” العرس الذي ننشده في زمن جائحة كورونا “

الأربعاء 14 أكتوبر 2020
شارك المقال

                         

” لنقلب ازمة ومشكلة كورونا الى فرصة للإكثار من الزواج”  

” العرس الذي ننشده في زمن جائحة كورونا “

عرس الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنموذجا

 

اعداد وتأليف

الشيخ رائد بدير

(مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية)

10/10/2020ميلادي

مقدمة

ما زلنا نعيش أياما من أيام جائحة فيروس كورنا المستجد كوفيد 19. فهي نازلة مستجدة لمرض يعرف تاريخه واجناسه لكنه استجد بشاكلة اخرى غير القديمة استدعت حبس سكان الارض في البيوت والحجر الصحي، وفرضت نظام حياة جديد في كل المجالات، وتعطلت وتأثرت الحياة بكل الوانها وانواعها في ظل هذا الفيروس الذكي الخفي السريع والمتغير، ونحن الان تقريبا أنهينا السنة الأولى على نشأته في الصبن وانتشاره بين الأمم في ظل هذه الجائحة ، وقد نشطت دار الإفتاء والبحوث الإسلامية في ميادين عدة لمواجهة هذا الوباء فبادرت بأغلاق المساجد وتعليق الصلوات جمعة وجماعة ثم عادت وفق مسلك امن بفتحها حتى شهد القاصي والداني ان نسبة الإصابات في المساجد بهذه العدوى تساوي حتى هذه اللحظة ” صفر” . والفضل لله عز وجل وتوفيقه في كل ذلك.

ان مدة اختفاء مكورنا مجهولة ودورنا المساهمة بموجب احكام الشرع لرفع منسوب الوعي عند الناس فيما يخص عودة الأعراس والمدراس والمصالح التجارية في ظل التعايش مع فيروس كورونا. وقد اثبتت الوقائع والميادين في كل انحاء الدنيا بان ” الاعراس” باتت المصدر الأول في نشر العدوى، وان الاعراس اثرت على سائر مجالات الحياة سلبا وخاصة المدارس والجامعات والمصالح التجارية، وذلك لطبيعة العرس العرفية وما يجري فيه من صعوبة التباعد الاجتماعي وعدد المدعوين. ….الخ.

هذه ورقة بحثية من زاوية أخرى لتقلب المشكلة والازمة الى فرصة حقيقية للإكثار من الزواج وذلك على نمط زواج الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.” ان زواج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه هو النموذج الذي نقدمه للناس للزواج في ظل فيروس كورونا المستجد زواج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه هو النموذج الذي نقدمه للناس للزواج وهذه فرصة حقيقية للإكثار من الزواج وفق زواج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، والواجب ان نستغل هذا الظرف لإعادة ترتيب الاجتماعية في ” الزواج” ، تعالوا لنقلب المشكلة في الزواج الى فرصة حقيقية للإكثار منه ولكن وفق زواج ” عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنها”

ان الواجب علينا  نستغل هذا الظرف لإعادة ترتيب الاجتماعية في  ” الزواج”  ، وان التعقيدات والصعوبات والعقبات التي وضعها الناس أمام مشروع الزواج، حتى أضحى الشاب أو الشابة يحسبون الحساب حينما يفكرون في الزواج وتكاليفه المادية، فما من بلد إسلامي ألا وله عادات وتقاليد في الزواج وبعض هذه العادات جاءت على حساب الشباب والشابات وكان لها الأثر البالغ عليهم، حتى أصبحت هذه العادات والتعقيدات والعقبات حملا ثقيلا على كاهل من رغب في الزواج، السبب الذي اقعد الكثير منهم عن الزواج، وعزفت النفوس عنه وهي راغبة فيه، لأنها لا تستطيع حمل هذه الأثقال وتجاوز تلك العقبات، هذا كله زاد من العنوسة بنسبة عالية جدا بين صفوف النساء، وفَوّت قطار الزواج على كثير من الناس، فوت قطار الزواج على الرجال الراغبون فيه في سن الشباب، حيث لم يكن بمقدورهم شراء تذكرة للسفر في هذا القطار، ففات القطار وهم راغبون في ركوبه، فغلاء المهور وتوفير المسكن ذي المواصفات الحديثة، وقلة العمل وارتفاع نسبة البطالة، وتكاليف الحياة الباهظة، وتكاليف الدراسة العالية، وما ابتدع الناس من ممهدات ومقدمات وبدايات ونهايات في الزواج ، كل ذلك سبّب في ارتخاء العزائم وضعف الهمم نحو الزواج، تعالوا لنقلب المشكلة الى فرصة بشرط ان نحذو حذو ” عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه ”

 

أهمية الزواج

تشترك البشرية وتُجمع على أن الرجل بحاجة إلى المرأة وان المرأة بحاجة إلى رجل، وسبب اتفاق البشرية مرجعه أن الله عز وجل خلق ادم عليه السلام وهو أبو البشر وخلق حواء وقال له : ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾[1].   فمنذ البداية الأولى كان ادم زوجا لحواء وكانت حواء زوجة لأدم ، ومنذ البداية الأولى احتاج ادم لحواء واحتاجت حواء لأدم ، فالجنة التي كان يسكنها ادم جنة كاملة متكاملة ، ومع ذلك خلق الله تعالى حواء واسكنها الجنة التي لا ينقصها شيء إلى جانب ادم ، وهذا يؤكد حاجة ادم لحواء وحاجة حواء لأدم وعلى هذا فُطر البشر ، ويعبر القران الكريم عن هذه الحاجة بقوله تعالى: ﴿ هن لباس لكم وانتم لباس لهن ﴾[2]. فما أبلغ هذا التعبير القرآني في الدلالة على حاجة الرجل للمرأة وحاجة المرأة للرجل حيث سَوّى القران الكريم بين الرجل والمرأة في حاجة الواحد للآخر  واختار القران الكريم من جميع ألفاظ اللغة العربية ومعانيها ودلالتها الحقيقية والمجازية اختار كلمة اللباس ليعبر بها ليس فقط عن حاجة الرجل للمرأة وحاجة المرأة للرجل كحاجتهما للباس ، بل ليؤكد على انه لا استغناء للرجل عن المرأة ولا استغناء للمرأة عن الرجل فلا الرجل يستغني عن لباسه ولا المرأة تستغني عن لباسها ، فاللباس له فوائد معنوية وحسية ، فبه يُزين الإنسان نفسه وبه يدفع عنه شدة البرد وبه يتقي من الحر وبه يظهر الإنسان في صورته الحسنة .

ولم يرضَ الإسلام أن تكون هذه الحاجة الغريزية لكل من الذكر والأنثى إلى بعضهما البعض غير منظمة وغير محكمة بل جعل هذه الحاجة تقوم على أقوى المبادئ وأضمنها ،  وارتقى الإسلام بهذه الحاجة لينظمها في صورة عقد اعتبره من أعظم وأغلظ العقود وأوثقها ألا وهو عقد الزواج .

إن عقد الزواج له قدسية في الإسلام لا يصل إليه غيره من العقود ، من هنا جاء هذا البحث المتواضع ليسلط الضوء على ما ابتدع الناس من أصناف وأنواع للزواج تحت مسميات شتى ، حتى أضحى في بعض الأحيان عقد الزواج وسيلة من اجل الحصول على منفعة مادية مؤقتة ينتهي العقد بمجرد حصول هذه المنفعة ،  أو يكون هذا الزواج صوريا لا حياة فيه ، الأمر الذي يستحق ان تبحث هذه المستجدات في مسميات الزواج من نواحي عدة الناحية الفقهية والآثار الاجتماعية والناحية القضائية ، مع الإشارة أن البحث من  الناحية الفقهية لهذه المستجدات لم يؤخذ حقه بشكل وافر ، أما الناحية القضائية فلم تبحث هذه المستجدات إلا نادرا.

من هنا تبرز أهمية الكتابة في هذا الموضوع وخاصة أنني أعمل منذ سنوات عدة محاميا شرعيا ، ومطلع على أسباب الخلافات الزوجية وطرق علاجها وأحكام القضاء فيها إلى جانب تخصصي الشرعي في مجال الفقه والتشريع، وسعي في كثير من القضايا بين الناس خارج نطاق الدائرة القضائية، وداخل نطاق الدائرة القضائية مما أكسبني خبرة واسعة في الميدان التطبيقي الذي يعيشه الناس في خلافهم الشخصي والعائلي، وكم وددت من كثير من العلماء حينما يتصدون إلى فتوى ما في باب الأحوال الشخصية أن يلتفتوا إلى القوانين الشرعية المعمول بها في كل بلد، والإشارة إلى الناحية القضائية في المسالة،  فعلى سبيل المثال عندما تقرا فتوى ما حول الزواج الصوري بأنه لا يجوز مثلا ويركز العالم في فتواه على أن حكم الزواج غير جائز ففي تصوري هذه الفتوى غير كافية ، فهل المرأة من الزواج الصوري هي زوجة ذمتها مشغولة بزوج ؟ أم أنها امرأة خالية من الموانع الشرعية ولا عبرة بالعقد الصوري ؟ هل إذا توفي الزوج من الزواج الصوري هل ترث الزوجة صوريا  أم لا ترث ؟

هذا مثال بسيط يؤكد على أهمية هذا الموضوع وأسباب الكتابة ومن الله وحده نستمد العون والتوفيق والسداد ، فان كنا قد أصبنا فمن الله وحده لا شريك له هو الموفق للصواب ولكل حسنة ، وان كنا قد أخطانا فمن عند أنفسنا نستغفره ونتوب إليه من كل خطأ وسيئة ، أحمده سبحانه هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

تنبع أهمية الزواج في الإسلام كونه السبيل الوحيد الذي يعطي شرعية للاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ، ففي وقتنا المعاصر أبتدع الناس لأنفسهم طرقا كثيرة للاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ، فكثرت ألوان سبل الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ، وزادت وسائل مقدمات وممهدات ومهيئات هذا الاتصال الجنسي ، وأصبحت الدعوة إلى  الجنس العشوائي دعوة علانية عبر كافة وسائل الاتصال بين الناس سبيلا لا يلتفت تجار الجنس إلى والفوضى الاجتماعية التي يحدثونها، والشريعة الإسلامية اعتبرت الزواج الصحيح هو السبيل الوحيد من بين ألوان السبل الكثيرة للاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ، بل وأكثر من ذلك حيث تفنن الناس وابتدعوا طرقا كثيرة للإنجاب والتناسل ، والشريعة الإسلامية جعلت الزواج هو الدرب الوحيد المشروع الذي يصلح للإنجاب والتناسل فعبر الزواج تنسب الأجيال بعضها لبعض جيل بعد جيل .

من المسلمات أن الجنس غريزة في الكائن الحي ، والغريزة كما عرفها علماء النفس ” أنها استعداد فطري جسمي نفسي يدفع الكائن الحي لان يدرك مثيرا خاصا ، وينفعل حياله انفعالا خاصا ، ثم ينزع أو يشعر على الأقل حياله بالرغبة في النزوع منزعا خاصا “[3] .

وقد أجمعت البشرية على أن الجنس غريزة في الكائن الحي ، واختلفوا في عدد هذه الغرائز حيث  جاء في موسوعة علم النفس ” اختلف العلماء في عدد هذه الغرائز وطبيعتها، فبينما نجدها عند وليم جيمس اثنتين وثلاثين غريزة بينها الغيرة والخجل والنظام ، ونجدها عند ثورنديك اثنين وأربعين بينها البكاء والسعال والابتلاع ، وبينما نجدها عند فرويد تخدم غريزة واحدة مسيطرة هي الغريزة الجنسية “[4].

فالجنس غريزة في الكائن الحي له انفعال يسمى الشهوة ، من مميزاته أنه صفة خلقه الله سبحانه وتعالى في الكائن الحي ، وهذه الصفة غير مكتسبة ، والغاية من ذلك استمرارية النوع الإنساني ، يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين : ” وإنما الشهوة خُلقت باعثة مستحثة كالموكل بالفحل في إخراج البذر، وبالأنثى في التمكين من الحرث تلطفا بهما في السياقة إلى اقتناص الولد بسبب الوقاع، كالتلطف بالطير في بث الحب الذي يشتهيه ليساق إلى الشبكة ، وكانت القدرة الأزلية غير قاصرة عن اختراع الأشخاص ابتداء من غير حراثة وازدواج ، ولكن الحكمة اقتضت ترتيب المسببات على الأسباب مع الاستغناء عنها إظهارا للقدرة وإتماما لعجائب الصنعة ، وتحقيقا  لما سبقت به المشيئة وحقّت به الكلمة وجرى به القلم “[5] . ونلاحظ أن الغزالي يؤكد على أن الشهوة باعثة مستحثة، وهي صفة غير مكتسبة والغاية من خلقها في الكائن الحي وبالذات النوع الإنساني هو اقتناص الولد لبقاء استمرارية  النوع الإنساني والحفاظ على نظام التناسل ، وهذا كله من باب تنظيم المسببات بالأسباب وترتيب النتائج على الأسباب .

