد الزواج على أنّه امتلاك المتعة أو حل المتعة أو منفعة المتعة أو حق التمتع أو إباحة المتعة أو ملك البضع أو ما يُنتقى من مرادفات لهذه الكلمات لا يعبر عن حقيقة عقد الزواج، وفي نفس الوقت هنالك فارق كبير بين تعريف العقد وبين الآثار والأحكام المترتبة عليه، فعندما يعرف الفقهاء العقود فأنهم يعرفونها مباشرة دون التطرق إلى أحكامها الأخرى أو آثارها، فأحكام العقود وآثارها تختلف كليا عن تعريفها، فهنالك فارق بين تعريف العقد وبين بيان أحكامه، وما نلاحظه في تعريف أبو زهرة انه تناول أحكام الزواج وآثاره ولم يتناول حقيقة تعريف العقد إذ أن ما ذكره من تعريف تناوله بعض الفقهاء في كتبهم تحت بيان أحكام الزواج.

قال الكساني:” أما النكاح الصحيح فله أحكام بعضها أصلي وبعضها من التوابع، أما الأصلية منها حل الوطء لا في الحيض والنفاس والإحرام، ومنها حل النظر واللمس، ومنها ملك المتعة، ومنها ملك الحبس، ومنها وجوب المهر، ومنها ثبوت النسب، ومنها وجوب النفقة والسكنى، ومنها حرمة المصاهرة، ومنها الإرث من الجانبين، ومنها ولاية التأديب بالمعروف[12].”

وقال ابن نجيم:” وحكم الزواج حل استمتاع كل منهما بالآخر على الوجه المأذون فيه شرعا، وحرمة المصاهرة وملك كل واحد منهما بعض الأشياء على الآخر[13].”

والملاحظ أن تعريف عقد الزواج عند الفقهاء القدامى يختلف عن أحكامه وآثاره، فهم يميزون بين تعريف العقد وبين بيان أحكامه، ومن ناحية أخرى جاء تعريفهم على نحوٍ كاد أن يفهم منه أن عقد الزواج محصور في إباحة المعاشرة الجنسية للزوج إذ له  له أن يمتلك وحده  منفعة الاستمتاع الجنسي مع زوجته على الوجه المشروع.

والفقهاء القدامى أكثر دقة واجل فهما عند بيان تعريف الشيء وبيان أحكامه، إلا أن بعضهم اخفق في تعريف عقد الزواج تعريفا مانعا جامعا يعبر عن حقيقة هذا العقد ويكشف عن طبيعته، أما بعض المعاصرين  أمثال أبو زهرة فقد تناول في تعريفه لعقد الزواج أحكام الزواج وآثاره. فالحقوق والواجبات والتعاون وإيجاد نسل هذه مقاصد وأحكام وآثار الزواج ليست تعريفا لعقد الزواج. فعقد الزواج مشروع شراكة بين رجل وامرأة، له قدسية مخصوصة، والأصل فيه انه على التأبيد ولا يقطع إلا لعارض، ينشأ عنه حل استمتاع الرجل بالمرأة واستمتاع المرأة بالرجل، وينشا عنه إيجاد وثبوت نسب وتوارث ونفقة وطاعة وسكنى ومعاشرة بالمعروف، وكافة الحقوق والواجبات الأخرى لكلا الزوجين اذ أن كل حق يقابله واجب.

 

فوائد الزواج

تكلم الفقهاء والاجتماعيون قديما وحديثا على فوائد الزواج، ووضعت المؤلفات في بيان تلك الفوائد ، وقد ذكر حاجي خليفة في كتابه “كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون” بعض المؤلفات التي تحدثت عن فوائد الزواج منها على سبيل المثال كتاب “الوشاح في فوائد النكاح” للسيوطي[14] ، وقلما تجد كتابا معاصرا موضوعه الزواج أو ما يسمى الأحوال الشخصية إلا ويتحدث عن فوائد الزواج، وتلك أهم فوائد الزواج .

الفائدة الأولى : إشباع الغريزة الجنسية لكل من الرجل والمرأة على سبيل مشروع :

لقد ذكرنا سابقا أن أهمية الزواج تنبع من انه الطريق الوحيد لشرعية الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة، فالفائدة الأولى له إشباع الغريزة الجنسية لكل من الرجل والمرأة على سبيل مشروع ، وعلى وجه يرضاه الله سبحانه وتعالى، فقد جاء في  صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه انه قال: ان ناسا من أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  قالوا له: يا رسول الله: ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون، إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته  ويكون له فيها أجر؟ قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر[15].” فالزواج وسيلة لنيل رضا الله تعالى في إشباع الرغبة الجنسية ، لان الله عز وجل رضي للرجل والمرأة أن تتم بينهما معاشرة جنسية بزواج، بل أكثر من ذلك أعطى الأجر والثواب على هذا الاتصال، والإنسان بشكل عام قد يرغب ان يلبي نداء الغريزة الجنسية دون الانتباه إلى وسيلة إشباع تلك الرغبة، وقد ينجذب إلى الجنس الآخر ويرغب أن يمارس معه حياة جنسية بزواج او بغير زواج، فقد روى مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته فليواقعها فان ذلك يرد ما في نفسه[16]“. وان مما حفظناه عن أساتذتنا الكرام حفظهم الله تعالى أن من خصائص الشريعة الإسلامية أنها واقعية مثالية. ووجه إيراد هذا الكلام هنا أن الحديث يشير إلى واقعية الإسلام ومثاليته في وقت واحد، اذ أنّ الحديث يشير إلى انجذاب الرجل إلى غير زوجته، أو انجذاب المرأة إلى غير زوجها، ولا يتوقف الأمر عند الانجذاب بل يتعدى إلى انطباع صورة المرأة في قلب الرجل أو العكس فيشتهيها إلى نفسه وتشتهيه إلى نفسها لإشباع الرغبة الجنسية ، وهذه صورة واقعية يعيشها الناس، فكم من رجل يشتهي غير زوجته لنفسه وتحدثه نفسه عن إشباع الرغبة الجنسية مع غير زوجته، وكم من امرأة تشتهي إقامة علاقات جنسية مع غير زوجها وتحدثها نفسها بذلك، والحديث المذكور يصور واقع بعض الناس، وفي نفس الوقت أرشد الحديث إلى عدم الاستجابة لهذا الانجذاب، ووجه إلى معالجة صورة المرأة الأجنبية التي انطبعت في قلب الرجل، نادى الحديث وبكل وضوح وصراحة أن يعمد ذلك الرجل إلى امرأته فليواقعها وهذه الصيغة تدل إلى اشتداد مسيس الحاجة إلى الرغبة الجنسية لحالة هذا الرجل، وعقّب الحديث بان معاشرة الرجل الجنسية لزوجته ترد ما انطبع من صورة لامرأة أجنبية في قلب الرجل،وهذه دعوة إلى تحقيق المثالية بعد بيان الصورة الواقعية. فالزواج وسيلة يلتمس المسلم من خلالها رضا الله عز وجل في إشباع رغباته الجنسية.

إن ما نراه اليوم من مثيرات وإغراءات أمام الرجال والنساء على حد سواء يتمثل من خلال البرامج الهابطة والتي تعرض على بعض الفضائيات العربية والأجنبية، بالإضافة إلى بعض المواقع على شبكة الانترنيت، بالاضافة الى ذلك واقع بعض المسلمين  في عدم الالتزام بالتعاليم والاحكام الإسلامية،كل تلك المثيرات تؤثر تأثيرا كبيرا على  الشباب والشابات خاصة، فالزواج هو المخرج الذي يخفف حدة الام الشهوة للشاب والشابة اللذان يلتمسان رضا الله عز وجل ولا يقبلان الوقوع في الرذيلة وارتكاب الفاحشة ولعل قول النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيه نداءه للشباب خاصة يؤكد هذا المعنى حيث قال:” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فانه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء[17].”

الفائدة الثانية : المحافظة على إبقاء جنس الإنسان بطريق سوي:

إن من فوائد الزواج العظام بقاء نوع الإنسان وان يستمر هذا النوع في التكاثر والتناسل. يقول حجة الإسلام الغزالي:” الولد، وهو الأصل وله وُضع النكاح، والمقصود إبقاء النسل وان لا يخلو العلم عن جنس الإنس[18]“.فالزواج هو الطريق السوي المشروع المتعارف عليه في الشرائع السماوية كافة وعند أصحاب العقول السليمة لاستكثار البشر، يقول الشيخ محمد أبو زهرة:” وان حفظ النوع الإنساني كاملا يسير في مدارج الرقى إنما يكون بالزواج، فان المساندة لا تحفظ النوع من الفناء، وان حفظته لا تحفظه كاملا يحيا حياة إنسانية رفيعة. واعتبر ذلك بالأمم التي قل فيها الزواج، فان نقصان سكانها يتوالى بتوالي السنين، بينما يتكاثر سكان غيرها ممن يقدم افرادها على الزواج ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على طلب النسل بالزواج[19].” ولا شك أن الله عز وجل فطرنا على حب التناسل والإنجاب وحب الولد كل ذلك لغاية استمرار النوع الإنساني.

الفائدة الثالثة: التواصل والائتلاف وتكوين أسرة:

الزواج طريق سديد ومشروع للاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة سوياً، وابتغاء الولد هو إحدى الثمرات المرجوة عن هذا الاتصال، فالفرد يطلق عليه قبل الزواج فردا وبعد الزواج زوجا مع انه بقي فرد في ذاته، والزوجة يطلق عليها قبل الزوج فردا وبعد الزواج زوجة مع أنها بقيت في ذاتها فرد ، والزوجان بعد الإنجاب يطلق عليهما أسرة، والأسرة هي لبنة من لبنات المجتمع الذي يبدأ بالفرد وينتهي بالمجموعة ، فالزواج عنصر هام في المجتمع لتحقيق مبادئ التعارف والتآلف والتساكن حيث تتسع دائرة الفرد وعلاقاته بعد أن يكون فردا إلى أفراد ومجموعات داخل المجتمع الكبير المتألف. ويُعَلِّم الزواج مبادىء الحقوق والواجبات ابتداءً بالبيت وانتهاءً بالمجتمع ويرسخ مفهوم ان كل حق يقابله واجب ، فهنالك حقوق الزوجة وواجباتها وهنالك حقوق الزوج وواجباته وهنالك حقوق الأبناء وواجباتهم وهنالك حقوق الإباء والأمهات وواجباتهم وهنالك حقوق الجيران ووجباتهم وهنالك حقوق المجتمع وواجباته تجاه أبنائه وهنالك حقوق الدولة وواجباتها تجاه مواطنيها، فالزواج هو المدرسة الأولى الذي يرسخ ذلك المفهوم أن كل حق يقابله واجب وتكون ممارسة عملية داخل البيت والأسرة الواحدة لترسيخ هذه المبادئ وتلك المفاهيم .

بالإضافة إلى ذلك فانّ الزواج مشروع يرسخ ويعلم مفهوم تحمل المسؤوليات تجاه الآخرين سواء كانوا أفرادا أم جماعات، مؤسسات وسلطات، حيث ينمو مفهوم تحمل المسؤولية  داخل الأسرة ثم سرعان ما تكون الحياة العملية للأسرة مصحوبة بتلك المفاهيم والمبادئ وهذا كله آثار الزواج وفوائده.

هذه أهم فوائد الزواج على سبيل المثال لا الحصر. قال ابن نجيم في شرحه على كنـز الدقائق للإمام النسفي بعد أن ذكر الأخير كتاب النكاح بعد العبادات في كتبه مباشرة قال :” ذكره –يعني كتاب الزواج- بعد العبادات لأنه اقرب إليها حتى كان الاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادات وقدمه على الجهاد لاشتماله على المصالح الدينية والدنيوية، فالزواج عبادة وقربة إلى الله عز وجل وهو نصف الدين وبه تحصل المنافع الدنيوية والدينية”[20].

إن الزواج في المفهوم الشرعي والتوجه العام الشرعي سنة الأنبياء على مر العصور وما من شريعة إلا رغّبت به وحثّت عليه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:” النكاح من سنتي  فمن لم يعمل بسنتي فليس منى وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصيام فإن الصوم له وجاء.”[21] وهو أمر مرغوب محبوب مطلوب عند الناس، ويعتبر كل فرد في المجتمع أن المحطة الأهم في حياته هي محطة الزواج وتكوين الأسرة  لما يترتب عليه من فوائد عظيمة جدا.

 

الحُكم الفقهي للزواج

هذا المبحث في غاية الأهمية لأنه مبحث في الجانب التطبيقي للزواج حيث يُحقق في مواصفات الشخص الراغب في الزواج أو العازف عنه ويعطيه الوصف الفقهي المناسب له ويوضح الحكم الشرعي المناسب في حكم الزواج بعد تشخيص الشخصية الراغبة فيه أو العازفة عنه.

يقول استاذنا علي السرطاوي:” تتميز المشروعية الإسلامية عن القانون الوضعي في أنها لا تكتفي بمعيار الصحة والبطلان للحكم على التصرفات، بل نجدها تنقل حكم التصرف من الإباحة إلى الندب ثم الوجوب، ومن الإباحة إلى الكراهة والتحريم.”[22]

وهذا يؤكد أن الأحكام الشرعية وسائل لغايات ولا يتم التحقق من الحكم الشرعي المرتبط بغاية ومقصد وهدف يحقق المقصود منه ابتداء إلا بعد النظر والتدقيق في تصرفات المكلفين وإعطاء التصرف المعين الحكم المعين والمناسب له، وهذا كله يكون عند إنزال أحكام الشريعة على تصرفات المكلفين وواقع حياتهم.

من هنا أنشأت الشريعة الإسلامية نوعا من أنواع النظر والتمحيص والتشخيص والاجتهاد عند تطبيق الأحكام على تصرفات المكلفين حيث يضمن تحقيق المصلحة الشرعية والمقصود الشرعي من تشريع الأحكام وهذا النوع من أنواع الاجتهاد التطبيقي هو ما يسمى تحقيق المناط الخاص.

فالمشهور عند الناس أن حكم الزواج في الشريعة الإسلامية مستحب ومندوب، وهذا هو التيار السائد والتوجه العام للشريعة الإسلامية في حكم الزواج فهي تحث عليه وتؤيده وتشجعه لما يترتب عليه من آثار وفوائد دينية ودنيوية عظيمة، الا أن المقْدِم على الزواج والعازف عنه تعتريه بعض الأوصاف والظروف بحيث يصبح الزواج في حقه واجبا أو يصبح الزواج في حقه محرما حسب الأوصاف والظروف التي تعتريه أو تحيط به، ففي مثل هذه الحالات ينتقل الحكم الشرعي للزواج  من الاستحباب إلى الوجوب أو من الاستحباب إلى التحريم أو من الاستحباب إلى الكراهة.

قال الدسوقي في سياق حديثه عن النكاح وما يتعلق به من أحكام قال:” وهو باب مهم ينبغي مزيد الاعتناء به وتعتريه الأحكام الخمسة لان الشخص إما أن يكون له رغبة فيه أو لا، فالراغب وان خشي على نفسه الزنا وجب عليه وان أدى إلى الإنفاق عليه من حرام، وان لم يخشه نُدِب له إلا أن يؤدي إلى حرام فيحرم، وغير الراغب إن أداه إلى قطع كره وإلا أبيح إلا أن يرجو نسلا أو ينوي خيرا من نفقة على فقيرة أو صون لها فيندب ما لم يؤد إلى محرم وإلا حرم، والأصل في النكاح الندب[23].”

وقال ابن رشد:” فأما النكاح فقال قوم: هو مندوب إليه وهم الجمهور، وقال أهل الظاهر: هو واجب، وقالت المتأخرة من المالكية: هو في حق بعض الناس واجب، وفي حق بعضهم مندوب إليه، وفي حق بعضهم مباح وذلك يحسب ما يخاف على نفسه من العنت ……وهو التفات إلى المصلحة[24].”

فالأصل في حكم الزواج كما ذكر الدسوقي هو الندب، وان تحقيق المقاصد والغايات وعدم تحقيقها من وراء الزواج له الأثر البالغ في تكييف حكمه، وان الحالات والأوصاف التي تصاحب طالب الزواج لها أيضا الأثر في تحديد حكم الزواج، والناظر في أقوال الفقهاء  يدرك هذا، فقد يكون الزواج في حق شخص مثلا فرضاً وواجباً وذلك إذا غلب على ظنه الوقوع في الفاحشة والانحراف عن الجادة وخاصة إذا كان قادراً على القيام بمتطلبات الزواج كتوفير النفقات وتحمل المسؤوليات وغيرها فمثل هذا يجب عليه الزواج ولا ينتظر حتى يقع في الفاحشة، وإذا كان شخص راغب في الزواج، وتزوج امرأة ليظلمها بأن ينتقم منها أو من أهلها وتزوجها لأهانتها وظلمها فهذا في حقّه الزواج محرم ولا ينبغي له ان يقدم عليه كونه كان وسيلة لظلم الزوجة.

ان تثقيف الناس على هذه الأحكام أمر هام جدا وينبغي الاهتمام به بمزيد من العناية، وان بيان هذه الأحكام إلى جانب تشجيع الناس على الزواج سيساعد في ضبط واستمرار الحياة الزوجية وسيخفف من مظاهر الظلم الأسري أو النزعات داخل الأسرة، وسيحد ويخفف من نسبة الطلاق في المجتمعات الإسلامية، فكم من زواج تمّ دون أن يتوفر أدنى المواصفات المطلوبة في الزوج أو الزوجة، فليس القصد هنا عن صحة عقد الزواج أو بطلانه أو فساده من الناحية الفقهية ، بل القصد عن المواصفات التي تكون في الزوجين، فما الداعي مثلا أن يزوج الرجل ابنته أو تتزوج المراة رجلا تعلم انه سيظلمها وان الحياة معه لا تستمر كثيرا، وأنها ستعاني في ظل الحياة الزوجية وان الحياة الزوجية ستقف يوما ما، ويعتذر كثير من الناس بما يسمونه القسمة والنصيب، وهذا خطا كبير في الفهم، فالشريعة الإسلامية دعت إلى الزواج ورغبت فيه وحثت عليه وهذا توجهها العام إلى جانب ذلك فقد حرّمته أحيانا، بل ان الشريعة الإسلامية أرشدت إلى مواصفات هامة جدا كالدين والكفاءة والخلق والمسؤولية والأمانة وقدرة الإنفاق وعدم الظلم ودعت إلى العدل والإحسان والمعاشرة بالمعروف ، مما تعين هذه المواصفات والإرشادات على استمرار الحياة الزوجية بشكل صحيح سليم . واليك مثالا واقعا على الزواج المحرم حيث استشارني احد الآباء في تزويج ابنته لرجل اعرفه جيدا، والمستشار مؤتمن وخاصة في الزواج، فقلت له حسب معرفتي بالرجل انه رجل ظالم لا يتق الله عز وجل ولا يبالي، أنصحك أن لا تزوج ابنتك له بل قد تقع في الإثم من وراء هذا الزواج، وبعد مدة زمنية قصيرة سمعت أن بنت الرجل الذي استشارني زُفّت إلى ذلك الشخص ولم يأخذ بنصيحتي، وبعد شهرين من الزواج انتقلت البنت لتعيش في بيت أبيها بعدما طردها زوجها وضربها وأهانها وما مضت ستة أشهر ألا وطلقها زوجها وهي حامل ، وعندما التقيت به أخبرته لماذا لم يلتزم بنصيحتي؟ قال لي المقولة المشهورة: “كل شيء قسمة ونصيب”.

لذا ينبغي على الفقهاء والدعاة والمربين أن يلفتوا انتباه الناس ويعملوا على توعيتهم أن الزواج قد تعتريه بعض الأوصاف فتصرفه من الندب إلى التحريم أو تصرفه من الندب إلى الوجوب أو تصرفه من الندب إلى الكراهة، وكما مرّ من قول الدسوقي إن هذا باب مهم ينبغي مزيد العناية به لما في ذلك من فوائد عظيمة على استمرار الحياة الزوجية بشكل سليم وتخفيف نسبة المخالفات الشرعية .

 

تحت سقف واحد…..ولكن

لقد علمتني الحياة أكثر مما علمتني الجامعة أو الكلية، ولقد استفدت من المادة التي درستها على يد الحياة والتجربة أكثر من المادة التي درستها في مشواري التعليمي الجامعي، فقد لمست من خلال تجربتي أن كثيرا من الأزواج يعيشون تحت سقف واحد، وتحت لحاف واحد دون أن يكون بينهما حب أو مودة أو رحمة، وان الحياة فيما بينهما حياة لا معنى لها، وانك لتجد ابنة الـ 25 سنة او ابنة 23 سنة تتحدث إليك كأنها ابنة الـ 70 سنة تتنظر فرج الموت، وانك لتجد ابن الـ 25 سنة أو الـ30 سنة يتحدث إليك كأنه ابن الـ 75 سنة. وقد نظرت بفراسة في عشرات الحالات عن أسباب ذلك فوجدت ان الزوجين يفقدون أهم عنصر من عناصر ومقومات الحياة الدافئة فيما بينهما الا وهو الحب، او المودة والرحمة. وأنهم يفقدون ذلك دون وجه حق ولأسباب واهية جدا  زينها الشيطان لهم، يمكن القول عنها أنها أوهام شيطانية وليست حق ولا حقيقة.

إن الأصل في الزوج أن يكون سكنا وسكينة ولباسا وسترا وحضنا دافئا لزوجته، والأصل في الزوجة أن تكون فراشا لزوجها وسكينة وسكنا ولباسا وسترا وحضنا دافئا له. والأصل في الزوجة إذا غاب عنها زوجها أن تشعر أنها فقدت أحب الناس إلى قلبها، والأصل في الزوج إذا غاب عن زوجته أن يشعر انه فقد شيئا عزيزا على قلبه. ولو أننا اطلعنا على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم الزوجية ، أو حياته الأسرية لوجدنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلن على الملأ بصراحة وإعلان حينما يسأل أي الناس أحب إليك؟ كان يقول بصراحة بلجة وإعلان ذائع مستفيض: عائشة. أحب الناس إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجته. ولو سالت عائشة رضي الله عنها عن أحب الناس إلى قلبها لقالت بصوت عال زوجي محمد صلى الله عليه وسلم، وغيرتها تؤكد ذلك.

والسؤال الذي اطرحه: لماذا يفقد بعض الأزواج معاني الحب فيما بينهما؟ وما هي وسائل وطرق تنمية تلك المشاعر؟ كيف يمكن للزوجة ان تنمي وتغذي مشاعر الحب والود تجاه زوجها الذي لا تحبه؟ وكيف يمكن للزوج ان ينمي مشاعر الحب والود تجاه زوجته التي لا يحبها؟

بداية إن الفتاة أو الشاب الذي يعتقد أن الحب يجب أن يكون قبل الزواج، بحيث تتعرف الفتاة على شاب ويتعرف الشاب على فتاة ثم تنشا علاقة حب فيما بينهما بعيدا عن الأسرة ويكون بينهما ابتسامات واتصالات ورسائل الكترونية، ومحادثات عبر شبكة الانترنتيت ..ومن ثم مقابلات…الخ ، ويتقدم هذا الشاب لتلك الفتاة بعد علاقة غرامية ليخطبها ويتم الزواج فتقول الناس” اخذوا بعض على حب”. واليكم نصحيتي: ان الذي ذكرت ليس هو الحب الذي اقصده بين الزوجين، لان هذا الحب الذي وصفته بين الشاب والفتاة نشأ في فراغ اجتماعي بعيدا عن دائرة الأسرة وبعيدا عن الشرع الحنيف، انتبهوا الى كلمة فراغ اجتماعي واحفظوها لان كل أمر بُني على فراغ فاحتمال انهياره وارد. وقد سألتني إحدى الفتيات في شهر رمضان المبارك انها تعشق شابا وتلتقي معه بعيدا عن دائرة الأسرة وبعيدا عن أعين الناس من غير خطوبة ولا زواج، سألتني عن قبلة العشاق إذا كانت تفطر الصائم!  ونحن بصدد إعداد دراسة حول “الطلاق في الوسط العربي” ، وإنكم ستلحظون انه من أكثر البيوت التي تعاني من العنف والمشاكل والاضطرابات وأبعدها عن السكينة والمودة والحب والرحمة هي البيوت التي تأسست على علاقات خارج الأسرة،- إلا من رحم ربي- وأنا أتحدث من خلال التجربة والدراسة والاطلاع.

وإنما اقصد بالحب بين الزوجين هو ذلك الشعور والإحساس النابع من القلب بحيث لا يمكن قياس هذا الشعور وهذا الإحساس إلا إذا شوهدت آثاره على كل من الزوجين، فهذا هو الحب حقيقة. فالحب لا يعرف إلا بآثاره، والحب لا يعرف إلا بعلاماته، والحب لا يعرف إلا عند الاختبار والامتحان، والحب غير محصور بكلمة هنا وبكلمة هناك، مع ان الكلمة من مغذيات الحب كما سيأتي، الحب شعور وإحساس وكلام وسلوكيات تنعكس على الأسرة كلها، الحب وعيٌ وفهم وإدراك تام للحقوق والواجبات، الحب صبر وتحمل وقناعة، الحب زوجة وزوج وابن وبنت وجدة وجد، الحب مودة والحب سكينة والحب رحمة والحب انسجام والحب تفاهم والحب تآلف والحب خير والحب إحسان والحب تضحية .

