هؤلاء العلماء كانوا حول مائدة واحدة مستديرة لمناقشة مفهوم ” الإرهاب” سنة 2005 على الهواء مباشرة، من هم؟ وماذا قالوا؟

الإثنين 5 أكتوبر 2020
شارك المقال

هؤلاء العلماء كانوا حول مائدة واحدة مستديرة لمناقشة مفهوم ” الإرهاب” سنة 2005 على الهواء مباشرة، من هم؟ وماذا قالوا؟

حينما تم الإعلان عبر قناة إقرا الفضائية عن (ملتقى اقرأ الفقهي الفكري) فى مدينة شرم الشيخ ما بين 21-08-2005إلى 22-08-2005 . ويناقش المؤتمر قضايا الإرهاب بدعوة من الشيخ صالح كامل. وان هذا المؤتمر سيكون بثا مباشرا، وقد نظرات في أسماء المدعوين لم اصدق عيني ان هؤلاء العلماء سيتحدثون في مؤتمر عن ” الإرهاب ” بالبث المباشر، فحبست نفسي منذ اللحظة الأولى، ومسكت قلمي وكتبت كل كلمة من بداية المؤتمر حتى نهاية المؤتمر، ونشرت في حينه في صحيفة الميثاق تحت عنوان ” نظرات في ملتقى اقرأ الفقهي الفكري) يمكن العودة الى أرشيف الصحيفة لسنة 2005 .

 

الشيخ صالح كامل – رحمه الله – هو من بادر الى هذا اللقاء . اذكر انه قال : الان انتم على الهواء مباشرة والعالم كله يريد ان يسمع منكم عذا في الافتتاحياة اما في ختام المؤتمر تحدث عن خيبة الامل نتيجة الخلاف الذي وقع في اليوم الثاني من المؤتمر وسمعه من تابع كل كلمة.

 

هؤلاء العلماء كانوا من المدعوين ….وحضر غيرهم بالتاكيد .

             

الدكتور يوسف القرضاوي                      الشيخ سلمان العودة                                                   الشيخ عائض القرني                        الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي

                     

الشيخ عبدالله بن بيه                      الشيخ وهبه الزحيلي                الشيخ عبدالستار ابو غدة              الشيخ محمد الراوي                                      الشيخ احمد همر هاشم

         

الشيخ صلاح الصاوي                                        الشيخ محمد طنطاوي                                                                   الدكتور جعفر عبدالسلام

                         

 

الدكتورة عبلة الكحلاوي                                            الدكتورة سعاد صالح                                       الشيخ احمد الكبيسي

                     

الشيخ حسين حامد                                       الشيخ محمود عاشور                                         الشيخ حسين حلاوة

 

انقل لكم ماذا نشرت  في صحيفة الميثاق سنة 2005 ابدأ الاقتباس ”

نظرات في ملتقى اقرأ الفقهي الفكري

30/08/2005

الحلقة الأولى

ارتقبت منذ ثلاثة أسابيع تقريبا ملتقى اقرأ الفقهي الفكري، ولم أكن أتوقع أن مؤتمر الملتقى سيبث على الهواء مباشرة دون انقطاع أو رقابة أو حتى فاصل إعلاني أو أي شيء آخر يقطع كلام المشاركين فيه، حيث دار موضوع الملتقى حول ” رأي الفقه الإسلامي في العمليات الإرهابية” ، وتم عرض أوراق عمل من المشاركين في تعريف الإرهاب والآثار الناجمة عنه وأسبابه وطرق معالجته، وسأسلط الضوء في عدة حلقات حول الجدل والنقاش والحوار الذي دار في المؤتمر حول العمليات التي تشهدها الساحة العالمية، ولا احسب على مدار ساعات البث المباشر طوال مدة يومين أن فاتني ولو كلمة واحدة من كلمات أو مداخلات جميع المشاركين في المؤتمر، وما سمعته فرصة كبيرة قد لا تعوض حسب تصوري لان تجربة الملتقى قد لا تكرر مرة أخرى بالشكلية التي شاهدناها على الهواء مباشرة، أو بالصفوة التي شاركت في المؤتمر على الهواء مباشرة طوال ساعات طويلة دون انقطاع في الفترتين الصباحية والمسائية وقد لا تجتمع مرة أخرى لنفس الغرض الذي اجتمعت من اجله،  وسأحاول أن القي بنظراتي الشكلية والموضوعية  حول المؤتمر ناقلا ومعلقا بدقة على أقوال المشاركين فيه نظرة فقهية أصولية وقد تكون نقدية أحيانا على الرغم من أنني اعتبر نفسي تلميذا مبتدئا عند اقل المشاركين في المؤتمر علما وفكرا، فهم من صفوة علماء الأمة الإسلامية وخيرتها ومع ذلك فان هذا الاعتبار لا يمنع أن القي بعض النظرات على ما تناوله العلماء الفقهاء الأجلاء.

انعقد المؤتمر تحت عنوان “ملتقى اقرأ الفقهي الفكري” و” رأي الفقه الإسلامي في العمليات الإرهابية – التعريف- الآثار- المعالجات”، وقد اجتمع المشاركون في المؤتمر ليجيبوا عن هذا التساؤل الذي يتساءل عنه الكثير من الناس من المسلمين وغير المسلمين، وكان عنوان المؤتمر بارزا واضحا،   وللوهلة الأولى تحسب أن المشاركين في المؤتمر سيجلسون مع بعضهم مدة ساعة واحدة لا غير يصدرون فتوى شرعية بإجماعهم أن العمليات الإرهابية التي تشهدها الساحة العالمية عمليات محرمة شرعا ومن ثم سَيُكَيّفون العقوبة المترتبة على العملية شرعا وسينفض المؤتمر، والذي حصل غير ذلك وبعيدا عن ذلك على الرغم أنهم اتفقوا في التوجه العام على حرمة هذا الفعل وتجريمه مع تفصيل واسع وتفرقة واسعة بين أنواع العمليات التي تشهدها الساحة العالمية .

انعقد المؤتمر وقد شارك فيه ستة وثلاثون من رجال الفقه والفكر من هؤلاء: د.يوسف القرضاوي، د.وهبه الزحيلي، د.محمد سعيد رمضان البوطي، د. عبدالستار أبو غدة،. د.محمد الراوي، د.عائض القرني، د.سلمان العودة، د.صلاح الصاوي، د.حسين حامد، د.محمود عاشور، د.بدر القاسمي، د.احمد عمر هاشم، د.عبدالله بن بيه، د.محمد الطنطاوي، د. جعفر عبدالسلام، د. عبلة الكحلاوي، د.سعاد صالح، د.صالح المرزوقي، د.حسين حلاوة……..الخ ولا يختلف منصفان أن هؤلاء وغيرهم الكثير من خيرة وصفوة علماء الأمة الإسلامية، إلا أن الملاحظ لهذه التركيبة يدرك أن طبيعة الموضوع الذي اجتمعوا إليه ودعوا للحوار حوله تقتضي وتفرض تركيبة من أمثال هؤلاء العلماء، فاغلب هؤلاء العلماء والمفكرين لهم شهرة واسعة في ميدان العمل والدعوة إلى الله عز وجل، بالإضافة إلى ارتباطهم بالناس من خلال المساجد والندوات والجامعات، وكذلك لمعظمهم مؤلفات فقهية وفكرية في كافة مجالات الشريعة الإسلامية، ترجمت كتب العديد منهم إلى عدة لغات، ولهم شهرة واسعة كذلك عند غير المسلمين، واهم ما في تركيبة هؤلاء العلماء أن كلمتهم مسموعة ولها صوت دوي أكثر من غيرهم عند الجماعات الإسلامية وعند المسلمين عامة ولأغلبهم تلاميذ وأتباع في مشارق الأرض ومغاربها، ويمكن القول أن  المحسوبية لجهة رسمية أو حكومية تكاد أن تكون منفية عن اغلبهم، فمعظمهم أحرار وكلمتهم حرة يتحدثون وفق قناعاتهم وما وصلت إليه اجتهاداتهم الفقهية والفكرية والحق أن هذا ما لمسناه من بعضهم على الهواء مباشرة وسنشير إليه في الحلقات القادمة.

حاول القائمون على المؤتمر جمع اكبر عدد ممكن من رجال الفقه والفكر ممن يمثلون تيارات متعددة وألوان مختلفة وممن يثق بهم الناس، أو إن شئت قل ممن تثق بهم اغلب الجماعات الإسلامية على اختلاف تنوعها أو تخصصها، والحق أن هذه الميزة تحسب للقائمين على المؤتمر  لا عليهم لان الغاية من هذا المؤتمر لا الاجتماع لذات الاجتماع وإنما لحسم مفاهيم وأفكار منثورة في الأمة الإسلامية، ولا يصلح لحسمها إلا من يوثق به ويوثق بعلمه وبفكره وبسيرته بعيدا عن المحسوبية  . والحق انه غاب عن هذا المؤتمر كثير من رجالات الفقه والفكر ممن يوثق بهم ولا ندري أسباب ذلك.

انعقد المؤتمر على ارض مصر وبالتحديد في شرم الشيخ، ولا يخفى على أحد أن اختيار مكان المؤتمر ليس صدفة إنما للعمليات الإرهابية التي أدت إلى قتل العشرات من الأبرياء. انطلق الحوار والنقاش من عدة نقاط أساسية كل نقطة تفرعت إلى عدة محاور أهمها : تعريف الإرهاب، أسباب الإرهاب أو تفسيراته، الآثار الناتجة عنه، معالجته، تكييفه الفقهي وتوصيات……الخ وكانت أوراق العمل والأسئلة حولها، وكان الجدال وكان الاختلاف وكان الاتفاق المبدئي العام….” انتهى الاقتباس.

 

 

نظرات في ملتقى اقرأ الفقهي الفكري

بقلم:أ. رائد عبدالله بدير

الحلقة الثانية

ذكرت في الحلقة الماضية أن النخبة المشاركة في المؤتمر هي من صفوة ومن خيرة علماء الأمة الإسلامية في الوقت المعاصر، وذكرت أيضا أن طبيعة الموضوع تقتضي مشاركة أمثال هؤلاء العلماء، إلا انه وحسب اعتقادي غاب عن المؤتمر من هو في الأهمية مثل هؤلاء العلماء إن لم يكن أهم منهم .