هذه هي طبيعة الإنسان وهذه هي طبيعة حاجته إلى الجنس، فالانفعالات الشهوانية الناتجة عنه وخاصة الشهوة هي صفات غير مكتسبة ، والإسلام أراد بتشريعاته ضبط كافة الانفعالات وتهذيبها ،  فقد حصر على سبيل المثال إشباع انفعال الشهوة والاستجابة له حصره بطريق واحد ، فلا إشباع ولا استجابة لغريزة الجنس والانفعالات الجنسية ولا لأي دافع ومثير جنسي خارجي كان أم داخلي للاتصال الجنسي  بين الرجل والمرأة ألا بهذا الطريق ،طريق رسمته الشريعة الإسلامية وبينت مقاصده وحددت معالمه، ووضّحت كيفية الاستعداد له وشروط السير فيه ووضعت لكل ذلك خطة تضمن سيرا في هذا الطريق صحيحا مقبولا من وجهة نظرها ، هذا الطريق هو طريق الزواج الصحيح الشرعي ، فالشريعة الإسلامية حرمت الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة دون زواج قال الغزالي : ” فالنكاح بسبب دفع غائلة الشهوة مهم في الدين لكل من لا يؤتى عن عجز وعنّة وهم غالب الخلق “[6]. وما أروع هذه أللفتة من حجة الإسلام الغزالي حيث لاحظ أهمية الزواج في الدين لكونه هو الدرب الوحيد الشرعي والصحيح للاستجابة للانفعالات الشهوة والاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ، ولا نستغرب كثيرا حينما نلاحظ من خلال النظر في تعريفات الفقهاء لعقد الزواج انههم قالوا انه عقد يفيد حل استمتاع كل من العاقدين بالآخر ، بل كان جل تركيزهم حول عند تعريفهم لعقد الزواج حول مشروعية الجنس بين الزوجين بعد إجراءه ، ويذكر أبو زهره ملاحظاته على تعريفات الفقهاء لعقد الزواج قائلا: ” كلها تدور حول هذا المعنى وان اختلف في التعبير ، وهي تؤدي في جملتها إلى أن موضوع عقد الزواج امتلاك المتعة على الوجه المشروع والى أن الغرض منه في عرف الناس والشرع هو جعل هذه المتعة حلالا، ولا شك ان ذلك من أغراضه، بل هو أوضح إغراضه عند الناس عامة، ولكن ليست هي كل أغراضه ولا أسمى أغراضه في نظر الشارع الإسلامي.”[7]

ومهما حاول الفقهاء توضيح صورة الزواج في بيان أهميته في تحقيق معاني اجتماعية ونفسية، دنيوية ودينية، والتي سنبين بعضها في المطلب التالي ، إلا انه وحسب رأيي تظهر أهمية الزواج في الإسلام كونه السبيل الوحيد والطريق المخصوص والمحصور والمنصوص لاستمتاع الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، وان ثمرات هذا الاستمتاع بالدرجة الأولى الإنجاب والتناسل وثبوت الأنساب على وجه سليم صحيح ، أما غيرها من الأغراض فقد تتحقق بدون زواج ، فالحقوق والواجبات وتعلم ذلك يستطيع المرء أن يتعلمها وينشأ عليها دون زواج،  والراحة النفسية والسكينة والطمأنينة لا ينحصر طرق توفرها في الزواج فقط ، ويكفي أن نعلم أن الزواج بحد ذاته قد يعتريه بعض الأوصاف تخرجه من دائرة المشروع إلى دائرة الممنوع كما نص على ذلك الفقهاء ، فقد يكون الزواج واجبا ومندوبا ومباحا ومكروها ومحرما كما سنبين ذلك لاحقا ، هذا ولا يعني أن الزواج لا يحقق معاني السكينة والرحمة والمودة، بل هو بحد ذاته مدرسة ومشروع يتعلم فيه المرء الحقوق والواجبات والانتماء والولاء وتحمل المسؤولية ، ولكن هذه المعاني قد يشترك في تعليمها للمرء غير الزواج ، أما الاستمتاع الجنسي لكل من الرجل والمرأة وإشباع الرغبة الجنسية عند الرجل والمرأة وما ينتج عن ذلك من ثمرة الإنجاب فهذا ينحصر فقط في الزواج الصحيح السليم والذي تنطبق عليه كافة المواصفات الشرعية لعقد الزواج . فلا معاشرة جنسية بدون زواج ولا ثبوت نسب بدون زواج ، بل ان الشريعة الإسلامية ذهبت إلى ابعد من ذلك فاعتبرت المعاشرة الجنسية ولو كانت برضا الأطراف جريمة واعتبرتها جريمة موجبة للحد وسمّت تلك الجريمة الزنا وما ينتج عن تلك المعاشرة الجنسية من ثمرة كالولد سمّته ولد الزنا وحَرَمته من النسب إلى غير أمه ، وأحكام جريمة الزنا واثارها وعقوبتها مفصلة في كتب الفقهاء ، لذا وحسب رأيي تبرز أهمية الزواج الكبرى انه يضفي المشروعية على الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة ويثبت به النسب وهو درب سليم صحيح مقبول لبقاء النوع الإنساني .

 

فوائد الزواج في الإسلام

تكلم الفقهاء والاجتماعيون قديما وحديثا عن فوائد الزواج، ووضعت المؤلفات في بيان تلك الفوائد، وقد ذكر حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون بعض المؤلفات التي تحدثت عن فوائد الزواج منها على سبيل المثال كتاب الوشاح في فوائد النكاح للسيوطي[8] ، وقلما تجد كتابا معاصرا موضوعه الزواج أو ما يسمى الأحوال الشخصية إلا ويتحدث عن فوائد الزواج، واليك أهم بعض فوائد الزواج على سبيل المثال لا الحصر.

الفائدة الأولى : إشباع الغريزة الجنسية لكل من الرجل والمرأة على سبيل مشروع :

مر معنا سابقا أن أهمية الزواج تنبع من انه الطريق الوحيد لشرعية الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة، فالفائدة الأولى له إشباع الغريزة الجنسية لكل من الرجل والمرأة على سبيل مشروع ، وعلى وجه يرضاه الله سبحانه وتعالى، فالزواج وسيلة لنيل رضا الله تعالى في إشباع الرغبة الجنسية ، لان الله عز وجل رضي للرجل والمرأة أن تتم بينهما معاشرة جنسية بزواج، بل أكثر من ذلك أعطى الأجر والثواب على هذا الاتصال، والإنسان بشكل عام قد يرغب ان يلبي نداء الغريزة الجنسية دون الانتباه إلى وسيلة إشباع تلك الرغبة، وقد ينجذب إلى الجنس الآخر ويرغب أن يمارس معه حياة جنسية بزواج او بغير زواج، فقد روى مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته فلواقعها فان ذلك يرد ما في نفسه”[9]. وان مما حفظناه عن أساتذتنا الكرام حفظهم الله تعالى أن من خصائص الشريعة الإسلامية أنها واقعية مثالية وفي نفس الوقت مثالية واقعية، ووجه إيراد هذا الكلام هنا أن الحديث يشير إلى واقعية الإسلام ومثاليته ومثاليته وواقعيته في وقت واحد، ألا ترى أن الحديث يشير إلى انجذاب الرجل إلى غير زوجته، أو انجذاب المرأة إلى غير زوجها، ولا يتوقف الأمر عند الانجذاب بل يتعدى إلى انطباع صورة المرأة في قلب الرجل أو العكس فيشتهيها إلى نفسه وتشتيته إلى نفسها لإشباع الرغبة الجنسية ، وهذه صورة واقعية يعيشها الناس، فكم رجل قد يشتهي غير زوجته لنفسه وتحدثه نفسه عن إشباع الرغبة الجنسية مع غير زوجته، كم امرأة تشتهي إقامة علاقات جنسية مع غير زوجها وتحدثها نفسها بذلك، والحديث المذكور يصور واقع بعض الناس، وفي نفس الوقت أرشد الحديث إلى عدم الاستجابة لهذا الانجذاب، ووجه إلى معالجة صورة المرأة الأجنبية التي انطبعت في قلب الرجل، نادى الحديث وبكل وضوح وصراحة أن يعمد ذلك الرجل إلى امرأته فليواقعها وهذه الصيغة تدل إلى اشتداد مسيس الحاجة إلى الرغبة الجنسية لحالة هذا الرجل، وعقّب الحديث بان معاشرة الرجل الجنسية لزوجته ترد ما انطبع من صورة لامرأة أجنبية في قلب الرجل،وهذه دعوة إلى تحقيق المثالية بعد بيان الصورة الواقعية.

فالزواج وسيلة يلتمس المسلم من خلالها رضا الله عز وجل في إشباع رغباته الجنسية.

إن ما نراه اليوم من مثيرات وإغراءات أمام الرجال والنساء على حد سواء، وذلك من خلال البرامج الهابطة والتي تعرض على بعض الفضائيات العربية والأجنبية، بالإضافة إلى بعض المواقع على شبكة الانترنيت، زد على ذلك واقع بعض المسلمين  في عدم الالتزام بالتعاليم الإسلامية،كل تلك المثيرات تؤثر تأثيرا كبيرا على  الشباب والشابات خاصة، والزواج هو المخرج الذي يخفف حدة الام الشهوة للشاب والشابة اللذان يلتمسان رضا الله عز وجل ولا يقبلان الوقوع في الرذيلة وارتكاب الفاحشة ولعل قول النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيه نداءه للشباب خاصة يؤكد هذا المعنى حيث قال:” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فلتزوج فانه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء.”[10]

الفائدة الثانية : المحافظة على إبقاء جنس الإنسان بطريق سوي:

إن من فوائد الزواج العظام أن يبقى نوع الإنسان وان يستمر هذا النوع في التكاثر والتناسل، يقول حجة الإسلام الغزالي:” الولد، وهو الأصل وله وُضع النكاح، والمقصود إبقاء النسل وان لا يخلو العلم عن جنس الإنس”[11].فالزواج هو الطريق السوي المشروع المتعارف عليه في الشرائع السماوية كافة وعند أصحاب العقول السليمة لاستكثار البشر، يقول أبو زهرة:” وان حفظ النوع الإنساني كاملا يسير في مدارج الرقى إنما يكون بالزواج، فان المساندة لا تحفظ النوع من الفناء، وان حفظته لا تحفظه كاملا يحيا حياة إنسانية رفيعة. واعتبر ذلك بالأمم التي قل فيها الزواج، فان نقصان سكانها يتوالى بتوالي السنين، بينما يتكاثر سكان غيرها ممن يقدم احادها على الزواج ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على طلب النسل بالزواج.”[12]

ولا شك أن الله عز وجل فطرنا على حب التناسل والإنجاب وحب الولد كل ذلك لغاية استمرار النوع الإنساني.

الفائدة الثالثة: التواصل والائتلاف وتكوين أسرة:

مر معنا أن الزواج طريق سديد ومشروع للاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة، والمرأة والرجل، وابتغاء الولد هو إحدى الثمرات المرجوة عن هذا الاتصال، فالفرد يطلق عليه قبل الزواج فردا وبعد الزواج زوجا مع انه بقي فرد في ذاته، والزوجة يطلق عليها قبل الزوج فردا وبعد الزواج زوجا مع أنها بقيت في ذاتها فرد ، والزوجان بعد الإنجاب يطلق عليهما أسرة، والأسرة هي لبنة من لبنات المجتمع الذي يبدأ بالفرد وينتهي بالمجموعة ، فالزواج عنصر هام في المجتمع لتحقيق مبادئ التعارف والتالف والتساكن حيث تتسع دائرة الفرد وعلاقاته بعد أن يكون فردا إلى أفراد ومجموعات داخل المجتمع الكبير المتالف   ويُعَلِّم الزواج مبادىء الحقوق والواجبات ابتداء بالبيت انتهاء بالمجتمع ويرسخ مفهوم ان كل حق يقابله واجب ، فهنالك حقوق الزوجة وواجباتها وهنالك حقوق الزوج وواجباته وهنالك حقوق الأبناء وواجباتهم وهنالك حقوق الإباء والأمهات وواجباتهم وهنالك حقوق الجيران ووجباتهم وهنالك حقوق المجتمع وواجباته تجاه أبنائه وهنالك حقوق الدولة وواجباتها تجاه مواطنيها، فالزواج هو المدرسة الأولى الذي يرسخ ذلك المفهوم أن كل حق يقابله واجب وتكون ممارسة عملية داخل البيت والأسرة الواحدة لترسيخ هذه المبادئ وتلك المفاهيم .