والسؤال الذي ذكرته كيف تنمي الزوجة مشاعر وأحاسيس الحب تجاه زوجها الذي لا تحبه؟

بداية على الزوجة أن تنظر إلى نفسها والى قلبها قبل ان تنظر إلى زوجها، ولتسال نفسها سؤال صدق من المسئول عن انعدام هذه المشاعر والأحاسيس؟  ولتبحث عن الإجابة الصادقة على هذا السؤال. وعليها ان تصدق مع نفسها وقلبها، وعليها ان تواجه قلبها ونفسها وأحاسيسها بصدق وواقعية بعيدا عن الخيالات وبعيدا عن الحوارات الداخلية وبعيدا عن الأوهام. عليها ان تنظر الى واقعها التي تعيشه وعليها أن تدع الأوهام التي تدور في رأسها، لان الخيالات والتخيلات والأوهام سبب رئيسي في عدم الإجابة على الأسئلة بصورة صحيحة سليمة دقيقة. اذ كيف يمكن لزوجة أن تتخيل رجلا آخر في حياتها وتبني صورة في  خيالها، وعلاقة وهمية وأحاسيس كاذبة ثم تتطور هذه الأحاسيس والمشاعر الوهمية فتنقلب الى حب وهمي في قلب لا يمت الى الواقع بصلة، فتعيش هذه الزوجة في أوهام وخيالات وأحاسيس ومشاعر وهمية، بحيث تكون هذه المشاعر والأحاسيس سببا رئيسيا في تعطيل وانعدام الأحاسيس والمشاعر الحقيقية الواقعية تجاه زوجها. على الزوجة أن تحدد من المسئول عن انعدام الحب بين الزوجين. ثم نطرح سؤالا آخر، ما هو مفهوم الحب عند الزوجة؟ اهو ما يُشاهد بين ابنة الـ15 سنة وابن الـ 17 سنة؟ ام هو ما تلحظه بين ابن الـ40 سنة وبنت ال32 سنة؟ ام هو الحب الذي شاهدته ورايته بين ابن الـ 78 وبنت الـ75 سنة؟  لقد شاهدت أزواجا تجاوزوا الخمسين سنة اذا غاب الواحد منهم عن الآخر كأنه فقد نصفه….أعرف قريبا لي منذ اربعين سنة اعتاد ان يرفع سماعة الهاتف اثناء تواجده في العمل، ليسأل عن احوال زوجته…يفعل ذلك منذ اربعين عاما…ولم يفّوت يوما واحدا في حياته دون أن يتصل بزوجته…حتى ان جميع افراد العائلة اصبحت بينهم كلمة مشهورة وهي” هاتف الساعة 12 ظهرا”….. عن أي حب تبحث هذه الزوجة؟ عن حب المراهقة، أم عن حب الخيانة؟ أم عن الحب الذي يظهر في المسلسلات والافلام…؟  عن أي حب تبحث هذه الزوجة ؟ أتبحث عن الحب الأول الذي مرت به وهي ابنة ـ13 سنة حيث عشقت شابا لا يتجاوز الـ15 سنة عن هذا تبحث؟ ما هو مفهوم الحب عند هذه الزوجة ؟ يجب على الزوجة التي فقدت مشاعرها وأحاسيسها تجاه زوجها أن تجيب بصدق عن أي نوع حب تبحث؟ وما هو مفهوم الحب لديها؟ اذا كانت الزوجة تبحث عن الحب الذي أحست به تجاه شاب وهي صغيرة في سن المراهقة حيث شعرت في مرحلة من مراحل حياتها بطعم الحب كما يقولون والآن بعدما تزوجت فقدت هذا الطعم.

ان علماء النفس والاجتماع يؤكدون ان المشاعر والأحاسيس العاطفية التي تمر بها ابنة الـ15 هي أحاسيس ومشاعر غير منضبطة بنور العقل وإنها أحاسيس ومشاعر جياشة لا تنتبه إلى صوت العقل ولا التجربة ولا الخبرة ومثل هذه المشاعر والأحاسيس كمثل فتاة تسوق سيارة بلون احمر او اصفر دون مقود ودون فرامل، وكل ما يهم هذه الفتاة انها تركب سيارة دون ان تلتفت ان هذه السيارة بعد لحظات ستتحطم وتؤدي الى هلاكها. على الزوجة أن تواجهه نفسها بصدق وان تدع الخيالات والحوارات الداخلية التي لا يطلع عليها الا الله عز وجل، وعليها ان تفهم بصدق بعيدا عن التصورات الكاذبة الوهمية عليها ان تفهم معنى الحب اولا، وان الحب أحاسيس ومشاعر صادقة لا كاذبة ، واقعية لا وهمية، ربانية لا شيطانية، وعليها أولا ان تتخلص مما زينه الشيطان في قلبها وعليها أن تتابعنا في الحلقة القادمة لنصنع معا المشاعر والأحاسيس الصادقة الحقيقية مهما يكن الظرف ومهما يكن الحال، في الصحة في المرض في الغنى في الفقر في الشدة في الرخاء في بداية العمر وفي نهاية العمر فالحب الصادق الصحيح  سيظل وسيصحب الزوجين لا الى نهاية العمر في هذه الدنيا بل يتعدى إلى الآخرة إلى الجنة بإذن الله تعالى.

آدم وحواء …… بلا جنس 

سألت في الحلقة الماضية كيف يمكن للزوجة أن تصنع وتنمي مشاعر الحب وأحاسيس المودة تجاه زوجها؟  وقلت أن عليها أن تكون صادقة مع نفسها،صريحة مع قلبها، واقعية مع عقلها، عليها ان تعي معنى الزواج ومكانته، وعلى أحاسيسها ومشاعرها أن تعي معها معنى الزواج. والاهم من ذلك ان تعي معنى الحب والمودة والرحمة والسكينة. كتبت في الزواج ألف صفحة، اصطفيت منها كتابا  أسميته ” مسميات الزواج المعاصرة بين الفقه والواقع والتطبيق القضائي” قدم له د. حسام الدين عفانة –حفظه الله تعالى- ، واعمل في الاصلاح بين الناس منذ 12 سنة، واعمل مرافعا شرعيا منذ عشر سنوات، واشتركت في عشرات الندوات تحت عنوان “الخلافات الزوجية أسبابها وطرق علاجها”. ويمكنني بعد كل ذلك أن أقول أن فقدان الحب والمودة والسكينة سبب رئيسي في هلهله الأسرة، وفي توسع الفجوة ليس بين الزوجين فقط إنما بين جميع أفراد الأسرة، واكتشفت كذلك ان كثيرا من الأزواج تعيش أجسادهم تحت سقف واحد، وقلوبهم شتى. لذلك كان ينبغي علي ان أضع أمام أحاسيسك ومشاعرك معنى الزواج. قلت في الزواج كلمة أكاد اجزم انك قد لا تجديها عند غيري. إن الزواج مسالة لا أخت لها في المثل والشبه، ألا تلاحظين أن الزواج كان قبل هبوط ادم إلى الأرض واستمر مع هبوطه وهو يعيش على الأرض وسيستمر بعد بعث ادم من الأرض. في البداية كان الزواج كله سكينه، وبعد الهبوط كان الزواج سكينة وجنس وتناسل، وبعد الموت في غالبه استمتاع جنسي وكتبت عن أسباب ذلك في غير هذا المقال. في البداية وقبل الهبوط خلق الله تعالى ادم وخلق حواء وأمرهما أن يسكنا الجنة وان يعيشا حياة الرغد. خلق حواء لتكون سَكََنا لآدم ويكون ادم سكنا لها، ، فمنذ البداية الأولى كان ادم زوجا لحواء وكانت حواء زوجا لآدم ، ومنذ البداية احتاج ادم لحواء واحتاجت حواء لآدم ، فالجنة التي كان يسكنها ادم جنة كاملة ، ومع ذلك خلق الله حواء واسكنها الجنة التي لا ينقصها شيء إلى جانب آدم ، قال تعالى ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة﴾. وهذا يؤكد حاجة آدم لحواء وحاجة حواء لآدم وعلى هذا فُطر البشر، وكانت سنة الأنبياء. والغريب في هذه الرابطة المقدسة الأولى أنها حياة زوجية مفعمة بالأنس والسكينة فقط لا غير، إذ لا جنس ، ولا تناسل. الجنس معدوم في بداية بداية حياة الزوجين وقبل الهبوط إلى الأرض. زواج بلا جنس، زواج كله انس وسكينة ومودة ورحمة. لا حاجة للجنس لان الغريزة الجنسية مخلوقة ابتداء في آدم من اجل التناسل والحفاظ على النوع الإنساني،.يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين : ” وإنما الشهوة خُلقت باعثة مستحثة كالموكل بالفحل في إخراج البذر، وبالأنثى في التمكين من الحرث تلطفا بهما في السياقة إلى اقتناص الولد بسبب الوقاع، كالتلطف بالطير في بث الحب الذي يشتهيه ليساق إلى الشبكة ، وكانت القدرة الأزلية غير قاصرة عن اختراع الأشخاص ابتداء من غير حراثة وازدواج ، ولكن الحكمة اقتضت ترتيب المسببات على الأسباب مع الاستغناء عنها إظهارا للقدرة وإتماما لعجائب الصنعة ، وتحقيقا  لما سبقت به المشيئة وحقّت به الكلمة وجرى به القلم”. وإنما جاء دور هذه الغريزة بعد هبوط ادم إلى الأرض، لا حاجة في البداية إلى الجنس ولكن الحاجة كل الحاجة إلى الإنس والسكينة والمودة والرحمة والحب وكل هذه المعاني الروحية.

والسؤال هو هل انقطعت هذه المعاني بعد أن أكلا ادم وحواء من الشجرة وهبطا إلى الأرض؟ هل حل محلها الجنس؟ هل حلت محلها المادة؟ الجواب في هذه الآية القرآنية ﴿ ومن ءايته إن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾. هل لمستم ما لمسته في هذه الآية القرآنية، هل استشعرتم في زواجكم ما استشعرته من  الآدمية الأولى من خلال تلاوة هذه الآية. انا لا اقلل من أهمية الجنس على العكس ولا اقلل من أهمية التناسل ولا المادة ولكنني سأشرحها في حلقات قادمة. هل استشعرتم المعاني الروحية الإنسانية المقصودة من الزواج أصالة ، قبل الجنس، وقبل التناسل، لان الجنس قد يتوقف لطارئ بين زوجين ، والتناسل قد يتوقف بحكم الطبيعة البشرية.

اما الحب والود والسكينة  فيستمر ويستمر إلى ما بعد الدنيا. لذلك عاش ادم مع حواء في البداية بلا جنس وبلا أولاد وفي جنة السكينة وجنة المودة وجنة الرحمة وجنة التعايش مع الآخر وجنة المشاعر الحقيقة الصادقة الربانية تجاه كل واحد للآخر.على الزوجة ان تكتشف في نفسها هذه المعاني وعلى الزوج ان يكتشف هذه المعاني في نفسه، وعلى الزوجين معا ان ينميا تلك المعاني في نفسهما وقلبهما وروحهما، على الزوجين ان يسعيا جاهدين لاكتشاف هذه المعاني، وهذه المعاني لا تتعلق بغنى ولا فقر، ولا جمال ولا مال، ولا أحساب ولا انساب . ان استشعار هذه المعاني عند الرجل تجاه امرأة لا يربطهما زواج هو استشعار واهم، ومشاعر خدّاعة كذابة، وان استشعار هذه المعاني من امراة تجاه رجل لا تربطه معها علاقة زوجية إنما هي أحاسيس ومشاعر خدّاعة كذابة. وان تسمية الخيانة ” حب” هي من باب التلاعب في الكلمات. إذا أردت أن تبحثي عن الحب ومعاني الحب فالزوج هو العنوان. وإذا أردت أن تبحث عن الحب في غير زوجك فهذه الخيانة. وكذا الامر بالنسبة للزوج. هنالك فارق كبير بين الأحوال الرحمانية في العلاقات الأسرية وبين الأحوال الشيطانية. كيف يمكن ان نعتبر ما تستشعره زوجة ما تجاه غير زوجها أنها أحاسيس ومشاعر حقيقية، بل أوهام وخيالات عليها أن تتخلص منها. ادم وحواء عليهما السلام استشعرا تلك المعاني بعد الزواج، والآية القرآنية (ومن ءايته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾. تتحدث عن استشعار تلك المعاني من الأزواج وبعد الزواج.

هل تريدين أن تختبري نفسك أين أنت وأين زوجك من تلك هذه المعاني قبل ان نتحدث عن اكتشافها وكيفية التعرض لأسبابها؟ اسألي نفسك عن طبيعة العلاقة مع زوجك ؟ هل لك حظ من ادم وحواء عليهما السلام قبل هبوطهما إلى الأرض؟ هل المعاني التي أشرت إليها في الآية متحققة في حياتك؟ فإذا كانت الإجابة وبصدق نعم فاحمدي الله تعالى واسأليه الثبات . وإذا كانت الإجابة لا، فلا بد للبحث عن كيفية اكتشاف هذه المعاني والأسباب الموصله لها. ان الحياة الزوجية التي تفقد هذه المعاني إنما تفقد شيئا لا يقدر بمال الدنيا. ويمكن القول عنها انها حياة زوجية محرومة من تحقيق المقصد الأعظم من الزواج، وحينما كنا على مقاعد الدراسة قالوا لنا ان المقصد الأول من  الزواج هو التناسل، وهنا أقول ان المقصد الأول من الزواج هو تحقيق السكينة والأنس ويأتي التناسل بالدرجة الثانية تماما كما حصل مع ابينا ادم فقد سبقت السكينة التناسل ، وإلا فماذا نقول في زواج العقيم ، وماذا نقول في زواج الشيخ الكبير ، وماذا نقول في زواج المرأة العجوز. إن الرسول صلى الله عليه وسلم ومجتمع الصحابة رضي الله عنهم أدركوا هذه المعاني ولقد استقريت آثارهم في هذه القضية وشاهدت أن حياتهم الزوجية كان مقصدها بالدرجة الأولى السكينة والمودة والرحمة، وهذا المعنى تجده في زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه.

وكل من فقد هذه المعاني ولم يحس بها ولم يستشعرها فليتابعنا إلى نهاية الكتاب، لنبين كيف يمكن أن نكتشف تلك المعاني، وكيف يمكن أن نتعرض لأسباب الاحساس بها وهي الخطوة الأولى على طريق تنمية الحب بين الزوجين…..

فراغ نفسي ….وحياة مملة

الخطوة الأولى على طريق تنمية الحب بين الزوجين هي اكتشاف المعاني الآدمية الأولى في العلاقة بين الزوجين، والمعاني الأولى في علاقة ادم وحواء هي السكينة والمودة والرحمة، لاحظي ان الغريزة الجنسية مخلوقة في ادم وحواء ابتداء، إلا أنهما عاشا فترة من الزمن دون أن يكون لهذه الغريزة الجنسية أي وظيفة ، وبعد أن أكلا من الشجرة واستعدا للهبوط إلى الأرض جاء دور هذه الغريزة وبدأ الإحساس بها، ومنذ اليوم الأول الذي أحس ادم عليه السلام  وأحست حواء عليها السلام بالآلة التي تدل على هذه الغريزة، من أول لحظة ومن أول ثانية طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، بدأت عملية التنظيم والترتيب والستر والتهذيب، استطاع ادم وحواء حينما بدت عورة الواحد للآخر أن يعيشا هكذا دون تغطية هذه العورة. ولكن القران الكريم يقص علينا أنهما بعدما أكلا من الشجرة مباشرة بدت عورة الواحد للاخر، واستشعر آدم ما لم يكن يستشعره قبل أكله من الشجرة واستشعرت حواء ما لم تكن تستشعره قبل أكلها من الشجرة. أين كانت تلك المشاعر؟ أين كانت تلك الأحاسيس؟ الم يكن يستشعر ادم ما شعر بعد أكله من الشجرة؟ الم تكن حواء تستشعر ما شعرت قبل اكلها من الشجرة؟ ما الذي ظهر لهما ؟، مع ان ادم عليه السلام تعلم الأسماء  كلها عن الله تعالى . ان كل ذلك يوحي ويؤكد ان هنالك في قلب الإنسان وفي نفسه وروحه ا إلى جنب الغرائز التي في داخله معنى الأصل أن تملاه السكينة والمودة والرحمة، هذا المعنى أعده الله تعالى في الإنسان وبين الزوجين ليتعايشا في مودة ورحمة وسكينة. ان أول خطوة على طريق تنمية الحب بين الزوجين هو الوعي التام لهذا المعنى الذي تحمله الزوجة وكذا الأمر بالنسبة للزوج، فالزوجة عندها استعدادات فطرية لتود زوجها وتسكن إليه وتكون لباسا له، والزوج كذلك عنده استعداد فطري لان يسكن إلى زوجته ويودها وتكون لباسا له. وهذه نعمة كبيرة منّ الله علينا بها، والواجب علينا أن نبحث عن الدوافع الداخلية والخارجية والمثيرات المنمية لتلك الاستعدادات. فالزوجة مفطورة على السكن إلى زوجها، والزوج مفطور على السكن إلى زوجته، ان هنالك تهيئة من الله تعالى للأزواج ان يعيشا في سكينة ومودة ورحمة. هذه التهيئة وهذه الاستعدادات تقدمت في الآدمية على جميع الغرائز بما في ذلك الغريزة الجنسية، ولا يمكن قلب الموازين، ولا يمكن العبث في الترتيب، علينا أن نعي تماما أوليات الاستعدادات الفطرية في أنفسنا. وهنا لا بد من المثال لتوضيح هذا الأمر. شاركت في سلسلة محاضرات حول موضوع هام جدا اسمه” اثر الخلافات الزوجية على الابناء”،. اثير تساؤل هام في احدى الندوات وهو ” . ماذا يريد الزوج من زوجته، وماذا تريد الزوجة من زوجها، اكثر من 30 زوجة ملكن الجُرأة وتحدثن وبكل حرقة من مجموع 35 زوجة قلن وتحت صوت واحد، اريده ليجلس معي ليحدثني ليكون قريب مني ، لا  أن نقضي الشهوة الجنسية معا فقط، ولا ان يقوم بالانفاق على البيت كما يجب فقط. نريد ان نجلس مع بعضنا لا لحديث جنس ولا لحديث مال انما نريد حديث الأنس حديث السكينة حديث المودة حديث الرحمة .

هل أدركتم هذا المثال ان طلب هذه المجموعة من النساء هو طلب حق وهو طلب مشروع يهدف إلى اشباع الاستعدادات الفطرية المجبولة عليها بان يكون زوجها سكن لها ولباس لها وان يستشعرا تلك المودة وتلك الرحمة أثناء تواجد الواحد منهما مع الآخر. إن لم يوفر الزوج ما أشرت إليه سيبقى معنى في نفس زوجته فارغا قد تبحث عن أشياء أخرى لتملئه، أو نتيجة فراغه تشعر بالنقصان وتكون مضطربة عصبية لان عكس السكينة الاضطراب، ولن يملأ كل هذا الا زوجها، . وان لم توفر الزوجة ما اشرت اليه سيبقى معنى في نفس الزوج فارغا قد يبحث عن اشياء اخرى ليملئه ولن يملاه الا زوجته. ان البحث عن هذه المعاني في غير الزواج والمتزوجين انما هو سراب في سراب يحسبه الظمان ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا. على الزوجة ان تبحث عن هذه المعاني في زوجها وعليها ان تتعلم الدوافع الداخلية والخارجية والمثيرات التي تحرك هذا المعنى تجهاها وهكذا الأمر بالنسبة للزوج. لا عنوان للزوجة الا زوجها، ولا عنوان للزوج الا زوجته. ما وجدته الزوجة في غير زوجها اذا تعلمت ووعيت ستجد ذلك أيضا في زوجها، وما وجده الزوج في غير زوجته اذا تعلم ووعي سيجده في زوجته والى هذا المعنى اشار الحديث الصحيح فقد روى مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته فليواقعها فان ذلك يرد ما في نفسه”.والحديث يشير إلى انجذاب الرجل إلى غير زوجته، أو انجذاب المرأة إلى غير زوجها، ولا يتوقف الأمر عند الانجذاب بل يتعدى إلى انطباع صورة المرأة في قلب الرجل أو العكس فيشتهيها إلى نفسه وتشتهيه إلى نفسها لإشباع الرغبة الجنسية ، وهذه صورة واقعية وعقّب الحديث بان معاشرة الرجل الجنسية لزوجته ترد ما انطبع من صورة لامرأة أجنبية في قلب الرجل وكذلك المرأة. فالزوجة تملك ما تملك المرأة الأخرى، والزوج يملك ما يملك الرجل الآخر. على كل من الزوجين ان لايسمحا لان يشغلهما اخر في حياته عن نفسيهما……حق للزوجة على الزوج ان يملأ عندها الفراغ النفسي والجنسي..والذي لا يمكن لاحد غيره ان يقوم بهذا الدور……وبدون ذلك فالحياة مملة…نعم مملة.

الحب مصنوع…..لا مطبوع

سألتني إحدى الزوجات كيف يمكن لي أن انمي مشاعري وأحاسيسي تجاه زوجي الذي لا أحبه؟ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تعلمنا أن الحب بيد الله تعالى حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:” اللهم إن هذا قسمي فيما املك فلا تؤاخذني فيما لا املك” والمقصود الحب؟. والجواب على ذلك سهل جدا، بحيث إذا اكتشفت المرأة ان عندها استعدادات فطرية للسكينة والمودة والرحمة تجاه زوجها، وان الأصل انها لباس لزوجها، عليها ان تبحث عن الدوافع والمثيرات التي تنمي هذه الاستعدادات. القلوب بيد الله تعالى يقلبها كيفا يشاء، والله تعالى وضع اسبابا ومسالك للتعرض لذلك التغيير. والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فلا بد من التعرض لأسباب التغيير حتى يمُنَّ الله تعالى علينا بالتغيير. نعمة الحب وايداعها في القلب بيد الله تعالى ولا بد للتعرض لاسباب استحقاق هذه النعمة فمثلا تسمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول” تهادوا تحابوا” وتسمعه يقول: “هل ادلكم على شيء اذا فعلتموه تحاببتم افشوا السلام بينكم” وهذا ما يسمى الدوافع الداخلية والخارجية  والمثيرات والأساليب والطرق والمسالك التي يجب ان يتبعها الزوجان لتنمية الحب فيما بينهما. فالتقوى مثلا نعمة من الله لا بد من التعرض لاسبابها، وحلاوة الايمان في القلب نعمة من الله تعالى ولكن لا بد من التعرض إلى أسباب ذوقه، بل اشد من ذلك الله وصف المؤمنين بانه يحبون الله تعالى ويحبهم ووصفهم بانهم اشد حبا لله وحب الله تعالى احساس وشعور بالقلب يؤدي الى الشوق اليه كما اخبر النبي صلى الله عليه وسلم:” من اشتاق الى الله تعالى اشتاق الله الى لقائه “، ولابد من التعرض لاسباب هذا. خلق الله سبحانه وتعالى فينا فطرة واستعدادات، وهذه الفطرة تتأثر بالأسباب المحيطة بها، الا ترى ان كل مولود يولد على الفطرة فأبواه اما يهودانه أو ينصرانه…الا ترى ان الدوافع الداخلية والدوافع الخارجية والمثيرات والبيئة تؤثر في المعاني الاولى التي خلقها الله تعالى في الإنسان. كذا الامر بالنسبة للزوجين عليهما ان يتعلما المثيرات والدوافع والسلوكيات التي تنمي فيهما الحب وتعزز وترفع أسس السكينة والمودة والرحمة والحب الذي أوجده الله تعالى فينا . فلا تركن الزوجة الى ما تستشعر به تجاه زوجها من الجفاء…ولا يركن الزوج كذلك بل الواجب عليهما أن يصنعا الحب والمودة فيما بينهما، فاذا ما تعرضا لاسباب صناعة الحب هنا يوفق الله تعالى بينهما ويقذف في قلب كل منهما محبة الاخر ويؤلف فيما بينهما..ومن اهم الوسائل والاسباب والعوامل التي تصنع الحب، هي اداء الحقوق والواجبات التي ملكها كل طرف على الآخر بموجب عقد الزواج فهذه الدرجة الاولى في سلم المودة والرحمة.

 

شغف امراة العزيز…وعشقها

إن الانتقال من النص إلى الواقع هو مطلب شرعي وهذه الملاحظة سمعتها من مجموعة من العلماء حينما كنت في زيارة لإحدى الدول وحالفني الحظ أن التقي مع مجموعة منهم، اخبرني احدهم بعد مدارسة فيما بيننا حول فن الأساليب التي اتبعها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث من هذه الأساليب فن التنقل بين النص والواقع، فأحيانا نعيش بين النصوص و ظلالها ومن خلالها ننتقل إلى الواقع المعاش، وأحيانا أخرى نعيش بين الواقع وأحداثه ومن خلاله ننتقل إلى النصوص،  والفقيه الحاذق هو الذي ينظر بعينيه، عينٌ على النص والاخرى على الواقع وفي غير هذا المقام تُشرح هذه المسالة.