غاب عن المؤتمر ممثلون عن الجماعات الإسلامية بالتحديد المصرية والسعودية والتي تراجعت عن أفكارها التكفيرية وعن أفكارها المتطرفة فيما يتعلق بتصورها حول مسالة الحاكم وتكفيره والمجتمع وتكفيره، حيث ان الجماعات الإسلامية في مصر مثلا وقبل خمس سنوات تقريبا أعلنوا تراجعهم الكامل عن معتقداتهم الفكرية التكفيرية، وعن الأعمال الدموية التي صدرت عنهم باسم الإسلام ووضعوا مؤلفات من ستة كتب سموها ” المراجعات”، وقد أشار د. يوسف القرضاوي إلى هذه الجماعات في المؤتمر نفسه قائلا:” أنا لا أيأس من مخاطبة هؤلاء، وخاطبتهم في مصر، وبعد أن حاورهم العلماء انتهوا إلى التراجع عن هذا الفكر، وكتبوا ستة كتب لتخطيء أنفسهم، وكانوا ينقلون عن كتبي، وكانت كتبي من المحرمات عليهم”.أهـ. وحسب تصوري أن الإشارة إلى أمثال هؤلاء الجماعات كنموذج في التراجع عن الأفكار والمعتقدات الخاطئة لا يكفي، بل كان الواجب على القائمين على هذا المؤتمر أن يبذلوا أقصى ما في وسعهم لدعوة واحد أو أكثر من أصحاب مؤلفات ” المراجعات” أو من إخوانهم، لِيُسمعوا كلمتهم ، وليحدثوا الناس على الهواء مباشرة عن تجربتهم التي مروا بها ما يقارب 40 سنة، ولو أن احد أصحاب “المراجعات” تكلم على الهواء مباشرة من خلال تجربته وتجربة إخوانه حول قضايا أساسية فكرية تتعلق بالحاكم والمحكوم وتتعلق بعلاقة المسلم مع غيره من غير المسلمين وبَيّن للناس التصورات الخاطئة التي كانوا عليها، ثم عرض أسبابها وتفسيراتها ثم فنّدها وناقشها ونقحها وعرض الصواب والصحيح مكانها لكانت خير كلمة وأوضح بيان وحجة للتائبين ومحجة على المعاندين. ولكان هذا المتكلم أهم دعامة من دعامات المؤتمر، واهم عنصر من عناصره إن لم يكن أهمها.

من الواجب على علماء الأمة الإسلامية من أمثال المشاركين في المؤتمر أن يصحبوا إياهم أصحاب الفكر النّير وأصحاب الأقلام التي تنير الطريق في الظلام الدامس  من الجماعات التي حاسبت نفسها وتراجعت عن معتقداتها الفكرية الخاطئة ليدلوا بدلوهم، وليحدثوا الناس عن أخطائهم ومعتقداتهم الفكرية الخاطئة،  وعلى الدول والإسلامية أن تمنح الفرصة لأمثالهم  أن يقولوا كلمتهم من خلال المنابر بكافة أنواعها، المرئية والمسموعة والمكتوبة لِيُبَينوا للناس وليحدثوهم عن تجربتهم قبل “المراجعات” وبعدها .

لقد ذهب د. محمد سعيد رمضان البوطي إلى ابعد من ذلك فقال:” هذا اللقاء لا يضم أي واحد من هؤلاء الناس أو العقول المفكرة فيه، نحن كمن يكلم نفسه، نحن متفقون على ما نقول.”.أ.هـ.

من الصعب جدا أن يضم هذا اللقاء على الهواء مباشرة في شرم الشيخ الطرف الآخر، أو إن شئت قل العقول المفكرة في الجماعات الإسلامية ذات المعتقدات الفكرية المتطرفة، إلا انه من الممكن محاورة هؤلاء بعيدا عن وسائل الإعلام وفي أماكن خاصة جدا، وقد عرض د.احمد عمر هاشم في المؤتمر تجربته على مدار سنوات في كيفية محاورة الجماعات الإسلامية في مصر وذلك في لقاءات كثيرة بعيدا عن وسائل الإعلام وقد تكللت جهوده بنجاح كبير. وكذلك ما أشار إليه د. عائض القرني حينما قال” خاطبنا الفئة وعاد 80%”أ.هـ والمقصود بالفئة الجماعات المتشددة في المملكة السعودية.

نظرة في كلام البوطي

إن ما ذهب إليه البوطي من انه يكلم نفسه غير دقيق ، لان المؤتمر المنعقد يكلم الأمة الإسلامية عامة بالدرجة الأولى، ويكلم الجماعات الإسلامية خاصة بالدرجة الثانية، ويكلم غير المسلمين بالدرجة الثالثة وما قاله د. عبدالستار أبو غدة ردا على مداخلة د. سلمان العودة يؤيد هذا حيث قال حينما قدّم ورقة عمله” هذه الورقة أفكار عالقة في أذهان الناس، وقد تكون واضحة عند د. سلمان العودة إلا أنها غير واضحة في أذهان عامة الناس “أ.هـ . نعم هنالك من المسلمين من يتعاطف مع الجماعات العنيفة المتشددة والتي تزهق أرواح الأبرياء تحت مسميات وذرائع ومبررات خاطئة، وقد سمى البعض من أهل العلم هذا التعاطف ” التعاطف المغفل” فالمؤتمر وما صدر عنه بمثابة بيان ووضع النقاط على الحروف وحسم لمسالة التعاطف أو التعاون مع هذه الجماعات المتشددة، وهذه فائدة عظيمة ولفتة طيبة من د. عبد الستار أبو غدة حينما أضاف قائلا” نحن لا نعبر عن مسلماتنا ولكن نعبر عما يطلبه المجتمع” أ.هـ. فما أنيط بالمؤتمر في الدرجة الأولى هو بيان الرأي الفقهي في العمل الإرهابي بعد تعريفه، ومهمته أيضا بيان الحكم الشرعي في موقف عامة المسلمين من هذا العمل، وبيان الواجب والمطلوب من عامة المسلمين تجاه هذه الأفعال التي تصدر عن بعض الجماعات الإسلامية المتشددة.

إن المؤتمر خاطب الحكام، وخاطب الجماعات الإسلامية، وخاطب العلماء، وخاطب عامة الناس من المسلمين، وخاطب غير المسلمين أيضا…..

يتبع

 

نظرات في ملتقى اقرأ الفقهي الفكري

بقلم:أ. رائد عبدالله بدير

الحلقة الثالثة

في هذه الحلقة سنسلط الضوء على قضية علمية شرعية فقهية وفكرية اُثيرت في المؤتمر، مع انه ومن خلال تسجيل ملاحظتي وبتواصل مباشر دون انقطاع مع محطة اقرا الفضائية حاول معظم المشاركين بل وطالب معظم المشاركين عدم التعقيب على هذه القضية وتجاوزها وعدم ذكرها في البيان الختامي أو حتى في التوصيات، والمسالة تدور حول مداخلة لـ د. يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يوم 21/8/2005 في افتتاح المؤتمر حيث قال القرضاوي:” قُدمت رسالة في إحدى الجامعات السعودية تقول: إن اشتراك الدول الإسلامية في هيئة الأمم المتحدة إثم كبير. وحرام على كل بلد إسلامي أن يدخل في الأمم المتحدة، لان ميثاقها يقر احترام سيادة الدول الإقليمية، أي لا تُغزى هذه البلاد، وأيضا ينص على حل المشاكل بالطرق السلمية، وإلغاء الرقيق من العالم، والقرآن لم يلغ الرقيق، واتفاقية جنيف تحرم قتل الأسرى والإسلام يبيح قتل الأسرى … هذه الرسالة قُدمت ونوقشت وأخذت امتيازا من إحدى الجامعات.”أ.هـ ( انظر موقع القرضاوي– ندوات ومؤتمرات- ملتقى اقرأ يفند دعاوى الإرهاب والفكر المتطرف، ص1 الاثنين 22 اغسطس 2005 ). هذه الواقعة عرضها د. يوسف القرضاوي للتدليل على وجود ” خلل فقهي” كما سماه لدى بعض المسلمين يستوجب تصحيحه عن طريق الحوار، ثم أكمل د. يوسف القرضاوي متسائلا:” ما لنا نسكت على هؤلاء؟ هل نقاتل العالم؟ وهذا ما يقول به هؤلاء الشباب وشيوخهم”.أ.هـ

هذا الذي ذكرت سمعه الناس على الهواء مباشرة في اليوم الأول من انعقاد المؤتمر، وتجد هذا الكلام أيضا في عدة مواقع على الانترنيت منها موقع القرضاوي، أما الذي قد لا تجده مكتوبا، محاولة بعض أهل العلم من المشاركين في المؤتمر تمرير قضية “الخلل الفقهي” دون التعقيب عليها، أو أن كلماتهم ومداخلاتهم كانت صريحة في عدم الإشارة مرة أخرى إلى ما أشار إليه د. يوسف القرضاوي من وجود خلل فقهي في بعض الجامعات الإسلامية . بل ورأى د. يوسف القرضاوي ” ان هنالك خللا في فقه بعض الجماعات…..” أ.هـ خلل فقهي في بعض الجامعات وخلل فقهي في بعض الجماعات كما رأى د. يوسف  القرضاوي، والذي تابع المؤتمر عبر فضائية اقرأ سمع صيحة القرضاوي وهو معاتبا لنفسه ولغيره ومتسائلا: ” ما لنا نسكت على هؤلاء؟…..”أ. هـ  بل أن بعض المشاركين في المؤتمر دعا إلى السكوت على ذلك، وعدم أبراز القضية التي أثارها القرضاوي وخاصة أن القرضاوي لم ينتقد جماعة متطرفة هنا أو هناك بل كان النقد إلى مؤسسة علمية رسمية في دولة إسلامية تمنح درجة امتياز لرسالة جامعية عدها القرضاوي من قبيل ” الخلل الفقهي”.