بالإضافة أن الزواج مشروع يرسخ ويعلم مفهوم تحمل المسؤوليات تجاه الآخرين سواء كانوا أفرادا أم جماعات، مؤسسات وسلطات، حيث ينمو مفهوم تحمل المسؤولية  داخل الأسرة ثم سرعان ما تكون الحياة العملية للأسرة مصحوبة بتلك المفاهيم والمبادئ وهذا كله آثار الزواج وفوائده.

هذه بعض أهم فوائد الزواج على سبيل المثال لا الحصر، قال ابن نجيم في تعليقه على الإمام النسفي بعد أن ذكر الأخير كتاب النكاح بعد العبادات في كتبه مباشرة قال :” ذكره –يعني كتاب الزواج- بعد العبادات لأنه اقرب إليها حتى كان الاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادات وقدمه على الجهاد لاشتماله على المصالح الدينية والدنيوية، فالزواج عبادة وقربة إلى الله عز وجل وهو نصف الدين وبه تحصل المنافع الدنيوية والدينية”[13].

إن الزواج في المفهوم الشرعي والتوجه العام الشرعي سنة الأنبياء على مر العصور وما من شريعة إلا رغّبت به وحثّت عليه، وهو أمر مرغوب محبوب مطلوب عند الناس ه الناس ويعتبر كل فرد في المجتمع أن المحطة الأهم في حياته هي محطة الزواج وتكوين الأسرة  لما يترتب عليه من فوائد عظيمة جدا.

 

الحُكم الفقهي للراغب في الزواج أو العازف عنه

هذا المبحث في غاية الأهمية لأنه مبحث في الجانب التطبيقي للزواج حيث يُحقق في مواصفات الشخص الراغب في الزواج أو العازف عنه ويعطيه الوصف الفقهي المناسب له ويوضح الحكم الشرعي المناسب في حكم الزواج بعد تشخيص الشخصية الراغبة فيه أو العازفة عنه، يقول استاذنا السرطاوي:” تتميز المشروعية الإسلامية عن القانون الوضعي في أنها لا تكتفي بمعيار الصحة والبطلان للحكم على التصرفات، بل نجدها تنقل حكم التصرف من الإباحة إلى الندب ثم الوجوب، ومن الإباحة إلى الكراهة والتحريم.”[14]

وهذا يؤكد أن الأحكام الشرعية وسائل لغايات ولا يتم التحقق من الحكم الشرعي المرتبط بغاية ومقصد وهدف يحقق المقصود منه ابتداء إلا بعد النظر والتدقيق في تصرفات المكلفين وإعطاء التصرف المعين الحكم المعين والمناسب له، وهذا كله يكون عند إنزال أحكام الشريعة على تصرفات المكلفين وواقع حياتهم، من هنا أنشأت الشريعة الإسلامية نوعا من أنواع النظر والتمحيص والتشخيص والاجتهاد عند تطبيق الأحكام على تصرفات المكلفين حيث يضمن تحقيق المصلحة الشرعية والمقصود الشرعي من تشريع الأحكام وهذا النوع من أنواع الاجتهاد التطبيقي هو ما يسمى تحقيق المناط الخاص.

فالمشهور عند الناس أن حكم الزواج في الشريعة الإسلامية مستحب ومندوب، وهذا هو التيار السائد والتوجه العام للشريعة الإسلامية في حكم الزواج فهي تحث عليه وتؤيده وتشجعه لما يترتب عليه من آثار وفوائد دينية ودنيوية عظيمة، الا أن المقْدِم على الزواج أو العازف عنه تعتريه بعض الأوصاف والظروف بحيث يصبح الزواج في حقه واجبا أو يصبح الزواج في حقه محرما حسب الأوصاف والظروف التي تعتريه أو تحيط به، ففي مثل هذه الحالات ينتقل الحكم الشرعي للزواج  من الاستحباب إلى الوجوب أو من الاستحباب إلى التحريم أو من الاستحباب إلى الكراهة، قال الدسوقي في سياق حديثه عن النكاح وما يتعلق به من أحكام قال:” وهو باب مهم ينبغي مزيد الاعتناء به وتعتريه الأحكام الخمسة لان الشخص إما أن يكون له رغبة فيه أو لا، فالراغب وان خشي على نفسه الزنا وجب عليه وان أدى إلى الإنفاق عليه من حرام، وان لم يخشه نُدِب له إلا أن يؤدي إلى حرام فيحرم، وغير الراغب إن أداه إلى قطع كره وإلا أبيح إلا أن يرجو نسلا أو ينوي خيرا من نفقة على فقيرة أو صون لها فيندب ما لم يؤد إلى محرم وإلا حرم، والأصل في النكاح الندب.”[15]

وقال ابن رشد:” فأما النكاح فقال قوم: هو مندوب إليه وهم الجمهور، وقال أهل الظاهر: هو واجب، وقالت المتأخرة من المالكية: هو في حق بعض الناس واجب، وفي حق بعضهم مندوب إليه، وفي حق بعضهم مباح وذلك يحسب ما يخاف على نفسه من العنت ……وهو التفات إلى المصلحة.”[16]

فالأصل في حكم الزواج كما ذكر الدسوقي هو الندب، وان تحقيق المقاصد والغايات وعدم تحقيقها من وراء الزواج له الأثر البالغ في تكييف حكمه، وان الحالات والأوصاف التي تصاحب طالب الزواج لها أيضا الأثر في تحديد حكم الزواج، والناظر في أقوال الفقهاء  يدرك هذا، فقد يكون الزواج في حق شخص مثلا فرضا وواجبا وذلك اذا غلب على ظنه الوقوع في الفاحشة والانحراف عن الجادة وخاصة اذا كان قادرا على القيام بمتطلبات الزواج كتوفير النفقات وتحمل المسؤوليات وغيرها فمثل هذا يجب عليه الزواج ولا ينتظر حتى يقع في الفاحشة، وإذا كان شخص راغبا في الزواج، وتزوج امرأة ليظلمها أن ينتقم منها أو من أهلها وتزوجها لأهانتها وظلمها فهذا في حقه الزواج محرم لا ينبغي له ان يقدم عليه كونه كان وسيلة لظلم الزوجة.

ان تثقيف الناس على هذه الأحكام أمر هام جدا وينبغي الاهتمام به بمزيد من العناية، وان بيان هذه الأحكام إلى جانب تشجيع الناس على الزواج سيساعد في ضبط واستمرار الحياة الزوجية وسيخفف من مظاهر الظلم الأسري أو النزعات داخل الأسرة، وسيحد ويخفف من نسبة الطلاق في المجتمعات الإسلامية، فكم من زواج تمّ دون أن يتوفر أدنى المواصفات المطلوبة في الزوج أو الزوجة، ولا أتحدث هنا عن صحة عقد الزواج أو بطلانه أو فساده من الناحية الفقهية الهيكلية الشكلية، إنما أتحدث عن المواصفات التي تكون في الزوجين، فما الداعي مثلا أن يزوج الرجل ابنته أو تتزوج المراة رجلا تعلم انه سيظلمها وان الحياة معه لا تستمر كثيرا، وأنها ستعاني في ظل الحياة الزوجية وان الحياة الزوجية ستقف يوما ما، ويعتذر كثير من الناس بما يسمونه القسمة والنصيب، وهذا خطا كبير في الفهم، فالشريعة الإسلامية دعت إلى الزواج ورغبت فيه وحثت عليه وهذا توجهها العام إلى جانب ذلك فقد حرّمته أحيانا، بل ان الشريعة الإسلامية أرشدت إلى مواصفات هامة جدا كالدين والكفاءة والخلق والمسؤولية والأمانة وقدرة الإنفاق وعدم الظلم ودعت إلى العدل والإحسان والمعاشرة بالمعروف ، مما تعين هذه المواصفات والإرشادات على استمرار الحياة الزوجية بشكل صحيح سليم . واليك مثالا واقعا على الزواج المحرم حيث استشارني احد الآباء في تزويج ابنته لرجل اعرفه جيدا، والمستشار مؤتمن وخاصة في الزواج، فقلت له حسب معرفتي بالرجل انه رجل ظالم لا يتق الله عز ولا يبالي وأنا أنصحك أن لا تزوج ابنتك له بل قد تقع في الإثم من وراء هذا الزواج، وبعد مدة زمنية قصيرة سمعت أن بنت الرجل الذي استشارني زُفّت إلى ذلك الشخص ولم يأخذ بنصيحتي، وبعد شهرين من الزواج انتقلت البنت لتعيش في بيت أبيها بعدما طردها زوجها وضربها وأهانها وما مضت ستة أشهر ألا وطلقها زوجها وهي حامل ، وعندما التقيت به أخبرته لماذا لم يلتزم بنصيحتي قال الكلمة المشهورة كل شيء قسمة ونصيب.

لذا ينبغي على الفقهاء والدعاة والمربون أن يلفتوا انتباه الناس ويعملوا على توعيتهم أن الزواج قد يعتريه بعض الأوصاف تصرفه من الندب إلى التحريم أو تصرفه من الندب إلى الوجوب أو تصرفه من الندب إلى الكراهة، وكما مرّ من قول الدسوقي إن هذا باب مهم ينبغي مزيد العناية به لما في ذلك من فوائد عظيمة على استمرار الحياة الزوجية بشكل سليم وتخفيف نسبة المخالفات الشرعية .

تعريف عقد الزواج

اعتاد الفقهاء في كتبهم أن يعرفوا العقود الشرعية قبل أن يخوضوا في مسائلها، وعقد الزواج أو النكاح في تعريفات الفقهاء حسب تصوري لم يأخذ حظه الوافر وحقه الكامل في التعريف، حيث أن تعريفات الفقهاء قديما تدور حول معاني متقاربة جدا فقد عرفه البهوتي بقوله:” النكاح شرعا عقد يعتبر فيه لفظ إنكاح أو تزويج في الجملة والمعقود عليه منفعة الاستمتاع.”[17]

وعرفه الرملي بقوله:” النكاح شرعا عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ الانكاح والتزويج.”[18]

وقال النسفي:” عقد يرد على ملك المتعة قصدا.”[19] وعرفه الأنصاري:” عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ انكاح أو نحوه.”[20]

هذه بعض تعريفات عقد الزواج على سبيل المثال لا الحصر، وان الناظر في كتب الفقهاء والمراجع ل تعريف عقد الزواج يخرج بنتيجة ان التعريفات في غالبها متقاربة المعنى وان اختلفت في انتقاء العبارة، ومعاني هذه التعريفات تدور في فلك واحد تقريبا مضمونه بان عقد الزواج يتم بين عاقدين بلفظ مخصوص وان المحل المعقود عليه محدد بالاستمتاع وامتلاك منفعة الاستمتاع بالمرأة أو بالبضع كما يسميها بعض الفقهاء، وقد ابرز الفقهاء قديما قضية حق الاستمتاع الجنسي في الغالب للرجل عند تعريف عقد الزواج، وجعلوا الاستمتاع محورا أساسيا في تعريفاتهم الأمر الذي اثار بعض الفقهاء المعاصرين حيث اعتبر بعض المعاصرين أن تعريفات الفقهاء لعقد الزواج تعريفات قاصرة لا تكشف عن حقيقة عقد الزواج.