ذكرت فيما سبق ان الخطوة الأولى إدراك كل من الزوجين أن الله تعالى خلق فيهما الاستعدادات الفطرية للمودة والرحمة والحب والسكينة، ولا بد أن يصحب هذه الخطوة الايمان بذلك وتصديق ذلك فمن المعلوم أن التغيير لا يحدث إلا بالعلم والإيمان أولا ثم الإرادة ثانيا. ولا نجاح لفكرة ما إلا بعلم تام بها ووعيها، ثم الإيمان بها، فالعلم والإيمان هما المحركان للإرادة فإذا ما تحركت الإرادة حدث التغيير بالعمل. لا شيء مستحيل، لا يمكن للزوجة أن تزعم أنها لا تحب زوجها دون أن يكون هنالك أسباب حقيقية لذلك، ولا يمكن للزوج أن يزعم انه لا يحب زوجته دون أن يكون اسباب حقيقية لذلك ، وحتى الأسباب الحقيقية يمكن أن نعالجها ونغيرها وندفعها ويمكن أن نبدلها .

قالت لي إحدى الزوجات بالحرف الواحد:” لم أكن أتوقع انه سيحدث تغييرا في حياتي من مقال في صحيفة، فقد عشت ست سنوات من حياتي مع زوجي كلها خيال في خيال حتى المعاشرة الزوجية كانت خيالا في خيال، كنت جسدا معه وقلبا مع غيره واكتشفت انني تائهة في بحر من الخيال  مع ان زوجي يحبني ويعاملني معاملة حسنة وكل امرأة تحب ان يتصف زوجها بمواصفات زوجي.  ولا يوجد أي سبب أو داع لان أعيش في خيالي مع غيره… كنت أقول في نفسي زوجي اختيار أهلي …..وغيره الذي أحيا بخيالي معه اختيار قلبي… هذا هو السبب الذي جعلني أعيش في خيال عدة سنوات ولا يوجد أي سبب سوى هذا….. تنبهت لكل هذا وأنا اعمل لطرد الخيال والأوهام التي كنت أعيشها، وشعرت ان الله تعالى يعينني على ذلك …وأنا اشعر بارتياح مع زوجي لم اشعر به من قبل..وانا مصممة على السير قدما نحو تنمية حبي لزوجي والذي يستحقه فعلاً . ”

إن الوعي والإدراك والعلم والإيمان والعمل سبب في إحداث التغيير..امرأة العزيز في قصة يوسف – عليه السلام – وصل بها الأمر لا إلى الحب فقط ولا إلى العشق فقط بل إلى شغف يوسف- عليه السلام- نعم… شغفها حبا..والشغف أعلى درجة في سلم العشق بحيث إذا أصاب قلب امرأة أو رجل لا يبالي بأي شيء سوى جذوة الحب وهوائج الغرام ونيران الشغف. لم تبال امرأة العزيز بزوجها…ولم تبال بالنسوة…ولم تفكر سوى بالصبابة  والتمتع بيوسف – عليه السلام- ارادته لنفسها،  وصارحته القول ودعته إلى فراشها وجاذبته قميصه حتى تمزق من خلفه فافلت منها يستبق الباب وهو يريد فتحه وهي تريد ان تحول بينه وبين ما يشتهيه من الإفلات والهروب …وعندما شاع الخبر ولاكته أفواه النساء ..باحت امراة العزيز بعشقها وشغفها وما جاء على لسانها في القران الكريم:” فذالكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين”…. هل يوجد امرأة على وجه الأرض في منـزلة امرأة العزيز أصابها حال مثل حالها ….قد تعشق امرأة رجلاولا غرابة في ذلك ولا عجب …وقد تحاول ان تمارس معه الجنس وقد يقع هذا المحرم ولا عجب …….وقد تبوح لصديقتها بهذا العشق وتطاب صديقتها ان تكتم الامر وتعتم عليها ولا عجب ايضا…. ..اما ان يصل الحال ان تعلن امرأة ذات منصب في مجمع نساء انها ستقوم بسجن رجل لأنه اراد العفاف والإحصان وعدم الخيانة…..بل اشد من ذلك تحاول تلك المراة اغتصاب الرجل عنوة وبقوة واخذت تمزق ملابسه…وهو هارب منها….وهذا يدل علة عنفوان حبها وفتنتها في يوسف عليه السلام… ان هذا لشيء عجاب …هل أدركتم حقيقة الحالة التي وصلت إليها امرأة العزيز…..حالة الصفر لم نسمع عن أي حالة تشبهها…..وانه لشرف لنا جميعا ان يقص علينا ربنا تبارك وتعالى ما حصل مع يوسف مع تفصيل لهذه الحادثة…..وحتى لا يدع المجال لاحد ان يبدي رايه في حد الممنوع والمسموح عند قص القصة……. ومع كل ذلك تخلصت امراة العزيز من هذا الحب بل العشق بل الشغف وانتقلت من حال أسوا إلى حال أحسن وما جاء على لسانها في القران الكريم  “وما أبريء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم” حدث التغيير في حالها وحالتها ……انطفأت جذوة الحب في قلبها ليوسف عليه السلام ..ولا يضر ان يستغرق التغيير بعض الوقت، المهم أن نعي ما الذي ينبغي علينا نغيره  وان نؤمن بالتغيير وان نعمل للتغيير.. أما ثمرة ذلك فهي على الله تعالى” ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. الخطوة الأولى نحو التغيير يجب أن تكون من الزوجة أو الزوج والثمرة على الله تعالى. الخطوة الأولى على الزوجة وعلى الزوج ……قالوا لنا في الامثال مشوار الف ميل يبدأ بخطوة …….خطوة نحو التغيير….نية وهم وقصد وكلمة وفعل نحو التغيير…علم وايمان وعمل نحو التغيير ياتي التغيير..ولنا في امراة العزيز اعظم نموذج ومثال…

أولويات ابليس…….

لا يمكن القول في العلاقة الزوجية بانه ” هذا هو الموجود” ليصبح من المُسَلّمات، يجب ان نزيل هذا الاعتقاد من عقولنا أو من قلوبنا، يقول الله تعالى : ” ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ” التفت إلى القران الكريم وهو يرشدنا إلى المنهاج المتبع في كسب القلوب، نعم هنالك وسائل وأساليب ومناهج وطرق يجب إتباعها لإحداث التغيير وكسب القلوب. هنالك في الساحة الزوجية من يعمل على تعكير العلاقة بين الزوجين، هنالك من يعمل على هدم العلاقة بين الزوجين ، هنالك من يعمل بالليل والنهار لنـزع الود والحب بين الزوجين . اما تعلمون ان الشياطين يتفاخرون؟ اما تعلمون ان الشياطين يقَيِّمون أعمالهم؟ اما تعلمون ان الشياطين يتنافسون فيما بينهم أيهم اقرب منـزلة من إبليس؟ اما تعلمون أيهم اقرب منـزلة  من إبليس؟ انه الشيطان الذين يستطيع أن يفرق بين الزوج والزوجة، يعد من أفضل الشياطين عند إبليس، حتى يدنيه إليه، ويسأله ماذا فعلت اليوم؟ فيقول: فرقت بين زوج وزوجته، فيدنيه منه، ويربت على كتفه، ويقول له: نِعْمَ الشيطان شيطاننا أنت.

لقد وعدتكم أن لا أحيا بين النصوص فقط إنما انتقل من النص إلى الواقع، ووعدتكم عبر ان أكون أكثر صراحة . سألتني إحدى الفتيات المقبلات على الزواج هل لي إن أتصور وأتخيل رجلا غير عريسي في ليلة الدخلة من الناحية الشرعية؟ هل هذا حرام شرعا؟ وسألني شاب متزوج هل لي أن أتخيل غير زوجتي عند معاشرتها من الناحية الشرعية ؟ هل هذا حرام شرعا؟ .قلت- دون الالتفات إلى اقوال الفقهاء في المسألة- هذا ضرب من ضروب التفريق ، التفريق الحسي… التفريق المعنوي التفريق الاحساسي الذي يفتخر به الشيطان ويتباهى به الشيطان  ، وهذا ضرب من ضروب الخيانة المعنوية والخيانة الحسية، وهي نقطة البداية نحو طريق التفريق الحقيقي أمام القضاء , لذا قلت أن الأمر لا يُجيزُ في أدبيات الحب بين الزوجين فعل هذا. لانه بالامكان التعلم للتخلص من كافة هذا الخيالات التي مصدرها الشيطان والنفس الأمارة بالسوء. لا يمكن لنا ان نقبل بالواقع على علاته وامراضه بل يجب علينا ان نعلم كيف نتخلص من هذه العلات وهذه الامراض ولو استغرق بعض الوقت ….. مع انني مطلع على اقوال الفقهاء في المسالة الا انني ادعو إلى التغيير والعمل على التغيير لا إلى التسليم…وان الوسائل المعاصرة تَُيَسر وتسهل في ان يخرج شيء من عالم الخيال والاحساس والذي مصدره الشيطان والهوى والنفس الامارة بالسوء إلى عالم الواقع.

ايتها الزوجة لا تعطي فرصة للشيطان لان يرتقي في السلم الابليسي على حسابك وحساب اطفالك وحساب زوجك وبيتك. وكذا الامر بالنسبة للزوج..لا تدعوا الشيطان ليعلب بكما ذات اليمين وذات الشمال …انه من الخزي والعار… ومن المحزن والمؤسف ان يُذكر زوجان…ايُّ زوجان.. باسمهما امام ابليس- لعنه الله-، عندما يسالههم ماذا عملتم اليوم فيجيب احد الشياطين فرقت بين فلان وفلانة…انه مجلس نتـن….لا يستحق أي مؤمن ان يذكر في مجلسٍ كهذا… لا تدع ايها الزوج ان يذكر اسمك هناك..ولا تكوني ايتها الزوجة سببا لان يذكر اسمك امام ابليس….وكفى بذلك خزي وعار  ….

ان من أفضل الشياطين عند إبليس ، هذا الشيطان الذي يفرق بين الزوجين هو الذي يترقى في السُلَّم الأبليسي. فكما انه عند المؤمن أوليات ، وعند الفقهاء أوليات فانه عند إبليس أوليات. وأول أوليات إبليس هدم الأسرة لأنه يعلم إذا هُدمت الأسرة أنهدم المجتمع في جميع نواحيه، وبما أن إبليس جند جنوده واعلم إن أفضلهم عنده والذي ينال مرتبة الشرف والكرامة الابليسية- مع انه لا شرف لابليس ولا كرامة له- من يفرق بين الزوجين على الطريقة الابليسية والتي تعود إلى هدم المجتمع. لهذا ولغيره انعم الله تعالى على المؤمنين بان بَيّن لهم: ما لهم، وما عليهم في العلاقة الأسرية، فشغلت تلك التعليمات والإرشادات الربانية حيزا ومساحة هائلة في القران الكريم والسنة النبوية الصحيحة…إن الأسرة هي محور هام من المحاور التي هي في نصب أعين الشياطين وان الأسرة لهي الصيد الثمين والمفضل عند الشياطين، إن الشيطان ليسعد إذا انزلقت الزوجة في شباكه ، وأن الشيطان ليسعد إذا انزلق الزوج في شباكه..انه ليفتخر بين إخوانه الشياطين بهذا الصيد …صيد يقربه من سيده إبليس ..وإبليس عليه لعنة الله تعالى يفتخر ويباهي…..وبما أن التحدي بيننا وبين إبليس قائم منذ الأزل، فإننا نحتاج إلى الله تعالى لنصمد أمام هذا التحدي وبالذات في العلاقة الأسرية الزوجية   انتبه/ي إلى هذه الآية القرآنية ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ) .فتلك امرأة جاءت تستفتي الرسول صلى الله عليه وسلم فسمعها الله جل في علاه  فأفتاها مباشرة عن مسألتها التي تتعلق بالحياة الزوجية. القضية لها علاقة بقضية التحدي الأزلية …. إبليس يدعو إلى النار والظلم والفوضى الاجتماعية ..والله تعالى يدعو إلى دار السلام والإحسان والعدالة الاجتماعية على كل من الزوجين أن يدركوا هذه المعاني. وان يجتهدا في ان يُذكر اسمهما عند الله سبحانه وتعالى حيث يثني على ارتباطهم وتماسكهم وصفحهم وايثارهم وصبرهم….لا ان يذكرا في مجاس الشياطين.

مساحة الحياة الزوجية في القران الكريم.

أرجو من كل زوجين لهما القدرة والدراية  أن يقوم بهذه الفعالية، أرجو منهما أن يفعلا كما فعلت بحيث يتصفحا دفتي المصحف من الفاتحة إلى الناس وليدونا ويكتبا  الآيات التي تكلمت عن الحياة الزوجية ، آية آية من بداية سورة الفاتحة إلى نهاية سورة الناس ، وكلما مررتما بآية تتحدث عن الحياة الزوجية بكافة أنواعها وأشكالها دونوها وسجلوا بجانبها رقم الآية واسم السورة، وان استطعتم أن تكتبوا بجانب كل آية الموضوع الذي تناولته فافعلوا فان القران ميسر للذكر. وافعلوا ذلك في جميع سور القران الكريم دون استثناء وبعدها تخلصوا إلى النتيجة التي خلصت إليها، أرجو أن تقوموا بهذه الفعالية وليستغرق بعض الوقت.لقد تصفحت بين دفتي المصحف ونظرت في كل سورة وآية تحدثت عن الحياة الأسرية أو الزوجية فوجدت أن مساحة هائلة من القران الكريم تناولت هذا الموضوع، والغريب أن القران الكريم  تحدث عن خصوصية الحياة الزوجية وحتى عن كيفية المعاشرة الجنسية بين الزوجين فقال تعالى(نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين) سورة البقرة الايه223. وحينما وصف الرابطة الزوجية والحقوق المترتبة عليها قال تعالى(وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) . فالميثاق غليظ..نعم غليظ. أريدكم أن تعدُّوا الآيات التي تحدثت عن الحياة الزوجية، أريدكم أن تدونوها، أريدكم أن تفهموها وان تنظروا في مواضيعها، أريدكم أن تنتبهوا وتعطوها المزيد من وقتكم ….وكم نحن بمسيس الحاجة إلى ذلك.

في السابق نظرت بين دفتي المصحف من الفاتحة إلى الناس ودونت كل اية تحدثت عن موسى عليه السلام وقومه، فوجدته شغل مساحة هائلة من القران الكريم ولكني بعد جهد في ذلك انتبهت إلى انه لا يوجد اية واحدة فيها عتاب لموسى عليه السلام مع انه قتل نفسا…وألقى الألواح…وطلب رؤية الله عز وجل….واخذ بلحية نبي…الخ فقلت أن طبيعة قومه ودعوته وظرفه تقتضي أن لا يُعاتب وعليه تسري القاعدة الدعوية التي تقول “يغتفر في المتحرك ما لا يغتفر في الثابت” وشرح ذلك في غير هذا المقام. ولا ندري فقد نخرج وإياكم بقواعد ذهبية بعد أن نحصي ونعد ونتصفح الآيات القرآنية التي تحدثت عن الحياة الزوجية وشغلت مساحة هائلة . ..قلت في إحدى المحاضرات من أراد أن يعرف قيمة الأسرة ومكانتها في الإسلام فعليه أن ينظر إلى الحيز الذي شغلته في كتاب الله تعالى ..فما بالك إذا أضفنا إلى ذلك المساحة التي شغلتها الأسرة في السنة النبوية الصحيحة إلى ذلك! ! ….انها مساحة هائلة جدا تستحق الوقوف معها بجدارة. لان عماد المجتمع ومكوناته هي الاسرة، فالاسرة قلب المجتمع النابض، اذا صَلُحت الاسرة صلح المجتمع..واذا فسدت الاسرة فسد المجتمع…وما المجتمع الا مجموعة أُسر…والشيطان ادرك ان منطقة الصيد المفضلة بالنسبة له هي الاسرة .

حاجتنا إلى تنمية ثقافة الحب بين الزوجين

الحب والود والسكينة والرحمة عناصر هامة جدا في الحفاظ على الكيان الأسري…الود والرحمة في الحياة الزوجية اعتبرهما ثقافة على كل من الزوجين أن يتعلموها ويدركوها ثم يمارسها في موضعها ومحلها الصحيح. كم نحن بحاجة إلى ثقافة الحب ..كم نحن بحاجة إلى ثقافة السكينة…كم نحن بحاجة إلى ثقافة الرحمة….الود في القلب وله آثاره ..والرحمة في القلب ولها آثارها..الود والحب في القلب وله أسباب تنميه، الود والحب مثله في القلب كمثل شجرة طيبة بحاجة إلى ماء طيب ورعاية وعناية طيبة حتى تعطي أكلها الطيب. الحب والود استعداد فطري بحاجة إلى مثيرات ودوافع وتعزيزات. انتبه إلى الشريعة الإسلامية كيف سمحت لكل من الزوجين ان يصف الآخر بصفات ليست فيه  كان يقول الرجل لزوجته قبيحة المنظر أنت كالبدر في جمالك أو أن تقول الزوجة لزوجها قبيح المنظر لم أر أجمل منك، ولم يعتبر هذا الأمر نفاقا ولا كذبا بل هو من صميم الحق والصواب.انظر كيف فتحت الشريعة الإسلامية أبوابا أمام التعزيزات والمثيرات لتنمية الحب بين الزوجين  وأغلقتها أمام المسلمين في غير حياتهم الزوجية إلا ما استثني كالحرب مثلا ..نعم الأحكام الشرعية الاستثنائية في هذا الباب جاءت لتخدم الزوجين ولتنمي العلاقة الحميمة الدافئة فيما بينهما. الشريعة الإسلامية شريعة واقعية مثالية وفي نفس الوقت مثالية واقعية ولعلي استطرد فأفسر لكم لماذا أباحت الشريعة الإسلامية أن يقول الرجل غير الحق في وصفه لزوجته وان تقول المرأة غير الحق في وصفها لزوجها. الشريعة الإسلامية أجازت للزوج أن يمدح زوجته بما هي ليست أهلا له وأباحت للزوجة أن تمدح زوجها بما هو ليس أهله..مع انها منعت هذا الامر في الغالب الاعم لغير الزوجين ..انه الزواج انه عقد الزواج انه الميثاق الغليظ لا يمكن أن يكون الزواج حقلا للتجارب أن يتزوج الرجل امرأة كل شهر أو شهرين ..الزواج موضوع ابتداء ليكون على التأبيد…الزواج ليس ميدان للتجريب والاختبار لذا دفعت الشريعة الإسلامية بكل الوسائل لإنجاح هذا الزواج وتنمية الحب بين الزوجين ولو تعلق الأمر بالمديح والمدح …ولكم في هذه التجربة الكلاسيكية عبرة حيث أجريت تجربة عام 1925 أجرتها “هيرليك” تحت عنوان “اثار المديح والتعنيف كبواعث على السلوك” فأخذت أربع مجموعات: المجموعة الأولى تم عزلها عن بقية المجموعات ولم تعط تعليمات دافعية، والمجموعة الثانية مجموعة تلقت المدح والثناء على عمل  وقد قصد أن يقدم لها هذا المديح بصرف النظر عن المستوى الحقيقي لذلك الأداء. ومجموعة ثالثة عنف أفرادها بشدة على أدائهم السيئ وعلى الأخطاء التي ارتكبوها..والحقيقة ان هذا التوبيخ والتعنيف لم يكن يستند إلى سوء أداء المجموعة بالفعل بقدر ما كان شرطا تجريبيا مصطنعا يقوم على تلمس الباحثة لآية ذريعة لعقاب هذه المجموعة… والمجموعة الرابعة تم تجاهل أفرادها تماما فلم يتلقوا ثناء أو توبيخا على أدائهم..ونتيجة البحث كانت ان المجموعة الممتدحة تفوقت على المجموعات الأخرى في كل اداءاتها التالية. والمجموعة المعنفة تحسن أداؤها في المدى القصير فحسب وتعنيفها كان له تأثيره الضار على أدائها بعد ذلك ….. الخ وما أريده بهذا المثال أن المدح والمديح بما يوافق الشريعة ينمي الرغبة ويُحَسن السلوك وَيفوق في الأداء وهي من الوسائل الهامة على طريق تنمية الحب بين الزوجين…..

 

انهيار الحياة الزوجية

ذكرت سابقا أن الشريعة الإسلامية فتحت أبواب استثناءاتها لتمكن كل من الزوج أن ينمي مشاعر الحب والود والرحمة تجاه الآخر، فالزوجة تنمي حبها تجاه زوجها لتملا له الفراغ الفطري الذي هو بحاجة إليه كحاجته إلى أي شيء فطري آخر، والزوج ينمي حبه لزوجته ليملا لها الفراغ الفطري التي هي بحاجة إليه أيضا.وقد روت الصحابية الجليلة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط  عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا” (رواه البخاري) . وفي رواية: ” ولم أسمعه – أي رسول الله صلى الله عليه وسلم – يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث الحرب والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها” رواه أحمد ومسلم. انتبه إلى كلمة “فينمي” في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا ما خاصم رجل رجلا على سبيل المثال فان مشاعر البغض والكراهية هي التي تحل بين الرجلين، فيأتي دور المصلح للسعي في إصلاح ذات بينهما وله أن يكذب في سبيل ” تنمية الخير” والإصلاح بين الرجلين. انتبهوا مرة أخرى إلى استعمال الرسول صلى الله عليه وسلم لكلمة “فينمي”. نعم إنها التنمية الخيرية بين المتخاصمين ننمي الخير ليحل محل الشر، ننمي الحب ليحل محل البغض..  .ومن باب أولى أن ننمي الخير والحب والسكينة والرحمة بين الزوجين. أنا أتحدث عن مشروع ومشوار وعمل وسلوك ولا أتحدث عن أفكار فقط.  وهنا لا بد من ملاحظة ان الكذب المباح بين الزوجين هو الكذب الذي ينمي علاقتهما وحبهما والرحمة فيما بينهما ويعود عليهما بالمصلحة ولا يكون إلا في أمر مباح، لا الكذب الذي يحتال فيه الواحد على الآخر، وينصب فيه الواحد على الآخر. ويستعين به الآخر على ارتكاب المنكر ويكون في أمر محرم.

ان الحياة الزوجية بحاجة إلى ثقافة، ، قرأت عن بعض الدول انها تنفق ملايين الدولارات في سبيل ثقافة مواطنيها نحو زواج سعيد وأسرة بلا مشاكل. قلت في الندوة التي عُقدت في حورة- النقب-  بعنوان ” تنمية الحب بين الزوجين واثر فقدانها على تربية الأولاد”: نحن فقراء لا نملك حتى ما يسد حاجتنا الأساسية في الثقافة الزوجية. ولا ادري ما هي الأموال التي تنفقها السلطات الاسرائيلية لتثقيف الأسرة العربية في فلسطين 48 نحو حياة سعيدة وأفضل. ولم اسمع عن برامج تُجَيّش لذلك، و لو أن المحاكم الشرعية قدمت لنا تقريرا وليكن كل خمس سنوات عن الخصومات والمنازعات بين المتزوجين والتي تقدم لجميع المحاكم الشرعية في البلاد- فلسطين 48- لسمعتم العجب ورأيتم العجاب…آلاف القضايا…نعم آلاف القضايا، ثم قلت أين دورالسلطة في رعاية الأسرة العربية ؟ ما هي الميزانيات التي تخصصها لذلك؟ وأين دور لجنة المتابعة في ذلك؟ وأين دور الحركات الاسلامية ؟ وأين دور الفقهاء والدعاة وخطباء المساجد بما فيهم نفسي؟.. وأين دور قضاة محاكم الشرعي الحنيف.؟ اين دور العاملين والعاملات الاجتماعية في كل ذلك؟ واين دور سائر المؤسسات الاجتماعية…؟ أين دورنا ودور كل هؤلاء مجتمعين في وضع أسس الثقافة الزوجية للأسرة العربية داخل فلسطين 48 . قد يكون هنالك نشاط هنا ونشاط هنالك ولكن هذا النشاط لا يساوي 10% من التحديات التي تواجه الحياة الزوجية…. ولا أتحدث عن برامج العلاج فقط انما أتحدث عن برامج الوقاية وقديما قالوا درهم وقاية خير من قنطار علاج …نعم الأسرة العربية داخل فلسطين 48 تعاني وتنزف دما اجتماعيا …وانا لا أتحدث عن شعارات أنما أتحدث عن وقائع….ولو استجابت المحاكم الشرعية فقط دون غيرهم لندائي هذا وقدموا للوسط العربي تقريرا مفصلا عن الخصومات والخلافات الزوجية في كافة القضايا التي تنظر فيها ما بين عام 2000-2005، لرأيتم ما قلت لكم بالأرقام.. فما بالكم إذا أضفنا إلى ذلك الخصومات التي يتقدم بها الزوجان إلى المحاكم المدنية الاسرائيلية . أضف إلى كل ذلك الخلافات التي لا تصل إلى المحاكم الشرعية أو المحاكم المدنية والتي تنحصر داخل العائلة ، أو لجان الإصلاح. وهذا كله يعبر عن حقيقة الوضع المأساوي التي تعيشه الأسرة العربية داخل المجتمع الإسرائيلي. نحن في الوسط العربي بحاجة إلى نهضة إصلاحية في الحياة الزوجية وفي اسرع وقت ممكن….الاسرة في الوسط العربي تنهار…تغرق يوما بعد يوم وهي بحاجة إلى عشرات الايادي المختصة لتضع البرامج والميزانيات لانقاذها ….وكل ما اخشاه ان ياتي علينا زمان لا نعي لما يدور حولنا لكثرة همومنا ومشاكلنا الاسرية…..واللبيب من الاشارة يفهم….