إنني اعتقد أن ما ذهب إليه د. يوسف القرضاوي في هذا القضية صحيح، هنالك “خلل فقهي” ولا يمكن تسمية هذا “الخلل الفقهي” بـ ” اختلاف فقهي”، ولا ينبغي إدراج هذا “الخلل الفقهي” تحت المصطلح “اختلاف فقهي” ولا ينبغي عدّه منه، ولا ينبغي أن نتلاعب بالمصطلحات، ولا ينبغي أن نسمي الأشياء بغير اسمها، هنالك فارق كبير جدا بين “الاختلاف الفقهي” من حيث تعريفه أسبابه وخصائصه وبين “الخلل الفقهي” وتعريفه وأسبابه وخصائصه، ولا يمكن بأي حال من الأحوال  اعتماد الرأي النابع عن خلل فقهي هو من باب الاختلاف الفقهي اذ ان الشريعة الإسلامية رسمت منهاجا للاجتهاد وأوضحت طريقا ومسالكا له، وكل من انحرف عن هذا الطريق وضل المسلك  في اجتهاده وقع في الخلل الفقهي  ولا يمكن عزو رايه إلى الاختلاف الفقهي الماجور. وهذه القضية الأصولية الفقهية قد تلتبس على بعض طلاب أهل العلم الشرعي قبل غيرهم واعتقد اننا بأشد مسيس الحاجة إلى معرفة الفرق بين “الخلل الفقهي” و ” الاختلاف الفقهي” وهذه قضية أصولية فقهية تستوقفنا رغما عنا، وحتى لا يشملنا الصمت أو السكوت في بيان بعض الفوارق بين “الخلل الفقهي” “والاختلاف الفقهي” نشرع في بيان بعضها على سبيل المثال لا الحصر بعد الاستعانة بالله سبحانه وتعالى.

الفوارق بين ” الخلل الفقهي” والاختلاف الفقهي”:

  1. الجهل في كيفية استعمال الأدلة الشرعية في موضعها الصحيح يسبب خللا فقهيا وبيان ذلك على النحو الآتي:

روى البهيقي في سننه عن جابر قال: ” خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فقال لأصحابه:هل تجدون لي رخصة في التيمم ، قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – اخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم ” والملاحظ أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يلتفتوا إلى أي نص آخر غير النص العام  يتعاملون به مع هذه الواقعة ، بل بقي في أذهانهم وعقولهم أن الرجل يقدر على الحركة، وان الماء متوفر موجود ، ولا يمكن التيمم مع استطاعة الرجل ووجود الماء واستندوا إلى الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة وهو قوله تعالى :  ) فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا(سورة النساء 43، وأفتوا بما هو مشهور “إذا حضر الماء بطل التيمم” ، وعلى الرغم من استنادهم إلى أدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة إلا أننا نجد ان الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد غلظ عليهم ، بل ونفى عنهم صفة العلم والصق بهم صفة الجهل ونعتهم به وأرشدهم إلى السؤال قبل الإفتاء وشنع على فتواهم هذه والتي كانت سببا في مقتل الرجل ، حيث أن بقاء حكم الغسل من الجنابة  على ما هو عليه فيما يتعلق بالواقعة الجديدة والتي احتفت بظروف معينة لا يناسب، بل وبسبب تلك الظروف انتقل خطاب الله تعالى المتعلق بالواقعة من الغسل إلى التيمم كما بين ذلك الرسول – صلى الله عليه وسلم – حيث يتناسب حكم التيمم مع  تلك الواقعة ، ويأتي منسجما مع روح الشريعة والإسلامية ومقصدها وذلك بعد النظر والاجتهاد ، حتى لو تعلق الأمر بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة وبهذا الصدد يقول استاذنا د. علي السرطاوي حفظه الله تعالى : ” إن الشريعة الإسلامية وضعت خططا ومناهج تشريعية تضمن أن تجعل الأحكام موصلة إلى غاياتها بعدالة وفق إرادة الشارع ، التي كلفنا تنفيذها وامتثالها اخذين بعين الاعتبار ان إرادة الشارع في أمر من الأمور لا تؤخذ من نص عام واحد فقط مهما كانت قطعية الثبوت والدلالة ، لان هذا النص جزء من كل الشريعة ،فلا يجوز أخذه أو فهمه فيما يناقضها ،لان الأصل الا يتناقض الجزء مع الكل وشرع الله لا تناقض فيه” أ.هـ

ان الفتوى الصادرة في الحديث السابق بعدم اعتبار الظرف وعدم السماح بالرخصة لا يمكن اعتبارها من قبيل الاختلاف الفقهي كونها اعتمدت على اية من كتاب الله أو حديث سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بل هي خلل فقهي واضح تسبب هذا الخلل في مقتل الرجل كما مر مما أثار غضب النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كانت من قبيل الخلاف الفقهي المشروع لكان رد النبي صلى الله عليه وسلم اجتهدوا فاخطئوا ولهم اجر وهذا لم يكن ……فشتان بين “الخلل الفقهي” وبين “الاختلاف الفقهي”…..

يتبع.

نظرات في ملتقى اقرأ الفقهي الفكري

بقلم:أ. رائد عبدالله بدير

الحلقة الرابعة

” الخلل الفقهي”   و  ” الاختلاف الفقهي”

ذكرت في الحلقة السابقة ان الجهل في كيفية استعمال الأدلة الشرعية في موضعها الصحيح يسبب خللا فقهيا واستشهدت  فيما رواه البهيقي في سننه عن جابر قال: ” خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فقال لأصحابه:هل تجدون لي رخصة في التيمم ، قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – اخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم ” وقلت أن الفتوى الصادرة في الحديث بعدم اعتبار الظرف وعدم السماح بالرخصة لا يمكن اعتبارها من قبيل الاختلاف الفقهي كونها اعتمدت على اية من كتاب الله أو حديث سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بل هي خلل فقهي واضح تسبب هذا الخلل في مقتل الرجل كما مر معنا مما أثار غضب النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كانت من قبيل الخلاف الفقهي المشروع لكان رد النبي صلى الله عليه وسلم اجتهدوا فاخطئوا ولهم اجر وهذا لم يكن .

ونقطة أخرى ينبغي أن نلاحظها أن شرف صحبة هؤلاء النفر لرسول الله صلى الله عليه وسلم- رضي الله عنهم- ومقام الصحبة لم يشفع لهؤلاء في التجاوز أو التغافل عن فتواهم واعتبار فتواهم من قبيل العلم أو الاجتهاد، بل النقد اللاذع كان واضحا منه صلى الله عليه وسلم في وصفهم ونعتهم بالجهل. مقابل هذا المشهد سنعرض مشهدا آخر وهو ما حدث مع عمرو بن العاص رضي الله عنه  فقد روى أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا” وفي صحيح البخاري “أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلَا ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ ”

فالمشترك بين المشهدين أن الرجل في حديث البيهقي وعمرو بن العاص في حديث ابي داود كانا على سفر ، وأنهما  احتلما أي إصابتهما الجنابة، والرجل في الحديث الأول لم يستطع الغسل من الجنابة بسبب ضربة حادة في رأسه وطلب من  أصحابه رخصة التيمم فمنعوه استنادا للأدلة الشرعية الجزئية التي تتكلم وعن أحكام الغسل وأحكام الجنابة وأحكام التيمم وشروطه فاغتسل فمات ، بينما عمرو بن العاص لم يسال أحدا وتيمم للظرف الذي نزل به كما قال بالحرف الواحد: ” فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ” ولم يلتفت إلى أحكام الغسل عند الجنابة، وعندما عاد إلى المدينة المنورة سأله الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا:” يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ” فقال :” نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ وَذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ” “رواية احمد”. الدليل الذي استند إليه عمرو بن العاص في فتواه أو في الرخصة التي نهجها دليل لا علاقة له لا بالماء ولا بالغسل ولا بأحكام الجنابة الأخرى إنما دليل كلي ينص على حفظ النفس.

المشاهدان متشابهان من حيث الحدث والظرف ولكنهما مختلفين من حيث الفتوى والنتيجة، ففي المشهد الأول صدرت الفتوى مكتفية بالاعتماد على أدلة لها علاقة مباشرة بأحكام الجنابة وغفلت عن أدلة أخرى كلية اكبر منها واهم منها، بل وغفلت الفتوى عن أدلة تعتبر من  كليات الشريعة  فكانت العاقبة وخيمة نتيجة الجهل في استعمال الدليل. أما المشهد الثاني مشهد عمرو بن العاص فقد التفت عمرو إلى الكليات التي تتحدث عن حفظ النفس وعرف كيف يستعمل الدليل المناسب في المكان المناسب في الظرف المناسب فكانت النتيجة صحيحة سليمة موافقة لإرادة الشارع عز وجل. ولنقف هنيئة مع رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشهدين أما المشهد الأول فرد النبي بغضب شديد قائلا: “قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال” وأما المشهد الثاني وفعل عمرو بن العاص فكان الرد بان ” َضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا “.

ما فعله عمرو بن العاص هو الفقه بعينه، بحيث نال رضا وإقرار وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما صدر في الحديث الأول من فتوى جاهلة هو الخلل الفقهي بعينه فاستحق غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكل ذلك بسبب عدم الفهم في استعمال الدليل المناسب في المكان المناسب في الظرف المناسب في الواقع المناسب في البيئة المناسبة، فاستعمال الدليل المناسب قضية هامة جدا، بل فهم الدليل قضية أهم من استعماله، والمعرفة أصلا  ما المقصود بالدليل قضية في غاية الأهمية، فتجربة عمرو بن العاص وغيرها من النصوص فتحت بوابة على ما صنفه العلماء في أصولهم من نظريات، نظرية الضروريات، أو نظرية الحاجيات ، أو نظرية التحسينيات، والمقام لا يتسع لشرحها أو تفسيرها.