يقول أبو زهرة:” كلها تدور حول هذا المعنى وان اختلف في التعبير ، وهي تؤدي في جملتها إلى أن موضوع عقد الزواج امتلاك المتعة على الوجه المشروع والى أن الغرض منه في عرف الناس والشرع هو جعل هذه المتعة حلالا، ولا شك أن ذلك من أغراضه، بل هو أوضح إغراضه عند الناس عامة، ولكن ليست هي كل أغراضه ولا أسمى أغراضه في نظر الشارع الإسلامي ….. وإذا كانت تعريفات الفقهاء لا تكشف عن المقصود من هذا العقد في نظر الشارع الإسلامي فانه يجب تعريفه بتعريف كاشف عن حقيقته والمقصود منه عند الشارع الإسلامي، ولعل التعريف الموضح لذلك أن نقول: انه عقد يفيد حل العشرة بين الرجل والمرأة وتعاونهما، ويحدد ما لكليهما من حقوق وما عليه من واجبات.”[21]

ويقول السرخسي:” ليس المقصود بهذا العقد قضاء الشهوة وإنما المقصود ما بيناه من أسباب المصلحة، ولكن الله تعالى علق به قضاء الشهوة أيضا، ليرغب فيه المطيع والعاصي  المطيع للمعاني الدينية والعاصي لقضاء الشهوة، بمنزلة الإمارة ففيها قضاء شهوة الجاه، والنفوس ترغب فيها لهذا المعنى أكثر من الرغبة في النكاح، حتى تطلب ببذل النفوس وجر العساكر، لكن ليس المقصود بها في الشرع قضاء شهوة الجاه، بل المقصود إظهار الحق والعدل ولكن الله تعالى قرن به معنى شهوة الجاه ليرغب فيه المطيع والعاصي، فيكون الكل تحت طاعته والانقياد لأمره، مع أن منفعة العبادة على العابد مقصورة ومنفعة النكاح لا تقتصر على الناكح بل تتعدى إلى غيره.”[22]

إذن حصر تعريف عقد الزواج في انه امتلاك المتعة أو حل المتعة أو منفعة المتعة أو حق التمتع أو إباحة المتعة أو ملك البضع أو ما يُنتقى من مرادفات لهذه الكلمات تعريف قاصر لا يعبر عن حقيقة عقد الزواج، وفي نفس الوقت هنالك فارق كبير بين تعريف العقد وبين الآثار والأحكام المترتبة عليه، فعندما يعرف الفقهاء العقود فأنهم يعرفونها مباشرة دون التطرق إلى أحكامها الأخرى أو آثارها، فأحكام العقود وآثارها تختلف كليا عن تعريفها، ففارق بين تعريف العقد وبين بيان أحكامه، وما نلاحظه في تعريف أبو زهرة انه تناول أحكام الزواج وآثاره ولم يتناول حقيقة تعريف العقد حيث أن ما ذكره من تعريف تناوله بعض الفقهاء في كتبهم تحت بيان أحكام الزواج.

قال الكساني:” أما النكاح الصحيح فله أحكام بعضها أصلي وبعضها من التوابع، أما الأصلية منها حل الوطء لا في حيض والنفاس والإحرام، و منها حل النظر واللمس، ومنها ملك المتعة، ومنها ملك الحبس، ومنها وجوب المهر، ومنها ثبوت النسب، ومنها وجوب النفقة والسكنى، ومنها حرمة المصاهرة، ومنها الإرث من الجانبين، ومنها ولاية التأديب بالمعروف.”[23]

وقال ابن نجيم:” وحكم الزواج حل استمتاع كل منهما بالآخر على الوجه المأذون فيه شرعا، وحرمة المصاهرة وملك كل واحد منهما بعض الأشياء على الآخر.”[24]

والملاحظ أن تعريف عقد الزواج عند الفقهاء القدامى يختلف عن أحكامه وآثاره، فهم يميزون بين تعريف العقد وبين بيان أحكامه، ومن ناحية أخرى جاء تعريفهم على نحو كاد أن يفهم منه أن عقد الزواج محصور في إباحة المعاشرة الجنسية للزوج حيث له أن يمتلك زوجته وان يستمتع بها على الوجه المشروع.

والفقهاء القدامى حسب تصوري أكثر دقة واجل فهما عند بيان تعريف الشيء وبيان أحكامه، إلا أن بعضهم حسب تصوري اخفق في تعريف عقد الزواج تعريفا مانعا جامعا يعبر عن حقيقة هذا العقد ويكشف عن طبيعته، أما بعض المعاصرين  أمثال أبو زهرة فقد تناول في تعريفه لعقد الزواج أحكام الزواج وآثاره فالحقوق والواجبات والتعاون وإيجاد نسل هذه مقاصد وأحكام وآثار الزواج وليست تعريفا لعقد الزواج زهرة تصلح لبيان ، والذي يمكن أن افهمه من دراستي لعقد الزواج الصحيح وحسب رأيي المتواضع  (انه ميثاق أو ارتباط على التأبيد بين رجل وامرأة تحل له شرعا بألفاظ مخصوصة يملك عبره كل واحد منهما بعض الأشياء على الآخر.)

فعقد الزواج مشروع شراكة بين رجل وامرأة، له قدسية مخصوصة، الأصل فيه انه على التأبيد ولا يقطع إلا لعارض، ينشأ عنه حل استمتاع الرجل بالمرأة واستمتاع المرأة بالرجل، وينشا عنه إيجاد وثبوت نسب وتوارث ونفقة وطاعة وسكنى ومعاشرة بالمعروف، وكافة الحقوق والواجبات الأخرى لكلا الزوجين حيث أن كل حق يقابله واجب.

أركان عقد الزواج

بعد تعريف عقد الزواج لا بد من بيان أركانه لان أهم ما في الشيء أركانه، قال ابن أمير الحاج:” الركن معناه ما يقوم به الشيء، فركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء، وكذلك ركن الشيء ما يقوم به أصله، والشيء لا يوجد بدون ركنه.”[25] وعلى هذا فركن الشيء ما كان جزءا أساسيا منه، ولا يتحقق هذا الشيء ألا به، فالأركان هي مكونات الشيء حقيقة،كالجدران للغرفة فبانتفاء الجدران تنتفي الغرفة وبوجود الجدران توجد الغرفة، وكالركوع بالنسبة للصلاة ولا تتوفر الصلاة بلا ركوع، والزواج من العقود التي تقوم على أركان تحقق ماهيته وبدونها لا يتحقق وجود زواج تماما كالجدران إن انتفت تنتفي الغرفة، والحق أن البحث في أركان الزواج يختلف كليا عن البحث في أي أركان أخرى غير الزواج، كأركان عقود المعاملات أو أركان العبادات مثل الصلاة وغيرها، لان الآثار المترتبة على عقد الزواج لا يضاهيها أي شيء، فبطلان الصلاة لعدم الركوع ليس كبطلان الزواج لعدم توفر ركن فيه من حيث ما يترتب عليه من آثار، ونذكر هنا بعض أقوال أهل العلم في تحديد أركان الزواج، وهذه الأقوال نأتي بها على سبيل المثال لا الحصر، ومن خلال ذلك سنرى اختلاف الفقهاء في تحديد وحصر أركان عقد الزواج، قال المقدسي:” لا ينعقد النكاح ألا بإيجاب وقبول بلفظ زوجت أو أنكحت وتزوجتها، أو قبلت هذا النكاح أو رضيته ولو هازلا وتلجئه.”[26]

وقال أبو النجا المقدسي:” وأركان النكاح، الزوجان الخاليان من الموانع، والإيجاب والقبول، ولا يصح ممن يحسن العربية بغير لفظ زوجت أو أنكحت، وقبلت هذا النكاح أو تزوجتها أو تزوجت أو قبلت، ومن جهلها لم يلزمه تعلمها وكفاه معناها الخاص بكل لسان، فان تقدم القبول لم يصح وان تأخر عن الإيجاب صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه وان تفرقا قبله بطل.”[27]

وقال البهوتي:” وأركان النكاح ثلاثة، احدهما الزوجان الخاليان من الموانع الآتية في باب محرمات النكاح، والثاني الإيجاب، والثالث القبول، لان ماهية النكاح مركبة منهما ومتوقفة عليهما.”[28]

نلاحظ من بعض أقوال هؤلاء العلماء أن أركان عقد الزواج والتي تعبر عن ماهيته ومتوقف عليها وجوده والتي لا يتم ولا ينشا ولا يتأسس ألا بها هذه الأركان الإيجاب والقبول والعاقدان، أو بمعنى الصيغة والعاقدان، وبما أن كل عقد يلزمه عاقدان ووجود العاقدين فيه ضرورة لعقده وبما انه من لوازم الصيغة توفر من ينطق بها وبما أن الصيغة مكونة من إيجاب وقبول، يمكن أن نلخص تحديد أركان عقد الزواج عند هؤلاء بالصيغة، فالإيجاب والقبول أو الصيغة هي ركن الزواج عند هؤلاء العلماء، والمعروف أن هذا التيار الذي يعتبر الصيغة هي ركن الزواج هم الحنفية، حيث تلخص عندهم بعد البحث والتمحيص والاعتماد على الدليل أن الصيغة هي ركن الزواج.

أما عن شروط الصيغة والشروط التي يجب أن تتوفر في العاقدين فهذا كله منثور في كتب الفقه القديمة والمعاصرة، وفي بحثنا هذا نكتفي الإشارة إلى الأركان دون الخوض في كافة المسائل المتفرعة عنها والشروط التي يجب أن تتوفر فيها.

وقد رأى بعض أهل العلم أن القول بان الصيغة وحدها هي ركن الزواج غير صحيح، بل هنالك أركان أخرى إلى جانبها، وخلصوا إلى هذه النتيجة بعد الدراسة والتمحيص والاعتماد على الدليل، ونأتي ببعض أقوال أهل العلم على سبيل المثال لا الحصر.

قال الشربيني:” أركان النكاح خمسة: صيغة، وزوج، وزوجة، وولي، وهما العاقدان وشاهدان.”[29]

وقال النووي:” أركان النكاح أربعة: الركن الأول: الصيغة، إيجابا وقبولا، والركن الثاني: المنكوحة ويشترط خلوها من موانع النكاح، والركن الثالث: الشهادة فلا ينعقد النكاح ألا بحضرة رجلين مسلمين مكلفين، والركن الرابع: العاقدان وهما: الموجب والقابل، فالقابل هو الزوج ومن ينوب عنه، والموجب هو الولي أو وكيله ولا تصح عبارة المرأة في النكاح إيجابا وقبولا.”[30]

وقال الأنصاري:” أركان[31] النكاح خمسة: زوج وزوجة وولي وشاهدان وصيغة.”

ونلاحظ أن هذا التيار يرى أن أركان الزواج تتعدى الصيغة، حيث إلى جانب الصيغة هنالك الولي وهنالك الشهود، فالولي والشاهدان هما ركنان أيضا إلى جانب الصيغة، ولاحظنا قول النووي أن المرأة غير قادرة على إبرام عقد الزواج لوحدها بدون ولي، فعبارتها لا تصح في الزواج إيجابا وقبولا، وعبارة وليها أو من ينوب عنه هي العبارة الصحيحة والمقبولة لإنشاء عقد زواج صحيح من وجهة نظر النووي وغيره.

إن هذا التيار أو هذا التوجه يمثله جمهور العلماء، فهم لا يكتفون بالصيغة على أنها ركن الزواج، فالزواج عندهم إذا تم بدون شهود أو بدون ولي يعتبر هذا الزواج فاقدا لركن من أركانه، وإذا فقد الزواج ركنا من أركانه فهو زواج باطل.

وهنا يجدر الإشارة إلى أن الحنفية حينما اعتمدوا الصيغة، وعبروا عنها بانها هي ركن الزواج الوحيد، فهذا لا يعني أن الزواج عندهم بلا شهود مثلا زواج مقبول وصحيح، بل هو زواج فاسد واجب الفسخ على الفور، إلا أنهم اختاروا لهذا الزواج أن يكون زواجا فاسدا لا باطلا، لأنه فقد شرطا ولم يفقد ركنا وسنبين لاحقا عند الحديث عن الزواج الفاسد أسباب هذه التسمية وما يترتب عليها من آثار.

والخلاصة أن هنالك في الفقه الإسلامي أراء متعددة حول تحديد أركان الزواج فالبعض حصرها في الصيغة وهم الحنفية، والبعض الآخر زاد على الصيغة الشاهدان والولي والزوجة وهم الجمهور، وقد لاحظت أيضا أثناء بحثي أن هنالك أقوالا أخرى في تحديد أركان الزواج، اكتفيت بالإشارة إلى الآراء المشهورة والمعتمدة والمعمول بها في المحاكم الشرعية في العالم الإسلامي.