ما الغريب في زواج موسى عليه السلام؟

الحياة الزوجية حياة مقدسة وميثاق غليظ، حياة الحقوق والواجبات، حياة السكينة والمودة والرحمة… انظروا إلى موسى عليه السلام وهو كليم الله عز وجل أفنى من عمره عشر سنوات من اجل ان يدفع مهر زوجته كله ..لم نسمع عن عشر سنوات من عمر موسى أي شيء سوى انه قضاهن في خدمة شعيب لدفع مهر زوجته ابنة شعيب كما أثبت القرآن الكريم: قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ27 قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ28  (القصص). هل دفع موسى من عمره عشر سنوات مقابل حقا من حقوق الزوجية؟ هل تستحق الحياة الزوجية هذه التضحية؟ ان وقت الانبياء ثمين…ان حياة الانبياء والرسل لا تقدر بثمن…ان كل لحظة من لحظات أي رسول معدة ومبرمجة سلفا…الرسل- عليهم السلام- لا يعرفون اضاعة الاوقات….عشر سنوات قضاها موسى ثمنا لمهر زوجته…  هل وصلت الحقوق الزوجية إلى هذا الحد؟ عشر سنوات في خدمة شعيب كمهر لزوجته! نعم انه ميثاق غليظ أنها حياة مقدسة تستحق البذل وتستحق حق العطاء وتستحق التضحية. بعد أن أتم موسى ما اتفق عليه مع شعيب فيما يتعلق بالحقوق الزوجية…كلمه الله تعالى!  استمع إلى السياق القرآني من سورة القصص فَلَمَّا قَضَى موسى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ 29 فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ 30 . انتبهوا الى قوله تعالى “فَلَمَّا قَضَى موسى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ..”  نعم أدى موسى ما عليه من حقوق زوجية على أتم وجه واصطحب زوجته في طريقه إلى الله تعالى. على كل من الزوج والزوجة ان يدركا انه من أبجديات الحياة الزوجية أن جزءاً من وقت الزوج تملكه الزوجة وجزءاً من وقت الزوجة يملكه الزوج، بعد الزواج يصبح الفرد زوجا ، وفي ذلك إشارة انك تعيش مع الآخر الذي يمتلك أشياء كثيرة هي في الأصل من حقك لوحدك، ومنها الوقت….. ولن يكون وقتك أثمن من وقت موسى عليه السلام …من حق زوجتك عليك أن تأخذ جزءا من وقتك..فلا تشغلك أعمالك…ولا تشغلك تجارتك..ولا يشغلك تعلميك..وقد تستغرب إن قلت ولا تشغلك الدعوة إلى الله تعالى عن زوجتك وأولادك لأنك ستجد من يقوم بهذا الدور بدلا عنك، ولا تجد من يقوم بدورك بين زوجتك وأولادك والخير كل الخير أن يكون لبدنك عليك حق ولأهلك عليك حق ولربك عليك حق……لا ادعو الا اهمال الدعوة إلى الله عز وجل ولكن هنالك في علم اصول الفقه مصطلحات ينبغي على عامة الناس معرفتها..فهنالك فرض الكفاية وهنالك فرض العين. ولا يمكن تقديم فرض الكفاية على فرض العين..فمسؤوليتك عن بيتك وزوجتك واولادك والقيام بحقوقهم هو فرض عين..والدعوة إلى الله تعالى هو فرض كفاية…والخير كل الخير من استطاع ان يوفق بين الفرضين فياتي بكليهما..لا ان ياتي بفرض الكفاية على حساب فرض العين…ولك في سيدنا موسى عليه والسلام عبرة فتمعن واعتبر بها.

عُوتب آدم عليه السلام…ولم تُعاتب حواء

سأخاطب الزوج، وسأسمعه كلاما قد لا يجده عند غيري، سأبين للزوج لماذا يجب عليه أن يهتم بزوجته؟ ولماذا يجب عليه أن ينمي مشاعر الحب والود تجاه زوجته؟ وسيعرف الزوج المكانة التي حظيت بها الزوجة عند الله تعالى. ان الله تعالى لا زوجة له ولا ولد كما جاء في سورة الجن الآية 3 ﴿ وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا ﴾ ، ولكنه خلق ادم وخلق حواء ،واسكنهما في جنته ونهاهما عن شيء واحد فقط لا غير  لا يقربا شجرة معينة مخصصة معلومة بالكنه والوصف. قال سبحانه  وتعالى في سورة الأعراف الآية 19﴿ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ . عاشت هذه الأسرة الآدمية برغد وهناء تسرح وتمرح في الجنة، وتاكل من حيث شاءت رغدا دون هم أو كرب إلى أن حصلت الحادثة التي سببت في هبوط ادم وزوجته إلى الأرض. قال تعالى في سورة الأعراف ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ 20 وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ 21 فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ 22 قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ 23  قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ  قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ 25﴾ . والآن انتبه معي لأبين لك شيئا عجيبا. يقص الله تعالى علينا ويخبرنا أن ابليس- لعنه الله تعالى- وسوس لآدم ووسوس لحواء، وان الشيطان دل آدم- عليه السلام- أن يأكل من الشجرة وكذلك دل حواء- عليها السلام-، والشيطان اقسم لآدم- عليه السلام- أن في أكله من الشجرة منفعة ومصلحة واقسم لحواء، وان سوءة آدم بدت بعدما أكل من الشجرة وكذلك سوءة حواء، وان الله تعالى نادى آدم ونادى حواء، وبعد ذلك طلبا التوبة والمغفرة منه، انتبه إلى النص القرآني في سورة الأعراف وفي غيرها من السور أن الصيغة التي أعلمنا الله تعالى بهذه القصة عن آدم وحواء هي صيغة المثنى دون ان يذكر حواء منفردة على الإطلاق فقال تعالى :” يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا…” وقال أيضا” ولا تقربا” وقال أيضا” فتكونا..” وقال أيضا ” فوسوس لهما”  وقال أيضا ” وناداهما” وقال أيضا ” الم أنهكما” …الخ من النصوص القرآنية التي تبين بوضوح أن الله تعالى وجه الخطاب بصيغة المثنى ولم يذكر حواء منفردة على الإطلاق. بل على العكس تماما ذكر ادم منفردا في مواضع متفرقة في القران الكريم. استمع إلى الايات من سورة طه في قول الله تعالى﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا  115 وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى116 فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى 117إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى 118 وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى119 فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى120 فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى121 ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى122﴾ . انتبه إلى النص القرآني وهو يقول ” فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ ..” انتبه إلى النص القرآني وهو يقول:” وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا” انتبه إلى النص القرآني وهو يقول :”  وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى121 ثُمَّ اجْتَبَاهُ…”. لم تُذْكَر حواء منفردة لا في النسيان ولا في المعصية ولا في الوسوسة ولا في أي شيء على الإطلاق، انما الذي ذكر هو ادم عليه السلام ، وغض الطرف عن حواء منفردة… ليس من السهل ان يعلن في القران الكريم ان ادم عصى ربه فغوى…ليس من السهل أن يعلن في القران الكريم ان ادم نسي ولم نجد له عزما….ليس من السهل ان يفرد القران الكريم في بعض المواضع ادم بان الشيطان وسوس إليه….انتبهوا إلى حكمة الله تعالى في قصه علينا القصص، انتبهوا إلى عظمة الله تعالى في تكريم حواء،  انه التكريم ما أعظمه من تكريم، آدم غنم أشياء كثيرة …وغرم أشياء كثيرة انه العدل المطلق أنها العدالة المطلقة..تصفحوا بين دفتي المصحف لن تجدوا اية واحدة تعاتب حواء منفردة باسمها مع أنها شاركت زوجها ، إلا أنكم ستجدون ادم منفردا باسمه في مغانمه ومغارمه، ذكورة ادم لم تمنعه أن يتحمل العتاب كل العتاب…قوامة ادم هي التي حملته هذا العتاب وتبعات الخطأ ..انها قوامة التكليف لا قوامة التشريف…إنها قوامة المغارم لا قوامة المغانم…انها قوامة الإيثار لا قوامة الأنانية…انها قوامة الصفح والعفو لا قوامة العتاب والحساب…انها قوامة التكريم والدلال ..لا قوامة الامتهان والرق…سبحان الله الواحد الأحد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ..سبحان الله الذي قص علينا قصة البداية ..قصة ادم وحواء …سبحان الله الذي كان هو الحاكم والآمر في الأحداث التي حصلت مع الأسرة الآدمية الأولى …سبحان الله تعالى الذي قضى على ابليس بالطرد واللعنة إلى يوم القيامة….سبحان الله تعالى الذي حمّل ادم مسؤولية الأحداث بصراحة مع انه تاب عليه …سبحان الله تعالى الذي جنّب الصراحة في تحميل حواء أية مسؤولية ….سبحان الله تعالى العدل الذي كرم المرأة من اللحظة الأولى …سبحان الله تعالى الذي عزز وكرم الانوثة منذ اللحظة الأولى…..ذكورية التكليف وانوثية التشريف والتكريم.

أيها الزوج على نمط المحكمة الربانية الأولى للأسرة الآدمية الأولى سيكون الحساب ويكون العتاب. انتبه إلى مغانم الذكورة ومغارمها……..انتبه إلى مغانم القوامة ومغارمها….. انتبه مغانم الأنوثة ، كم غنمت الأنثى ولا أقول كم غرمت الأنثى..والله إني لألمس هذا في الأحكام الفقهية التشريعية فالمرأة على سبيل المثال نكفية المؤونة في جميع مراحل حياتها فإذا كانت بنتا فنفقتها على أبيها ، وإذا كانت زوجة فنفقتها على زوجها، وإذا كانت أُماً بلا زوج فنفقتها على ابنها، وإذا كانت أختاً بلا ابنٍ أو زوج فنفقتها على أخيها، وان لم يكن احد من فروعها أو أوصولها انتقلت إلى الحواشي من اقاربها، وعلى الرجل ان يوفر لها المسكن الشرعي في جميع مراحل حياتها بنتا وزوجة واما وجدة من ميلادها إلى مماتها، وعليك ايها الرجل كسوتها من ميلادها إلى مماتها، وعليك ان تدفع لها مالا اذا اردتها زوجة كمهر لها ، ولا شيء عليها ابدا ومع ذلك عند تقسيم المال تاخذ نصف اخيها اذا كانت واحدة مع اخيها، وبالحساب البسيط لا شيء عليها وتأخذ نصف المال في الميراث ، مع ان أخيها غرم كل شيء . فهي الرابحة الغانمة دون ان تكون غارمة لاي شيء.. أيها الزوج يجب أن تدرك هذه المعاني …إنّ للأنوثة مغانم  يا ليتك تدركها فتقترب من زوجتك وتنمي صلتك بها فان الذي اعزها وكرمها هو الله عز وجل. ايها الزوج انظر اذا كانت زوجتك أُما لولدك فالجنة تحت أقدامها لا أقول بين يديها ولا في قلبها ولا على رأسها بل تحت أقدامها …اني المس تكريم الأنثى وتعزيز مكانتها منذ اليوم الأول الذي تشكلت فيه الأسرة الآدمية . أيها الزوج عليك بزوجتك وأم أولادك بعدما أدركت مكانتها لا تغتر بذكوريتك ولا بقوامتك واغتنم انوثية زوجتك ونمي مشاعر الحب والود تجاهها فان الجنة تحت أقدامها وليست الجنة تحت أقدامك…فالتمسها هناك …تحت قدميها…انظر إليها هناك تحت قدميها…..تحت قدمي ام أولادك.

الحب العلني…..

يرغب قلمي أن يستمر في الكتابة عن الحياة الآدمية الأولى،  وينهل من أسرارها، فمن حق أبينا آدم عليه السلام أن نتوقف عنده وعند حياته الزوجية الأولى، ومن حق أمنا حواء- عليها السلام- أن نتوقف عند حياتها الزوجية الأولى وخاصة أنها حياة مميزة عاشاها في مرحلتين متميزتين ترددت هذه الحياة بين الجنة وبين الأرض وتميزت بخصائص معينة، دائما نذكر الجنة والنار أو النار والجنة وحينما نذكر ادم وحواء عليهما السلام انما نذكر الجنة والأرض أو الأرض والجنة وكأني بالأحداث الأسرية مهما عصفت بها الرياح والزوابع وفي أسوأ حالتها فإنها تهبط من جنة السماء إلى جنة الأرض ولا تهبط من جنة إلى النار.. فالقران تحدث عن العشرة بالمعروف وحينما تحدث عن التسريح” الطلاق” أرشد الى ” تسريح بإحسان” فحتى التسريح يجب ان يكون بإحسان. والحق انني احتفظ بكثير من هذه الحياة الزوجية في نفسي، إلا انني أريد ان أطلعكم على  حياة سيد ولد آدم الزوجية والذي يفرض علي قلمي  ان اكتب عنها بشجاعة وجرأة .. .عن حياة محمد صلى الله عليه وسلم الزوجية…الحياة الزوجية  لحامل اللواء يوم القيامة…الحياة الزوجية للذي كان في استضافة ربه وهو على قيد الحياة…الحياة الزوجية للذي هو اعرف الناس بالله تعالى وأخشاهم إليه… وانا استشعر العجلة من قلمي ليكتب عن محمد صلى الله عليه وسلم … وحُق لقلمي ان يستعجل وانا اعذره في عجلته هذه فالحديث عن حياة محمد صلى الله عليه وسلم الزوجية حديث ذو شجون..ولو لم اقرأ في حياتي كلها الا عن حياة محمد صلى الله عليه وسلم الزوجية لاكتفيت بذلك، انه زوج لا مثيل له، انه القدوة في الحياة الزوجية رسم أروع السبل وخط بسيرته الزوجية خطوطا نورانية ليسير عليها الأزواج من أصحابه وأتباعه وأحبابه إلى يوم الدين.

تتبعت حياة محمد صلى الله عليه  الزوجية منذ سنوات ..وانبهرت بالرسول الزوج وبالبشر الزوج قبل البعثة وبعد البعثة ..وأصبت بالدهشة والعجب من حياة رسولنا صلى الله عليه وسلم الزوجية..وسأطلعكم على مشاهد حياته الزوجية في عدة حلقات ..وان كنتم عجبتم من حياة أبيكم ادم عليه السلام..فانا على يقين أنكم ستدهشون من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم الزوجية. وحتى لا أطيل عليكم فإنني سأفتتح بهذا الحديث، فقد  اخرج الشيخان عن عمرو بن العاص انه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أي الناس أحب إليك ؟ قال : عائشة ، فقلت من الرجال ؟ فقال أبوها ، فقلت : ثم من ؟ فقال عمر بن الخطاب فعد رجالا . وفي رواية ” عن عمرو بن العاص انه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أي الناس أحب إليك ؟ قال : عائشة. قال عمرو بن العاص: لست أسالك عن اهلك إنما أسالك عن أصحابك..الخ ” . لا احسب أنني سأمر عن هذا الحديث دون أن أتوقف عند أسراره فيما يتعلق بالأسئلة المعروضة فيه. استطاع عمرو بن العاص –رضي الله تعالى عنه- أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالا ثم يتبع سؤاله بتفسير . فقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم بكل وضوح بحيث قال له أي الناس أحب إليك؟ وما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم الا ان ياخذ السؤال على معناه الأولي المتبادر إلى  الذهن فأجابه: زوجتي عائشة….ثم عقب عمرو بن العاص- رضي الله عنه- بقوله: ” لست أسالك عن هذا إنما أسالك عن أصحابك” …إنني مندهش أمام سؤال عمرو ومندهش اكثر من اجابة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا اصف اندهاشي من توضيح عمرو لسؤاله..فانا مندهش كما يندهش المشتاق إلى الكعبة المشرفة حينما يراها بعظمتها وهيبتها في ليلة من ليالي الوتر في رمضان ..اريدكم ان تدركوا معي سؤال عمرو بن العاص –رضي الله عنه-، وأريدكم ان تدركوا معي توضيح سؤاله.. أريدكم ان تقفوا ولو هنيئة عند سؤاله..وأريدكم أن تقفوا طويلا عند توضيح سؤاله ثم تتفكروا…عندما سأل عمرو بن العاص الرسول صلى الله عليه وسلم ” أي الناس احب اليك” فقد وجه السؤال لمحمد بصفته رسولا، وبصفته نبيا، وبصفته رئيسا للدولة، وبصافته قائدا لجيش المسلمين ، وبصفته قاضيا للمسلمين، وبصفته مفتيا للمسلمين  ، وبصفته زوجا، وبصفته بشرا، وبصفته انسانا ..فجاءت الاجابة من سيد الاولين والآخرين على سؤال عمرو بن العاص على غير توقعه، حيث اختار النبي صلى الله عليه وسلم ان يقدم بما يحمل من صفات منها: انه رسول نبي يأتيه الملك من عند الله تعالى بالخبر من السماء فيبلغه للناس اختار ان تكون الإجابة على سؤال عمرو بصفته زوجا…هل تدركون هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار من بين الصفات التي يحملها أن تكون الإجابة على سؤال عمرو بصفته زوجا لعائشة فأجاب على رؤؤس الأشهاد قائلا : احب الناس إلي زوجتي…اضطر عمرو بن العاص ان يوضح سؤاله وان يتدارك الأمر لأنه لم يتوقع من محمد صلى الله عليه وسلم  الرسول ان يقدم الصفة الزوجية في الإجابة على هذا السؤال على غيرها من الصفات فقال عمرو بن العاص- رضي الله عنه-  وبكل وضوح:” لست أسالك عن هذا إنما أسالك عن أصحابك” نعم انا لم اقصد بسؤالي هذا عن حبك لزوجك انما قصدت ان أسالك بسؤالي عن أي الناس أحب إليك بصفتك نبيا رسولا. فما كان من رسول الله الله صلى الله عليه وسلم الا ان يجيبه بقوله ” أبوها” وفي صحيح  البخاري وغيره عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ قَالَ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ ” . ما أعظمك يا رسول الله سألت عن أي الناس أحب إليك وأنت متصف بصفات عدة فقدمت الصفة الزوجية على غيرها من الصفات فقلت بصراحة بلجة وإعلان ذائع مستفيض زوجتي عائشة. وحينما وضح السائل الذكي سؤاله بأنه يرغب أن تكون الإجابة عن الأصحاب وليس عن الأهل فاخترت صفة النبوة في ذلك  وأجبت فقلت “الصِّديق رضي الله عنه” ولا يختلف اثنان على حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر. ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متخذا خليلا غير ربه لاتخذ ابا يكر كما اخبر. … أيها الدعاة ..أيها الرجال ..أيها الأزواج هل تدركون هذه المعاني من رسولنا الكريم هذا الحديث فيه الحجة البالغة ، انظر كيف تمكن النبي صلى الله عليه وسلم ان يجيب عمرو بن العاص بأريحية تامة ، دون تكلف او مشقة حيث وضع زوجته نصب عينيه وفي سلم أوليات الإجابة على السؤال العام والغير مخصص ،حتى تدارك السائل نفسه بتخصيص السؤال مرة أخرى، استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيب على هذا السؤال العام حينما سئل أي الناس أحب إليك أن يقول، المجاهد…او القائم….أو الصائم…أو القانت… المرابط….أو استطاع ان يقول مباشرة ابا بكر الصديق إلا انه لم يفعل وقال زوجتي..نعم زوجتي…هذه الإجابة خرجت من بين شفتيه الشريفتين ..يا لسعادة زوجته عائشة رضي الله عنها….يا ترى ما هو شعورها وإحساسها عندما سمعت ان  زوجها المتصف بصفات حميدة نبيلة لا بداية لها ولا نهاية وحينما يسأله الناس من تحب؟ يجيب دون تردد زوجتي …انه إحساس ليس بعده إحساس وشعور ليس بعده شعور فالزوجة تحب أن تسمع من زوجها أنها أحب الناس إليه..  فصلى الله عليك يا خير الأزواج……….

الحب يُعرف بآثاره….

من حق الزوجات ان يرددن حديث عمرو بن العاص- رضي الله عنه- الذي تناولناه في الحلقة الماضية، وفيه اعلن النبي محمد صلى الله عليه وسلم على رؤوس الأشهاد ان زوجته أحب الناس إليه،  من حق الزوجات ان يطالبن أزواجهن بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك..من حق كل زوجة ان تأخذ قطعة قماش ثم تكتب عليها حديث عمرو بن العاص، ثم تعمل على زخرفة هذه الكتابة وتعلقها في مكان بارز في إحدى غرف بيتها….على الزوجات ان يشكرن عمرو بن العاص على هذا السؤال…..من حق الرسول صلى الله عليه وسلم على الزوجات ان يكثرن من الصلاة عليه كلما عسس الليل وتنفس الصبح على تلك الاجابة ….مات صلى الله عليه وسلم وهو يوصي بالنساء خيرا…واعجباه لو ان النبي صلى الله عليه وسلم أعلن في حديثه ان الخطباء والدعاة هم أحب الناس اليه، والله لسمعنا هذا الحديث يتردد على أذهاننا من كل خطيب وداعية في بقاع الأرض ولتردد هذا الحديث على معظم السنة الخطباء والدعاة. ان ما يميز إسلامنا العظيم انه إسلام علم وعمل وإخلاص وإتباع، علم لأحكامه وعمل بتعاليمه وإخلاص في حمله وإتباع لصاحب رسالته، اسمع إلى قول الله تعالى﴿ إهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ﴾ انظر هذا دعاء، إلا انه اتبع هذا الدعاء وهذا الرجاء بالتذكير ان هنالك اناس اتبعوا وساروا على هذا الصرط المستقيم وان اناس ضلوا ذلك بقصد أو بغير قصد. قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ والملحظ هنا ان هذا الاسلام العظيم دين علم وعمل هنالك صراط مستقيم وهنالك من اتبع هذا الصراط وسار عليه وهنالك من انحرف .وفي هذا اعظم بيان لهذا الاسلام العظيم. ومن هذه المعاني العظيمة صاغت يد العناية الالهية محمد صلى الله عليه ، انه رجل العلم ورجل العمل ، انه رجل القول ورجل التطبيق. في الحديث السابق في الحلقة السابقة قال عليه الصلاة والسلام بعظمة لسانه الشريفة أحب الناس إلي زوجتي. ولم نعهده صلى الله عليه وسلم إلا رجل الكلمة والعمل .. أريدكم  ان تستوعبوا هذا المشهد التطبيقي من تجسيد حب محمد صلى الله عليه الزوج لزوجته عائشة – رضي الله عنها- فقد روى البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه واحمد ومالك والدارمي وغيرهم واللفظ للبخاري عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ *. والحق انه لا داع ان نضيف كلمة واحدة على ما روته عائشة لبيان عظمة هذا الرسول الزوج العظيم..وهذا الحديث بمجموع رواياته تناولته في عدة محاضرات لا يسع المقام لتناوله هنا … انظروا إلى حب رسول الله صلى الله عليه لزوجته عائشة، هذا الحديث من أروع وأعجب ما في السيرة النبوية مما يجسد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجته عائشة رضي الله تعالى عنها..انقطع عقدها والتي في بعض الروايات استعارته من اختها اسماء رضي الله تعالى عنها، ” فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ” هل تدركون هذا الكلام .. نزل الرسول صلى الله عليه وسلم، ونزل الناس معه واخذ يبحث عن العقد بجد ونشاط كما تفسر الروايات الاخرى…اخذ يبحث عن عقد زوجته التي أضاعته دون ان يحرك لسانه ولو بكلمة واحدة ..فالرواية ومجموع الروايات انه التزم الصمت وكل ما فعله هو البحث عن العقد…  وضياع العقد امر طارئ على المسافرين، لم يحسب القوم حسابه اذ نزلوا واقاموا في منطقة لا ماء فيها ..والنبي صلى الله عليه وسلم يبحث ..ويبحث عن عقد زوجته حتى اخذه التعب كما تفسر الروايات الاخرى فنام على فخذ زوجته عائشة ..ايها الازواج هل تعقلون هذا المشهد ..سفر في بيداء لا ماء فيها اضاعت زوجة عقد لها اخذ زوجها بالبحث عنه حتى تعب فنام على فخذها …..  استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم ان يصلي ركعتين حاجة الا انه لم يفعل….كل ما فعل انه توسد فخذ زوجته لينام عليها، لماذا لم يتوسد وسادة مثلا؟ ..لماذا لم يتكىء على صخرة مثلا أو شجرة؟ … ان زوجته مكروبة مهمومة وهو تعب ولا يمكن لاي تصرف اخر ان يجمع بين هم زوجته وتعبه الجسماني الا من ان يتخذ فخذ زوجته وسادة فهذا عامل على انبعاث الطمأنينة عندها وفي نفس الوقت يجد راحته…زوجته سكن له…وهو سكن لها…. من منا يفعل ذلك؟ وانك لترى شدة ما مرت على عائشة رضي الله تعالى عنها  في هذا المشهد من الحديث”  فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي” اخذ ابو بكر الصديق رضي الله عنه يسمع ابنته كلاما لم تسمعه منه من قبل كما جاء في بعض الروايات كلاما لم ترويه عائشة وانما احتفظته لنفسها ..كلاما من التعنيف والتافيف ما لم تسمعه من ابيها قط، ولم يتوقف هذالامر عند العنف الكلامي انما تعدى إلى الاعتداء، فاخذ ابو بكر يطعن خاصرة ابنته  بيده وفي غير هذا المقام نشرح تصرف هذا الاب الحريص على ابنته والذي اختار تربية ابنته بطريقته دون ان يشعر زوجها..ما اروع هذا الاب…نعم اخذ ابو بكر الصديق يعنف ابنته فهي السبب المباشر في هذه الازمة .. انظروا إلى عظمة هذه الزوجة ..انظروا إلى مدى عشقها وحبها لزوجها…انظروا إلى هذا الحب المتبادل بين الزوجين.. الزوجة اضاعت عقدها اخذ زوجها بالبحث عنه حتى تعب ونام على فخذها..وحينما حضر ابوها لتعنيفها وطعنها في خاصرتها ما كانت لتحرك ساكنا من جسدها ..على الرغم من الآلام التي نزلت بها من طعنة ابيها الحنونة لها. ولندعها تروي ذلك المشهد فتقول” وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي” نعم هانت الآلآم ولم تتحرك…ولم يمنعها من التحرك الا شيء واحد ان زوجها صلى الله عليه وسلم نائم على فخذها. فإذا ما تحركت أيقظته من نومه.. وهذا لا يليق بمن تحب زوجها ويسعى لإسعادها  ..فاختارت ان تتحمل ما صدر من ابيها ..واختارت ان تصمد وان تسكت وان لا تحرك فخذها ولا بنت شفتها حبا في زوجها الراقد على فخذها …إنها علاقة حب متبادلة …الزوج يبذل اقصى ما وسعه  لإسعاد زوجته وتفريج همها وهو العامل والعنصر الأول في طمأنيتها وسكينتها….والزوجة تتحمل وتصبر رغم الآلام، ورغم ما احيط بها من ظروف صعبة،  وتسعى وتبذل اقصى ما في وسعها لإسعاد زوجها ..ان هذا المشهد من مشاهد السيرة يسلط الضوء على تجسيد الحب الذي صرح به النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص حينما سأله أي الناس أحب إليك؟ فأجاب عائشة …ولو سالتم عائشة رضي الله تعالى عنها أي الناس أحب اليك لقالت زوجي محمد صلى الله عليه وسلم ..وقد شاهدتم حقيقة الحب بين الزوجين وتعاونهما على ما نزل بهما من ظروف أثناء حياتهما معا.. ولعلكم تذكرون في حلقات سابقة عندما قلت ان الله جل جلاله اكرم حواء فلم يذكرها انها عصت أو نسيت أو غوت وانما ذكر ادم عليه السلام ..وهنا اقول لكم ان محمد صلى الله عليه وسلم لم يحرك بنت شفة عندما أضاعت عائشة عقدها. وماذا حصل؟ “فأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ” ادرك اسيد بن الحضير ، وادركت ما أدرك أسيد بن الحضير…  وانا اقول لكم وبصدق انني تتلمذت على يدِ احد الشيوخ- حفظه الله تعالى وثبته- في التربية الروحية وما زلت أتتلمذ على يديه وقد سمعته منذ عشرين عاما تقريبا وما زلت اسمعه حتى اليوم يقول كلمته المشهورة  وهي  ” وان من الأمر ما يكتم” وأنا أقول لكم وان في هذا الحديث من الأمور ما تكتم……

عذوبة الحياة الزوجية…..