إن ما ذهب إليه القرضاوي من وجود خلل فقهي في بعض الجامعات أو بعض الجماعات هو حقيقة لا ينبغي أن نتغافل عنها، والدعوة إلى إصلاح هذا الخلل هي فرض من فرائض الشريعة الإسلامية لا يمكن السكوت عنه وبيانه، وان المداخلات التي صدرت من بعض المشاركين في مؤتمر اقرأ الفقهي الفكري في عدم الإشارة في البيان الختامي أو في التوصيات إلى وجود هذا الخلل الفقهي في الجماعات أو الجامعات هي مداخلات في غير محلها، ولا يمكن أن يشفع لأصحاب هذه المداخلات لا شهرتهم ولا مكانتهم ولا أي شيء آخر، فالعلم هو العلم، والحق هو الحق، ولا ينبغي إن كان هنالك خلل فقهي في جماعة معينة أو في بعض قياداتها أو في جامعة معينة أو في بعض أساتذتها لا ينبغي السكوت على ذلك، وعلى الجماعات أن تراجع نفسها، وعلى الجامعات أن تراجع نفسها كذلك، فان كان هنالك خلل فقهي، ولا أقول اختلاف فقهي، فالحق كل الحق في إصلاحه والباطل كل الباطل التمادي فيه…..فكثير من الجماعات راجعت أفكارها الفقهية والفكرية وعملت على إصلاحها وكثير من العلماء تراجعوا عن بعض أفكارهم الفقهية والفكرية وعملوا على أصلاحها….وأول خطوة في إصلاح الخلل الفقهي ينبغي أن نعترف بأنه يوجد خلل فقهي، وان تبرير الخلل الفقهي أو تفسيره عقبة كبرى في الإصلاح لأنه لا يمكن إصلاح الخطأ إلا إذا اعترفنا أن هذا الشيء خطا فإذا ما بررناه أو فسرناه بقي الخطأ…..واخطر شيء في تبرير الخلل الفقهي هو اعتباره من قبيل الاختلاف الفقهي وعدم الاعتراف به كخلل فقهي، ولا يسعني أن أقول هنا إلا كما قال الشاطبي رحمه الله تعالى في موافقاته   هذا المجال صعب المورد، إلا انه عذب المذاق ، محمود الغب جار على مقاصد الشريعة ، هذا النظر في بيان الفتوى الصادرة عن خلل الفقهي وعدم اعتبارها من قبيل الخلاف الفقهي نظر  عذب المذاق على الرغم انه صعب المورد، والغاية الكبرى من عدم اعتبار الفتوى الناشئة عن خلل فقهي فتوى صالحة من قبيل الاختلاف الفقهي هو حماية الشريعة الإسلامية من أن تعود على نفسها بالتناقض…………

يتبع

نظرات في ملتقى اقرأ الفقهي الفكري

بقلم:أ. رائد عبدالله بدير

الحلقة الخامسة

الجماعات الإسلامية…. والحكومات

توصل المشاركون في المؤتمر إلى أن الخلافات الداخلية بين الحكام والمحكومين، أو بين الحكومات والشعوب، أو بين الجماعات الإسلامية والحكومات يجب أن تحدد، ويجب أن تُبين كيفية علاقة الحاكم بالمحكوم، ويجب توضيح حدود الحريات للجماعات والأفراد، ويجب بيان الحكم الشرعي في المعارضة المسلحة الداخلية في البلاد الإسلامية كالسعودية مثلا، كل هذه الأمور أثيرت كنقاط للحوار بين المشاركين. ولا يمكن الحديث عن هذه النقاط دون التعرض إلى وصف تعامل الحكومات الإسلامية وطرق حكمها تجاه الشعوب والجماعات والأفراد، وقد اتفق المشاركون في المؤتمر على أن البلاد الإسلامية تعاني من فقر شديد في الحريات، وتصدر فيها أحكام جائرة بالنسبة إلى الجماعات والأفراد المعارضة لها، وان الحكومات في معظمها تفقد أسلوب الحوار ولا تتيح للمعارضة أي مساحة للجدال والحوار بالتي هي أحسن، وان معظم الدول الإسلامية تفقد فيها حتى العدالة الاجتماعية، وان تطبيق الشريعة الإسلامية في الدول الإسلامية غير كاف ويتوقف على الأحوال الشخصية إذا وجدت وبعض الأحكام الأخرى فقط، وان الظلم الذي تعاني منه المعارضة في الدول الإسلامية لا يخفى على احد….الخ مما أثاره المشاركون في المؤتمر حول حكام المسلمين والحكومات الإسلامية. ومع كل هذا اتفقت الكلمة على أن المعارضة الداخلية المسلحة حرام قطعا، بحيث لا يجوز سفك الدماء ولا قتل الأبرياء، ولا يوجد احد ممن شارك في المؤتمر أجاز المعارضة الداخلية المسلحة ولا قتل الأبرياء وسفك الدماء، الا انهم اختلفوا في طرق التعامل مع المعارضة المسلحة مما سنوضحه في حلقات لاحقة باذن الله تعالى. وقد دعا فريق من المشاركين في المؤتمر الجهات المعارضة والجماعات الاسلامية  إلى “أن تستخدم أسلوب الحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن معتبرين هذا خيرا من التمادي في الباطل وان يتقوا الله في الأموال والدماء” ( انظر موقع القرضاوي– ندوات ومؤتمرات- ملتقى اقرأ يفند دعاوى الإرهاب والفكر المتطرف، ص2 الاثنين 22 اغسطس 2005 ) وكذلك أوصى المشاركون في المؤتمر ” بتبني المبادرات المخلصة للإصلاح بين الشعوب والحكومات من خلال العلماء والمفكرين الملتزمين بالحياد، مع العناية بفقه الخلاف وآدابه والمشاركة السياسية”( انظر موقع القرضاوي– ندوات ومؤتمرات- ملتقى اقرأ يفند دعاوى الإرهاب والفكر المتطرف، ص2 الاثنين 22 اغسطس 2005). وكذلك اتفقت كلمة المشاركين بان الظلم أو فقدان الحرية لا يبرر ولا يفسر قتل الأبرياء وسفك الدماء، ودعوا الحكومات إلى التغيير والتبديل ودعوا الحكومات إلى استئصال الأسباب التي أدت إلى وجود المعارضة المسلحة مع التأكيد أنها ليست مبررا لهذه الأعمال”  هذه النتيجة التي توصل إليها المشاركون من رجال الفقه والفكر منهم د.يوسف القرضاوي، د.وهبه الزحيلي، د.محمد سعيد رمضان البوطي، د. عبدالستار أبو غدة،. د.محمد الراوي، د.عائض القرني، د.سلمان العودة، د.صلاح الصاوي، د.حسين حامد، د.محمود عاشور، د.بدر القاسمي، د.احمد عمر هاشم، د.عبدالله بن بيه، د.محمد الطنطاوي، د. جعفر عبدالسلام، د. عبلة الكحلاوي، د.سعاد صالح، د.صالح المرزوقي، د.حسين حلاوة…….. وكانت هذه النتيجة من ضمن الفتاوى والتوصيات .

ان مؤتمر الملتقى بث على الهواء مباشرة 21/08/2005 دون انقطاع أو رقابة أو حتى فاصل إعلاني أو أي شيء آخر يقطع كلام المشاركين فيه، وان هذه التوصيات سمعتها بنفسي وكانت بالنسبة لي على الأقل مفاجأة حيث تكلم المشاركون وناقشوا ساعات ليخلصوا إلى نتيجة خلصت إليها الحركة الإسلامية داخل إسرائيل منذ سنوات طويلة، ودعت إليها الحركة الإسلامية منذ سنوات طويلة، وكأني بالمشاركين في المؤتمر يقتبسون كلمات الشيخ عبدالله نمر درويش مؤسس الحركة الإسلامية من كتابه “مشروعنا الحضاري بين الانغلاق والانطلاق” حيث قال:”…. فأمن الناس هي رسالتنا مثل إيمانهم وسلام الناس وسلامتهم هي قضيتنا مثل إسلامهم، وبذلك نصبح مهيئين فعلا للاستخلاف في الأرض بعون الله تعالى، وهذا الحرص على أمن الناس هو الركن الأساسي من أركان الاستخلاف، فمن لم يأمن الناس في جواره ولم يسلموا من شرور يده  ولسانه فكيف يحق له أن يتوقع الاستخلاف في الأرض أو أن يسلمه الله تعالى رقاب العباد؟ وان اليوم الذي يبدأ فيه الناس كل الناس يشعرون بأننا فعلا عنوان أمنهم هو نفسه اليوم الذي تبدأ فيه نفحات الاستخلاف تهب على ساحتنا بعون الله تعالى، فرسولنا رحمة للعالمين، وورثته يجب أن يكونوا أمنا وسلاما للعالمين، وكيف نتوقع أن تهرب الجماهير من قسوة الأنظمة إذا لم تر أمامها البديل الذي ينشر الحق والعدل والأمن والسلام ويدعو إليه ويمارسه واقعا؟ وما دام العنف الدموي المتبادل بين الحكومات والحركات مستمرا فان الجماهير سترى انه لا ناقة لها ولا بعير في هذا الصراع، وقد تنساق وراء الحكومات ضد الحركات خوفا من النظام وليس اقتناعا بموقفه، فلماذا لا تتم المصالحة بين الحكومات الحركات كما بدأت تظهر بوادر ذلك في الجزائر؟ بل لماذا لا تتواصل المحاولات الجادة إلى تحقيق ذلك وان أصرت الحكومات على ظلم عنفها المبرمج، فلتصر الحركات في المقابل على أنوار سلمها، فالنور اقوي من الظلام دائما، والمهم أن تظل واحة الأمن والحق والسلام في رحاب الحركات خضراء يانعه صافية صفاء الدعوة ونظامها حتى وان استمر إرهاب الحكومات الجبرية الظالمة، انه الصبر الجميل مع المحافظة على واحة الأمن والسلام من قبل الحركات…. وبعدها ستتحطم أنياب الإرهاب الدموي الذي تمارسه حكومات القمع مهما طال الزمان بعون الله تعالى،  فالجماهير لن يستمر صمتها أو حتى خوفها من الحكومات الجبرية الظالمة وهي ترى الواحة الآمنة التي تدعو إليها الحركات… خاصة وان الجماهير كلها تعاني من الإرهاب الدموي الذي تمارسه الحكومات  مثلما يعاني الدعاة أو قريبا من معاناتهم، وسوف تنحاز الجماهير بعون الله تعالى إلى واحة الأمن التي ستوفرها الحركات الواعية، وستنتفض على إرهاب الحكومات عاجلا أم أجلا… أما عندما يكون العنف الدموي مستمرا ومتبادلا بين الحكومات والحركات فليس من المتوقع أن تفر الجماهير من الإرهاب الدموي للحكومات لتسلم نفسها لمخاطر عنف الحركات مهما كانت المبررات لهذا العنف، فالجماهير لا تقبل أبدا أن تفر من الرمضاء إلى النار، وإرهاب الحكومات لا بد أن يواجه بعمل سلمي دعوي متواصل وان لا ينجر الدعاة إلى مهاوي العنف الذي يخدم أحيانا سياسة الحكومات الدموية ولا يخدم الدعوة…” أ. هـ” انظر كتاب مشروعنا الحضاري بين الانغلاق والانطلاق” للشيخ عبدالله نمر درويش” مطبعة عميرة سنة 1999 ص 111 وما بعدها.