شروط عقد الزواج

الشرط عند الأصوليين يختلف عن الركن، وقد عرفوه بتعريفات عدة نذكر منها على سبيل المثال ما ذكره السرخسي حيث قال:” الشرط اسم لما يضاف الحكم إليه وجودا عنده لا وجوبا به.”[32] فالصحة والإقامة مثلا شرط في وجوب الصيام في شهر رمضان، فالصحيح المقيم البالغ المكلف إذا شهد الشهر لزمه الصوم، لكن البالغ العاقل المكلف الصحيح المقيم لا يجب عليه الصوم في غير رمضان. وعقد الزواج له شروط مثل بقية العقود، إلا أن شروط عقد الزواج عند الفقهاء ليست كلها بنفس درجة التأثير في العقد، مما استدعى بعض الفقهاء إلى تقسيمها إلى أنواع مختلفة، كل نوع له نسبة تأثير مختلفة عن الآخر في عقد الزواج.

يقول أبو زهرة:” تنقسم شروط الزواج إلى ثلاثة أقسام، شروط صحة، وشروط نفاذ، وشروط لزوم، أما شروط الصحة، فهي الشروط التي لا يعتبر العقد بغيرها موجودا وجودا يحترمه الشارع، وتثبت فيه الأحكام التي ناطها بالعقد، وشروط النفاذ هي الشروط التي لا تنفذ أحكام العقد على كل عاقديه بغير وجودها، ويستمر العقد موقوفا إذا لم تتوفر هذه الشروط حتى تكون الإجازة فيكون النفاذ، وشروط اللزوم هي الشروط التي لا يلزم العقد كلا طرفيه إلا بوجودها وبغيرها يكون لأحد العاقدين أن يفسخ العقد.”[33]

هذه ثلاثة أنواع للشروط المتعلقة بعقد الزواج، نوع إذا لم يتوفر في عقد الزواج فلا يعتبر العقد موجودا بدونها ، فوجود صحة العقد يعتمد عليها وتسمى شروط الصحة، ونوع آخر يمكن للعقد أن يكون موجودا بدونها إلا انه لا تنفذ أحكامه، بل يبقى العقد معلقا وموقوفا إلى حين توفرها وتسمى شروط نفاذ، ونوع لا يلزم العقد كلا طرفيه ولا يكون لازما إلا إذا توفرت، وبغيرها يكون لأحد طرفي العقد حق الفسخ وتسمى شروط اللزوم.

وسنلقي الضوء على كل نوع من أنواع هذه الشروط لما في ذلك من حاجة ماسة إلى معرفتها في بحثنا هذا.

الفرع الأول: شروط صحة العقد

تعتبر شروط صحة العقد الأكثر نسبة في التأثير على عقد الزواج، بل إن عقد الزواج يتوقف على وجودها، حيث أن بوجودها يصح العقد وبعدمها يكون حكم العقد غير صحيحا ويسمى باطلا أو فاسدا على اختلاف المذاهب الفقهية في تكييفه الفقهي.

يقول العمروسي في بيان شروط صحة الزواج:” هي شروط صحة يجب أن تتوفر في الصيغة بحيث تكون الصيغة على التأبيد، وان تكون بحضور شاهدين، وشروط صحة يجب أن تتوفر في الزوجين بحيث لا يكون بينهما سبب من أسباب التحريم المؤبدة أو المؤقتة، وكذلك كفاءة الزوج والزوجة عند تزويج فاقد الأهلية، وكفاءة الزوج للزوجة إذا زوجت البالغة العاقلة نفسها.”[34]

أما أبو زهرة فيقول:” يشترط لصحة عقد الزواج شرطان: احدهما حضور الشاهدين، وثانيهما أن المرأة محلا للعقد، بان تكون غير محرمة على الرجل مؤقتا أو مؤبدا.”[35]

إن الناظر في كتب الفقه يجد أن الفقهاء اختلفوا في تحديد شروط صحة الزواج،  واختلفوا في شروح هذه الشروط وفي تفريع المسائل عليها، كما أنهم اتفقوا أحيانا على شروط صحة كأن تكون المرأة محل العقد غير محرمة على الرجل، سواء كانت محرمة بسبب القرابة، كأصول الرجل مثل أمه أو جدته، أو فروع الرجل مثل بنته وبنت بنته، أو فروع أبوية مثل أخواته، وفروع الأجداد والجدات كالعمات والخالات، وكذلك المحرمات بسبب المصاهرة مثل زوجة أبيه وزوجة ابنه وأم زوجته وبنت زوجته بشرط الدخول بها لان العقد على البنات يحرم الأمهات والدخول بالأمهات يحرم البنات، وكذلك المحرمات بسبب الرضاع فتحرم عليه أمهاته من الرضاعة وابنته من الرضاعة وأخته من الرضاعة، وكذلك المحرمات على الرجل بصورة مؤقتة، كالجمع بين الأختين أو زواج الخامسة وهذا كله على سبيل المثال لا الحصر.

كذلك لا بد من حضور الشهود عند من قال أن الشهود شروط صحة وليسوا ركنا في الزواج، ولا بد أن تكون الصيغة على التأبيد، صيغة تفيد الاستمرارية لا أن تكون صيغة موضوعة على التأقيت أو محددة بزمن معين كان يقول تزوجتك لشهر أو تزوجتك حتى انهي دراستي، فهذه صيغة باطلة لا يقوم بها عقد زواج، ولا يستمر معها عقد زواج.

هذا وان هذه المسائل والتفريعات عليها واختلاف الفقهاء في التكييف الفقهي النهائي لها منثور في كتب الفقه، ونكتفي بتسليط الضوء عليها.

الفرع الثاني: شروط نفاذ عقد الزواج

بعد أن انتهينا من تسليط الضوء على شروط الصحة، والتي لاحظنا مدى أهميتها ومدى أثرها في عقد الزواج نسلط الضوء على شروط النفاذ.

قال أبو زهرة:” يشترط لنفاذ العقد أن يكون الذي تولى إنشاءه له ولاية إنشائية، فإذا كان الذي تولى عقد الزواج كامل الأهلية، وعقد لنفسه فعقده صحيح نافذ، وكذلك إذا  عقد لمن هو في ولايته، أو من وكله في إنشاء العقد، ففي هذه الأحوال كانت له ولاية الإنشاء بالأصالة بالأولى، وبالولاية الشرعية في الثانية وبالوكالة في الثالثة.”[36]

والملاحظ أن مجال شروط النفاذ ليس في وجود العقد أو عدمه إنما في نفاذه أو عدم نفاذه، فمثلا لا بد أن يكون العاقد بالغا حرا كامل الأهلية، بحيث يتمكن أن يعقد لنفسه ويمكن أن يعقد لمن هو في ولايته ويعتبر في الولاية الولي الأقرب لا الأبعد. ثم إن من شروط نفاذ العقد أن يكون الذي تولى إنشاءه له ولاية إنشائية، فالشخص الفضولي ليس له الحق في إنشاء عقد الزواج وتصرفه موقوف على إجازة الولي عند الحنفية والمالكية.

والمرأة ليس لها أن تزوج نفسها بنفسها، وان العقد لا ينشا بعبارة النساء، وللولي حق مشاركتها في اختيار زوجها وهو يتولى مباشرة العقد وهذا عند جمهور العلماء، أما عند الحنفية فالمرأة البالغة العاقلة لها كامل الولاية في شان زواجها، كما أن عبارتها صالحة لإنشاء عقد الزواج دون عبارة وليها، ووليها له خيار المطالبة بفسخ العقد إذا ثبت أن زوجها لا يمتلك المواصفات الشرعية  لزواج أمثالها كالكفاءة مثلا، وإلا فليس للولي أي سلطة إجبارية لإنشاء عقد الزواج بدل المرأة عند الحنفية.

والحقيقة أن هذه المسالة لها الأثر البالغ في اختلاف الفقهاء المعاصرين حول مشروعية بعض أنواع الزواج المعاصرة كما سيأتي معنا لاحقا.

الفرع الثالث: شروط لزوم عقد الزواج

انتهينا من شروط الصحة وشروط النفاذ ولاحظنا أن شروط الصحة أقوى أثرا في عقد الزواج من شروط النفاذ، فشروط الصحة تؤثر في العقد بحيث يكون أو لا يكون، أما شروط النفاذ فالعقد موجود ألا أنها تؤثر فيه بحيث ينفذ أو لا ينفذ، بمعنى أن ينفذ العقد أو أن يكون موقوفا، أما شروط اللزوم فأثرها في العقد من حيث لزومه للإطراف أو عدم لزومه، مع أن الأصل في عقد الزواج انه لازم لعاقديه ليس لأحدهما حق فسخه، ولكي يكون كذلك يجب أن تتوفر فيه شروط تلزم طرفيه يقول أبو زهرة:”  عقد الزواج عقد لازم في أصل حقيقته، ليس لأحد أن ينفرد بفسخه…والحنفية قالوا إن شروط لزومه أن يكون الذي تولى تزويج فاقد الأهلية من مجنون أو صغير هو الأب أو الجد أو الابن، وان لا يقل المهر عن مهر المثل إذا زوجت البالغة نفسها من غير إشراك وليها، وان لا تزوج البالغة العاقلة نفسها من غير كفء، وان لا يكون بالزوج عيب لا يتأتى معه الغرض المقصود من الزواج، أو تتضرر به الزوجة، ولا يتأتى معه حسن المعاشرة فإذا اتصف الزوج بعيب منها كان الزواج غير لازم وكان للزوجة الحق في رفع الأمر إلى القضاء.”[37]

وقد يختلف الفقهاء في شروط اللزوم وقد يختلف الفقهاء في بيان أنواع الشروط، وقد يختلف الفقهاء أيضا في المسائل المتفرعة على الشروط، وهذا كله منثور في كتب الفقه.

لاحظنا أن شروط اللزوم قد تتراخى عن العقد، فلو تزوجت امرأة بلا مهر، فعقد الزواج قائم نافذ صحيح وكل ما في الأمر أن يقضى لها بمهر المثل لان المهر من لوازم العقد، ولا يُهدم العقد لعدم ذكر المهر أو تسميته بل العقد نافذ صحيح لا يهدم لعدم تسمية المهر.

والخلاصة أننا حاولنا بيان أنواع هذه الشروط ونسبة تأثيرها في العقد لما في ذلك أهمية كبيرة جدا في الفصول القادمة إن شاء الله ، مع الإشارة أن الفقهاء اختلفوا في تحديد هذه الشروط وتكيفيها وتصنيفها واختلفوا في المسائل المتفرعة عليها وكل ذلك له الأثر الكبير في الآثار المترتبة على عقد الزواج وما ينشا عنه من تبعات .

الزواج الصحيح والباطل والفاسد

انتهينا فيما سبق من بيان أركان عقد الزواج ، وانتهينا كذلك من تسليط الضوء على شروط عقد الزواج، وفي هذا المبحث سنتناول أقسام الزواج من حيث صحة العقد وبطلانه أو فساده، فالزواج الصحيح له أحكامه وترتب عليه آثاره وكذلك الزواج الباطل والفاسد له أحكامه الخاصة به .

الصحيح في تعريف الأصوليين معناه كما قال إمام الحرمين الجويني :” الصحيح ما يتعلق به النفوذ ويعتد به.”[38] ومعنى النفوذ في التعريف أي البلوغ إلى المقصود، فإذا أجرى المكلف عقد بيع صحيح كان له أن ينتفع في الشيء الذي اشتراه، وكذلك من أجرى عقد زواج صحيح حلَّ له الاستمتاع بالزوجة وحلّ للزوجة الاستماع بزوجها، فحل الاستمتاع بعد إجراء عقد الزواج الصحيح، وحل امتلاك الشيء والانتفاع به بعد إجراء عقد البيع مثلا هذه الحِلّية هي اثر من آثار الصحة، فلو جرى عقد زواج بين اثنين وفقد هذا العقد ركنا من أركانه أو شرطا من شروط صحته لم يكن هذا العقد صحيحا، ولعدم صحة العقد تنعدم الآثار الشرعية المترتبة على العقد الصحيح فلا يحل الاستمتاع مثلا، من هنا تنبع أهمية صحة العقد وذلك لأهمية الحكم على آثاره وتبعاته لان  الصحة والبطلان لهما اثر كبير فيما ينشأ عن العقود من آثار.