وفي هذه الحلقة سأتناول وسائل وآليات، ودوافع ومثيرات تساعد على تنمية الحب بين الزوجين، وسأحاول أن أركز هذه الحلقة حول دور الكلمة الحلوة العذبة ولا أقول الطيبة لأنني لست في معرض خطبة جمعة بين المسلمين وإنما في معرض همسات في أذن كل زوجين  . ..نعم دور الكلمة العذبة في تعزيز العلاقة بين الزوجين فشتان بين الكلمة العذبة والكلمة الطيبة وفي كليهما خير. والحقيقية  أنني قرأت كثيرا للأدباء والبلغاء من العرب ولم اجد ادق وصفا من محمد صلى الله عليه وسلم في وصف الكلمة الحلوة العذبة فقد روى ابن ماجه… عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ . ففي هذا الحديث الشريف لا يصف الرسول صلى الله عليه وسلم الكلام الخارج من الفم بالعذب أو الحلو انما وصف الفم بنفسه بانه عذب، وهذا ابلغ من وصف الكلمة ذاتها وكأن هذا الفم لا يخرج الا العذب من الكلام والذي له وقع حسن في النفوس، ولا يتوقف عن اخراج هذا الكلام في مرحلة من مراحل الزواج انما طبيعة هذا الفم وصفته انه لا يخرج الا العذب من الكلام وذلك ابلغ في التعبير، وأجمل في الوصف. الفم العذب هذا ما يحتاجه كل من الزوج والزوجة في حياتهما الزوجية ، عذوبة الفم …عذوبة الكلام الخارج منه…ولكم ان تعودوا إلى فقه اللغة العربية ودلالات الكلمة وتستعينوا بالمعاجم والمراجع اللغوية لتنظروا مصدر  كلمة ” أعذب” وصيغتها ودلالتها..انها كلمة حوت بداخلها الجمال والصفاء والطهارة والنقاء والمتعة. استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستعمل كلمة أخرى بدل كلمة ” أعذب أفواها” استطاع ان يقول: أحسن كلاما…أجمل نطقا…أكثر صمتا…أطيب حديثا…الخ، الا انه اختار كلمة ” أعذب أفواها” فشملت الكلمة كافة معاني الجمال والخير والصفاء. على الزوجة ان تتدرب لان تكون صاحبة الفم العذب…لا يخرج من فمها الا الكلمة التي لها وقع حسن في نفس زوجها وعليها ان تجاهد نفسها في ذلك ولا تسلم لسانها للشيطان والهوى والنفس الأمارة بالسوء.وعلى الزوج ان لا يقول الا العذب من الكلم وعليه ان يحسن انتقاء الكلمات العذبة في تعامله مع زوجته… فاللسان إما ان يجر النعم والمغانم لصاحبه وإما ان يجر النقم والمغارم لصاحبه وما احوج الحياة الزوجية إلى الكلمة العذبة.. فرب كلمة لا تلقي لها الزوجة بالا ولا اهتماما… تكون هذه الكلمة سببا في بغض زوجها لها، ورب كلمة تخرج من فم الزوج تكون سببا في ان تبحث زوجته عن اخر ولو في خيالها…على الزوجين أن يحذروا حصائد ألسنتهم….ان المراد من الزوجين ان يكون حديثهم فيما بينمها عذبا بمنتهى العذوبة. انظروا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه: «الكلمة الطيبة صدقة” …وانظروا في حديث ابن ماجة موضوع الحلقة حينما قال: ” اعذب افواها” الا تلاحظون الفرق بين الكلمة العذبة والكلمة الطيبة..نعم هنالك فرق هائل فالكلمة الطيبة لها معنى عام شامل تكون لجميع الناس للمسلم وغير المسلم ..للبعيد والقريب…للكبير وللصغير.. اما الكلمة العذبة فهي كلمة مخصوصة للزوجين .. يمكن للزوج ان يكلم زوجته كلاما طيبا…ويمكن للزوجة ان تكلم زوجها كلاما طيبا ….ويحسب لكل واحد منهما صدقة  ..ولكن الحياة الزوجية الحقيقية ترقى بالكلمة من كلمة طيبة عامة إلى كلمة عذبة خاصة…لان عذوبة الكلام غير طيبة الكلام واللبيب من الاشارة يفهم …فعليكم ايها الازواج بعذوبة الكلام فيما بينكما.. …ودعوا طيبة الكلمة فيما بينكما وبين الناس..ولتكن ايها الزوج  اعذب كلاما مع زوجتك ..ولتكوني ايتها الزوجة اعذب كلاما مع زوجك فان ذلك من أسرع وسائل تنمية الحب بين الزوجين .

الزواج عقد على التأبيد….

إن عقد الزواج يختلف عن سائر أي عقد في أي مجال من مجالات الحياة بكافة أشكالها وأنواعها، فهو يختلف عن العقود التي تُبرم في مجال الاقتصاد، والعقود التي تبرم في مجال السياسية، وعن أي عقد يبرم في أي مجال آخر. وهو مشروع شراكة أبدية برعاية ربانية تنشأ بموجب هذا العقد المقدس والميثاق الغليظ أثار منها: استمرار وجود النوع الإنساني على الأرض بطريقة تليق بكرامة الإنسان. بعيدا عن فوضى التناسل والتكاثر بطريقة عشوائية تختلط فيها الأنساب ويُهان فيها النوع الإنساني. وفي هذه الحلقة سأتوقف عند آلية أخرى وقاعدة كلية كبرى في إدارة الحياة الزوجية ، وطريقة التعامل مع الشريك في عقد الزواج . لا يمكن الاستغناء عن هذه الآلية لأنها تنسجم  مع عقد الشراكة الذي وُضع ابتداء على التأبيد بموجب العقد. فالزواج المؤقت باطل بإجماع الفقهاء قبل الدخول. وبعد الدخول هو زواج باطل عند الجمهور وفاسد عند الحنفية، وفساده لا يفيد قبوله بل هو واجب الفسخ على الفور وفي غير هذا المقال يشرح ذلك[25].وقد اشتهر عند الناس لفظ ” شريك حياتي” أو ” شريكة حياتي”. ولا شك أن الشراكة الأبدية تستلزم طرق تعامل واليات يتصف كل من الآخر بها حتى تستمر وتدوم هذه الشراكة. ولن تجد ابلغ وصفا، وأدق واقعا، وأبين طريقا  من قول الله  تعالى في بيان أهم وسائل الحفاظ على هذه الشراكة الأبدية ﴿ وعاشروهن بالمعروف، فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا، ويجعل الله فيه خيرا كثيرا﴾ النساء الآية 19.هذه الآية القرآنية العظيمة أمرت بالعشرة بالمعروف، وعندما نتحدث عن العشرة بالمعروف نستحضر كافة معاني الإيثار، والصفح، والتضحية، والرحمة، والحب، والمودة، والمغفرة، والعطف، والتسامح، والإحسان. هذا الأمر الرباني الإلهي لا ينبغي أن يغيب عن ذهن الزوجين…نعم المعاشرة بالمعروف.وانظر إلى تكملة الآية القرآنية في بيان أسباب العشرة بالمعروف وتوضيح لزوم العشرة بالمعروف ﴿  فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا، ويجعل الله فيه خيرا كثيرا﴾.  هذه الاية وجهت الأزواج لمخالفة مشاعرهم وأحاسيسهم….. وطلبت منهم ضبط النفس أو الصفح استجابة لنداء الله الذي يجعل فيما يبغض الزوج ويكره خيرا كثيرا  . فالله سبحانه وتعالى يخبر الزوج بان ما تكرهه من زوجتك- من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز- يكون فيه الخير الكثير، والعكس كذلك فما تكرهه الزوجة من زوجها- من غير فاحشة ولا نشوز- قد يجعل الله تعالى فيه الخير الكثير. والسنة النبوية وجهت إلى  ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ” . انتبه إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفرك ” مؤمن”  و”مؤمنة”، ومعنى يفرك أي يبغض،  ولم يقل لا يفرك زوج زوجة إنما اختار صفة الإيمان، ونعت الزوجين بهذه الصفة كي يتمكن كل من الزوجين أن يتعايش مع الاخر جنبا إلى جنب وحتى لو كره الواحد من الآخر خلقا، الا انه رضي منه خلقا آخر، والانصاف من لوازم الإيمان…نعم الإنصاف من لوازم الايمان…. بهذه الصفة الايمانية  يمكن لكل من الزوجين ان يحملا تفسير هذه الكراهية على نحو قد يؤدي بهما إلى الخير والمصلحة عملا بقوله تعالى ﴿  فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا، ويجعل الله فيه خيرا كثيرا﴾. انها دعوة إلى التوافق في أحلك ظروف الزوجين… في لحظات البغض…..انها دعوة لاحتمال الآخر …إنها دعوة لتفسير ما يصدر من الزوجين على الوجه الحسن….انها دعوة صريحة للتجاوز عن الاحاسيس والمشاعر السلبية تجاه الاخر في الحياة الزوجية….انها دعوة إلى السعة ..سعة الاخر في الحياة الزوجية. ولا يعني هذا الرضا بالمعصية إن وجدت، أو الرضا بإهمال الحقوق والواجبات، ولا يعني هذا تسليما للخطأ ان وجد..ولكن تأتي هذه الدعوة الربانية لرسم الخطوط العريضة الكلية في المساحة الزوجية…فعلى الزوجين أن يعلما ان في الحياة الزوجية قواعد ومبادئ كلية تحكمها…وفي الحياة الزوجية تفصيلات وجزئيات تفسرها وتبينها وتنظمها… وعليهما ان يفرقا بين القواعد الكلية والخطوط العريضة والمبادئ العامة التي تحكم الحياة الزوجية…وبين الجزيئات والتفصيلات التي تبين وظائف كل من الزوجين تجاه الآخر. فهذه الآية الكريمة وجهت الأزواج إلى إحدى صمامات الآمان للحياة الزوجية، وإحدى مبادئها الكلية في التعامل وفي احتمال الآخر وتفسير سلوكه على المحمل الحسن . انها إحدى أساسيات استمرار الحياة الزوجية .إن هذه الآية القرآنية إحدى دعامات الحفاظ على استمرار الحياة الزوجية، إنها من اهم التوجيهات التي تنسجم مع ما كنا قد بدأنا فيه هذه الحلقة…. تأبيد عقد الزواج….. فالله سبحانه وتعالى فرض الزواج ليكون على التأبيد ابتداء لا على التأقيت.. …وأرشدنا إلى أهم القواعد والمبادئ التي يجب علينا ان نتبعها للمحافظة على أبدية العقد .. .فالحمد والشكر والمنة له سبحانه وتعالى. ان من لوازم ابدية العقد ايجاد طرق وتوفير مسالك ومناهج واساليب للحفاظ على ديمومته واستمراريته….ولا يوجد أروع من مخالفة الاحاسيس ومشاعر الكراهية والتي قد تكون بوابة انهيار العقد وانتهائه….لا باب تكذيبها ولكن من باب تقديم قول الله تعالى في الخيرية التي تنشأ عن مخالفتها.

غضب وهجر… شكلي لا جوهري

ردود الأفعال في الحياة الزوجية كثيرة…. وقلما، بل لا تجد حياة زوجية خالية من الانفعالات والردود بين الزوجين..ومن أهم الانفعالات النفسية التي تؤثر على العلاقة الزوجية وعلى مسيرة الحب بين الزوجين الغضب..فغضب الزوج على زوجته أو غضب الزوجة على زوجها له آثار سيئة على الحياة الزوجية . وحتى لا نتحدث في المثاليات فقط بل كما ذكرت مرة أن الشريعة الإسلامية شريعة مثالية واقعية وفي ذات الوقت واقعية مثالية . ولا بد لنا أن ننظر إلى الأشياء بعينين عين على النص وعين على الواقع ..فلا يوجد أروع وأدق من أن نضرب امثلة من حياة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، واقصد حياته الزوجية مع  …وفي هذه الحلقة استوقفكم لأتناول حوارا جرى بين الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبين زوجته وأحب الناس إلى قلبه السيدة عائشة -رضي الله عنها- فقد روى البخاري – رحمه الله تعالى- عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قَالَتْ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ فَقَالَ أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ قَالَتْ قُلْتُ أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ . وفي مسند الإمام احمد عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لَهَا إِنِّي أَعْرِفُ غَضَبَكِ إِذَا غَضِبْتِ وَرِضَاكِ إِذَا رَضِيتِ قَالَتْ وَكَيْفَ تَعْرِفُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِذَا غَضِبْتِ قُلْتِ يَا مُحَمَّدُ وَإِذَا رَضِيتِ قُلْتِ يَا رَسُولَ اللَّهِ *.  بيت النبوة كغيره من البيوت، وزوجة الرسول صلى الله عليه وسلم يعتريها ما يعتري الزوجات، وأقول للأزواج انه لو سلم زوج من غضب زوجته عليه لسلم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لأني لا أظن على وجه البسيطة منذ لدن ادم عليه السلام وحتى آخر إنسان يعيش إلى آخر  الزمان ياتي خلقه كخلق محمد صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يسلم من غضب زوجته عليه…انظروا إلى مداعبته لزوجته وملاطفته اياها في تقييمه لغضبها قال:” إِنِّي  لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَ” وهذه دراية من الزوج لاطباع زوجته وحالاتها الانفعالية التي تعتريها وقت الرضا ووقت الغضب …وحتى يحفزها ويشوقها استدعاها أن تسال فتقول:” مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ” وهذا تمهيد حسن منه صلى الله عليه وسلم علينا ان نتعلمه، اذ تسترسل النفوس في التشوف للمعرفة..وخاصة ان الامر يتعلق بتقييم الذات في الحياة الزوجية  قال لها :” أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ” انظر إلى غضب عائشة رضي الله عنها على زوجها لا تذكره اطلاقا فهي تقسم برب ابراهيم” وفي رواية احمد ” قَالَ إِذَا غَضِبْتِ قُلْتِ يَا مُحَمَّدُ وَإِذَا رَضِيتِ قُلْتِ يَا رَسُولَ اللَّهِ” …الله الله يا رسول الله يا معلم المعلمين اذا غضبت زوجتك عليك قالت لك يا محمد واذا رضيت عنك قالت لك يا رسول الله …وانت تحدثها عن ذلك …وانا متاكد ان البسمة لا تفارق شفتيك الشريفتين…لان هذه المحادثة جرت في وقت كانت عائشة رضي الله عنها راضية عن رسول الله صلى الله علية وسلم” انظر إلى جواب عائشة ” قُلْتُ أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ” فهي تستعمل لفظ رسول الله صلى الله عليه وهذا يدل على ان المحادثة جرت في جو من الدفء والرضا ، والا لما قالت يا رسول الله…وفي ذلك اشارة من الرسول صلى الله عليه وسلم في انه يختار الوقت المناسب للحوار المناسب في تقييم العلاقة الزوجية…ايها الازواج…عليكم ان تقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فها هي زوجته تغضب عليه وتناديه عند الغضب فتقول ” يا محمد” …وعندما تكون راضية تناديه ” يا رسول الله “..ومن منّا في مقام محمد صلى الله عليه وسلم…ومن منّا أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم ….. ومن منّا يجرا ان ينادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسمه هكذا” محمد” …ومع ذلك كان يسمع من زوجته كلاما في حال الرضا …وكلاما اخر في حال الغضب..هكذا البيوت وتلك احوالها …والغريب في كل ما مر ان السيدة عائشة رضي الله عنها أبت ان تنهي هذه المحادثة الا بتسجيل موقف من زوجة واعية حكيمة لها دراية وعلم بالحياة الزوجية وحقوقها. انتبهوا إلى قولها في نهاية المحادثة ” وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ ” لا تهجر إلا اسمه ….نعم لا تهجر الا شكل اسمه ….وان كان عزيز علينا نحن ان تهجر اسمه لاننا علاقتنا معه ان لا نجعل اسمه بيننا كاسم بعض البعض…فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم  …..الا ان هذه المحاورة ما هي الا لبيان ما يعتري الحياة الزوجية  من انفعالات ..وما هي حدود هذه الانفعالات …وما أروع أن تبقى الانفعالات السلبية بين الزوجين في حدود التأثير الشكلي فقط على الحياة الزوجية، وان يتقبل كل من الزوجين هذا التأثير كما قبل رسولنا صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله تعالى عنها ان تناديه باسمه محمد فقط، وكما وضحت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها انها تهجر الاسم فقط لا الجوهر ولا المعنى وسرعان ما تعود فتنادي زوجها بقولها ” يا رسول الله “. وهذه لفتات عظيمة في توجيه الزوجين في الحفاظ على حبهما وجوهر حبهما وقت الرضا ووقت الغضب…..

 

الجنس وحيويته بين الزوجين

تحدثت في حلقات سابقة عن أهمية السكينة والمودة في الحياة الزوجية….وقد سبق وذكرت ان الفقهاء أخفقوا حينما حصروا تعريف عقد الزواج في انه امتلاك المتعة، أو حل المتعة، أو منفعة المتعة، أو حق التمتع، أو إباحة المتعة، أو ملك البضع، أو ما يُنتقى من مرادفات لهذه الكلمات التي لا تعبر عن حقيقة عقد الزواج، ومع هذا فان موضوع الجنس وحيويته بين الزوجين له الأثر في تنمية الحب فيما بينهما ولا يمكن التغاضي عن ذلك، إلا انه ليس كل شيء في الحياة الزوجية، يقول بعض المختصين: “ولابد لنا من أن نقرر الحقيقة الموضوعية القائلة: إن الجنس عامل غلاب وحيوي في الزواج. بل إن غيابه عن العلاقة الزوجية يؤدي إلى تحطيم هذه العلاقة الزوجية. وهناك نسبة لا تكاد تذكر من علاقات الزواج التي تستمر دون ممارسة للجنس. ولكن الجنس نفسه لا يملك قوة سحرية يعالج بها الخلافات العميقة في الآراء والأفكار، ولا يقرب بين الشخصيات المتعارضة إلا لمدة ساعة أو أكثر قليلاً من الساعة، ثم تصحو الخلافات لتستمر في تدميرها للعلاقة الإنسانية بين الأفراد المختلفين في الطباع والأفكار.”.أ.هـ  وفي الحلقات السابقة تكلمت عن أهمية السكينة والمودة والرحمة والتفاهم والانسجام في الحياة الزوجية وقلت آنذاك: إن ادم وحواء عليهما السلام عاشا مدة طويلة قبل هبوطهما إلى الأرض بلا جنس. ومع كل ذلك لا يمكن التغاضي عن أهمية الجنس في الحياة الزوجية، والشريعة الإسلامية أولت هذا الموضع بين الزوجين اهتماما بالغا. والقران الكريم تطرق إلى أهمية هذه القضية، بل وفصل في بعض الأحيان العلاقة الجنسية بين الزوجين قال تعالى: ﴿ (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر  ﴾.   وقال تعالى”﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدِّموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر  المؤمنين﴾ وقال تعالى : ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن﴾. وقد شغل هذا الموضوع في السنة النبوية مساحة شاسعة جدا، تُلفت الناظر والباحث الى أهمية العلاقة الجنسية بين الزوجين. كيف لا يكون الجنس مهما بين الزوجين وهو دافع غريزي يدفع كل الزوج إلى الميل لزوجته ويدفع الزوجة إلى الميل إلى زوجها ويشبع كل طرف رغباته الجنسية بطريق مشروع بل ويثاب كل من الزوج والزوجة على استمتاع الواحد بالآخر. ولكن المهم في قضية المعاشرة بين الزوجين هي مساهمة هذه المعاشرة في تنمية الحب بين الزوجين، اذ لا يقبل من الزوج مثلا ان يشتم زوجته أول النهار ، أو ان يضربها ثم يأتي آخر الليل ليعاشرها ثم يصبح فيشتمها ثم ياتي الليل فيعاشرها وهكذا دواليك. الأصل في المعاشرة الجنسية بين الزوجين ان تزيد في الرابطة فيما بينهما، انتبهوا إلى هذه اللفتة الطيبة والتي قد لا تجدوها عند غيري. يقول ربنا تبارك وتعالى ﴿ (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر  ﴾. انتبهوا إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿ فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ . والمفسرون يقولون ان المعاشرة الجنسية جائزة في ليل رمضان حتى تصيبوا ما كتب الله لكم من ولد كنتيجة لهذه المعاشرة الجنسية.  بمعنى ان الأصل في وضع الغريزة الجنسية في البشرية من اجل انتاج وصناعة شيء واحد من اثنين، للحفاظ على النوع الإنساني واستمراريته، فمن الزوج ومن الزوج ياتي الولد. والولد ثمرة معاشرة جنسية بين زوجين وهذه من اعظم الإشارات على ان الاصل في اشباع الرغبة الجنسية ان تزيد الزوجين حبا على حبهم ومودة على مودتهم واتصالا على اتصالهم وترابطا على ترابطهم لان ثمرة هذا الجنس صناعة واحد من اثنين أي ابن من زوجين بمشيئة الله سبحانه وتعالى…..هل تدركون هذه اللفتة الطيبة من اثنين يخرج الواحد…واذا نظرت إلى ذلك الواحد قلت هذا نتيجة الاثنين، والعلم والشرع يؤيدان هذا. إذ أنهم قالوا في أصول الفقه من أعظم مقاصد الزواج النسل واستمرار النوع الإنساني…..سبحان الله …..إن الأصل الموضوع ابتداء للدور الوظيفي للغريزة الجنسية والمهمة المناطة بها هي التوالد واستمرار النوع الإنساني وهذا يؤكد على أهمية الغريزة الجنسية في تكوين أسرة من مجموعة أفراد. الأمر الذي يزيد بيت الزوجية ترابطا وحبا وتماسكا …..وكل ذلك لا ينفي أن يستمتع كل من الزوجين بالآخر من اجل إشباع رغبتهما الجنسية فقط دون قصد الولد طمعا في الثواب أو دفعا لمعصية أو حتى من اجل زيادة الحب وتنميته فيما بينهما ……

أُشعر زوجي انه الأول في حياتي……

تناولت هذه الحلقة في احدى مقالتي في صحيفة الميثاق تحت عنوان ” الحج بين صناع الحياة…وصناع الموت” ، وسانقلها كما هي وليعذرني القارئ لانني ساشير إلى حدث هام في غيلر الحياة الزوجية لاني اعتقد ان هذا الحديث موضوع الحلقة لا يتناوله كثير من اهل العلم. وقلما اسمعه من احد،حديث يغيب عن كثير من المحدثين والفقهاء مع أننا بحاجة إليه وسأتناوله من زاويا معينة لان الفائدة منه عظيمة. هذا الحديث رواه أبو داود في سننه، واحمد في مسنده، والبيهقي في السنن الكبرى، وابن ماجه في سننه، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في المستدرك على الصحيحين وأخرجه على شرط مسلم، ونصه كما جاء في سنن أبي داود قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ أَخْبَرَنَا ابْنُ إِسْحَقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّاجًا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلْنَا فَجَلَسَتْ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهم عَنْهَا إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي وَكَانَتْ زِمَالَةُ أَبِي بَكْرٍ وَزِمَالَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدَةً مَعَ غُلَامٍ لِأَبِي بَكْرٍ فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ فَطَلَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ بَعِيرُهُ قَالَ أَيْنَ بَعِيرُكَ قَالَ أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ قَالَ فَطَفِقَ يَضْرِبُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَسَّمُ وَيَقُولُ انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ قَالَ ابْنُ أَبِي رِزْمَةَ فَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يَقُولَ انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ وَيَتَبَسَّمُ *

تقول كم نحن بحاجة إلى الوقوف عند هذا الحديث العظيم في موسم الحج، وفي الحية العادية  فهو يعالج عدة قضايا في آن واحد على النحو الآتي:

الخاطرة الاولى: إن سفر الحج سفر فيه مشقة ونصب والحجاج بحاجة إلى استراحات كثيرة كما جاء في الحديث من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم “حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلْنَا” والعرج اسم منطقة نزل الرسول صلى الله عليه وسلم ليستريح ومن معه نزلوا، فالاستراحات يجب أن تكون ويجب أن يسير الباص على اضعف الموجودين والذين يحتاجون إلى قضاء حوائجهم من كبار السن كمرضى السكري، لا أن ينطلق بعض الحجاج بالباص ويتفاخرون بين بعضهم البعض بقولهم “صلينا الفجر في المدينة” أو ” الرحلة استغرقت 20 ساعة” هذا جهل محض وتنافس في غير محله، فالمتتبع لسيرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يدرك انه كان يسير في سفره وفق الأضعف في المجموعة، ويجب الانتباه فقد تكون العجلة سببا في صناعة الموت. وكذا الأمر في العودة، فالسرعة خطا يصدر عن بعض الحجاج في رحلة الذهاب ورحلة الإياب.