وكلمة محمد سعيد البوطي هي كلمة حق عندما قال:” مرت فترة من الزمن كان كثير من العلماء ورجال الدعوة ما بين مؤيد وساكت عليها- أي الأفعال الدموية- مثل تأييد ما حدث في الجزائر، ثم لما تفاقم الوضع هناك صحا أولئك العلماء والدعاة إلى خطورة الأمر وأصدروا بيانا الذي أعلنوا فيه ان هذه الجرائم ليست من الإسلام”.أ.هـ

ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أقول إذا كانت هذه التوصيات صادرة عن مؤتمر اقرأ الفقهي بتاريخ 21/08/2005 من خير علماء الأمة الإسلامية فاني افتخر واعتز بأنني سمعتها وقرأتها في كتب قيادات الحركة الإسلامية في إسرائيل منذ التسعينيات، الأمر الذي يعتبر شهادة وإقرار على ان الفكر النير الوقائي الذي ينظر في مآلات الأفعال ونتائجها هو سمة من سمات قيادات الحركة الإسلامية داخل إسرائيل….فالفكر الوقائي أفضل بمليون مرة من الفكر العلاجي وفي كليهما خير.

نظرات في ملتقى اقرأ الفقهي الفكري

بقلم:أ. رائد عبدالله بدير

الحلقة السادسة

د. عائض القرني:”مجلس القرضاوي ضعيف ولم يوصل رسالته للناس”

كان من ابرز المداخلات على مدار البث الحي على الهواء مباشرة الذي لا ينقطع مداخلات د. عائض القرني ود. سلمان العودة، وكانت مداخلات القرني والعودة متميزة إلى حد ما، ولا يستطيع احد من المشاركين إغفال أو تهميش مداخلاتهما، ولم يتوقف الأمر على مداخلات العودة والقرني بل كانت هنالك مقاطعة وتصدي لمتكلم ما في بعض الأحيان، والملاحظ أن مداخلات القرني والعودة متشابهة ونابعة من مشرب واحد وتكاد كلمتهما متفقة فيما يطرحاه من مداخلات ومقاطعات وأوراق عمل.

وكانت ابرز مداخلات د. عائض القرني والتي لخصتها على ورقة في نقاط وأنا استمع إليه على الهواء مباشرة حيث أدركت أن كثيرا مما سيقال في هذا المؤتمر  قد لا نجده مكتوبا في صحيفة أو في موقع على شبكة الانترنيت، وتصورت وما زلت أتصور أن المؤتمر بتركيبة العلماء المشاركة فيه لا تتكرر وان الحرية التي أعطيت للعلماء للتعبير عما يروه في حكم العلميات الإرهابية وتعريفها ومعالجتها قد لا تتكرر، وان بث مؤتمر من هذا النوع على الهواء مباشرة تجربة لا تتكرر، من هنا حرصت على أن لا تفوتني ولو كلمة واحدة على مدار انعقاد المؤتمر. أن مداخلة د. عائض القرني تتعلق بدور العلماء في معالجة العنف داخل المجتمعات الإسلامية، ودور العلماء في تحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم حيث قال القرني بالحرف الواحد” العلاقة بين الحاكم والمحكوم يجب أن تحدد..” وقال أيضا” هنالك انفصال بين العلماء والجيل….” وقال أيضا ” يجب أن تكون رسالة من المؤتمر إلى الحكام….” وقال أيضا” مجلس القرضاوي ضعيف ولم يوصل رسالته للناس” وقال أيضا” ابن باز – رحمه الله تعالى- كتب إلى كل الزعماء…” .أ.هـ  كانت مداخلة القرني هذه مداخلة بانفعال شديد وبحضور جميع المشاركين في المؤتمر بما فيهم الشيخ القرضاوي، ولم يعقب احد على مداخلته بل بقيت كما هي وجاءت بعد مداخلة من شيخ الزهر د. محمد الطنطاوي ومداخلات بعض المشاركين. ولنقف هنيئة مع قول القرني”  مجلس القرضاوي ضعيف ولم يوصل رسالته للناس”، ولنسال ماذا أراد د. عائض القرني بهذا الوصف؟ وما الضعف في مجلس القرضاوي، وعن أي مجلس يتكلم؟. انه من المعلوم للبعيد والقريب، للمسلم ولغير المسلم، أن د. يوسف القرضاوي من أشهر علماء العصر أن لم يكن أشهرهم، وان مدرسة الوسط أو الوسطية التي يدعو إليها لها أتباع في مشارق الأرض ومغاربها، ومعلوم أيضا أن د. يوسف القرضاوي شيخ بارع في التأليف والحوار والخطابة والإقناع ولا يكاد احد من علماء المسلمين يحظى بالمكانة الأهلية والرسمية التي يحظى بها د .يوسف القرضاوي عند عامة الناس وخاصة الجماعات و عند غالب الحكومات أيضا، وان شهرته تمتد إلى المسلمين وغير المسلمين،   وصوت القرضاوي يصدح من عدة منابر من موقعه على شبكة الانترنت ومن برنامجه الأسبوعي الشريعة والحياة على ابرز فضائية عربية “الجزيرة” ومن مقالاته في عدة صحف عالمية ومن مؤلفاته تملا المكتبات في كافة انحاء العالم، والاهم من ذاك من خطبته في كل يوم جمعة على الهواء مباشرة تبث عبر محطة قطر الفضائية من المسجد من بين عامة الناس … الخ والمقام لا يتسع لأعمال د. يوسف القرضاوي. والسؤال الذي يكرر نفسه ما الذي أرداه د .القرني عندما خاطب القرضاوي وجها لوجه على الهواء مباشرة وقال له إن مجلسكم ضعيف، إن مجلسكم لم يوصل رسالته للناس، وحتى ان د . القرضاوي لم يعقب على ما قاله.

من خلال التدقيق فيما قاله د. عائض القرني ومن خلال العودة على تفاصيل مداخلته فانه حسب تصوري ان د. القرني وصف مجلس القرضاوي بالضعف من عدة وجوه:

الوجه الأول:  مجلس القرضاوي لم يخاطب الحاكم بقدر ما يخاطب المحكومين في نظر د. القرني، وإذا خاطب مجلس القرضاوي الحاكم فانه يخاطبه بلغة غير كافية للإصلاح والتغيير، من هنا لم يوصل مجلس القرضاوي رسالته للناس كل الناس الحاكم والمحكوم على حد سواء وكلمة د. القرني واضحة عندما قال: أن ابن باز- رحمه الله تعالى” كتب إلى كل الزعماء” وقال أيضا” يجب توجيه رسالة من المؤتمر إلى الحكام”.

الوجه الثاني: مجلس القرضاوي ضعيف لأنه يفتقر إلى العمل الميداني ويفتقر إلى مخاطبة الجماعات الإسلامية ميدانيا، وفي نفس المداخلة ونفس السياق قال القرني ” نحن بحاجة إلى عمل ميداني،خاطبنا الفئة وعاد 80% ” .

الوجه الثالث: طرح القرني في نفس سياق المداخلة قضية هامة فقال” هنالك انفصال بين العلماء والجيل” ” ووجه إيراد هذا الكلام هنا  ان الخطاب الصادر عن مجلس القرضاوي للجماعات خطاب لا ينسجم مع جميع الأجيال ولا يراعي تنوع الأفراد والجماعات ، فهو خطاب قاصر أدى إلى انفصال بين العلماء والأجيال وفقد المصداقية وخاصة عند الجيل الجديد الذي يتأثر بما يجري على الساحة العالمية من أحداث.

الوجه الرابع: قال القرني في المداخلة حينما وصف السجناء من الجماعات الإسلامية” هم في السجون طبقات وليسوا على رأي واحد” وان الخطاب العام الذي يجعلهم ويصنفهم على انهم نوع واحد خطاب ضعيف لا ثمرة مرجوة منه.

هذه الوجوه وغيرها  والتي فهمتها من مداخلة د. عائض القرني هي المفسرة والموضحة  لمصارحة القرني للقرضاوي وهو حاضر على الهواء مباشرة وقوله له” ان مجلسكم ضعيف….”.

ان وصف مجلس القرضاوي بالضعف وحسب رأيي فيه مبالغة من د. عائض القرني، ولعل المنطقة التي يسكنها( السعودية) القرني والجماعات التي يستمع إليها القرني هي التي أدت به أن يصف مجلس القرضاوي بالضعف بل أكثر من ذلك دعته إلى الاعتبار بان هنالك انفصال بين العلماء والجيل، فمن المعلوم للجميع ان أصوات العلماء وخطاب العلماء، يختلف في مدى الاستجابة اليه من منطقة إلى أخرى ومن بلد إلى اخر، فقد يكون مجلس القرضاوي ضعيفا في المملكة العربية السعودية وقوته لا تتعدى 10% الا انه في بلد اخر مثل السودان قد يكون صوته مسموعا 75% وقد يكون قوة مجلسه عند المسلمين في الغرب 95% ،  ويمكن القول أن مجلس القرضاوي ليس ضعيفا كما ذهب د. عائض القرني الا انه في نفس الوقت يجب حمل مفسرات القرني بضعف مجلس القرضاوي محمل الجد، ولا ينبغي تجاهلها أو إهمالها بل هي ملاحظات تصب في مصلحة الصوت الإسلامي، والخطاب الإسلامي، ولا يمكن أن يقال للقرني أين أنت من القرضاوي؟ وأين أنت من علم القرضاوي؟ وأين أنت من مناقب القرضاوي؟ فهذا الجهل بعينه، وهذا التعصب بحقيقته، فالقرضاوي نفسه لم يعقب على مداخلة د. القرني ولا على وصف مجلسه بالضعف، مع انه قاطع وعقب على مداخلات غيره. ومع انني اعتقد أن د. عائض القرني بالغ في وصف مجلس القرضاوي بالضعف وبالغ في وصف مجلس القرضاوي بأنه لم يوصل رسالته للناس، واختلف معه الرأي في ذلك واعتبر أن هذه الأوصاف مبالغ فيها إلى حد كبير إلا أنني احسب أن ملاحظته هذه تحسب له لا عليه، وأنها تصب في مصلحة الخطاب الإسلامي وترشيده وتوجيه وتوسيع آفاقه ليكون شاملا قدر الإمكان العدد الأكبر من الناس، من الحكام والمحكومين من الجماعات والأفراد …..والاهم من ذلك أن يشمل العلماء أنفسهم وهذا ما حاول   د. عائض القرني طرحه وتفسيره …….