يقول السرطاوي في تعريفه لعقد الزواج الصحيح :” هو كل عقد استوفى المقومات والشرائط الشرعية المتممة له، ويترتب على هذا العقد جميع آثار عقد الزواج من حل استمتاع كل منهما بالآخر ومهر ونفقة ونسب وتوارث وحرمة مصاهرة.”[39]

هذا هو العقد الصحيح الذي من مواصفاته أن تتوفر فيه أركانه وشروطه المتممة له، فهذه الصحة تعطي وتضفي الصفة الشرعية للاستفادة من كافة الآثار والأغراض الموضوعة ابتداء لعقد الزواج الصحيح والتي جعلها الله سبحانه وتعالى ثمرة من ثمراته وتبعة من تبعاته،  فللزوج أن يتمتع بزوجته، وللزوجة أن تتمتع بزوجها، وللزوج أن يرث زوجته وللزوجة أن ترث زوجها، وللزوج على زوجته حق الاحتباس له وللزوجة على زوجها حق الإنفاق عليها مقابل الاحتباس له، وهكذا دواليك في كافة الآثار المترتبة على العقد الصحيح.

إن إبرام عقد زواج صحيح يستوفي جميع مقوماته ويستوفي كافة الشرائط الشرعية المتممة له، هو من تمام النعمة على المسلم والمسلمة وخاصة بعدما عرفنا أن الصحة لها الأثر البالغ من حيث الاعتداد بالعقد والاستفادة والانتفاع على وجه مشروع من كافة الفوائد المتعلقة بعقد الزواج.

أما الزواج الباطل كما عرفه السرطاوي:” هو كل عقد فقد احد مقومات العقد الصحيح أو شرطا من شرائط هذه المقومات.”[40] وأمثلة ذلك إذا تزوجت المسلمة بغير المسلم، أو إذا تزوج المسلم بامرأة غير كتابية، أو إذا تزوج الرجل امرأة دون حضور شاهدين وولي فهذا زواج باطل عند الجمهور لأنه فقد بعض أركانه كما مر معنا، أو إذا فقد الزواج إحدى مقوماته كان يكون الزوج على التأقيت أي محدد بمدة زمنية فهذا أيضا باطل عند الجمهور لان من شروط صحة عقد الزواج أن يكون على التأبيد على التأقيت.

والملاحظ أن بطلان عقد الزواج يعني بطلان آثاره وعدم التمكن من الاستفادة منها فلا استمتاع ولا توارث ولا نسب ولا نفقة ولا احتباس ولا أي حقوق من الحقوق الأخرى.

أما الزواج الفاسد وهذه التسمية عند الحنفية ، حيث يختلف جمهور العلماء مع الحنفية في هذه التسمية،، بحيث عند الجمهور إما أن يكون الزواج صحيحا، أو يكون باطلا لا غير، والحنفية أضافوا تسمية للزواج وهي الزواج الفاسد، فهم يفرقون بين الزواج الفاسد والزواج الباطل بعد الدخول أي بعد أن تزف العروس إلى بيت الزوجية ، أما قبل الدخول فلا فرق عندهم بين الزواج الفاسد والزواج الباطل، والفرق بين الزواج الفاسد والزواج الباطل عند الحنفية في بعض الآثار المترتبة على عقد الزواج إذا وقع فاسدا، ولا يعني هذا أن عقد الزواج الفاسد عند الحنفية يستمر قائما بل يجب فسخه في الحال، فإذا وقع دخول في الزواج الفاسد فانه يترتب على هذا الدخول بالرغم من عدم مشروعيته بعض آثار عقد الزواج الصحيح، كالنسب ووجوب المهر والعدة وحرمة المصاهرة ولا تلزم النفقة ولا الميراث، ويكون الزواج فاسدا عند الحنفية في حالات معينة مثل عقد الزواج بلا شهود، وعقد الزواج بالإكراه، أو إذا كان احد الزوجين غير حائز على الشروط الأهلية حين العقد، أو زواج الرجل من خامسة وفي عصمته أربع نساء، أو زواج الرجل من مطلقته البائن بينونة كبرى قبل أن تتزوج من آخر، أو إذا عقد الزواج على إحدى المرأتين الممنوع الجمع بينهما، بسبب حرمة النسب أو الرضاع، أو إذا كان الزواج متعة، أو إذا كان الزواج مؤقتا، فهذه على سبيل الأمثلة كلها زيجات فاسدة وليست باطلة عند الحنفية. ومنشأ الخلاف بين الجمهور وبين الحنفية هو في تكييف مقومات عقد الزواج، فالشاهدان مثلا عن الحنفية شرط صحة أما عند الجمهور فهما ركن من أركان الزواج، فالزواج إذا تم بلا شهود عند الجمهور فَقَد ركنا من أركانه فهو باطل، أما عند الحنفية إذا تم الزواج بلا شهود فهو زواج فاسد لأنه فقد شرطا من شروط صحته وليس ركنا من أركانه. وهكذا اختلفوا في التكييف الفقهي لمقومات عقد الزواج ومتمماته وأركانه وشروطه ونتج عن ذلك اختلافهم في الآثار المترتبة عليه.

 

الحد الأدنى المطلوب في الزواج الاشهاد والاعلى الاشهار والاعلان

قال ابن تيمية:” ونزاع العلماء في ذلك على أقوال في مذهب أحمد وغيره فقيل يجب الإعلان أشهدوا أولم يشهدوا فإذا أعلنوه ولم يشهدوا تم العقد وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايات، وقيل يجب الإشهاد أعلنوه أو لم يعلنوه فمتى أشهدوا وتواصوا بكتمانه لم يبطل وهذا مذهب أبى حنيفة والشافعى وأحمد في إحدى الروايات وقيل يجب الأمران الإشهاد والإعلان وقيل يجب أحدهما أوكلاهما يذكر في مذهب أحمد، وأما نكاح السر الذي يتواصون بكتمانه ولا يشهدون عليه أحدا فهو باطل عند عامة العلماء وهو من جنس السفاح.”[41]

وقال الشافعي:” إذا وقع النكاح ثم أمر الزوجان بكتمان النكاح والشاهدين فالنكاح جائز واكره لهما السر لئلا يرتاب بهما.”[42]

وقال الشيباني:” نكاح السر إذا شهد عليه العدول قال محمد : قال أبو حنيفة: نكاح السر جائز إذا شهد عليه العدول وان استكتموا، وقال أهل المدينة: لا يجوز نكاح السر وان شهد عليه العدول إذا استكتموا ذلك، وقال محمد: كيف يبطل هذا وقد شهدت عليه العدول، أرأيتم رجلا زوج ابنته وهي ثيب برضاها وأمرها وبالبينة العدول رجلا كفوا صالحا إلا أنهم يرضون من الصداق جميعا على أمر استحيوا أن لا يعلم به الناس فسألهم أن يكتموا ذلك أيبطل ذلك النكاح؟ أرأيتم رجلا مستخفيا من سلطان زوج ابنته بالبينة العدول واستكتم ذلك من خوف السلطان أيبطل هذا النكاح؟ أو يزوج الرجل نفسه وهو مستخف من السلطان أو من دين عليه فسألهم أن يكتموا لمكان خوفه أيبطل هذا النكاح؟ قالوا: قد جاء في هذا اثر فلا نخالفه، قيل لهم قد سمعنا ذلك وحدثنا به فقيهكم مالك بن يروي أن رجلا تزوج امرأة بشهادة رجل وامرأة واحد فأبطل ذلك عمر رضي الله عنه وقال هذا نكاح السر لا أجيزه ولو تقدمت فيه لرجمت وهذا عندنا من النكاح الذي لا يجوز لان البينة لم تتكامل فيه ولا يجوز إلا بشاهدين عدلين أو رجل وامرأتين ممن يرضى به من الشهداء فإذا كملت الشهادة التي يحل بها النكاح فذلك نكاح العلانية .”[43]

وروى مالك في الموطأ:” أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال: هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت.”[44]

وقال في المدونة:” عن يونس أنه سأل ابن شهاب عن رجل نكح سرا أشهد رجلين قال: إن مسها فرق بينهما واعتدت حتى تنقضي عدتها وعوقب الشاهدان بما كتما من ذلك وللمرأة مهرها ثم إن بدا له أن ينكحها حين تنقضي عدتها نكحها نكاح علانية، قال يونس وقال ابن وهب مثله قال ابن وهب قال يونس: قال ابن شهاب: وإن لم يكن مسها فرق بينهما ولا صداق لها، ونرى أن ينكلهما الإمام بعقوبة والشاهدين بعقوبة فإنه لا يصلح نكاح السر قال ابن وهب: وسمعت يحيى بن عبد الله ابن سالم يقول مثله ابن وهب عن ابن لهيعة عن يعقوب بن إبراهيم المدني عن الضحاك بن عثمان أن أبا بكر الصديق قال لا يجوز نكاح السر حتى يعلن به ويشهد عليه. وعن ابن وهب عن شمر بن نمير الأموي عن حسين بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر هو وأصحابه ببني زريق فسمعوا غناء ولعبا فقال ما هذا فقالوا نكح فلان يا رسول الله فقال كمل دينه هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر حتى يسمع دف أو يرى دخان. قال حسين: وحدثني عمرو بن يحيى المازني عن جده أبي حسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره نكاح السر حتى يضرب بالدف. وعن ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أيوب بن شرحبيل مر من قبلك فليظهروا النكاح وليضربوا الدفاف فإنها تفرق بين النكاح والسفاح.”[45]

وقال ابن قدامة المقدسي:” فإن عقده بولي وشاهدين فأسروه أو تواصوا بكتمانه كره ذلك وصح النكاح، وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر، وممن كره نكاح السر عمر رضي الله عنه وعروة وعبدالله بن عبيد الله بن عتبة والشعبي ونافع مولى ابن عمر، وقال أبو بكر عبد العزيز النكاح باطل لأن أحمد قال إذا تزوج بولي وشاهدين لا حتى يعلنه، وهذا مذهب مالك والحجة لهما ما تقدم في الفصل الذي قبل هذا، ولنا قوله لا نكاح إلا بولي مفهومه انعقاده بذلك وإن لم يوجد الإظهار، ولأنه عقد معاوضة فلم يشترط إظهاره كالبيع وأخبار الإعلان يراد بها الاستحباب بدليل أمره فيها بالضرب بالدف والصوت وليس ذلك بواجب فكذلك ما عطف عليه، وقول أحمد لا، نهي كراهة، فإنه قد صرح فيما حكينا عنه قبل هذا باستحباب ذلك ولأن إعلان النكاح والضرب فيه بالدف إنما يكون في الغالب بعد عقده ولو كان شرطا لاعتبر حالة العقد كسائر الشروط.”[46]

يلاحظ مما مر معنا أن بعض العلماء وهم المالكية لم يلتفتوا إلى مسالة الإشهاد في عقد الزواج قدر التفاتهم إلى مسالة الإعلان، فاعتبروا الإعلان هو الأساس في الزواج والإشهاد لا يكفي بل لا بد من الإشهار، ولا يجيزون الزواج دون الإعلان على الملأ، بل بفرقان بين الزوجين إذا تم الدخول بينهما دون إشهار وإعلان، بل في بعض أقوال مذهبهم يعاقب الزوجين والشاهدين على ذلك.

جمهور العلماء من الشافعية والحنفية ورواية عند احمد فهم يعتبرون الإعلان حاصل بالحد الأدنى له وهو شهادة الشهود، حتى ولو تواصوا جميعا بكتمان هذا الزواج، فلا يؤثر شيئا في صحة العقد ولا يحدث خللا فيه، أما الإعلان والإشهار على الملا والضرب بالدف من الأمور المستحبة في الزواج لا من الأمور الواجبة فيه، حيث صرِفَ الأمر الوارد في النصوص الشرعية والتي تشير إلى إشهار الزواج على الناس صرِفَ الأمر من الوجوب إلى الندب لا أكثر، والزواج جائز وصحيح بدون إعلان على الناس إذا حضره شاهدان فقط.

اما إذا انعقد الزواج بين الزوجين ودون حضور الولي ولا حضور الشهود فهو زواج باطل عند عامة أهل العلم، واعتبره الحنفية زواجا فاسدا إذا جرى فيه الدخول، وكما مر من قول ابن تيمية هو من جنس السفاح، أي من جنس الزنا، لأنه يفقد أركانه عند الجمهور وهم الولي والشهود ويفقد شرط الصحة عند الحنفية وهم الشهود لذا عدوه فاسدا، وسواء سمي العقد باطلا أم فاسدا فهو عقد واجب الفسخ على الفور حيث اتفقت كلمة الفقهاء على عدم قبول هذا العقد الذي تم بلا شهود ولا ولي واتفقت كلمتهم على وجوب فسخه وعدم إستمراريته مع خلاف  في بعض الآثار المترتبة عليه بعد الفسخ بين الجمهور  والحنفية إذا جرى فيه الدخول كما مر معنا سابقا.