الخاطرة الثانية: تقول السيدة أسماء في الحديث بعدما نزلوا للاستراحة  ” فَجَلَسَتْ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهم عَنْهَا إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي” ، انظر بالله عليك إلى فقه المرأة المتزوجة التي تصحب زوجها في السفر وانظر إلى فقه المرأة التي تصحب أبيها، وانظر إلى أهمية وجود المحرم في الحج مع أنني أقول برأي الشافعية أحيانا من أن مجموعة نساء ثقات يمكن أن يسد بدل المحرم في السفر، ولكن وجود المحرم أفضل.

انظر إلى السيدة عائشة رضي الله عنها كيف جلست جانب زوجها، وانظر كيف أشعرت زوجها بأنه أفضل الناس لديها فجلست إلى جنبه وان آمنة في ظله، وانظر إلى المرأة التي لم يكن زوجها معها السيدة أسماء رضي الله عنها كيف جلست إلى أبيها وأشعرته انه أفضل الناس لديها، ولم تجلس إلى جانب أختها ولا زوج أختها، انظر إلى فقه عائشة وانظر إلى فقه أسماء مع انه لا تعارض بين حقوق الوالدين وحقوق الأزواج فيما بينهما، كم من الحجاج رجال ونساء لا يدركون أهمية تصرف السيدة عائشة وتصرف السيدة أسماء في السفر، المرأة المتزوجة تبقى في ظلال زوجها والمراة التي لا زوج لها أو المرأة المتزوجة التي لم يكن معها زوجها تبقى في ظلال محرمها، والمنبر لا يتسع للتفصيل أكثر في أهمية هذا الجانب في الحياة اليومية لا في السفر فقط. ويكفي أن أشير إلى حاجة هذا الأمر في الحياة اليومية وقد اشتهر الشيخ عبدالحكيم سمارة قاضي محكمة يافا الشرعية عند الصلح بين الزوجين بقوله في البند الأول من الصلح : “على الزوجة ان تشعر زوجها انه الأول في حياتها والمفضل عندها وعلى الزوج كذلك مع أن هذا لا يتعارض مع حقوق الوالدين”. والمطلوب إشعار الزوج وإشعار الزوجة لا غير واللبيب من الإشارة يفهم.

الخاطرة الثالثة: تستمر السيدة اسماء -رضي الله عنها- في عرض المشهد تلو المشهد من هذه الحادثة العظيمة في سفر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت الله الحرام حاجا فتقول: “وَكَانَتْ زِمَالَةُ أَبِي بَكْرٍ وَزِمَالَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدَةً مَعَ غُلَامٍ لِأَبِي بَكْر” ، والزمالة في لغة العرب هي الناقة التي تحمل كل ما يحتاجه المسافر من ماء وطعام وأدوات سفر، فتسمى زمالة، أو إن شئت قل المركوب الذي يحمل كل ما يحتاجه المسافر في شؤون سفره. وكالعادة زمالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمالة أبي بكر الصديق واحدة، أي أنهما وضعا أغراضهما وطعامهما وشرابهما وما يحتاجه المسافر من حوائج في جيب واحد، ولم لا يكون ذلك،إذ تربطهما علاقة نسب بلغة اليوم، فرسول -صلى الله عليه وسلم- زوج ابنة أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- السيدة عائشة -رضي الله عنها-، فهو حماه بلغة اليوم. والأصل في علاقة الأقرباء أن تكون حميمة وتتأكد هذه الصفة في السفر. ومن ناحية أخرى فهو صاحبه في الدنيا وصاحبه في الآخرة، والعلاقة الإيمانية التي تربطهما مع بعضهما البعض لا توازيها أي علاقة مع أي شخصية إسلامية أخرى مهما علا شانها وحتى قيام الساعة. والملفت للنظر في ان زمالتهما واحدة هي ان سفر الحج بالذات لا يستغن الواحد فيه عن الآخر، بل أن الحاج عليه ان يدرك قبل أن يخرج من بيته لتأدية فريضة الحاج أن التعاون مع المجموعة هو شعار لا ينفك عن الحاج حتى عودته إلى بيته، وان هذه الرحلة بالذات هي رحلة الشراكة، رحلة الزمالة بكسر الزاي، والزمالة بفتح الزاي، رحلة الصبر، ورحلة العمر، رحلة التعاون على البر، رحلة العمل كفريق الواحد للجميع والجميع للواحد، هذا ما يمكن أن يستفاد من شراكة ابي بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في زمالة واحدة.

الخاطرة الرابعة : تستمر السيدة أسماء رضي الله عنها في رواية المشهد تلو المشهد فتقول: “فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ-غلامه- فَطَلَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ بَعِيرُهُ، قَالَ: أَيْنَ بَعِيرُكَ؟ قَالَ أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ.” بعدما نزلوا للاستراحة في المكان المقرر للاستراحة انتظر ابو بكر غلامه انتظار المسافر الجائع ينتظر غلامه ليقول له كما قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ( آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا )، والجوع غريزة في البشر، والتعب والنصب اثر متفق عليه من آثار السفر، لا كبعض الجهال في السفر وبالذات في سفر الحج الذين يتسابقون مع الزمن ويحثون من معهم على التسابق ويفتخرون بذلك، لا يعنيهم جائعا ولا مريضا ، المهم ان يصلي الفجر في المدينة، والرسول عليه السلام لم يكن يفعل هذا بل كان يسير ويستريح كما في هذا الحديث. انتظر أبو بكر غلامه انتظار المسافر الجائع ،إلا أن الغلام طلع عليه وليس معه بعيره بمعنى ان الغلام طلع على أبي بكر الصديق رضي الله عنه بدون الناقة التي تحمل الطعام والشراب وما يحتاجه المسافر من أدوات وأشياء، وكطبيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه يتحرى قبل أن يصدر الأحكام، فسأل الغلام قائلا: اين بعيرك، ونلاحظ ان ابا بكر الصديق رضي الله عنه خاطب الغلام بقوله” بعيرك” ولم يقل له اين “بعيري”، بمعنى انه نسب البعير إلى الغلام مع انه هو المالك الحقيقي للغلام، ولو أردت ان اسمي هذه كاف المخاطب تسمية بعيدة عن اللغة العربية لسميتها “كاف المسؤولية”، البعير بعير أبي بكر من حيث الملكية أما من حيث الرعاية والصيانة والحفظ والمسؤولية فهو بعير الغلام، فبه أنيطت مهمة الحفظ على أعظم شيء في حياة المسافر ألا وهو طعامه وشرابه وأدوات سفره، فالمسافر وخاصة في الصحراء ماؤه حياته…. طعامه حياته.. ، وبدون الطعام والشراب للمسافر وخاصة في الصحراء تنقلب جميع الموازين، نعم تنقلب جميع الموازين ولعلكم تذكرون حديث مسلم والذي قَالَ فيه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ * ، انظر إلى الياس، انظر إلى انتظار الموت، انظر إلى الهلاك، انظر إلى قلب الموازين في قوله” اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ”، ولعل هذا الحديث يوضح أهمية المسؤولية التي انيطت بالغلام.

أجاب الغلام أبا بكر الصديق بعدما سأله أين بعيرك، أجاب قائلا: “أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ”، هذا الغلام أخطا خطأين فادحين، الأول أنه أضل البعير، الثاني انه أضل البعير ومضت مدة 24 ساعة تقريبا دون أن يخبر أحدا بذلك …………..

الخاطرة الخامسة : تستمر السيدة أسماء رضي الله عنها في رواية المشهد تلو المشهد فتقول: “فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ-غلامه- فَطَلَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ بَعِيرُهُ، قَالَ: أَيْنَ بَعِيرُكَ؟ قَالَ أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ! ” أجاب الغلام أبا بكر الصديق بعدما سأله أين بعيرك، أجاب قائلا: “أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ”، هذا الغلام أخطا خطأين فادحين، الأول أنه أضل البعير، الثاني انه أضل البعير ومضت مدة 24 ساعة تقريبا دون أن يخبر أحدا بذلك، والقضية ليست أي بعير إنها زمالة أبي بكر الصديق وزمالة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- انها قضية كبيرة تتعلق بأهم أسباب الحياة على وجه الأرض، قضية الأمن الغذائي، وتتأكد حاجة الأمن الغذائي من الطعام والشراب والدواء …الخ في السفر . قضية كبرى قد يكلف الإهمال فيها حياة ابي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قضية تعرض المسافر للخطر، تعرضه للموت تعرضه لليأس، كما ذكرت سابقا حديث مسلم والذي قَالَ فيه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ”. أ.هـ قضية قد تقلب الموازين ينفلت اللسان دون أي ضابط فينطق مضطرا من شدة الفرح فيخطيء حينما يسمي نفسه ربا، ويسمي ربه عبدا قال” اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ”. ، قضية لا تقلب موازين الأحوال فقط إنما تقلب موازين الأحكام كذلك قال تعالى” ﴿ فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يصبح الخنزير طعاما للمضطر، يصبح الممنوع مسموح، تصبح هذه الضرورات مبيحة المحظورات، المحظور مباح ، والممنوع مسموح. تتبدل الأحكام وتحدث ضجة في عالم أصول الفقه والقواعد الفقهية، ينادي أصول الفقه بكل ما يحمل من معاني ينادي فيقول : يا فقه الاستثناءات جاء دورك فقد هيأت لك العلل الشرعية المناسبة، فتظهر العلل- جمع علة- في أعظم زينة لها كي لا يخطئ الفقيه في اختيار الحكم المناسب الجديد للحالة المناسبة الجديدة، ويصبح الحكم الأنسب للمضطر فيأخذ على قدر حاجته، يأكل من لحم الخنزير، ويشرب الخمر على قدر حاجته هذا الحكم المناسب لا غيره، لأنه على المضطر أن يعيش…عليه ان يحافظ على حياته… أنه يدرك ان المنظومة الكلية والمنظومة الجزئية في التشريع الإسلامي تسعى في جميع مقاصدها للحفاظ على حياته. أدرك التحسينيات، وأدرك الحاجات، وأدرك الضرورات، أدرك كل هذا، أدرك أن البعد عن الخمر والخنزير ما هي إلا أشياء تحسينية، وان الحفاظ على الحياة أمر ضروري. أدرك انه إذا تعارض التحسيني مع الضروري فانه يقدم الضروري على التحسيني، أدرك كل هذا فيأكل من لحم الخنـزير غير باغ ولا عاد غير معتقد بجوازه بل هو معتقد بحرمته، وغير معتد بالزيادة عن القدر الذي يحتاج إليه..

الغلام لم يدرك أن الخلل الذي أحدثه هو خلل في الأمن الغذائي والأمن الدوائي، هو خلل في امن المسافر، هو تهديد لحياة ابي بكر الصديق- رضي الله عنه- ولحياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم وقد َقَالَ له أَبُو بَكْر:”ٍ بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ”. يا غلام أنيطت بك مسؤولية على قدرك، وعلى طاقتك إذ كلفتك بما تطيق ولم أكلفك ما لا تطيق، كلفتك بان تمسك بعيرا واحدا لا غير فكيف تضله. وهذه إشارة هامة من أبي بكر الصديق رضي الله عنه في أن العمل في السفر يجب أن يكون عمل كفريق وان توزيع المهام والمسؤوليات في السفر أمر ضروري، ويتأكد هذا الأمر في سفر الحاج، والمهام التي توزع حسب الطاقات والإمكانيات والقدرات. وتصلح هذه الإشارة لاستفادة منها في فقه الدعوة.

وجاء رد فعل أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- قَالَ “فَطَفِقَ يَضْرِبُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَسَّمُ”. من كان منكم يتوقع إن أبا بكر الصديق سيشرع في ضرب هذا الغلام! ومن كان منكم أن يتوقع أن ابتسامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستتبع هذا المشهد! ضرب من أبي بكر الصديق!وابتسامة من رسول الله صلى الله عليه وسلم! ان هذا المشهد بهذه الصورة لا تجد له شبيه في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحسب تصوري أن هذا الحديث بجميع أحداثه رسم لنا منهاجا وأسسا وقواعد كلية في كل ما يختص بالحج من أحكام التي تتعلق بتعامل الدولة مع الأفراد وتعامل الأفراد مع الدولة، وتعامل الأفراد فيما بينهم. لقد اقر الرسول صلى الله عليه وسلم بابتسامته الشريفة صنيع أبي بكر الصديق، وحمّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلام المسؤولية في إضاعة البعير، وأكد بابتسامته الشريفة ما ذهب إليه أبو بكر الصديق أن القضية قضية إهمال،  وهذا الإهمال قد يتسبب في قتل الناس وتعريض حياتهم للخطر، إذ لا حياة بلا طعام وشراب، ولا يمكن تفسير الإهمال أو تبريره وخاصة بمسالة القضاء والقدر. ولو صح تفسير ضياع البعير بأنه مسالة قضاء وقدر لما تمت المحاسبة القاسية من أبي بكر الصديق ولم يقر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك. بل شاهدنا أبا بكر الصديق يحاسب ويناقش الغلام ويبن له أن ضياع البعير هو من مسؤوليته، وانه مهمل ومقصر في هذه المسؤولية وان إهماله هذا تستحق عليه العقاب، وان العقاب لا يتوقف على العتاب أو كلمة هنا وكلمة هناك بل عقاب بالضرب نعم بالضرب. ولما لا يضربه وقد عرض حياة الناس للخطر والموت والهلاك، وكيف يمكن أن تسمح الشريعة الإسلامية لأي من كان، سواء الحاج بنفسه، أو شركة النقل والمواصلات، أو الأنظمة والإجراءات الداخلية للحجاج، أو العلماء بفتواهم أن يعرض حياة الناس للهلاك وخاصة في الحج، وكيف يمكن أن نقبل تبريرات من يعرض حياة الحجاج للموت، ولماذا أصبح في مفهوم غالب المسلمين أن لا فرق بين الموت الذي سببه الإهمال والتعدي والتقصير وبين الموت المقدر دون هذه الأسباب، لماذا يبرر ويفسر البعض منا ما يحدث مهالك لآلاف الحجاج على مدار السنين بالقضاء والقدر، لماذا لا نحاسب مثلما حاسب ابو بكر الصديق.. لماذا لا نحمل احد المسؤولية مثلما حمل ابو بكر الصديق… لماذا لا ننشئ مؤسسة تقوم بالدور الذي قام به ابو بكر الصديق، فأبو بكر رضي الله عنه  حقق بدقة في مسالة ضياع البعير وحمل مسؤولية التقصير للغلام وقام بتأديبه، لماذا نصنع الموت بأيدينا تحت أسماء ومفاهيم وتصرفات وأقوال ما انزل الله تعالى بها من سلطان. لماذا لا نكون من صناع الحياة…..لماذا اختار البعض منا أن يكون من صناع الموت …

هفوات  ما قبل الزواج بين النباهة والاستحمار

اقصد بالنباهة الذكاء والفصاحة وحسن التصرف، واقصد بالاستحمار الغباء والحمق وسوء التصرف. فقد يحدث هفوات في مرحلة مبكرة في سن الشاب أو الفتاة…و قد يمر الشاب أو قد تمر الفتاة بحب عفوي في مرحلة من مراحل الحياة وقبل الزواج…وقد يبقى هذا الحب مخزونا داخل القلب لا يُباح به … إلا أنني لا استطيع أن اسمي هذا حبا ولا ودا ولا ينطبق على أي معنى من المعاني التي ذكرناها في الحلقات السابقة وذلك لسرعة وسرعان تغييره وتبدله….. ولا ارى أي غرابة في ميل قلب فتاة إلى شاب..ولا أي عجب في ميل قلب شاب إلى فتاة…..فاحيانا القلوب لا يمكن السيطرة عليها في مثل هذه الاحاسيس…والشريعة الإسلامية لا تحاسب على ما يبقى في النفوس او تستشعره القلوب في مثل هذه المواضيع …ولكن الخوف كل الخوف ان يتبع هذا الإحساس …كلمة ممنوعة… او لقاء غير مشروع ….هذا الذي تحرمه الشريعة الإسلامية، وفي هذه المرحلة الحرجة من حياة الفتيات ..او الشباب يجب الحذر كل الحذر…وعليهما ان يدركا ان أي علاقة تنشا في فراغ اجتماعي بعيدا عن أحكام الشريعة الإسلامية  فهي من باب العبث والعبثية ….وهذه المواضيع بحاجة إلى مزيد من التوعية والعناية من المسؤلين وصناع القرار الاجتماعي الاسلامي وشرحها في غير هذا المقال. والسؤال الذي اطرحه وبقوة: ما مدى تأثير هذه العلاقة على الحياة الزوجية فيما بعد؟ وهل يجب على الزوجة او الزوج أن يصارح إحداهما الاخر عما صدر منه من هفوات وزلات قبل الزواج؟ بداية لا بد ان أوضح ان العلاقة بين الجنسين إذا نشأت في فراغ اجتماعي فلها تداعيات سلبية على الحياة الزوجية واضرب لكم مثلا كنت شاهدا عليه.. فقد نشأت علاقة بين شاب وفتاة خارج دائرة الأسرة وبطريق غير مشروع..فكانت اللقاءات والاتصالات والرسائل…ثم أصر هذا الشاب على خطبة هذه الفتاة مع أن كليهما في سن صغير نسبيا بعد مشوار طويل من اللقاءات خارج دائرة الأسرة وبعيدا عن أحكام الشريعة الإسلامية…وبعد  الزواج اخذ الزوج يعاير زوجته بحبها له دون دراية أهلها واخذ يشك في تصرفاتها..وأصبحت جملته المشهورة  أن كنت أخفيت علاقتي معك عن اهلك فلا شك انك تخفين عني علاقات مع آخرين وما المانع في ذلك..واخذ يشك في زوجته أنها تبني علاقات مع أصحابه..فمنع عنها الهاتف…وطلب منها أن تترك عملها..وحتى انه حرمها من فتح شبابيك المنزل…  وكنت أنا شخصيا احد المعالجين لهذه القضية…والكلمة التي صرحت لي بها الزوجة انه من الجنون كل الجنون أن تبني الفتاة أي علاقة مع شاب بعيدا عن دائرة الأسرة والشرع……الخ. هذا المثال يحكي عن علاقة ما قبل الزواج انتهت بزواج….بمعنى أن البنت والشاب كانت علاقتهما مع بعضهما البعض فكيف يمكن أن تحدّث الزوجة زوجها أو يحدث الزوج زوجته عن علاقات أو هفوات محرمة قبل الزواج ! ان الشريعة الإسلامية ترفض أي علاقة محرمة قبل الزواج، وتعتبرها علاقة خارجة عما احل الله سبحانه وتعالى. إلا انه وفي حالة وقوعها أو حصولها فان الشريعة الإسلامية تتشوف في أن يستر المسلم والمسلمة نفسيهما، ولا يفتخرا ولا يجاهرا بما صدر عنهما في مرحلة من مراحل حياتهما. وقد أعجبني الأمام البخاري – رحمه الله تعالى – حينما وضع بابا في كتاب الأدب من الصحيح سمّاه” بَاب سَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ ”  وهذه لفتة طيبة منه رحمه الله تعالى. فمن المعلوم والمتبادر الى الذهن أن يتستر الإنسان على غيره، والبخاري- رحمه الله تعالى بتسميته هذه يلفت النظر إلى أن أول الستر أن تتستر على نفسك. ولقد ساق البخاري في صحيحه بعد عنونة الباب مباشرة حديثا عن ابي هُرَيْرَةَ وفيه انه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ * فمن الغباء كل الغباء، ومن الحمق كل الحمق، ان يحدث الرجل زوجته عن هفواته في مرحلة من مراحل حياته.، ومن الإستحمار كل الاستحمار ان تحدث الزوجة عما صدر منها من هفوات في مرحلة من مراحل حياتها قبل زواجها..ومن النباهة كل النباهة ان لا يكون الزوج ولا الزوجة من المجاهرين كاشفين ستر الله عليهم ..بل عليهما أن يطلبا العفو ويرجوا التوبة والمغفرة من الله تعالى سرا لا علانية……واذا أردتم الحديث عن أسباب وموجبات محق الحب من قلوب الزوجين فان ما ذكرت هو من أهم أسبابه…واللفتة العجيبة في حديث البخاري أن الشريعة الإسلامية تمنع وتحرم المعصية ابتداء ، ولكن إذا حدثت توجه وترشد صاحبها في كيفية التعامل معها بعد الوقوع… …انتبه إلى قوله صلى الله عليه وسلم” بات يستره ربه” هذا بيان لنعمة الله سبحانه وتعالى على عباده. وانتبه إلى اللسان العابث ” يصبح كاشفاستر الله عنه” …..اي حياة زوجية هذه التي يحدث فيها الازواج عما سترهم الله تعالى فيكشفون ستره…ان الغاية من الستر هو الاستعجال في التوبة وقلب الصفحة السوداء السرية إلى بيضاء نقية…اما الذي يفتخر بسواد صفحته فلا شك انه احمق يضر بالحياة الزوجية ولو بعد حين ..