يتبع

نظرات في ملتقى اقرأ الفقهي الفكري

بقلم:أ. رائد عبدالله بدير

الحلقة السابعة

 د. يوسف القرضاوي: “البدعة في العادات غير البدعة في العبادات”

اشتكى المشاركون في المؤتمر من طبيعة الأنظمة العربية والإسلامية الحاكمة في تعاملها مع المعارضة على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب -ان سُمح أصلا أن يكون معارضة- ووصف المشاركون في المؤتمر معظم الحكم في الدول العربية والإسلامية بأنه حكم لا يفسح أي مجال لتشكيل معارضة تعمل على نقد الحكام أو تغيير الحكم بالطرق المعاصرة التي تجري في معظم دول العالم، بل ان معظم الدول العربية والإسلامية لا يوجد فيها مساحة قانونية واسعة تفسح المجال للمعارضة أن تتنشط وتمارس نشاطاتها وفق القانون المتاح لها للتعبير عن آراءها، بل على العكس هنالك قوانين استثنائية أو قوانين طوارئ لإسكات وقمع المعارضة في الدول العربية والإسلامية ،والسجون في الدول العربية والإسلامية تشهد على ذلك، من هنا دار النقاش حول مداخلة تقدم بها د. صلاح الصاوي وهو المشارك الذي يمثل بعض المدارس الإسلامية في أوروبا . وقد عرض د .صلاح الصاوي تجربة المسلمين في بلجيكا وهولندا وكيف ان لهم مشاركة وفعاليات ومعارضة قانونية تصل بهم احيانا إلى التاثير في التشريعات القانونية في الدول الغربية، وذكر أيضا ان في التشريعات الغربية قوانين تعمل من خلالها للمعارضة،وتحدث د. صلاح الصاوي عن أشكال هذه المعارضة وعن نشاطاتها وذكر على سبيل المثال المظاهرات التي تسيّر بالملايين أحيانا ضد حكومة ما بحيث يعبر المعارضون أثناء المظاهرات عن وجهة نظرهم بحرية مطلقة، فهذه المظاهرات تنطلق باسم القانون ويشرف على تنظيمها وترتيبها وحمايتها المؤسسات الرسمية في الدولة كالشرطة مثلا، وكان السؤال المطروح من د. صلاح الصاوي لماذا لا يتيح القانون في غالب الدول العربية والإسلامية مساحة للمعارضة ولنشاطاتها للتعبير عن رأيها؟ ولماذا لا تسير المظاهرات في شوارع الدول العربية والإسلامية بشكل قانوني وباسم القانون؟ . هذا ما عرضه د. صلاح الصاوي أثناء مداخلته وقد علق د .يوسف القرضاوي ذلك قائلا” تجوز المعارضة في الإسلام على مستوى حزب أو جماعة أو فرد فالخوارج كانوا حزبية وأجاز لهم علي كرم الله وجهه أن يبقوا كذلك وقال لهم : لكم علينا أن لا نمنعكم من المساجد وان لا نبدأكم بقتال …الخ وعلى ذلك تجوز المعارضة حزب أو جماعة أو فرد”أ.هـ

وكانت مداخلة من احد المشاركين في المؤتمر حيث وصف المظاهرات “بأنها بدعة ولم ترد في الدين، وان المعارضة في الدولة الإسلامية تتمثل في “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وتتمثل في “الدين النصيحة” وان أشكال التعبير عن الرأي المعارض من تنظيم مظاهرات وغيرها ليست من الدين وما انزل الله بها من سلطان….” أهـ  وهنا طلب د. يوسف القرضاوي السماح له بالكلام وتعذر بأنه سيأخذ من وقت غيره إلا انه فسر طلب هذا بأنه واجب عليه أن يرد على هذا الكلام وانه مضطر للرد على مثل هذا الكلام فقال:” يجب ان نفرق بين البدعة في العادات والبدعة في العبادات، فالبدعة في العادات غير البدعة في العبادات، فالأعمال العادية لا تدخل في معنى البدعة المحرمة، والمظاهرات أعمال عادية وليست إعمالا في العبادة..”أ.هـ

والملاحظ أن هذه المداخلات والنقاشات لا تتعلق بأي جماعة إسلامية تمارس العنف إنما تتعلق بالفكر الذي يحمله المشاركون في المؤتمر أنفسهم فلك ان تتصور الفجوة بين القول بان المظاهرة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وبين أن المظاهرات شكل من أشكال المعارضة العادية والتي يجب على حكام المسلمين أن يسمحوا بها وفق قانون يسمح بذلك وان الشريعة تجيز هذا الأمر بل توجبه أحيانا على الحاكم، وان المظاهرات شكل من الأعمال العادية التي لا علاقة لها بالعبادات حتى يقال عنها بدعة . ومن السهل علينا أن نعزو هذه الفجوة إلى اختلاف العلماء وان اختلافهم رحمة وسعة وضرورة وان الأحكام الشرعية وطبيعة النصوص الشرعية هي التي فرضت هذا الاختلاف، الا انه من الصعب علينا ان نحقق في المسالة وان نصارح أنفسنا أكثر ونقول هذا ليس من باب الاختلاف انما هو من باب الخلل الفكري الفقهي كما مر معنا في حلقة ماضية، لان قبول الرأي الذي يقول أن أشكال المعارضة المعاصرة كالمظاهرات وغيرها بدعة ما انزل الله بها من سلطان وعده من قبيل الاختلاف الفقهي انما هو اكبر هدية شرعية فقهية يؤديها هذا الفكر وهذا التيار وهذه المدرسة إلى الأنظمة الحاكمة التي لا تؤمن بالتبديل أو التغيير، ليس هذا من قبيل الاختلاف الفقهي ولا من قبيل اختلاف الرؤية علينا ان نصارح انفسنا اكثر فاكثر ، وان نملك الجرأة أكثر فأكثر ، ونقول هذا من قبيل الأزمة الفقهية التي تمر بها الجماعات المعاصرة والتيارات على اختلاف أنواعها فكم من فكر ظهر على مدار التاريخ الإسلامي تحت مظلة الاختلاف المشروع وأدى إلى تأخر الامة وتسبب في جمودها، وحتى ان الخلاف الفقهي المذهبي لم يسلم من ذلك، حيث مر عبر التاريخ في عدة مراحل تسبب في جمود الامة وتخلفها تحت مسمى الاختلاف الفقهي والشواهد على ذلك كثيرة ولا تعد ولا تحصى، علينا ان نكون أكثر صراحة مع أنفسنا أن هنالك فجوات هائلة جدا وعميقة جدا بين المدارس الإسلامية المعاصرة وبين الجماعات الإسلامية المعاصرة والمحسوبة بجملتها على الصحوة الإسلامية وعلى صوت الإسلام ولا اقول الجماعات التي تمارس العنف بل الجماعات والمدارس الفكرية والمذهبية المشهورة والمنتشرة في العالم الإسلامي والتي تمارس نشاطتها الدعوي عبر المؤسسات الرسمية وغير الرسمية. ولا اقصد من خلال حديثي هذا نفي الاختلاف فانا أعي تماما ان الاختلاف مقصد للشارع وان الشارع عز وجل قصد ذلك من خلال تشريعه للأحكام، فهو مقصود للشارع ولا يختلف اثنان على ذلك، ولكن العتب كل العتب أن تسمع من يقول أن مطالبة الحاكم بتشريع مساحة قانونية تسمح للمعارض أن يعبر عن رأيه بوسائل التعبير  لمعاصرة  بدعة في الدين.لقد أبدع المحققون من أئمة أصول الفقه مثل الإمام العز بن عبدا لسلام و الإمام الشاطبي رحمهم الله تعال أبدعوا في بيان البدعة ومعناها وأنواعها وأقسامها وقد وضع الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى كتابا سماه ” الاعتصام” تحدث فيه عن مفهوم البدعة وعن أنواعها وأقسامها فقد تكون البدعة واجبة أو مندوبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة وان البدعة لها معان عرفية ولغوية واصطلاحية شرعية وهذا الكتاب ” الاعتصام” وغيره يعتبر كتابا مرشدا ومصححا ومبينا في مفهوم البدعة ولا يخفى على احد أن القرضاوي وغيره تتلمذوا على كتاب الاعتصام في تصورهم لمفهوم البدعة.

إن وجود المعارضة في الدولة الإسلامية أمر مشروع وان أشكالها تخضع للمتغيرات في كل عصر ومصر، وفق ضوابط شرعية تحكمها السياسية الشرعية والمصلحة العامة وأنا اذكر في سنة1999  عندما كنت طالبا  اقترح د. علي السرطاوي على احد طلبة الماجستير بعد إنهائه رسالة الماجستير أن تكون موضوع رسالته الدكتوراة “المعارضة في الدولة الإسلامية وأحكامها” وقد سمعت د. علي السرطاوي يتحدث عن خطة الرسالة بإسهاب مثير للمعرفة وحب للاستطلاع.

انه من السهل علينا أن نعتبر وجود المدارس الفقهية والجماعات الإسلامية المتنوعة هو وجود نوعي واختصاصي لكن من الصعب علينا أن نحقق في هذا الاعتبار عند طرح بعض المسائل والقضايا ونصرح فنقول اننا نعيش أزمة فكر…… اننا نعيش أزمة فقه ….اننا نعيش في ازمة..نعم اننا نعيش في ازمة…..