أما ذا جرى عقد الزواج بين رجل وامرأة وبحضور شاهدين عدلين ثم تواصى الجميع على كتمانه، فهذا زواج باطل عند المالكية لعدم الإشهار وهو زواج باطل عند الشافعية لعدم حضور الولي وهو زواج جائز عند الحنفية ويتوقف جوازه على موافقة الولي فللولي حق الفسخ إذا وُجدت هنالك مسوغات وأسباب شرعية يمكن أن يطعن فيها الولي على التفصيل المذكور في فقه الحنفية. إذ لا بد أن يطلع الولي على هذا الزواج ولا بد من إعلام المرأة لوليها عن عقد هذا الزواج ولا يجوز للمرأة تفويت حق وليها في اطلاعه على زواجها، بل الواجب عليها إن تعلم وليها بذلك الزواج، وله باسم حق الولاية عليها أن يفسخ الزواج إذا وُجد سبب شرعي لذلك. وهذه لفتة ينبغي أن يدركها الناس فالحنفية عندما لم يعتبروا الولي ركنا من أركان الزواج ولا شرطا من شروط صحته إلا أنهم أعطوه حق ولاية تتيح له فسخ الزواج، ورتبوا نفاذ العقد على إجازة الولي.

اذن الاشهاد والاشهار والاعلان عن الزواج يفي بالغرض.

زواج الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وحواره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

حوار الرسول صلى الله عليه وسلم مع عريس تزوج في ظروف استثنائية ومدى الاستفادة من هذا الحوار في زمن كورونا

روى البخاري في صحيح قال:

يَحكي عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ رضي الله عنه قال لما: قَدِمْنا المَدِينَةَ آخَى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَيْنِي وبيْنَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ، فقالَ سَعْدُ بنُ الرَّبِيعِ: إنِّي أكْثَرُ الأنْصارِ مالًا، فأقْسِمُ لكَ نِصْفَ مالِي، وانْظُرْ أيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لكَ عَنْها، فإذا حَلَّتْ، تَزَوَّجْتَها، قالَ: فقالَ له عبدُ الرَّحْمَنِ: لا حاجَةَ لي في ذلكَ هلْ مِن سُوقٍ فيه تِجارَةٌ؟ قالَ: سُوقُ قَيْنُقاعٍ، قالَ: فَغَدا إلَيْهِ عبدُ الرَّحْمَنِ، فأتَى بأَقِطٍ وسَمْنٍ، قالَ: ثُمَّ تابَعَ الغُدُوَّ، فَما لَبِثَ أنْ جاءَ عبدُ الرَّحْمَنِ عليه أثَرُ صُفْرَةٍ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: تَزَوَّجْتَ؟، قالَ: نَعَمْ، قالَ: ومَنْ؟، قالَ: امْرَأَةً مِنَ الأنْصارِ، قالَ: كَمْ سُقْتَ؟، قالَ: زِنَةَ نَواةٍ مِن ذَهَبٍ – أوْ نَواةً مِن ذَهَبٍ -، فقالَ له النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أوْلِمْ ولو بشاةٍ”

الشرح الاولي:

يَحكي عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم لمَّا هاجَرَ إلى المدينةِ آخَى بَينَه وبَينَ سَعدِ بنِ الرَّبيعِ، فعَرَضَ عليه سَعدٌ نِصفَ مالِه وأن يَختارَ إحدى زوجاتِه، فيُطلِّقها ويُزوِّجها له، فَرَفَضْتُ وقُلتُ: لا حاجةَ لي في ذلِك ثُمَّ سَألتُ عن السُّوقِ الَّتي في المدينةِ للتِّجارةِ، فدلَّه على سوقِ بني قَيْنُقاع فصارَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ رضي الله عنه يَتردَّد علَيها كُلَّ يَومٍ صباحًا؛ ليُتاجِرَ في السَّمنِ والأَقِطِ، وهو اللَّبنُ المُجَفَّف. وأتى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم وعَلَيه أثَرُ الصَّفرةِ، أي: صُفرةِ الطِّيب الَّذي تَطيَّب به؛ لأنَّه كانَ قد تَزوَّج فسَألَه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: تَزوَّجتَ؟ قال: نَعَم، قال: ومَن؟ قال: امرأة مِن الأنصارِ، وهي بِنتُ أَنَسِ بنِ رافِعٍ مِن بني عَبدِ الْأَشْهَلِ. فسألَه: كَم سُقتَ لها؟ أي: كَم دَفَعتَ لها مِن الصَّداقِ؟ فأجابَه: زِنةَ نَواةٍ مِن ذَهَبٍ وهي وَزن ثَلاثةِ دَراهِمَ وثُلث، فأمَرَه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بالوليمةِ ولو بِشاةٍ، وهي الطَّعامُ الَّذي يُصنَع في العُرسِ. ( الدرر السنية)).

 

أولا: عدم علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الزواج:

من خلال النص ثبت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلم بزواج عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه مع ان عدد سكان المدنية المنورة بلغ عدد سكان المدينة المنورة في آخر فترة قبل الإسلام ما بين 12ـ15 ألف نسمة [21]، وقد بلغ عدد سكانها أيام وفاة النبي حوالي ثلاثين ألف نسمة كما ذكر اهل العلم، بمعنى وفي لغة العصر كانت ” قرية ” عند الهجرة، وحركة الزواج في القرية تعداد سكانها 10 الاف نسمة تكون في الغالب معلومة ويدعى اليها   في الغالب الاعم  وجهاء البلد بالإضافة الى الاقرباء ، ونلاحظ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلم بهذا الزواج. وهذه المعلومة ” فَما لَبِثَ أنْ جاءَ عبدُ الرَّحْمَنِ عليه أثَرُ صُفْرَةٍ” أي: صُفرةِ الطِّيب الَّذي تَطيَّب به يعني رائحة العطر هي التي كشفت معلومة ” الزواج ”

ثانيا: عدم دعوة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم للعرس:

. سنسلط الضوء على منزلة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عند رسول الله الله صلى الله عليه وسلم حتى لحظة زواجه وليس بعدها ولن نتطرق الى ما صنعه عبد الرحمن بن عوف بعد ان أصبح اغنى المسلمين على الاطلاق ولكن سنتوقف عند منزلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى هذا الحوار الذي ذكرناه أعلاه وليس بعده.

– أسلم رضي الله عنه أول الإسلام ، وهو ثامن من أسلم، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى. وشهد غزوة بدرٍ الكبرى، وأُحُد، وبيعة الرضوان.. – هاجر الهجرتين إلى الحبشة الهجرة الأولى ، وإلى المدينة. – آخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري, واختار السوق ورفض مساعدة ولو بردهم واحد وقال انما انا تاجر. والسؤال هو صاحبي جليل بهذه المنزلة اليس من الممكن عقلا ان يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم على علم على الأقل او احد المدعوين الى زواجه وليس معرفة ذلك عن طريق العطر؟

ثالثا: الحوار في تفاصيل الزواج؟

لم نعتد على الحوار الثنائي بهذه التفاصيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنها الازمة الاقتصادية عند المهاجرين  التي فرضت على المدينة المنورة واقع جديد وقد سماهم القران الكريم مع انهم تركوا  مثلا كثيرا في مكة الفقراء ” لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) الحشر ، والنص واضح لا يحتاج الى تفسير اخرجوا من ديارهم واموالهم الى واقع جديد لا يملكون معه المال . اذن هي ازمة اقتصادية نتيجة ظرف استثنائي الا وهو الهجرة وقد عالجها القران الكريم في بداية الامر بالمؤاخاة الاقتصادية التي رفضها الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.

 

رابعا: لم يعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم عدم علمه بزواج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه  او دعوته اليه امرا محرما او مروها او معيبا او مخلا بالأدب ؟

لم نلاحظ من خلال الروايات ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتبر عدم الدعوة الى العرس امرا محرما ومعيبا وكان ذلك مع اكثر من صحابي فقد روى البخاري  عن جابر بن عبدالله- رضي الله عنه-  كُنَّا مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غَزْوَةٍ، فَلَمَّا قَفَلْنَا، كُنَّا قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ، تَعَجَّلْتُ علَى بَعِيرٍ لي قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِن خَلْفِي، فَنَخَسَ بَعِيرِي بعَنَزَةٍ كَانَتْ معهُ، فَسَارَ بَعِيرِي كَأَحْسَنِ ما أنْتَ رَاءٍ مِنَ الإبِلِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أنَا برَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي حَديثُ عَهْدٍ بعُرْسٍ، قَالَ: أتَزَوَّجْتَ؟ قُلتُ: نَعَمْ، قَالَ: أبِكْرًا أمْ ثَيِّبًا؟ قَالَ: قُلتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: فَهَلَّا بكْرًا تُلَاعِبُهَا وتُلَاعِبُكَ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: أمْهِلُوا، حتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا – أيْ عِشَاءً – لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ”

رابعا: سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العريس عبد الرحمن بن عوف رضي الله عن العروس:

ورد في النص ” فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: تَزَوَّجْتَ؟، قالَ: نَعَمْ، قالَ: ومَنْ؟، قالَ: امْرَأَةً مِنَ الأنْصارِ،” لقد اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسؤال عن العروس وكانت الإجابة وفق فهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ليس عن اسمها انما عن العائلة التي تنتمي اليها فأجاب من الاتصال، وهنا لفتة مهمه في الاندماج الاجتماعي بين المهاجرين والانصار ليس على أساس ” المؤاخاة الاقتصادية والاجتماعية ” انما وفق سن العقود في الزواج. اذت نزوج عبد الرحمن بن عوق رضي الله عنه المهاجر في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة من امرأة من الأنصار وليس من المهاجرين.

خامسا: سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العريس عبد الرحمن بن عوف رضي الله عن المهر:

لم يتزوج المهاجرون وفق سنن الزواج انما وهبوا النساء والأرض والمال، لكن عبدالرحمن بن عوف في ظروف صعبة استطاع ان يتزوج بل واستطاع ان يدفع المهر ولو رمزيا استمعوا الى الحوار” قالَ: امْرَأَةً مِنَ الأنْصارِ، قالَ: كَمْ سُقْتَ؟، قالَ: زِنَةَ نَواةٍ مِن ذَهَبٍ – أوْ نَواةً مِن ذَهَبٍ –” هذا ما قدمه عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه في الظروف الاستثنائية كمهر، وهي وَزن ثَلاثةِ دَراهِمَ وثُلث….عودوا الى السيرة لترزوا كم ورثت هذه الزوجة من تركة عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه بعد فواته ، فقد روى اهل السيرة ان الرجال قطعوا الذهب بالفؤوس ليوزعوها بين الورثة وحصلت كل زوجة من الأربع  على 82 الف دينار من ربع الثمن.

سادسا: نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم ” فقالَ له النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أوْلِمْ ولو بشاةٍ”

كانت نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم منسجمة مع الظروف الاستثنائية فنصح على سبيل الاستحباب لا الوجوب ان يصنع العريس وليمة صغيرة ولو ذبح شاة، ذبح شاة وليس 20 خروفا او 5 عجول للتعبير عن فرحة الزواج ولإطعام المدعوين وشكرا حمدا لله عز وجل على نعمة الزواج.

فقه الموازنات وفقه الأوليات عند الشيخ يوسف القرضاوي وحاجتنا الى اعمال هذا الفقه في الزواج زمن كورونا

فقه الموازنات:

يقول الشيخ يوسف القرضاوي – حفظه الله تعالى – الحق اننا بحاجة الى فقه جديد نستحق به ان نكون ممن وصفهم الله تعالى بانهم ((قوم يفقهون)) وليس مرادنا بالفقه العلم المعروف الذي اصطلح علي تسميته فقها والذي يعني : معرفة الاحكام الشرعية الجزئية من ادلتها التفصيلية”

ويقول:” أنواع الفقه الذي ننشده فقه الموازنات وفقه الأوليات وفقه الشرع وفقه الواقع:

اما فقه الموازنات فنعني به جملة أمور:

  1. الموازنة بين المصالح بعضها وبعض، من حيث حجمها وسعتها، ومن حيث عمقها وتأثيرها، ومن حيث بقاؤها ودوامها… وايهما ينبغي أن يقدم ويعتبر، وايهما ينبغي ان يسقط ويلغى.
  2. الموازنة بين المفاسد بعضها وبعض/ من تلك الحيثيات التي ذكرناها في شان المصالح وايها يجب تقديمه وايها يجب تأخيره او اسقاطه.
  3. الموازنة بين المصالح والمفاسد إذا تعارضتا بحيث نعرف متى نقدم درء المفسدة على جلب المصلحة وحتى تغتفر المفسدة من اجل المصلحة.