لا سابق ….ولا مسبوق

أقرا للشيخ يوسف عبدالله القرضاوي- حفظه الله تعالى وحماه- منذ عدة سنين …وكلما صدر كتاب لشيخنا الجليل سارعت إلى اقتنائه وضمه إلى مجموعة الكتب التي جعلت منها زواية في مكتبتي…وان من آخر ما صدر للشيخ القرضاوي كتابا من عدة أجزاء يتحدث عن سيرة حياته ، خطه بيده وسماه” ابن القرية والكتاب”….وفي هذه الحلقة سألفت النظر إلى حكاية للشيخ القرضاوي يحكيها عن فترة خطوبته قال: ذهبت مع خالتي إلى سوق الإسكندرية كي نشتري الشبكة لخطيبتي ، وكنت معتادا على المشي السريع، وكنا حينما نسير أنا وخالتي وخطيبتي ودون أن اشعر وإذا بي أسبق خطيبتي عدة أمتار ولا انتبه الا على صوت  خالتي وهي  تناديني وتقول : يا يوسف الوضع تغير الآن عليك أن تُكَيِّف مشيتك لمشية خطيبتك وتنسى مشية العزوبية.أ.هـ هذا المشهد في تصوري يعبر عن حقيقة الحياة الزوجية في كافة مناحيها…..نعم التكيف والانسجام والشعور بالآخر والاستغناء عن القطبية في الزواج..لا قطبية في الزواج ..ولا أحادية في الزواج……الزواج مسيرة وسيرة وفق مقدور الآخر…لا احد يسبق الآخر انظر عظمة هذا الحديث في مسند احمد- رحمه الله تعالى-  عن عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ لَمْ أَحْمِلِ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ فَقَالَ لِلنَّاسِ تَقَدَّمُوا فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ لِي تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ فَسَكَتَ عَنِّي حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ لِلنَّاسِ تَقَدَّمُوا فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَجَعَلَ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ هَذِهِ بِتِلْكَ * هل تظنون حقا ان السيدة عائشة رضي الله عنها سبقت النبي صلى الله عليه وسلم في المرة الاولى ، ان كنتم تظنون هذا فما تقولون في الحديث الذي رواه احمد – رحمه الله تعالى- في مسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنَازَةٍ فَكُنْتُ إِذَا مَشَيْتُ سَبَقَنِي فَأُهَرْوِلُ فَإِذَا هَرْوَلْتُ سَبَقْتُهُ فَالْتَفَتُّ إِلَى رَجُلٍ إِلَى جَنْبِي فَقُلْتُ تُطْوَى لَهُ الْأَرْضُ وَخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ * …الا تلاحظون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وتطوى له الأرض من تحته طيا وأبو هريرة يهرول حتى يسبقه..او يكون بجانبه فما بالك اذا هرول الرسول – صلى الله عليه وسلم- فما المطلوب من غيره حتى يدركه…وما بالك اذا ركض…وما ظنك اذا ركض بقصد السباق…  ومع كل ذلك سبقته عائشة رضي الله عنها في المرة الاولى…. انظر إلى قول عائشة” فَسَكَتَ عَنِّي حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ لِلنَّاسِ تَقَدَّمُوا فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ ، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي ” …الله الله يا رسول الله…الله الله يا خير الأزواج…ما زلت تذكر بعد هذه المدة أن زوجتك سبقتك وتطلب المسابقة مرة أخرى ..فسابقتها فسبقتها……. ما زلت تحافظ على روح الملاعبة وتذكر ان زوجتك سبقتك… انظروا إلى تعليق رسول الله صلى الله عليه وسلم”   فَجَعَلَ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ هَذِهِ بِتِلْكَ” …اي زوج كنت انت يا رسول الله …صلى الله عليك يا خير الأزواج…سبقتها وتضحك …ثم عقبت بقولك هذه بتلك… ايها الأزواج بين هذه وتلك سنوات…انظروا  الى وصف عائشة رضي الله عنها..اذ تبدلت أحوال جسمها فكانت حينما سبقت جارية نحيفة وحينما سُبقت كانت حملت اللحم وبدنت ونسيت … اني ارى- والله اعلم- ان القاعدة الذهبية في الحياة الزوجية التي يمكن ان تؤخذ من تلك المشاهد انه لا سابق في الزواج …اذا ربح احد الزوجيين فقد ربح كليهما…وإذا خسر احد الزوجين خسرا كليهما…لا يمكن لأحد من الزوجين ان يسبق الاخر لا في سلوكه ولا في تفكيره. وفي حالة سبق الواحد الاخر في مناحي الحياة فليحتفظ بهذا السبق  لنفسه وليسر بجانب زوجته وكذا الامر بالنسبة للزوجة.. وهذا سر من اسرار الانسجام في الحياة الزوجية واخفاء الفوارق……لست مع أمنا عائشة- رضي الله عنها- في تفسيرها لماذا سبقت في المرة الاولى ولماذا لم تسبق في المرة الثانية….لان السنوات وتعاقب الليل والنهار يزيد من عمر الرسول صلى الله عليه وسلم… وانا مع ضحكة رسول الله صلى الله عليه وسلم ….ان الذي سبق في المرة الأولى هو الانسجام بين الزوجين وان الذي سبق في المرة الثانية هو تاكيد ذات الانسجام، وان الحياة الزوجية تفرض على كل من الزوجين أن يسيرا جنبا إلى جنب مهما بلغ كل منهما ..فانهما لم ولن يبلغا درجة محمد صلى الله عليه وسلم فلينظروا وليعتبروا …فالانسجام هو اهم عامل من عوامل تنمية الحب بين الزوجين.  على كل من الزوج والزوجة ان يتركا حياتهما الخاصة إلى خارج دائرة الزواج….واقصد بذلك ان يتصرف الزوج في بيته اذا كان استاذا جامعيا ان يتصرف كزوج ولا يتصرف كاستاذ جامعي…واذا كانت الزوجة عميدة كلية مثلا عليها كذلك ان تتصرف في بيتها كزوجة أيضا…على الزوج ان يتعلم كيف يخفض جناحية إلى جانب جناحي زوجته..والعكس كذلك…لا بد للزوجين ان يسيرا معا…ولا بد لكل واحد منهما ان يشعر الاخر انه لا سابق….ولا مسبوق…..

 

 كيف تساعد الأمومة والأبوة في تنمية الحب

يطرأ على حياة الزوجين بعد الإنجاب نمط حياة جديد، إذ يصبح الاثنان ثلاثة…….وللوهلة الأولى أن هذا الطارئ الجديد قد يحدث ثورة في العلاقات الزوجية، ويقلب الحياة الزوجية رأسا على عقب…وتبدأ بما يعرف اليوم “مشاكل زوجية بعد الإنجاب” . والقران الكريم يؤكد على حقيقة التغيرات التي تطرأ على الحياة الزوجية بعد الإنجاب، ولكن القران الكريم يشير إلى ان الإنجاب سبب  تكون الحياة الزوجية به أكثر دقة، وزيادة مسؤولية….لذا فهي حياة تختلف عما قبل الإنجاب وهي بمسيس الحاجة إلى إضافة قواعد ذهبية أخرى لتحكمها وترشدها وتوجهها ….. الحياة الزوجية بعد الإنجاب بحاجة  إلى التشاور والتناصح والتراض انظروا إلى روعة منهجية التعامل بعد الإنجاب في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ سورة البقرة الآية 233 . انظروا إلى دقة الحياة الزوجية بعد الإنجاب والترتيب الرائع للحياة الزوجية بعد الإنجاب…..الرضاعة وأحكامها…والإنفاق وأحكامه…والنسب وأحكامه…والفطام وأحكامه  ولا شك ان هذه المسؤوليات المضافة على الحياة الزوجية إلى مسؤوليات سابقة أخرى في ظاهرها تمس وتؤثر على مسيرة الحب بين الزوجين…استمع الى قوله تعالى :﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ ﴾. هذا دليل على المبدأ الأساسي التي تنطلق منه الحياة الزوجية بعد الإنجاب خاصة كالتشاور….التراض…مع أعظم هذه المصطلحات في الحياة الزوجية بعد الإنجاب خاصة…هنالك طرف ثالث في الحياة الزوجية وحتى لا يقدح هذا الطرف الثالث في الحياة الزوجية وحتى تستمر الحياة الزوجية على نفس المبدأ الكلي الذي يحكمها من المودة والرحمة ، لا بد من تحديد إستراتيجية ورؤية تعامل مع هذا الطرف الثالث بين الزوجين على أساس التراضي…والتشاور. …يصبح الزوج بعد ان كنا نسميه زوجا يصبح ابا……..وتصبح الزوجة أمّا…الأمومة……والأبوة…وعالم الأمومة والأبوة عالم واسع…وما أعظم كلام ربنا تبارك وتعالى حينما أشار إلى تلك القواعد الذهبية التي تحكم عالم الأمومة وعالم الأبوة ….التراضي… والتشاور..دائما نتحدث عن طاعة الزوجة لزوجها، ودائما نتكلم عن حق الزوجة على زوجها ..وفجأة بعد الإنجاب وبعد تواجد الثالث في حياة الاثنين ينقلب الحديث وتتغير لهجته..وتتبدل طبيعته وطريقته كل ذلك ان دل على شيء فانما يدل على ان وسائل التعامل بين الزوجين تتكيف من مرحلة إلى مرحلة ومرحلة بعد الإنجاب بحاجة إلى مزيد من الاعتراف بالآخر والتعايش مع الآخر… وهي بحاجة إلى تجديد واضافة وسائل وآليات تعامل اخرى تناسب المرحلة وقد سمعت من استاذي وشيخي الشيخ امين ذيب موسى—حفظه الله تعالى وثبته – وهو من الذين تتلمذت على يدهم في تربيتي الروحية يقول وهو يخاطب زوجته وقد بلغ من السن ما بلغ : يا زوجتي كلما كبرنا في السن واقتربنا من السن الذي يموت فيه معظم الناس…كلما اقتربت أعمارنا بمشيئة الله سبحانه وتعالى ورحمته وفضله وكرمه علينا اقتربنا إلى سن 33 ويقصد أعمار أهل الجنة….يا زوجتي سنعود إلى شباب من جديد ولكن في الجنة- بمشيئة الله تعالى ورحمته- هذا الكلام يناسب مرحلة هذا الرجل الزوجية ..إذ أن أولاده قد كبروا …وقد عاد هو وزوجته ليعيشا جنبا إلى جنب كما بدأ …انها مراحل ..لكل مرحلة أدوات ووسائل للتعامل والتعايش فيها….فإذا ما فقه الزوجان تلك المراحل نمى بينهما الحب إلى ما بعد الدنيا….هنالك مرحلة العزوبية وهي تختلف عن الخطوبة وكلتا المرحلتان تختلفان عن مرحلة الزواج. ومرحلة الانجاب بعد الزواج مع طفل واحد تختلف منها مع عدة اطفال…وعندما يكبر الاطفال ويصبحوا شبابا وفتيات تكون مرحلة مختلفة…وعندما يتزوج جميع الابناء يعود الزوجان ليعيشا وحدهما… ولهما بنين وحفدة…وبعدها يموت احدهما فيعود الواحدكما بدا وحيدا…انها مراحل في الحياة الزوجية فلكل مرحلة احكامها وقواعدها التي تحكمها…والقاعدة الذهبية التي تحكم الامومة والابوة هي التشاور والتراض عند اتخاذ القرار ..اي قرار…وليس فقط في الفطام. وهذا فقه مهم على طريق تنمية الحب بين الزوجين

 

الآخرون في الحياة الزوجية….

من الصعب أن تجد حياة زوجية في العالم العربي والإسلامي لا يتدخل فيها الآخرون..وإنما اقصد بالآخرين غير الزوجين مهما قربتهم صلة القرابة فيما بينهما وبين الزوجين ومهما بعُدت…فقد يكون تدخل في حياة الزوجين من قبل أهليهما….أو جيرانهما… أو أصدقائهما..المهم قلما تجد زواجا لا يتدخل فيه الآخرون..ولو سألتني بعد تجربتي الشخصية مع الناس ما رأيك في تدخل الآخرين في حياة الزوجين؟ لكانت الإجابة على هذا السؤال بمجموعة أسئلة أيضا منها: متى يتدخل الآخرون في حياة الزوجين؟ وما هي المساحة المسموح بها للآخرين مهما كانت درجتهم في التدخل بين الزوجين؟ وكيف يعرض من يتدخل في حياة الزوجين تدخله وبأي أسلوب؟ والسؤال الأهم ما هي قابلية كل من الزوج والزوجة لتدخل الآخرين في حياتهما؟ وهل يملك الآخرون الوسائل والأدوات للتدخل في حياة الزوجين على وجه يعود بالمصلحة؟ هذه بعض الأسئلة التي ينبغي أن تطرح عندما نتحدث عن الآخرين في الحياة الزوجية. ولحساسية بعض الأزواج من تدخل غيرهم في حياتهم الزوجية، ولو كان اقرب الناس إليهم، لذا فان الإجابة لا يمكن أن تعمم، بل ينظر إلى كل حالة وحالة زوجية ومن ثم يكون التدخل أو لا يكون. كم من أم تدخلت في حياة ابنتها الزوجية وكانت سببا من أسباب طلاقها، وكم من أب تدخل في حياة ابنه الزوجية وكان سببا في خراب بيت ابنه. وسأنقلكم إلى مشهد رائع من حياة ابي بكر الصديق– رضي الله تعالى عنه- مع  ابنته السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها فقد روى البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه واحمد ومالك والدارمي وغيرهم واللفظ للبخاري عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ * انظروا إلى تدخل ابي يكر الصديق- رضي الله تعالى عنه في حياة ابنته…انظروا إلى عتابه إياها وبقوة…ولم يتوقف الأمر عند التعنيف والتافيف بل تعدى ذلك اسمعوا قول عائشة رضي الله تعالى عنها وهي تقول: وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي”. هذا الأب الصديق رضي الله تعالى عنه لم يتهاون في توجيه ابنته وتحميلها مسؤولية هذه الحادثة، ولكنه كان حكيما في توجيه ابنته، فقد استغل غياب زوجها وصدر عنه ما صدر دون علم زوجها ولا أمام زوجها ولا دراية زوجها..إنها النصيحة الأبوية الحقيقية وان كان في ظاهرها ما يوحي إلى التعامل بعنف..إلا انه عنف مشروع ..التوبيخ…والعتاب…والطعن باليد في الخاصرة..إنها يد التربية…فالحدث جلل…والعتاب على قدر الحدث….المهم كل المهم ان هذا العتاب وهذا التوبيخ من الأب إلى ابنته…ليس أمام زوجها…ولا أمام الناس…إنها اليد الحنونة…إنها اليد الموجهه..إنها اليد المربية.. ..ولم يمنع ابي بكر رضي الله تعالى عنه في التدخل في حياة ابنته المتزوجة ولو كانت متزوجة من رسول الله –صلى الله عليه وسلم-

انظروا إلى رواية احمد – رحمه الله تعالى- في مسنده- عن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَّسَ بِأُوَلَاتِ الْجَيْشِ وَمَعَهُ عَائِشَةُ زَوْجَتُهُ فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ فَحُبِسَ النَّاسُ ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا وَذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْأَرْضَ ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ وَلَا يَغْتَرُّ بِهَذَا النَّاسُ وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِي اللَّهم تَعَالَى عَنْهمَا وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّكِ لَمُبَارَكَةٌ *…لا ينقطع الأب العاقل عن ترشيد وتوجيه أولاده حتى بعد الزواج …ففي رواية البخاري كان التعزير….وفي رواية احمد كان التعزيز…بين التعزير عند الخطأ وبين التعزيز عند الصواب يستقيم الأبناء ولو كانوا متزوجين…لمثل هذا التدخل نسعى..تدخل سري في وقت مناسب…بعيدا عن أعين الناس…وحتى بعيدا عن أعين احد الزوجين…تدخل معقول على قدر الحدث..حرص ابو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حينما عاتب ابنته ان يكون هذا العتاب بعيدا عن أعين زوجها…وحرصت السيدة عائشة رضي الله تعالى ان حافظت على هذا العتاب وأبقته لمستقبلها دون أن تخبر زوجها…..  فقد بينت بعض الروايات انها كانت تتألم من طعن والدها في خصرتها، ولكنها تحملت الألم كي لا يشعر زوجها. واللافت للانتباه أن ما جرى بين الاب وابنته بلغ من السرية ما بلغ اسمعوا عائشة رضي الله تعالى وهي تصف عظم تلك السرية فتقول: وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي” كل ذلك جرى ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم على فخذها…اي سرية هذه …اي دقة هذه….ما أعظمك يا ابا بكر- رضي الله تعالى عنه- وما أعظمك يا عائشة – رضي الله عنها……….

الأعمال المنزلية

قد تمر حياة الزوجين بظروف صعبة، وقد يصيب الزوجة في بيتها من التعب والنصب ما يجعلها تشتكي وتمل من حياة الزواج بسبب الاعمال المنـزلية هذا إذا لم تكن عاملة خارج البيت..فإذا كانت زوجة عاملة يضاف إلى عملها بعض أعمالها المنزلية والتي لا يتقن القيام بها في الغالب إلا الزوجة. وهذا ما حصل مع فاطمة- رضي الله عنها ابنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم – فقد  روى البخاري ومسلم وابو داود وغيرهما واللفظ لابي داود قال حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ الْمَعْنَى عَنِ الْحَكَمِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ شَكَتْ فَاطِمَةُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى فَأُتِيَ بِسَبْيٍ فَأَتَتْهُ تَسْأَلُهُ فَلَمْ تَرَهُ فَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةَ فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ فَأَتَانَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْنَا لِنَقُومَ فَقَالَ عَلَى مَكَانِكُمَا فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي فَقَالَ أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ . وقَالَ عَلِيٌّ لِابْنِ أَعْبُدَ أَلَا أُحَدِّثُكَ عَنِّي وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ أَحَبَّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ وَكَانَتْ عِنْدِي فَجَرَّتْ بِالرَّحَى حَتَّى أَثَّرَتْ بِيَدِهَا وَاسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَتْ فِي نَحْرِهَا وَقَمَّتِ الْبَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيَابُهَا وَأَوْقَدَتِ الْقِدْرَ حَتَّى دَكِنَتْ ثِيَابُهَا وَأَصَابَهَا مِنْ ذَلِكَ ضُرٌّ فَسَمِعْنَا أَنَّ رَقِيقًا أُتِيَ بِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَوْ أَتَيْتِ أَبَاكِ فَسَأَلْتِيهِ خَادِمًا يَكْفِيكِ فَأَتَتْهُ فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ حُدَّاثًا فَاسْتَحْيَتْ فَرَجَعَتْ فَغَدَا عَلَيْنَا وَنَحْنُ فِي لِفَاعِنَا فَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهَا فَأَدْخَلَتْ رَأْسَهَا فِي اللِّفَاعِ حَيَاءً مِنْ أَبِيهَا فَقَالَ مَا كَانَ حَاجَتُكِ أَمْسِ إِلَى آلِ مُحَمَّدٍ فَسَكَتَتْ مَرَّتَيْنِ فَقُلْتُ أَنَا وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ جَرَّتْ عِنْدِي بِالرَّحَى حَتَّى أَثَّرَتْ فِي يَدِهَا وَاسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَتْ فِي نَحْرِهَا وَكَسَحَتِ الْبَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيَابُهَا وَأَوْقَدَتِ الْقِدْرَ حَتَّى دَكِنَتْ ثِيَابُهَا وَبَلَغَنَا أَنَّهُ قَدْ أَتَاكَ رَقِيقٌ أَوْ خَدَمٌ فَقُلْتُ لَهَا سَلِيهِ خَادِمًا فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ الْحَكَمِ وَأَتَمَّ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ شَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَام عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ فِيهِ قَالَ عَلِيٌّ فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا لَيْلَةَ صِفِّينَ فَإِنِّي ذَكَرْتُهَا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَقُلْتُهَا * والملاحظ ان يدي السيدة فاطمة- رضي الله تعالى عنها- أصيبتا من الرحى. والرحى: الآلة التي تطحن الحبوب، وان كثرة استعمالها يؤدي إلى تجعد وتورم في كفتي يدها..وان مما أصاب نحرها حملها للقربة من السقاية ونقل الماء… ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل قامت بتنظيف البيت وتكنسيه حتى أن ثيابها اغبرت واتسخت …..وأوقدت النار تحت القدر حتى أن ثيابها أصبحت تميل إلى السواد ….أعمال منزلية شاقة تقوم بها زوجة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم..الأمر الذي استدعى ان يقترح عليها زوجها حسب بعض الروايات أن تطالب بالخادم، وان تتوجه إلى أبيها محمد -صلى الله عليه وسلم- ليوفر لها هذا …فذهبت ولم تجده فأخبرت السيدة عائشة بذلك انتبهوا إلى هذه اللفتة:”  فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ- عائشة –رض الله عنها- فَأَتَانَا- علي وفاطمة رضي الله عنهما- وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْنَا لِنَقُومَ فَقَالَ عَلَى مَكَانِكُمَا فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي فَقَالَ أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ” هل تدركون ما أدركت…الابنة تتحدث عن هموم أعمال المنزل….والأب الرسول صلى الله عليه وسلم يرشدها إلى التسبيح والتحميد والتكبير عند الاسترخاء للنوم…. ويؤكد ان هذا خير من الخادم…ما هذه المقارنة العجيبة بين شيئين مختلفين…ذكر الله تعالى….وخادم للمنـزل..اراد الرسول صلى الله عليه وسلم ان ينبه ابنته إلى أشياء أعظم…أراد الرسول صلى الله عليه وسلم ان ينبه ابنته إلى غذاء الروح لتستعين به على تعب الجسد…ولم اسمع في حياتي …ولم يخطر على بالي…ان ابنة في الوجود تشتكي لأبيها هموم أعمالها المنزلية ثم يجد لها مخرجا في ذكر الله تعالى مع إن الحل بين يديه..اقصد توفير الخادم…ولا ننسى ان فاطمة عليها السلام من احب الناس إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا انه لم يوفر لها الخادم انما كل ما وفر لها ثلاثا وثلاثين تسبيحة…وثلاثا وثلاثين تحميدة…وأربعا وثلاثين تكبيرة ….خير لها ولزوجها من الخادم…مع أروع أن يأخذ الزوجان مضاجعهما ثم يناما على صوت التسبيح والتحميد والتكبير…إنها وصفة نبوية للاستعانة بها على هموم الأعمال الدنيوية…نِعْمَ الوصفة…ونِعْمَ الواصف….

حب فاشل…على عتبة المحكمة

قد يفشل الزوجان في حب احدهما للآخر…وقد يتسارع كل من الزوج والزوجة في اتهام الآخر بأنه السبب في فشل الحب بينهما..وقد لا تنفع أي وصفة من وصفات تنمية الحب في إقناع كل من الزوجة أو الزوج أن يعملا على تنمية مشتركة للحب فيما بينهما..وقد لا يفلح الزوجان في سد الهوة التي باعدت بينهما..وقد يتدخل الآخرون تدخلا ايجابيا أو سلبيا…… فالايجابي يفشل في اخماد النار بين الزوجين…والسلبي يزيد من لهيبها…..وقد يصل الأمر إلى اقرب محكمة شرعية ليبدأ كل من الزوج والزوجة معركتهما داخل المحكمة ..وقد يوكل الزوج محاميا وكيلا عنه…وتوكل الزوجة محاميا وكيلا عنها ثم تبدأ المعركة القانونية في الأحوال الشخصية بين طرفي الخصوم: الزوج والزوجة. ومن خلال تجربتي كمحامي شرعي منذ عشر سنوات تقريبا يمكن القول أن بداية نهاية الحياة الزوجية تكون من على عتبات المحكمة …وفي هذه الحلقة لا اعني أن لا يتوجه كل من الزوج أو الزوجة لمطالبة حقه من الآخر أمام القضاء…بل على العكس اذا انتهت كافة السبل في الصراع بين الزوجين دون ان يكون مخرجا الا المحكمة فليكن …ولكن بأسبابه الشرعية ومسوغاته الشرعية …لا للأسباب التي استحدثها الناس في عاداتهم وتقاليدهم …فما يراه زوج انه سبب للتوجه للمحكمة.. فقد يكون عند آخر سببا لخلاف بسيط سرعان ما ينقضي ويزول لعامل الزمن.. وكذا الأمر بالنسبة للزوجة….. وقد يصل الامر بالزوجين إلى الطلاق… وهنا لا بد من الرجوع إلى الشريعة الإسلامية لتحدد وترشد إلى الأسباب التي لا يمكن دوام العشرة الزوجية معها….وان الحياة الزوجية أصبحت شبه مستحيلة الاستمرار بعدما نفذت كل طرق معالجتها ولم يتعين إلا الطلاق كحل لأخف الضررين في مرحلة ما من الخلافات الزوجية…لذا يجب على الزوجة ان تحرص على حب زوجها..ويجب على الزوج أن يحرص على حب زوجته..فالحب يستجلب ويستدعي الرحمة…..من السهل ان تصفح وان ترحم من تحبه..ومن يحب يتغاضى عن كثير من أخطاء محبوبة بدافع الرحمة لحبيبه. ألا تلحظ في قول الله عز وجل﴿ ومن ءايته إن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ علاقة الود بالرحمة، وكأنه إذا انتفت الأولى استدعت الثانية مكانها وإذا غابت الثانية استدعت الأولى مكانها ،اذا غابت المودة وغابت الرحمة وغابت السكينة حل محلها ضدها…وهنا يمكن ان يعلن عن الفشل…والفشل في الحياة الزوجية يقود إلى عتبات المحاكم. وهنا لا بد أن نسمع نصيحة عمر رضي الله تعالى عنه: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث الضغائن. ولا حاجة للحياة الزوجية إلى الضغائن…واللافت للانتباه ان الله تعالى أمرنا بالعدل وفي نفس الوقت أمرنا بالإحسان ..نعم هنالك العدل ..وهنالك الإحسان ..والحياة الزوجية بحاجة إلى الإحسان اقرب منه إلى العدل ..مع أن العدل هو الأصل ولكن طبيعة الحياة الزوجية ونظامها تفرض أن يكون الإحسان اقرب منه إلى العدل قال تعالى ‏﴿ ان الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾. كل تلك القواعد الذهبية في الحياة الزوجية حتى لا يُعلن عن الفشل في الحب والود وتحمل الاخر…وهذا من اعظم ما ورد في فن التعايش داخل الاسرة…..بعيدا عن عتبات المحاكم.