يتبع

نظرات في ملتقى اقرأ الفقهي الفكري

بقلم:أ. رائد عبدالله بدير

الحلقة الثامنة

 د. سعاد صالح ” نعاني من ظاهرة انفصال الحكام عن العلماء”

كان من بين المشاركين في المؤتمر من النساء د. عبلة الكحلاوي ود. سعاد صالح ولم الحظ ولم أشاهد غير هاتين الفقيهتين من النساء ، وكان الباقي من المشاركين في المؤتمر من الرجال، وللوهلة الأولى انك لتحسب أن مداخلات د. عبلة الكحلاوي ود. سعاد صالح غير كافية للقول بان المرأة المسلمة الفقيهة قد أبدت رأيها وأسمعت صوتها من بين أصوات عشرات المداخلات للعلماء الرجال في قضية حساسة مثل قضية مؤتمر اقرأ الفقهي الفكري إلا أن الحقيقة غير ذلك وما صدر عن د. سعاد صالح ود. عبلة الكحلاوي من تعليقات ومداخلات وأوراق عمل يستحق أن نقف عنده وقفة كبيرة لولا أن منبري هذا لا يتسع لذلك. جلست د. عبلة الكحلاوي إلى جانب د . يوسف القرضاوي والى جانبها جلست د. سعاد صالح وكانت هيئة الجلوس مستديرة حيث جلس المشاركون في المؤتمر على هيئة حلقة كبيرة أدلى كل بدلوه أمام الجميع، ومن المعلوم ان الشكل الدائري تعتبر كل نقطة فيه هي نقطة البداية وفي نفس الوقت نقطة النهاية فلا نقطة تسبق نقطة ولا يمكن لنقطة ان تدعي أنها هي البداية  ووجهه إيراد هذا الكلام هنا أن النساء المشاركات في المؤتمر لم تُؤَخر عن الرجال ولم تجلس خلف الرجال ولم يكن بينها وبين الرجل العالم الفقيه المشارك في المؤتمر أي حاجز أو حاجب بل شاركت المرأة في مؤتمر اقرأ الفقهي الرجل جنبا إلى جنب على دائرة مستديرة، شاركت المرأة إلى جانب الرجل دون أن تخفي وجهها وكفيها أو أن تخفض صوتها بل ان صوتها أحيانا ارتفع صارخا مدويا مناديا ومخاطبا الحكام قبل أن يخاطب المحكومين، ومخاطبا ومنتقدا للبيان الختامي الذي أعده العلماء قبل ان يخاطب عامة الناس، ولم ينكر احد من المشاركين في المؤتمر على هذه الهيئة وكل ذلك كان على الهواء مباشرة . خاطبت د. سعاد صالح المشاركين في المؤتمر بصوت قوي قائلة” إني أرى أن البيان الختامي الذي أُعدّ يجب أن يكون متوازن الحقوق والواجبات بين الحكام والمحكومين…” وقالت أيضا معلقة وناقدة للبيان الختامي…” البيان غير بارز في توجيه الحكام” وقالت أيضا ” البيان غير بارز في المطالبة بإحياء مبدأ الشورى…” وقالت في مداخلة أخرى ” نعاني من ظاهرة انفصال الحكام عن العلماء…”. أ.هـ هذه مقتطفات من مداخلات د. سعاد صالح وسأتوقف في هذه الحلقة عند ما عرضته د. سعاد صالح فيما يخص ظاهرة انفصال الحكام عن العلماء، إني أرى أن ما ذهبت إليه د. سعاد صالح من أن هنالك ظاهرة انفصال بين الحكام والعلماء هو صحيح، ويمكن أن أضيف أن ظاهرة الانفصال هذه لا تشمل العلماء الأهليين الذين يفرزهم علمهم وعملهم ومجتمعهم  أو علماء الجماعات الإسلامية وقيادتها إنما تشمل علماء المؤسسة الرسمية أو الدولة نفسها، فعلماء الدين في واد والحكام في واد آخر، ولا يجمع علماء الدولة أو المؤسسة الرسمية مع حكامهم إلا بعض المناسبات كصلاة العيد مثلا ، والسبب جلي واضح لا يخفى على احد ولا حاجة للاجتهاد فيه أو عقد مؤتمر لمعرفة هذه الظاهرة وأسبابها فان الصغير والكبير والذكر والأنثى والعالم والمتعلم وحتى الجاهل يعرفه ألا وهو غياب تطبيق الشريعة الإسلامية في كافة مجالات الحياة الإنسانية واقتصار تطبيقها على بعض الأحكام في الأحوال الشخصية، وبغياب الشريعة الإسلامية يغيب العلماء وبحضور الشريعة الإسلامية يحضر العلماء، وبغياب الشريعة الإسلامية ينفصل العلماء وبحضور الشريعة الإسلامية يتصل العلماء، وبتطبيق الشريعة الإسلامية يتم الاتصال بين العلماء الحكام وبعدم تطبيق الشريعة الإسلامية يحصل الانفصال بين الحكام وبين العلماء وحينئذ نصف الواقع الذي نحياه فنقول: نعاني من ظاهرة الانفصال التي ذكرتها د. سعاد صالح. من اجل هذا الأمر وفي البيان الختامي شدد د. يوسف القرضاوي في طلبه أن يشمل البيان الختامي بندا مستقلا يدعو الحكام إلى تطبيق الشريعة الإسلامية صراحة وذلك بعدما ذُكر ذلك ضمنا في البيان الختامي ، أما د. عائض القرني فقد حكى صراحة فقال حول رأيه في قضية حوار الحاكم والمحكوم فقال” إذا اختلف الحاكم والمحكوم فلا نرد الأمر إلى الحوار إنما نرده إلى الشريعة الإسلامية..”أ. هـ. وطالما ان الشريعة الإسلامية لا تُطبق في كافة مناحي الحياة الإنسانية في معظم الدول الإسلامية ولا يلتفت إليها ولا يتحاكم الناس إليها في كافة قضاياهم الحياتية بما في ذلك الحكام أنفسهم فانه لا دور حقيقي للعلماء، لا علماء الدولة ولا علماء الجماعات ولا غيرهم. لم يتناول احد من المشاركين ظاهرة انفصال العلماء عن الحكام إنما تناولته في مداخلة كاملة د. سعاد صالح وعلى الرغم أنها لم تفصح عن أسباب هذه الظاهرة ألا أن ملحظها والتنويه لها كاف لان نشيد بـ د. سعاد صالح على جرأتها وعلى صراحتها وعلى نقدها الصريح للبيان الختامي والذي كما وصفته بأنه غير بارز في توجيه الحكام…. أرادت د. سعاد صالح من البيان الختامي لملتقى اقرا الفقهي الفكري والذي يدور حول الأعمال الإرهابية كما سموه أن يكون بارزا في توجيه الحاكم قبل أن يكون بارزا في الحكم على الأعمال الإرهابية والتكييف الفقهي لها. طالبت د. سعاد صالح ان يكون البيان الختامي بارزا في توجيه الحكام إلى إحياء مبدأ الشورى لا الاستبداد في الرأي، ولم تطلب ذلك عبر همسات غير مسموعة أو عتمات غير مضيئة إنما طالبت ذلك على الهواء مباشرة في وضوح النهار عبر شاشات قد يراها ويسمعها الملايين ..انها كلمة حق…انها كلمة طيبة…

أما د. عبلة الكحلاوي فخاضت في مداخلتها ما لم يخض به غيرها من رجال المؤتمر، فقالت بالحرف الواحد مخاطبة المشاركين في المؤتمر” لنقف على أرضية واحدة لنشجب الإرهاب أو العنف ونعلن أن المقاومة مشروعة….” كانت مداخلة د .عبلة الكحلاوي بحرقة وبصوت مرتفع هذا الصوت فرق بين الإرهاب وبين المقاومة المشروعة والتي تسمح بها القوانين الدولية وشرائع السماء، تكلمت د. عبلة الكحلاوي بصوت الواثق من علمه والواثق من نفسه والواثق بربه…..كانت تتكلم والدمع يملأ عينيها حرقة على ما آل إليه حال المسلمين، تكلمت عبلة الكحلاوي وطالبت بتوحيد كلمة المسلمين وجمع كلمة المسلمين وحذرت من الفرقة بين المسلمين ودعت إلى تحريم قتل المسلم أو قتل الأبرياء من غير المسلمين وذكرت أن قتل الأبرياء ما هي إلا أعمال غير إنسانية وهي تسيء للإسلام …..

أنها مداخلات من اثنتين فقهيتين لم يفطن إلى مثلها الرجال، مداخلات في صراحة بلجة وإعلان ذائع مستفيض، فليس من السهل في زماننا أن تتكلم على الهواء مباشرة بحضرة كبار أهل علماء العصر، ثم تناقش أفكار بعضهم وترد عليهم وتنتقد بيانهم، ويتعدى الأمر إلى توجيه النقد إلى الحكام… بل تعدى الأمر إلى الدعوة إلى التمييز بين ما هو مشروع وما هو غير مشروع من الأحداث التي تشهدها الساحة العالمية.. وان دل هذا الأمر على شيء فانه يدل ويؤكد أن د. سعاد صالح و د. عبلة الكحلاوي كانت كل واحدة منهما نقطة بداية في الهيئة المستديرة ونقطة نهاية فلا حاجة أن يجلسن خلف الصف أو أن يخفتن من أصواتهن …وارفع صوتي لأقول ألف تحية إعزاز وإجلال وإكبار لـ د. سعاد صالح ود. عبلة الكحلاوي…….