الأدلة الشرعية على هذا الفقه:

قوله تعالى:” قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) سورة طه. النجد هنا الموازنة بين المصالح.

قوله تعالى أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) سورة الكهف. نجد هنا موازنة بين المفاسد.

يقول القرضاوي:” إذا غاب عنا فقه الموازنات سددنا على أنفسنا كثيرا من أبواب السعه والرحمة واتخذنا فلسفلة الرفض أساسا لكل تعامل، والانغلاق على الذات تكأة للفرار من المشكلات، سيكون اسهل علينا ان نقول:” لا ” او ” حرام” في كل امر يحتاج الى اعمال فكر او اجتهاد”

ويقول: في ضوء فقه الموازنات فسنجد هنالك سبيلا بين وضع ووضع والمفاضلة بين حال وحال والموازنة بين المكاسب والخسائر، على المدى القصير وعلى المدى الطويل وعلى المستوى الفردي وعلى المستوى الجامعي ونختار بعد ذلك ما نراه أدني لجلب المصلحة ودرء المفسدة”

فقه الأوليات

يقول الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله تعالى:” واما (فقه الأوليات) فنعني به وضع كل شيء في مرتبته، فلا يؤخر ما حقه التقديم، او يقدم ما حقه التأخير، ولا يصغر الامر الكبير، زلا يكبر الامر الصغير، هذا ما تقضي به قوانين الكون وتامر به احكام الشرع.

من المقرر ان المصالح المقررة شرعا متفاوتة فيما بينها، فالمصالح الضرورية مقدمة على الحاجية والتحسينية، والمصالح الحاجية مقدمة على التحسينية من هنا نجد ان فقه الموازنات يلتقي مع فقه الأوليات.

تحقيق ابن القيم في أي العبادات أفضل: هل الأفضل الاشق، ام الأفضل المتعدية النفع؟ ثم رجح لا يوجد أفضل بأطلاق وانما لكل وقت عبادة تكون هي الأفضل بالنسبة له، فعند المجاعات يكون اطعام الطعام أفضل ما يتقرب به الى الله تعالى

توصيات البحث

الاعراس واعمال فقه الموازنات والاوليات وتوصيات

  1. ثبت على وجه اليقين مما لا يدع مجالا للشك ان العرس بالعرف الذي تعارفنا عليه بات يشكل مصدرا للعدوى وانتشارها وان الاعراس وهيئاتها ووضعياتها واعرافها تصدم مع إجراءات الوقاية من فيروس كورونا وبسبب ذلك تتأثر المدارس والجامعات والمصالح التجارية سلبا وعليه فان اعمال فقه الموازنات والاوليات يقتضي منا تغيير نمط الاعراس في ظل جائحة كورونا.
  2. بعد هذه الدراسة الفقهية يرى القارئ ان فوائد عقد الزواج واهميته واركانه وشروطه لا تتعلق بما يسمى ” سهرة العرس” بل الزواج صحيح بدونها. وان تعطيل الزواج كما تبين بسبب ” سهرة العرس” لا يجوز شرعا وفيه تضييع مصالح ضرورية وحاجيه للإنسان على حساب سهرة او حفلة لا تزن شيئا مقارنة مع منافع الزواج الأخرى.
  3. ان نموذج زواج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كحالة اجتماعية في ظل الازمات والظروف الاستثنائية فاني أرى ان نقلب وباء كورونا فرصة بدل ان ننظر عانه مشكلة وكما جاء في المقدمة من كلام.
  4. ان المدارس والمصالح التجارية مقدمة على الزواج في ظل هذه المرحلة، وان اغلاق المدارس واغلاق المصالح التجارية بسبب الزواج المتعارف عليه فيه ضرر كبير وفي فقه الأوليات وفقه الموازنات يمكن ان نستغني عن بعض الأعراف في الزواج وفي نفس الوقت تتفتح المدارس والمصالح التجارية، وانه قد تعين ان بقاء الاعراس على الحالة التي عليه سبب أساس في تحويل أي قرية او مدينة من خضراء الى حمراء ومن المعلوم ان المدينة الحمراء تغلق فيها المصالح التجارية والمدارس.
  5. اختم بما بدأت به هذه ورقة بحثية من زاوية أخرى لتقلب المشكلة والازمة الى فرصة حقيقية للإكثار من الزواج وذلك على نمط زواج الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
  6. ” ان زواج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه هو النموذج الذي نقدمه للناس للزواج في ظل فيروس كورونا المستجد زواج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه هو النموذج الذي نقدمه للناس للزواج وهذه فرصة حقيقية للإكثار من الزواج وفق زواج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، والواجب ان نستغل هذا الظرف لإعادة ترتيب الاجتماعية في ” الزواج”، تعالوا لنقلب المشكلة في الزواج الى فرصة حقيقية للإكثار منه ولكن وفق زواج ” عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنها”
  7. ان الواجب علينا نستغل هذا الظرف لإعادة ترتيب الاجتماعية في  ” الزواج”  ، وان التعقيدات والصعوبات والعقبات التي وضعها الناس أمام مشروع الزواج، حتى أضحى الشاب أو الشابة يحسبون الحساب حينما يفكرون في الزواج وتكاليفه المادية، فما من بلد إسلامي ألا وله عادات وتقاليد في الزواج وبعض هذه العادات جاءت على حساب الشباب والشابات وكان لها الأثر البالغ عليهم، حتى أصبحت هذه العادات والتعقيدات والعقبات حملا ثقيلا على كاهل من رغب في الزواج، السبب الذي اقعد الكثير منهم عن الزواج، وعزفت النفوس عنه وهي راغبة فيه، لأنها لا تستطيع حمل هذه الأثقال وتجاوز تلك العقبات، هذا كله زاد من العنوسة بنسبة عالية جدا بين صفوف النساء، وفَوّت قطار الزواج على كثير من الناس، فوت قطار الزواج على الرجال الراغبون فيه في سن الشباب، حيث لم يكن بمقدورهم شراء تذكرة للسفر في هذا القطار، ففات القطار وهم راغبون في ركوبه، فغلاء المهور وتوفير المسكن ذي المواصفات الحديثة، وقلة العمل وارتفاع نسبة البطالة، وتكاليف الحياة الباهظة، وتكاليف الدراسة العالية، وما ابتدع الناس من ممهدات ومقدمات وبدايات ونهايات في الزواج ، كل ذلك سبّب في ارتخاء العزائم وضعف الهمم نحو الزواج، تعالوا لنقلب المشكلة الى فرصة بشرط ان نحذو حذو ” عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه “
  8. ان رفع وعي المجتمع في الاعراس زمن كورونا فريضة شرعية على الائمة والفقهاء والدعاة من خلال المحاضرات والدروس وخطب الجمعة وشبكات التواصل الاجتماعي “

والحمد لله رب العالمين

كتبه مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية 10/10/2020 ميلادي

 

هذه الدراسة مقدمة فقط لفلسطيني 1948.

[1] سورة البقرة  الآية 35

[2]  سورة البقرة : الآية 187

[3] كامل محمد عويضة (إعداد) ، سلسلة علم النفس ، علم نفس الشخصية ، ص 49 دار الكتب العلمية بيروت ، ط 1 1996م.

[4] المرجع السابق ص49

[5]  الغزالي : أبو حامد محمد بن محمد الغزالي ، إحياء علوم الدين ، دار الصابوني ، 2/23 .

[6] نفس المرجع 2/27

[7] أبو زهرة ، الأحوال الشخصية ، دار الفكر العربي ، القاهرة ط2 ص19

[8] حاجي خليفة، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، دار الكتب العلمية،بيروت، 1992م 2/81

 [9] مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي بيروت، 2/1021 ت.فؤاد عبدالباقي.

[10] صحيح مسلم 2/118

[11]  الغزالي، إحياء علوم الدين، 2/23

[12] أبو زهرة، الأحوال الشخصية، 21

[13] ابن نجيم، زين الدين بن اتبراهيم ، البحر الرائق شرح كنز الدقائق ، دار الكتب العلمية بيروت ط1 3/136

[14] د. علي محمد السرطاوي، مبدأ المشروعية في الشريعة الإسلامية، رسالة دكتوارة، الجامعة الأردنية عمان 1997 ص81 .

1 الدسوقي، شمس الدين الشيخ محمد عرفه، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار الفكر العربي،ط1 1998 2/340.

[16] ابن رشد، محمد بن احمد القرطبي الأندلسي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد،دار الكتب الإسلامية، ط2 1983 2/17.

[17] البهوتي،منصور بن يونس بن إدريس، الروض المربع شرح زاد المستنقع، مكتبة الرياض الحديثة 1390هـ3/60.

[18] الرملي، شمس الدين محمد بن أبي العباس ابن شهاب الدين، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الكتب العلمية،1993 2/176.

[19] النسفي، أبو البركات عبدالله احمد بن محمود، كنز الدقائق، دار الكتب العلمية 1997 3/136 ، ومعه البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم.

[20] الأنصاري، زكريا بن محمد بن احمد، فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب، دار الكتب العلمية بيروت، 1418هـ ط1 2/53.

[21] أبو زهرة، الأحوال الشخصية 19

  [22]السرخسي، محمد بن أبي سهل السرخسي أبو بكر، المبسوط، دار المعرفة، بيروت 1406هـ 4/194

[23] الكاساني، علاء الدين الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتاب العربي بيروت 1982 2/331 بتصرف بسيط.

[24] ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم بن محمد، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار الكتب العلمية بيروت 1997 3/138

[25] ابن أمير الحاج، محمد بن محمد بن حسن، التقرير والتحبير في علم الأصول، دار الفكر بيروت 1996 ط1 3/166 . وانظر السرخسي، أحمد بن أبي سهل، أصول السرخسي، دار الكتب العلمية بيروت 1993، 1/303 وانظر النفراوي، احمد بن غنيم بن سالم المالكي، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، دار الكتب العلمية بيروت 1418هـ، ط1،2/53.

[26] أبو عبدالله المقدسي، محمد بن مفلح المقدسي، الفروع، دار الكتب العلمية بيروت ط1، 5/123.

[27] أبو النجا المقدسي، موسى بن احمد بن سالم المقدسي، زاد المستنقع، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة،1/166.

[28] البهوتي، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، دار الفكر بيروت 5/37.

[29] الشربيني، محمد الشربيني الخطيب، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، دار الفكر بيروت،2/408. وانظر للشربيني أيضا مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار الفكر 3/139.

[30] النووي، محي الدين يحي بن شرف أبي زكريا، روضة الطالبين وعمدة المفتين، دار الفكر بيروت1995 ، 6/29 بتصرف.

[31] الأنصاري، فتح الوهاب،2/58

[32] السرخسي، أحمد بن أبي سهل، أصول السرخسي، دار الكتب العلمية بيروت 1993،2/302

[33] أبو زهرة، الأحوال الشخصية،52

[34] أنور العمروسي، موسوعة الأحوال الشخصية، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية 2/100 بتصرف

[35] أبو زهرة، الأحوال الشخصية،52

[36] أبو زهرة، الأحوال الشخصية،52

[37] أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص61 وما بعدها بتصرف

[38] الجويني، عبدالملك بن عبدالله بن يوسف، الورقات، 1/8 تحقيق عبداللطيف محمد العبد

[39] د. محمود علي السرطاوي، شرح قانون الأحوال الشخصية، دار الفكر للنشر والتوزيع عمان 1997، 1/148

[40] نفس المرجع 2/149

[41] ابن تيمية، الفتاوى، 33/158

[42] الشافعي، الأم، 5/22

[43] الشيباني: أبو عبدالله محمد بن الحسن، الحجة، دار النشر عالم الكتاب، بيروت، الطبعة الثالثة، 3/222.

[44] مالك بن انس، الموطأ، دار إحياء التراث العربي، مصر، 2/535 تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي.

[45] مالك بن انس، المدونة الكبرى، بيروت 4/194

[46] ابن قدامه، المغني في فقه الإمام احمد بن حنبل الشيباني7/63

تصميم وبرمجة cartnet.net 2017