 

الرجل الناشز……

لا يختلف اثنان على ضرورة المال وأهميته للإنسان في حياته ومعاشه ولا يحصل قيام ولا يستقيم معاش إلا بتوفر المال، فالله تعالى رتب المسببات على الأسباب والنتائج على المقدمات في دار الدنيا ، فالمال من الضروريات الخمسة التي سعت الشريعة الإسلامية على حفظها وحمايتها إذ بفقدان المال أو العبث فيه اختلال واضطراب في حياة الناس،  فالمال ضرورة من الضرورات ومصلحة عظمى من المصالح الخمسة التي حمتها الشريعة الإسلامية وهي:حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل وحفظ المال، وهذه الضروريات من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية والإخلال بها أو بأحدها يعتبر جريمة خطيرة تعود على كيان المجتمع الإسلامي بالهدم، لذلك ترى الشريعة الإسلامية حزمت بشدة وحكمت بالحد على من أعتدى على هذه الأصول الخمسة او سعى في العبث فيها،  ومع ذلك فان المال بحد ذاته وسيلة لا غاية وقد وضعت الشريعة الإسلامية خططا واضحة بينة في كسبه وتملكه وكذلك بينت المنهاج الأكمل في طرق إنفاقه والتصرف فيه ، والإنسان بالدرجة الأولى مستخلف أمين على هذا المال إذ أن المالك الحقيقي للمال هو الله وحده جل جلاله وهو المعطي الرازق له، وقد فضل الله تعالى بعض الناس على بعض في الرزق وجعل بعضهم فوق بعض درجات فأعطى ومنع لحكمة يريدها تعود على الناس بالمصلحة والخير. ولا يختلف اثنان أيضا أن الشريعة الإسلامية أوجبت على الزوج أن ينفق على زوجته بالمعروف…ومع الأسف الشديد فان سجلات المحاكم الشرعية تعج بآلاف قضايا النفقة والمصاريف….انها مسؤولية الزوج بالدرجة الأولى….على الزوج ان يتيقظ إلى هذه المسؤولية الهامة في الحياة الزوجية….على الزوج ان ينتبه ان التقصير في مثل هذا الأمر هو من باب تجاوز الخطوط الحمراء في الحياة الزوجية..اذ كيف يمكن ان نطالب زوجة ما بان تنمي حبها تجاه زوجها وهي لا تجد لقمة العيش ..وقد لا يجد أبنائها معها كذلك….كيف يمكن ان نطالب زوجة ما ان تعشق زوجها وتحبه وهي لا تجد في جيبها بضعة دراهم أو دنانير لشراء دواء أو خبز أو ماء……المال في البيت هو بمثابة شبكة آمان للزوجة..إذا فُقد المال من البيت فقدت هذه الشبكة…والفقهاء دائما يقولون إذا خرجت الزوجة من بيت زوجها دون إذن زوجها من غير حالات الضرورة فهي ناشز. وإنها تفقد حقها في إنفاق زوجها عليها…لان شرط النفقة هو مكوثها في بيت الزوجية بموجب عقد زواج صحيح..أو كما يسميه البعض ” الاحتباس”…مع ان هذه الكلمة توحي إلى مفهوم سلبي في ظاهرها إلا أن حقيقة معناها هو قيام الزوجة بواجباتها تجاه زوجها بموجب عقد زواجها منه. والسؤال المطروح:في حالة عدم إنفاق الزوج على زوجته المحتبسة له بعقد زواج شرعي صحيح إلا يعتبر هذا الزوج ناشزا؟…..لماذا يجب علينا ان نتحدث في جميع وسائل نقل الكلمة عن نشوز المرأة ولا نتحدث عن نشوز الرجل….لا يسر الزوجة كثيرا ان تقاضي زوجها أمام المحكمة لتحصل نفقاتها منه…إنما الذي يسرُّها أن يسعى زوجها لينفق عليها دون أن تحتاج الآخرين…علينا ان نكثر من استعمال كلمة الرجل الناشز…علينا أن نعرف من جديد معاني نشوز الرجل…وان من نشوز الرجل هو عدم القيام بواجبه من الإنفاق على زوجته….لأننا سمينا المرأة الغير محتبسة في بيت الزوجية زوجة ناشز…فإذا ما احتبست دون أن يوفر لها زوجها نفقتها سمّيناه رجلا ناشزا قال تعالى” وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا” روى البخاري , عن عائشة  قالت : هي المرأة تكون عند الرجل , لا يستكثر منها , فيريد طلاقها , ويتزوج عليها , فتقول له أمسكني , ولا تطلقني , ثم تزوج غيري,فأنت في حل من النفقة علي , والقسمة لي   . والكلام واضح في ان عدم قدرة الإنفاق على المرأة يعتبر نشوزا من الرجل……

عقربٌ…..وأفعى !

يظن بعض الأزواج أن مسيرة الحياة الزوجية الأبدية لا يعتريها بعض المنغصات، وقد يظن بعض الأزواج ، انه إذا وجد ذات الدين تربت يداه، بمعنى انه لا يسمع منها إلا خيرا ولا تقول إلا خيرا. الحياة الزوجية مختلفة تماما عما يتصوره بعض الأزواج. وقد سمعت احد العلماء ذات يوم يقول الإنسان يظهر بأكثر من مظهر، فحينما يكون بين زملائه في العمل فله مظهر وأقوال وسلوكيات، وحينما يكون في بيته مع زوجته  يكون بمظهر مختلف تماما، وحينما يجتمع مع باقي أفراد الأسرة يكون بمظهر ثالث. ولا يعد هذا من النفاق وتعدد الوجوه. بل على العكس هو قمة التصرف المعقول والذي ينسجم مع طبيعة البشر. على كل من الزوج والزوجة ان يدركا أنهما قد يتلفظان بألفاظ لا تكون حميدة وظاهرها على خلاف الشريعة الإسلامية. والأصل أن لا يتوقف ولا يستوقف الزوج زوجته عند كل حرف يصدر عنها حتى لو كان في ظاهره ما كان ، وله أن يرشدها إلى الأفضل في الوقت المناسب، وكذا الأمر بالنسبة للزوج فقد البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ لمسلم قال: حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ و حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ قَالَ عَبْدٌ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، فَخَرَجَتَا مَعَهُ جَمِيعًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ مَعَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ فَتَنْظُرِينَ وَأَنْظُر، قَالَتْ: بَلَى. فَرَكِبَتْ عَائِشَةُ عَلَى بَعِيرِ حَفْصَةَ وَرَكِبَتْ حَفْصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ فَسَلَّمَ ثُمَّ سَارَ مَعَهَا حَتَّى نَزَلُوا، فَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ فَغَارَتْ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ تَجْعَلُ رِجْلَهَا بَيْنَ الْإِذْخِرِ وَتَقُولُ يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي. رَسُولُكَ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا * انتبهوا إلى كلام عائشة- رضي الله تعالى- فبعد ان وضعت رجلها في الاذخر وهو نبات طيب الرائحة دعت على نفسها بصريح العبارة، ولا يستطيع عالم واحد ان يحمل كلام عائشة على غير مفهومه الظاهر..نعم دعت على نفسها ان يسلط الله تعالى عليها عقربا..او حية…..غيرةً من صفية، وندما على تفويت الفرصة للسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد منعها أن تفعل أزمة كبيرة هذه المرة في بيت النبوة  أنها تعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم مطالب بالعدل بين الزوجات فيما يملك….ولو كان الأمر إليها لافتعلت أزمة في بيت النبوة لا تنتهي الا بمشكلة…انتبهوا إلى انفعالها…انتبهوا إلى حالتها النفسية….انتبهوا إلى انتقاء الكلمات وعلى ماذا تدل….العقرب….الحية….عائشة – رضي الله تعالى عنها- الفقيهة العالمة والتي برأها الله تعالى من فوق سبع سموات، ولها من المناقب ما لها تدعو الله تعالى في حالة ضعف ان يسلط عليها الأفاعي والعقارب…انها حتما زلة لسان …انها انفعالات زوجة…..انه الضعف البشري بعينه… إنها العجلة البشرية في القول…… إنها الغيرة .. هذه نماذج من بيت النبوة في الأزمات التي كانت تحدث في بيت النبوة…لا يمكن القول ان دعاء السيدة عائشة- رضي الله تعالى عنها- موافق للشرع..على العكس تماما فان الشريعة الإسلامية تنهى أن يدعو الإنسان على نفسه وان يستجلب الضرر لنفسه..وعائشة- رضي الله تعالى عنها- تعي ذلك وتفقه ذلك…ولكن الحياة الزوجية وانفعالاتها لها أحكام خاصة….ولا اقصد أي مبررا لما قالته عائشة.- رضي الله تعالى عنها- ولكن الحياة الزوجية تفرض ان يكون فيها مثل هذه الهفوات……الحياة الزوجية لا تخلو من انفعالات… ولو سلم بيت من مثل هذه الهفوات لسلم بيت رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم….ليس في الحياة الزوجية رقابة مطلقة على كل كلمة تصدر من فم الزوجين….وعلى الزوج ان لا يترصد كل كلمة تصدر من فم الزوجة…فقد تدعو على نفسها…وقد ترفع صوتها فتدعو على جميع من في بيتها..وذلك في لحظة ضعف أو غضب أو انفعال…..وعليها ان تستغفر لذلك …وعلى الزوج ان يدعها لتستغفر وتتوب ……لا ان يتوقف بشدة وحزم ويحمل السيف ثم يهدد به أو يضرب به….يجب على كل من الزوجين أن يراعي ما يصدر عن الآخر وقت انفعاله….. وليحذر كل من الزوجين ان يرد على الانفعال بانفعال اشد منه….لان التصرفات القولية والفعلية أثناء الانفعالات النفسية تخلو من صوت الحكمة وصوت العقل وهي لحظات ضعف تعتري الإنسان…والا لما دعت السيدة عائشة – رضي الله تعالى عنها- ربها ان يسلط عليها عقربا أو حية تلدغها في رجلها…انتبهوا صرحت بهذه الكلمات بعدما وضعت رجلها في الاذخر…والاذخر هو نبات طيب الرائحة…انتبهوا إلى اثر الانفعالات النفسية على التصرفات القولية والفعلية….وهي تضع رجلها في طيب ومسك دعت على نفسها ان تلدغها حية أو عقربة…انظروا وانتبهوا إلى هذه اللفتة الرائعة … الانفعالات النفسية حوّلت الاذخر الطيب المعطر إلى أفاعي وعقارب …..على كل من الزوج والزوجة أن يتعلما لغة التجاوز….فلا احد عقب على قول عائشة رضي الله عنها- ولا احد عاتب السيدة عائشة – رضي الله عنها- ان بيت الزوجية لا يخلو من انفعالات، فعلى كل من الزوجين ان يحسن التعامل مع انفعال الآخر فان هذه وصفة دقيقة على طريق تنمية الحب بين الزوجين.

ساعة منـزلية بقرب الزوجة…

قد تكون الزوجة من العاملات، وقد تحتاج في أحيانا إلى معاونة في بعض الأعمال المنزلية، والرجال من الأزواج يختلفون في وقتنا المعاصر من زوج إلى زوج، حيث يتصور بعض  الأزواج ان أعمال المنزل هي أعمال خالصة من وظيفة الزوجة فقط، اذ أن الدور الوظيفي المنوط به كزوج هو العمل على توفير النفقة وإحضار لقمة العيش .وهنالك بعض الأزواج يرون انه يمكن للرجل مساعدة زوجته في وقت فراغه، أو حينما تكون زوجته مريضة مثلا، فهو على اتم استعداد للقيام بالواجبات المنزلية في ظروف معينة. وهنالك بعض الأزواج والذين يسمح لهم وقتهم أو طبيعة عملهم أن يقوموا ببعض الأعمال المنزلية إلى جانب الزوجة…والواحد من هؤلاء يحب أن يكون في خدمة منزله وحوائج البيت ما أمكن. قد يعترض بعض الأزواج على عمل الزوج إلى جانب زوجته في الأعمال المنزلية، ولكن لو أدرك الأزواج أهمية توفير البيئة الدافئة في الحياة الزوجية، واثر معاونة الزوجة على تنمية الحب فيما بينهما ..لاجتهد الزوج إذا أراد مصلحة بيته ان يوفر ولو ساعة أسبوعية بقرب زوجته يقوم بها في بعض الأعمال المنزلية مهما علت رتبته، وسمت وظيفته.

وقد أحسن الإمام البخاري- رحمه الله تعالى- حينما بوّب في صحيحه بابا سمّاه بَاب   “خِدْمَةِ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ ” ولم تأت هذه المسالة بصورة عفوية إنما قصد الإمام البخاري رحمه الله تعالى إبراز هذا الجانب في الحياة الزوجية. ولم يترك الإمام البخاري لمحبي صحيحه الجهد والعناء في البحث عن مثل هذه القضايا بين السطور…انما جعل لذلك بابا وساق حديثا في الموضوع قال – رحمه الله تعالى-: حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ * هذا الحديث من أعظم الإرشادات النبوية والوصفات العلاجية لتنمية الحب بين الزوجين….ان إشعار الزوجة بالبيئة الزوجية الدافئة من خلال مساعدتها في بعض أعمال المنزل لهي الجنة الزوجية بعينها…ان هذه الأعمال التي يقوم بها الزوج إلى جانب زوجته من أفضل وأسرع واقرب الوسائل في تنمية الحب فيما بينهما…ولكن انظروا إلى قول عائشة – رضي الله عنها- حينما قالت: “فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ”. أي اذا حضرت الفرائض والتي يجب على الزوج ان يقوم بها خارج المنزل، على الزوج ان يؤديها…صلاة الجماعة – مع مراعاة الخلاف الفقهي حول المسالة-….السعي لتوفير النفقات…هذه يجب على الزوج أن يسعى لتوفيرها…وعليه إذا كان سعيه هذا يستغرق اغلب ساعات اليوم أو أيام الأسبوع عليه ان يوفر لنفسه الفرصة لان يكون بقرب زوجته …ولو ساعة واحدة يومية إن استطاع أو أسبوعية في الأعمال المنزلية…..وعليه ان يعود نفسه ان يقوم ببعض الأعمال بنفسه لا أن يعتمد على فعل زوجته 100%. فان الزوجة تسعد لرؤية زوجها إذا رفع عنها بعض عناء الأعمال المنزلية.. وقد روى احمد في مسنده حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سُئِلْتُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ *…الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يصلح ثوبه بنفسه…ويحلب شاته بنفسه…ويخدم نفسه….والتي روت الحديث عائشة- رضي الله عنها- فهي تحفظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم صنيعه هذا..انها البيئة الزوجية الدافئة….قد يسال بعض الازواج فيقول: انا اعمل خارج المنزل 10 ساعات أو اكثر فهل من المنطق ان أعود لأطبخ أو اكنس أو اكون في خدمة زوجتي بعد يوم شاق من العمل؟ اقول : لا..ولكن هل لك لان توفر الفرص مهما استطعت لتفعل ذلك…هل لك ان تقوم ببعض الاشياء دون الاستعانة بزوجتك…هل لك على الاقل ان تشعر زوجتك انك لولا ظروفك وعملك لكنت بجانبها…صدقوني ليس المقصود ذات العمل…وكلكم تعلمون ان الرسول صلى الله عليه وسلم اتخذ خادما لنفسه ففي صحيح البخاري قال حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَكَانَ أُمَّهَاتِي يُوَاظِبْنَنِي عَلَى خِدْمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً ..”..ولكن المقصود هو ايجاد وصنع بيئة زوجية دافئة مشتركة تحت سقف واحد….أيها الزوج اغتنم الفرصة لتنمي الحب بينك وبين زوجتك، فوفر ولو ساعة واحدة في الأعمال المنزلية بقرب زوجتك….لا تقصد بها ذات العمل …إنما تكون هذه الساعة وسيلة لصنع ببيئة زوجية مشتركة دافئة وهذه خطوة هامة على طريق تنمية الحب بين الزوجين.

غيرة زوج…… وفصاحة زوجة

للفصاحة والبلاغة والحكمة وتدبير الأشياء دور كبير في إدارة الحياة الزوجية على وجهها الصحيح، وفي هذه الحلقة سأسجل موقفا مشرفا لذات النطاقين أم عبدالله أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنهما – هذا الموقف المشرف في الحياة الزوجية يدل على حكمة وفصاحة أسماء- رضي الله عنها – في فن إدارة تعاملها مع زوجها الزبير. فقد روى مسلم في صحيحه قال حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ قَالَتْ كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ وَكُنْتُ أَسُوسُهُ فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْخِدْمَةِ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةِ الْفَرَسِ كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ وَأَقُومُ عَلَيْهِ وَأَسُوسُهُ قَالَ ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَتْ خَادِمًا جَاءَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ فَأَعْطَاهَا خَادِمًا قَالَتْ كَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ فَأَلْقَتْ عَنِّي مَئُونَتَهُ فَجَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ قَالَتْ إِنِّي إِنْ رَخَّصْتُ لَكَ أَبَى ذَاكَ الزُّبَيْرُ فَتَعَالَ فَاطْلُبْ إِلَيَّ وَالزُّبَيْرُ شَاهِدٌ فَجَاءَ فَقَالَ يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ فَقَالَتْ مَا لَكَ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا دَارِي فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ مَا لَكِ أَنْ تَمْنَعِي رَجُلًا فَقِيرًا يَبِيعُ فَكَانَ يَبِيعُ إِلَى أَنْ كَسَبَ فَبِعْتُهُ الْجَارِيَةَ فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ وَثَمَنُهَا فِي حَجْرِي فَقَالَ هَبِيهَا لِي قَالَتْ إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهَا *. والذي يهمني في هذا المشهد من حياة ام عبدالله – رضي الله عنها- تصرفها حينما طلب منها الرجل ان يبيع في ظل بيتها، وهي تعلم ان زوجها يغار عليها غيرة مفرطة…انتبهوا ! استطاعت ان تقول للرجل الفقير البائع الذي قصدها ليبيع في ظل بيتها. اذهب من هنا، لا اسمح لك ان تبيع بجوار بيتي ولا في ظله،..والسبب علمها بغيرة زوجها عليها، وانه لن يسمح لهذا الرجل ان يبيع بظل داره. ومع ذلك وحرصا على إحقاق الحق وعدم منع الاخرين من ممارسة حقهم في البيع والشراء وخاصة ان الرجل فقير، وهو بحاجة إلى ظل يؤيه من حرارة الشمس، وقد ادركت ام الله – رضي الله عنها- كل ذلك ، ولحكمتها ودرايتها وخبرتها في طباع زوجها وخاصة غيرته عليها ، وقد وصلت درجة هذه الغيرة الا ان تتحمل هذه الزوجة على نفسها احيانا فقد روى البخاري قال: حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا شَيْءٍ غَيْرَ نَاضِحٍ وَغَيْرَ فَرَسِهِ، فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَسْتَقِي الْمَاءَ وَأَخْرِزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ، وَكَانَ يَخْبِزُ جَارَاتٌ لِي مِنَ الْأَنْصَارِ وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِي، وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ، فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ إِخْ إِخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ، وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى. فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ فَقُلْتُ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَنَاخَ لِأَرْكَبَ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ. فَقَالَ وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ قَالَتْ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ تَكْفِينِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي . انتبهوا حتى مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عملت أسماء- رضي الله عنها- على مراعاة غيرة زوجها عليها . لقد طلبت من الرجل أن يستأذن في البيع أمام زوجها الزبير- رضي الله عنه- …انتبهوا إلى هذه التمثيلية المصطنعة، والحوار المصطنع من إخراج الزوجة وإنتاجها أمام الزوج الغيور غيرة مفرطة : قَالَ- الرجل- يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ. فَقَالَتْ: مَا لَكَ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا دَارِي. فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ مَا لَكِ أَنْ تَمْنَعِي رَجُلًا فَقِيرًا يَبِيعُ”. انظروا …انظروا إلى عظمة تلك الزوجة…طلبت من الرجل ان يسألها أمام زوجها…وكان جوابها بالحرف الواحد ” مَا لَكَ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا دَارِي” وهذا يدل على رفض الطلب، وهنا تدخل الزوج الغيور قائلا:” مَا لَكِ أَنْ تَمْنَعِي رَجُلًا فَقِيرًا يَبِيعُ” . ليس لك حق في منع الرجل الفقير في ممارسة حقه المشروع في البيع والشراء وخاصة انه فقير بحاجة إلى المال. ان غيرة الزوج المفرطة لا يمكن ان تسير حياة الناس حسبها، واستطاعت الزوجة أن تأذن للرجل الفقير في البيع دون الحاجة إلى إذن زوجها. وإذا ما حاورها زوجها لها أن تقول له أن من حق الناس أن يمارسوا حقهم المشروع… ولها ان تحاور زوجها مباشرة وليكن الصدام طالما إنها على حق إلا أنها لم تفعل كل ذلك، بل حققت جميع ما أرادت بفصاحة وحكمة وسيناريو من إعدادها للتحايل على غيرة زوجها المفرطة….. ، فلا الزوج غار…ولا الفقير مُنع من ممارسة حقه في البيع….ان الزوجة الحكيمة هي التي تستطيع أن تتعايش وتجد المخارج مع زوجها المتصف بصفات مفرطة ….

كلمة أخيرة…..قصيرة

في كلمة أخيرة في سلسلة حلقات “تنيمة الحب بين الزوجين” لم اقصد من جميع ما تقدم من حلقات في الموضوع أن الحياة الزوجية هي حياة أبدية لا يصيبها خلل يؤدي إلى انهيارها…..لا لم اقصد واعني هذا…ولكني قصدت مما قدمت أن على كل من الزوجين أن يستنفذا كافة السبل والوسائل للحفاظ على أبدية العقد فيما بينهما…وان يحصنا حياتهما الزوجية بمفاهيم وقواعد ومبادئ لا يزلزلها ولا يحركها ولا يدمرها زوبعة هنا وزوبعة هناك مما قد يعصف بالحياة الزوجية من زوابع. واسال الله تعالى ان ينفع بهذا الكتاب كل زوجين اثنين وان يكون سببا وعاملا في تنمية الحب فيما بينهما…اللهم امين.

 

واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين

 

[1] روى الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثُمَّ قَرَأَ ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ) الْآيَةَ قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي الْأَحْوَصِ لَا نَعْلَمُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ *

[2] كامل محمد عويضة ، سلسلة علم النفس ، علم نفس الشخصية ، الطبعة الاولى ص 49، دار الكتب العلمية،بيروت ، 1996م.

[3] محمد أبو حامد الغزالي ، إحياء علوم الدين ، دار الصابوني ، 2/23 .

[4] المصدر السابق ص27

[5] محمد أبو زهرة ، الأحوال الشخصية ، الطبعة الثانية، ص19 دار الفكر العربي ، القاهرة .

[6] منصور بن يونس بن إدريس، البهوتي، الروض المربع شرح زاد المستنقع، مكتبة الرياض الحديثة 1390هـ3/60.

[7] شمس الدين محمد بن أبي العباس ابن شهاب الدين، الرملي،  نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الكتب العلمية،1993 2/176.

[8] عبدالله احمد بن محمود، النسفي، أبو البركات، كنز الدقائق، دار الكتب العلمية 1997 3/136 ، ومعه البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم.

[9] زكريا بن محمد بن احمد، الأنصاري،  فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب، دار الكتب العلمية بيروت، 1418هـ ط1 2/53.

[10] محمد أبو زهرة، الأحوال الشخصية 19

  [11] محمد بن أبي سهل السرخسي أبو بكر، السرخسي،  المبسوط، دار المعرفة، بيروت 1406هـ 4/194

[12] الكاساني، علاء الدين الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتاب العربي بيروت 1982 2/331 بتصرف بسيط.

[13] زين الدين بن إبراهيم بن محمد، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ابن نجيم،  دار الكتب العلمية بيروت 1997 3/138

[14] حاجي خليفة، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، دار الكتب العلمية،بيروت، 1992م 2/81

[15]  مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي بيروت، 2/697 ت.فؤاد عبدالباقي.

 [16] المرجع السابق 2/1021 .

[17] صحيح مسلم 2/118

[18]  ابو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، 2/23

[19] محمد أبو زهرة، الأحوال الشخصية، 21

[20] زين الدين بن اتبراهيم ، البحر الرائق شرح كنز الدقائق ، ابن نجيم،  دار الكتب العلمية بيروت ط1 3/136

[21]  محمد بن يزيد أبو عبدالله القزويني، ابن ماجة،  سنن ابن ماجه، دار الفكر بيروت، 1/532 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

 

[22] علي محمد السرطاوي، مبدأ المشروعية في الشريعة الإسلامية، رسالة دكتوارة، الجامعة الأردنية عمان 1997 ص81 .

1 شمس الدين الشيخ محمد عرفه، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، الدسوقي،  دار الفكر العربي،ط1 1998 2/340.

[24] محمد بن احمد القرطبي الأندلسي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد، دار الكتب الإسلامية، ط2 1983 2/17.

[25] راجع المسالة في كتابي ” مسميات الزواج المعاصرة بين الفقه والواقع والتطبيق القضائي”.

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017