 

يتبع

نظرات في ملتقى اقرأ الفقهي الفكري

بقلم:أ. رائد عبدالله بدير

الحلقة التاسعة

في التعليق على البيان الختامي

د. احمد الكبيسي ” هذا البيان مرعب ومن وراءه دافع”

د. احمد الكبيسي احد علماء العصر وله شهرة واسعة وعدة منابر منها منبر المسجد الذي يخطب فيه كل جمعة، ومنبر بعض الفضائيات العربية، وبعض الصحف، وله أتباع وتلاميذ في كل مكان، لقد كان د. الكبيسي مصدوما مدهشا مستغربا من معظم المداخلات وأوراق العمل التي تقدم بها أصحابها، فالأغلب من المشاركين في واد و الكبيسي في واد آخر، وقد أدت مداخلاته إلى ان القائم على المؤتمر والداعي له الشيخ صالح كامل يعبر عن ألمه الشديد أو إن شئت قل “فشل المؤتمر” بسبب تعليقات د. احمد الكبيسي ومداخلاته حيث عقب في كلمته الأخيرة على كلام الكبيسي قائلا” يؤلمني التراجع عن الهدف الذي أقيم من اجله المؤتمر ويؤلمني اختلاف المواقف بين العلماء الذين من المفترض ان يخرجوا برأي واحد” …  ولقد حاول د. يوسف القرضاوي ادراك الموقف بقوله:” لقد المني الم اخي وصديقي الشيخ صالح كامل…إلا أن الخلاف أمر طبيعي فالعلماء أينما وجدوا اختلفوا والناس خلقوا على هذا، فاختلاف  العقول والإرادات ظاهرة صحية، لا ينبغي النظر إليها على أنها أمر سلبي”. والسؤال المطروح ما هي مداخلات الكبيسي ؟ وما هي تعليقاته؟ وما هي انتقاداته اللاذعة حول كلمات المشاركين في المؤتمر؟

جلس الكبيسي بجانب الطاولة الكبيرة المستديرة يستمع إلى بعض المشاركين في المؤتمر وهم يحاولون تكييف العمليات الإرهابية التي تشهدها الساحة العالمية والتي تصدر عن بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة كما يقولون ، فاستمع إلى أوصاف تصف هذه الجماعات بمصطلحات مثل ” بغاة” و” خوارج” و” متمردون” و” إرهابيون” وان أعمالهم أعمال حرابة…الخ فلم يتمالك د. الكبيسي نفسه ونسي ولو للحظات انه على الهواء مباشرة وقال بالحرف الواحد كلاما قد لا تجده مكتوبا على الانترنيت، وفي حال إعادة بث الأشرطة المسجلة للمؤتمر فانك لم ولن تسمع مداخلات الكبيسي كلها على الإطلاق، ولن تسمع تعليقه على البيان الختامي حيث قال الكبيسي:” بعد مئات المؤتمرات لهجتنا تتزايد وفيها غليان…” وقال أيضا: ” المؤتمرات الرسمية المجتمعة لإدانة هذه الأعمال لم يصلوا إلى اللهجة التي وصلنا إليها..” وقال أيضا:” اذا سمعونا – أي الجماعات المتطرفة- لا يصدقوننا فاللهجة وراءها دافع وهذا أمر مرعب.” وقال أيضا:” هذا البيان يصلح أن يوجه لأمريكا ومن حالفها….. ولا يوجه لأبنائنا..” وقال أيضا” هؤلاء – الجماعات- مخطئون وهم ضحايا وهم أولادنا ينبغي أن نكون ناصحين.” وقال أيضا:” هؤلاء قوم يحاولون إخراج المحتل وهو مشروع…” وأضاف” في كل مرة يُقتل فيها المسلم.. في الفلوجة…في السودان….وفي غيرها من العالم.. فإنهم يبررون فعلهم… فلماذا لا نقول مثلهم؟” ثم اخذ د. الكبيسي يردد قائلا:” شو هذه البيانات..شو هذه البيانات”.

د. الكبيسي تحدث بحرقة شديدة وبحرارة عالية وقد خشيت ان يغادر قاعة الاجتماع دون ان يعبر عن رايه، وقد لا تشعر بهذه الحرقة عند قراءة هذه السطور ولكنك لو سمعته يتكلم  على الهواء مباشرة وشاهدت حاله لآخذتك الحيرة لا محالة، تزعم الكبيسي في المؤتمر منبر الرافض للأسلوب الذي يتكلم به المشاركون في المؤتمر، مع انه لا يؤيد قتل الأبرياء الا انه يطلب التعامل مع الجماعات المتشددة بأسلوب الحوار والنصيحة ويرفض بل ويمقت أي وصف صدر عن بعض المشاركين في المؤتمر في حق هذه الجماعات ” الإرهاب” أو ” الخوارج” أو ” البغاة” ” الصائل” …الخ واعتبر هذه اللهجة لهجة مبرمجة سلفا ومن وراءها دافع وهذا الدافع مرعب جدا، ووصف الكبيسي الجماعات الإسلامية المتشددة بأنها على خطأ ويجب معالجة هذا الخطأ، معالجة خطا الأب لابنه، أو المعلم لتلميذه.

وارى- والله اعلم- ان الحالة التي تكلم د. احمد الكبيسي حالة غير اعتيادية فانا اسمعه على الفضائيات منذ سنوات واعرف تماما منهاجه وأسلوبه، وهذه الحالة الغير عادية التي تكلم بها د. احمد الكبيسي نابعة مما تشهده الساحة الإسلامية من ظلم على الصعيد الداخلي وعلى الصعيد الخارجي، وآخرها ما حل في بلد الكبيسي الأصلي العراق، من ظلم وتزوير وكذب ، حيث اعترفت أميركا أنها ضللت الناس وكذبت عليهم في حربها على العراق ولم يحاسبها احد من الناس، ولم تنعقد المؤتمرات الدولية والرسمية ، ولم تحرك الامم المتحدة ساكنا ولم يحرك المجتمع الدولي عامة ساكنا، ولم تنعقد المؤتمرات على مستوى الدول العربية والإسلامية لبحث اعتراف اميركا بتضليل الناس وكذبهم، ولم يعقد علماء الامة الاسلامية ايا كانوا مؤتمرا يجمع علماء الامة لبحث اثار تضليل أميركا وكذبها وهذا حقيقة ما صرح د. محمد الرواي اثناء مداخلته قائلا” ..جمعيات كثيرة أغلقت كانت تعيل الفقراء، ولم تُحاسَب الدولة التي كذبت واعترفت بالكذب…. ديننا امرنا ان ننصف المظلوم وان ناخذ على يد الظالم واني ارى السكوت والصمت…لذا نحن بحاجة إلى بيان عزيز”.

حسب تصوري هذا ما أراد د. احمد الكبيسي إيصاله وهذا ما أراد التعبير عنه، فالأصل في الجزاء ان يكون من جنس العمل، وجنس العمل هو الذي يحدد طبيعة اللهجة والزجر والتوبيخ والادانة، فالذي يقتل رجلا بغير حق غير الذي يقتل الف رجل بغير حق…. غير الذي يقتل شعبا بغير حق…  لذا يرى د. احمد الكبيسي ان لهجة بعض المشاركين في المؤتمر في إدانة الأعمال الإرهابية فاقت لهجة الحكام والجهات الرسمية واتهم د. الكبيسي أصحاب هذه اللهجة بانها من وراءها دافع بل ودافع مرعب. والأصل في هذه اللهجة أن لا توجه إلى هؤلاء الشباب وتوجه لأمريكا وغيرها.

وحسب تصوري إن الخطأ الذي وقع فيه القائمون على المؤتمر هو تحديد العلماء في إدلاء دلوهم الفكري والفقهي في الإعمال الإرهابية مثلا التي حصلت في لندن أو في شرم الشيخ أو غيرها فقط..دون ان يظن هؤلاء القائمون على المؤتمر انه لا يمكن فصل هذا المحور عن محاور كثيرة مرتبطة به، وحتى ان بحث أسباب الأعمال الإرهابية في المؤتمر أرادها القائمون على المؤتمر أن تتمحور في الخلل الفكري أو الخطأ الفقهي عند الجماعات أي أنهم أرادوا البحث في الإعمال الإرهابية وأسبابها وإدانة هذه الأعمال وحصر أسبابها في ذات في فكر الجماعات وفقههم بعيدا عن أي تأثير خارجي وبعيدا عن الحكومات الإسلامية وبعيدا عما تشهده الساحة العالمية من أحداث وهذا مستحيل…مستحيل فصل هذه الأعمال عما يحصل على مستوى الدول الإسلامية وعلى مستوى الساحة العالمية من أحداث مع التركيز والتأكيد أن كل ذلك ليس مبررا لقتل  المدنيين وسيبقى قتل المدنيين جريمة في أحكام الشرع وأحكام القانون الوضعي .

وقد اعتبر الشيخ صالح كامل القائم على المؤتمر أن هذا “تراجع” وانه جمع العلماء ليسمع منهم غير هذا وقد حاول د. يوسف القرضاوي استدراك الموقف في اخر كلمة سُمعت في المؤتمر بقوله” نحن نريد أن نستميل هؤلاء الشباب الذين ضلوا، وان نعاملهم معاملة العلماء لتلاميذهم وهذا ليس نوعا من التراجع نحن متفقون على إدانة هذه الأعمال”.

وحسب تصوري ان د. احمد الكبيسي ومعه مجموعة قليلة من المشاركين في المؤتمر مثل د. عائض القرني ود. سلمان العودة استطاعوا تحويل القضايا التي كان من المفروض أن تُبحث في المؤتمر إلى قضايا أخرى تتعلق بالحكام المسلمين او بما تشهده الساحة العالمية من أحداث، واستطاعوا أن يفرضوا على المشاركين في المؤتمر قضايا كبرى تتعلق بحال المسلمين، ومع أنهم أدانوا العمليات الإرهابية إلا أن أدانتها لهم لم تستغرق سوى بضع ثوان على الهواء مباشرة واستغلوا معظم وقتهم في طرح النقاط التي تعاني منها الشعوب الإسلامية …. وبذلك عبروا عن كثير من الهموم والتساؤلات التي يحملها معظم أفراد الأمة الإسلامية. وليحسبها الشيخ القرضاوي من “طبيعة الخلاف” …وليحسبها الشيخ صالح كامل القائم على المؤتمر” تراجع”… وليحسبها اللغويون ” استطراد” إلا أنني احسبها ” فطنة وشطارة”…نعم شطارة …..

انتهى الاقتباس ………………

 

اعتبر ما ورد اعلاه وثيقة تارخية كنت شاهدا عليها مع التعليق – الشيخ رائد بدير –

 

 

 

 

 

 

 

 

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017